حُقُـوقٌ ووَاجِبَـاتٌ شَرَعَهَا اللهُ لِلْعِبَاد




حُقُـوقٌ ووَاجِبَـاتٌ شَرَعَهَا اللهُ لِلْعِبَاد

عبد المنعم مصطفى حليمة


جميع الحقوق محفوظةٌ للمؤلف
الطبعة الثانية

1429 هـ / 2008 م
طبعة مُنقَّحَة ومَزِيدَة


إهــداء

 

إلى المرأةِ التي بَكَت على ولَدِهَا وفِراقِه ـ منذ ثلاثةِ عُقودٍ ـ حتى جَفَّ دَمْعُها، وانحنى ظَهرُها، ورَقَّ عَظمُها ... وهي لا تزالُ تعيش أمَلَ أن تسمعَ له صوتاً، أو ترى له صورة!

إلى المرأةِ التي كانت دمُوعُها هي المِدادُ التي به تُعلِّم أبناءَها .. وتروي غَرْسَها، إلى أن شَبَّ الغَرسُ وأينَعَ الثَّمَر!

إنها أُمِّي .... غَفَرَ اللهُ لها، وأحسَنَ خِتامَها .. وجزاها اللهُ خير ما تُجزَى أُمٌّ عن ولَدِها.

 

فلذة كبدها، وثمرةُ دَمعِها

عبد المنعم ...

 

 

 

 

 


ـ مقدمة:

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. 

)يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ(آل عمران:102.

)يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً( النساء:1.

        )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً(الأحزاب:70-71.  

        أما بعد:

فإن أصدَقَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ r ، وشرَّ الأمورِ محدثاتها، وكلَّ محدثَةٍ بدعة، وكُلَّ بدعةٍ ضلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النار.

فإن المتأمل لواقع كثير من الناس ـ في هذا الزمان ـ يجد أنهم قد شُغِلوا بالدنيا ومتاعها عن الآخرة، وفرَّطوا في كثير من الحقوق والواجبات الشرعية التي شَرَعها وفرضها الله تعالى على عباده؛ فوقع البغي والظلم والتفريط على أوسع نطاف .. وعلى جميع المستويات .. فرأيت من واجب النصح الذي يجب أن يكون بين المسلمين، أن أخط هذه الكلمات من باب التذكير بهذه الحقوق والواجبات، وما يجب على المرء نحوها، وعلى وجه الإجمال لا التفصيل مقتصراً على الصحيح في كل ما أثبته من أحاديث وآثار، ليكون حجة على قارئه.

أردت من هذا الكتاب أن يكون كتاب كل مسلم ومسلمة .. شاملاً لجميع الحقوق والواجبات .. لا غنى للمسلم عنه؛ سواء كان والداً أم ولداً، أو كان زوجاً أم زوجة، أو كان عالماً أم متعلماً، أو كان خطيباً أم محاضراً .. أو كان خادماً أم سيداً .. أو كان حاكماً أم محكوماً .. فكل منهم يجد في هذا الكتاب ما يعنيه ويخصه ويهمه .. وما يُعينه على حلِّ كثير من مشاكله .. فهو ـ بحقٍّ ـ كتاب كل مسلم أين كان موقعه .. وكانت صفته .. أو كانت مهنته .. لا غنى للبيت المسلم عنه.

ـ ويتلخص عملنا هذا في بيان الحقوق التالية:

1- حقُّ الله تعالى على العباد. 

2- حقُّ النبي محمدٍ r على الناس.

3- حقُّ الصحابةِ رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

4- حقُّ الوالدين على الولد.

5- حقُّ الأبناءِ على آبائهم.

6- حقُّ الزوج على زوجته.

7- حقُّ الزوجة على زوجها.

8- حقُّ المسلم على أخيه المسلم.

9- حَقُّ المجاهدِ في سبيلِ الله.

10- حقُّ الجارِ على جاره.

11- حقُّ الحاكم المسلم على رعيته.

12- حقُّ الرعيَّةِ على الحاكم.

13- حقُّ العالِمِ، وما يجب عليه.

14- حقُّ الضيفِ على مُضيفه.

15- حقُّ النَّفسِ على النفسِ.

16- حقُّ المالِ على صاحِبه.

17- حقُّ الطريق.

18- حقُّ الخادم أو العبد على مستخدمه أو مولاه.

19- حقُّ اليَتِيمِ على كافِلِه.

20- حقُّ الذميِّ المعاهد على المسلمين.

21- حقوق الحيوانات.             

22- حَقُّ الجِنِّ.

إضافة إلى ذلك فقد قمتُ بشرح الكلمات الغريبة الواردة في الأحاديث، ليسهل فهمها على القارئ أيَّاً كان مستواه .. مع الإشارة إلى بعض الفوائد الفقهية المستنبطة من تلك الأحاديث، من غير توسع، وبما يناسب المقام، وتقتضيه الحاجة .. وقد أسميتُ هذا الكتاب "حقوقٌ وواجباتٌ شَرَعَها اللهُ للعِبَاد"، راجياً من الله تعالى السداد والتوفيق، والقبولَ في الأرضِ وفي السماء، وأن يجعل من عملي هذا مفتاحَ خيرٍ، مغلاقَ شَرٍّ .. إنه تعالى سميعٌ قريب، مجيب.

 

وصلى اللهُ على محمدٍ النبيِّ الأُمِّي، وعلى آلِه وصحبِه وسلَّم.

 

عبد المنعم مصطفى حليمة

" أبو بصير الطرطوسي "

 

17/8/1412 هـ. 21/2/1992 م.

 

 

 

 

        ـ حقُّ الله تعالى على عبادِه أن يَعبدوه ولا يُشرِكوا به شيئاً، وهو الغاية التي لأجلها خلقَ اللهُ الخلقَ، وأرسلَ الرسلَ، وأنزلَ الكتبَ.

        قال تعالى: )وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً(النساء:36.

        وقال تعالى: )وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ[[2]](الذاريات:56.

        وقال تعالى: ) وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ([[3]]التوبة:31.

        وقال تعالى: ) وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ(البينة:5.

        وقال تعالى: ) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ([[4]]النور:55.

        وقال تعالى: ) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ(الأنبياء:25.

وقال تعالى: ) يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ(العنكبوت:56.

وقال تعالى: ) وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ(النحل:36.

وفي الحديث، عن معاذ بن جبل، قال: قال النبي r : "يا معاذ أتدري ما حقُّ الله على العباد؟" قال: الله ورسوله أعلم. قال: "أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، أتدري ما حقهم عليه؟" قال: الله ورسولُه أعلم. قال: "أن لا يعذبهم"[[5]]متفق عليه.

وعن جابر، قال: قال رسولُ الله r: "ثنتان موجبتان[[6]]" قال رجل: يا رسول الله ما الموجبتان؟ قال: "من مات لا يُشرك بالله شيئاً دخل الجنة، ومن مات يُشرك بالله شيئاً دخل النار" مسلم.

وعن عبد الله بن مسعود، قال: قال رجل: يا رسول الله! أ ي الذنب أكبر عند الله؟ قال: "أن تدعو مع الله نداً[[7]]وهو خلقَك" قال: ثم أي؟ قال: "أن تقتلَ ولدَك خشيةَ أن يَطعمَ معك" قال: ثم أي؟ قال: "أن تُزاني حَلِيلَةَ [[8]]جارِك" متفق عليه.

وعن أبي هريرة، قال: أتى أعرابي النبيَّ r، فقال: دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة. قال: "تعبدُ اللهَ ولا تُشرك به شيئاً، وتقيمُ الصلاةَ المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصومُ رمضانَ"، قال: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا شيئاً ولا أنقص منه. فلما ولى، قال النبي r: "من سرَّه أن ينظرَ إلى رجلٍ من أهلِ الجنَّةِ، فلينظر إلى هذا" متفق عليه.

وعن أنس، أن النبي r، ومعاذ رديفه على الرحل، قال: "يا معاذ" قال: لبيك يا رسولَ الله و سعديك، قال: "يا معاذ" قال: لبيك يا رسول الله وسعديك ـ ثلاثاً ـ قال: "ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، صِدقاً من قلبه[[9]]، إلا حرمه الله على النار". قال: يا رسول الله! أفلا أخبر الناس فيستبشروا؟ قال: "إذاً يتَّكلوا[[10]]". فأخبرهم بها معاذ عند موته تأثماً[[11]].

وعن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله r: "من شهد أن لا إله إلا لله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبدُه ورسولُه، وأن عيسى عبدُ الله ورسولُه، وابنُ أَمَتِه وكلمته ألقاها إلى مريم، وروحٌ منه، والجنة والنار حق، أدخله اللهُ الجنةَ على ما كان من العمل[[12]]".

وعن معاذ، قال:قلت يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة، ويباعدني من النار. قال: "لقد سألت عن أمر عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله تعالى عليه: تعبدُ الله ولا تُشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت". ثم قال: "ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصومُ جُنَّةٌ، والصدقةُ تُطفئ الخطيئة كما يُطفئ الماء النار[[13]]، وصلاة الرجل في جوف الليل". ثم قال: "ألا أدلك برأس الأمر وعموده، وذروة سنامه؟" قلت بلى يا رسول الله، قال: "رأسُ الأمر الإسلام، وعمودُه الصلاة[[14]]، وذروةُ سَنامه الجهاد". ثم قال: "ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟" قلت: بلى يا نبيَّ الله! فأخذ بلسانه فقال: "كُفَّ عليك هذا[[15]]". فقلت يا نبي الله! و إنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: "ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يُكِبُّ الناسَ في النارِ على وجوههم، أو على مناخرهم، إلاحصائدُ ألسنتهم[[16]]".

وعن أبي الدرداء قال: أوصاني خليلي[[17]]: "أن لا تُشرِك بالله شيئاً وإن قُطِّعتَ                                                أو حُرِّقت[[18]]، ولا تترك صلاة مكتوبة متعمداً، فمن تركها متعمداً فقد برئت منه الذمة، ولا تشرب الخمر؛ فإنها مفتاحُ كلِّ شرٍّ"[[19]].

وعن أنسٍ، عن النبي r قال: "ثلاثٌ من كُنَّ فيه وجَد حلاوةَ الإيمان: أن يكونَ اللهُ ورسولُه أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يُحبَّ المرءَ لا يُحبه إلا لله، وأن يَكره أن يعودَ في الكفرِ بعد أن أنقذه الله منه كما يَكرهُ أن يُقذَفَ في النار" متفق عليه.

وعن ابن عباس، عن النبي r قال: "أوثقُ عُرى الإيمان: الموالاةُ في الله، والمعاداةُ في الله، والحبُّ في الله، والبُغضُ في الله"[[20]]. 

ـ كلُّ ذنبٍ يُذنبه العبد، يُترك لمشيئة الله تعالى؛ إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه، عدا الإشراك بالله فإن الله لا يغفره[[21]].

قال تعالى: ) إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ( النساء:48.

وفي الحديث، عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله r، وحوله عصابة من أصحابه: "بايعوني على أن لا تُشركوا بالله شيئاً، ولا تَسرقوا، ولا تَزْنوا، ولا تقتلوا أولادَكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا[[22]] في معروفٍ. فمن وفىَّ منكم فأجره على الله، ومن أصابَ من ذلك شيئاً فعُوقِب به في الدنيا، فهو كفَّارة له، ومن أصاب من ذلك شيئاً ثم ستره الله عليه في الدنيا، فهو إلى الله إن شاءَ عفا عنه وإن شاء عاقبَهُ"، فبايعناه على ذلك. متفق عليه.

وعن ابن عباس، قال: قال رسولُ الله r: "قال الله تعالى: من عَلِمَ أني ذُو قدرةٍ على مغفرة الذنوب غفرتُ له ولا أبالي، ما لم يُشرك بي شيئاً"[[23]].

وعن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله r: "قال الله تعالى: يا ابن آدم! مهما عبدتني ورجوتني ولم تُشرك بي شيئاً غفرتُ لك على ما كان منك [[24]]، وإن استقبلتني بملء  السماءِ والأرض خطايا وذنوباً استقبلتك بملئهنَّ من المغفرة، وأغفر لك ولا أبالي"[[25]].

ـ يُستثنى من ذلك ظلمُ العباد بعضهم بعضاً؛ فإنه لا بد من القصاص وأخذ الحق للمظلوم من الظالم.

عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله r: "من كانت له مظلمةٌ لأخيه من عِرضه أو شيءٌ فليتحلَّلْه منه اليوم قبل أن لا يكون دينارٌ ولا درهمٌ، إن كان له عملٌ صالِحٌ أُخِذَ منه بقدر مظلمَته، وإن لم يكن له حسناتٌ أُخِذَ من سيئات صاحبه فحُمِلَ عليه" البخاري.

وعنه، قال: قال رسولُ الله r: "لتؤدُّنَّ الحقوقَ إلى أهلها يوم القيامة، حتى يُقادُ للشاةِ الجلحاء[[26]] من الشاة القَرناء" مسلم.

وعنه، أن رسول الله r قال: "أتدرونَ ما المفلِسُ؟" قالوا: المفلِسُ فينا من لا دِرهمَ له ولا متاعَ. فقال: "إن المُفلسَ من أمتي، مَن يأتي يومَ القيامةِ بصلاةٍ وصيام وزكاة، ويأتي قد شَتمَ هذا، وقَذَفَ هذا، وأكلَ مالَ هذا، وسفَكَ دمَ هذا، وضَربَ هذا، فيعُطَى هذا من حسناتِه وهذا من حسناته، فإن فَنيَت حسناتُه، قبل أن يُقضى ما عليه، أُخِذ من خطاياهُم فطُرِحَت عليه، ثم طُرِحَ في النار" مسلم.  

ـ الشِّركُ يُحبطُ العملَ ويَمنع صاحِبَه من الانتفاعِ من عمَلِه يومَ القيامة.

قال تعالى: ) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ(الزمر:65.

وقال تعالى: )وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(الأنعام:88.  

وقال تعالى: ) وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ(المائدة:5.

وقال تعالى: ) وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً(الفرقان:23.

وفي الحديث، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قلت يا رسول الله ابن جَدْعَان كان في الجاهلية يَصلُ الرحمَ، ويُطعِمُ المسكين، فهل ذلك نافِعُهُ؟ قال: "لا ينفعه؛ إنه لم يقل يوماً: ربِّ اغفر لي خطيئتي يومَ الدين" مسلم.

وعن أنس بنِ مالكٍ قال: قال رسولُ الله r: "إنَّ اللهَ لا يَظلِمُ مؤمناً حَسَنةً؛ يُعطِي بها في الدُّنيا، ويَجزِي بها في الآخِرَةِ، وأمَّا الكافِرُ فيُطْعَمُ بحسناتِ ما عَمِلَ بها للهِ في الدُّنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخِرةِ لم تَكُنْ لهُ حسنَةٌ يُجْزَى بها" مسلم.

وعن أبي هريرة، عن النبيِّ r قال: "لا يَجتَمِعُ الإيمانُ والكُفرُ في قلبِ امرئٍ"[[27]].

 ـ شفاعةُ النبيِّ r يوم القيامة لأهل التوحيد فقط؛ ممن ماتَ ولم يُشرِك باللهِ شيئاً[[28]].

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله r: "لكلِّ نبي دعوةٌ مُستجابةٌ، فتعجَّلَ كلُّ نبيٍّ دعوتَه، وإني اختبأتُ دعوتي شفاعةً لأمتي يومَ القيامة، فهي نائلةٌ إن شاء الله من ماتَ من أمتي لا يُشرك بالله شيئاً" مسلم.

وعن ابن عباس قال: قال رسولُ الله r: "أُعطيتُ الشَّفاعة؛ وهي نائلةٌ من لا يُشرك بالله شيئاً"[[29]].

وعن أبي هريرة، عن النبي r قال: "أسعدُ الناسِ بشفاعتي يومَ القيامةِ؛ من قال لا إله إلا الله، خالِصاً من قلبه" البخاري.

ـ حُجَّة الميثاق والآيات الكونية الدَّالة على التوحيد.

قال تعالى: )وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ(الأعراف:172-173.  

وفي الحديث، عن أنس، قال: قال رسول الله r: "يقولُ الله لأهونِ أهل النارِ عذاباً يوم القيامة[[30]]: يا ابنَ آدم كيف وجدت مَضجعَك؟ فيقول شَرَّ مضجعٍ، فيُقال له: لو كانت لك الدنيا وما فيها أكنت مفتدياً بها؟ فيقول نعم، فيقول: كذبت وقد أردتُ منك أهونَ من هذا وأنت في صِلب آدم أن لا تُشرِك بي شيئاً ولا أُدخلك النار، فأبيت إلا الشركَ، فيُؤمر به إلى النار" متفق عليه.

وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله r: "يُؤتى بالعبد يوم القيامة، فيُقَال له: ألم نجعلْ لك سمعاً، وبصَراً، ومالاً، وولداً، وسخَّرتُ لك الأنعامَ والحرثَ، وتركتُكَ ترأسُ وتَرْبَعُ[[31]] فكنت تظنُّ أنَّك مُلاقي يومَكَ هذا؟ فيقول: لا، فيقولُ له: اليومَ أنساكَ كما نسيتني" مسلم.

ـ القتالُ على التوحيدِ، وأطر العباد من عبادة العباد إلى عبادة ربِّ العباد، ومن الإيمان بالطاغوت[[32]]إلى الإيمان بالله تعالى وحده.

قال تعالى: )وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(الأنفال:39.  

وقال تعالى: )قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ(التوبة:29.

وقال تعالى: ) فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(البقرة:256.

وفي الحديث، عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسولَ الله r قال: "أُمِرتُ أن أقاتلَ الناسَ حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسولُ الله، ويُقيموا الصلاةَ، ويُؤتوا الزكاةَ، فإذا فعلوا ذلك عَصَمُوا مني دماءَهُم وأموالَهم إلا بحقِّ الإسلام، وحسابُهم على الله" متفق عليه.

وعن أبي هريرة، عن رسول الله r قال: "أُمرتُ أن أقاتلَ الناسَ حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بِي وبما جِئتُ به، فإذا فعلوا ذلك عَصَمُوا مني دماءَهم وأموالَهُم إلا بحقها، وحسابُهم على الله" مسلم.

وعن ابن عباس قال: قال رسول الله r لمعاذ بن جبل حين بعثَهُ إلى اليمن: "إنك ستأتي قوماً من أهلِ الكتاب؛ فإذا جئتهُم فادعهُم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسولُ الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهُم أنَّ الله قد فرضَ عليهم خمسَ صلواتٍ في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرضَ عليهم صدقةً، تُؤخَذُ من أغنيائهم، فتُرَدُّ على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فإيَّاك وكرائمَ أموالهم، واتقِ دعوةَ المظلوم، فإنه ليس بينَهُ وبين الله حجاب"[[33]]البخاري. 

عن أبي مالك الأشجعي، عن أبيه، عن النبي r قال: "من وحَّدَ اللهَ تعالى، وكفرَ بما يُعبَدُ من دونه، حُرِّمَ مالُه ودمُه، وحسابُه على الله U" مسلم. 

وفي رواية: "من قال لا إله إلا الله، و كفَر بما يُعبَدُ من دون الله، حَرُمَ مالُه ودمُه، وحسابُه على الله"[[34]]مسلم.

ـ من شُروطِ صِحَّةِ العبادةِ وقبولها أن تكون خالصةً لوجهِ الله تعالى؛ فإن شابها الرياءُ بطُلَت ورُدَّت. 

قال تعالى: ) فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً[[35]] وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً[[36]](الكهف:110.

وقال تعالى: )إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً(الكهف:7.

قوله تعالى: ) أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً(؛ أي أيهم أصوب وأخلص عملاً.

وقال تعالى: ) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً(الملك:2. أي أيُّكم أصوبُ وأخلَصُ عملاً.   

وفي الحديث، عن أبي أمامة الباهلي، قال: جاء رجلُ إلى النبي r فقال: أرأيتَ رجلاً غزا يَلتمِسُ الأجرَ والذِّكرَ [[37]] ما لَه؟ فقال رسول الله r: "لا شيءَ له"، ثم قال: "إن الله لا يقبلُ من العملِ إلا ما كان له خالصاً وابتُغِيَ به وجهه"[[38]].

وعن أبي هريرة، قال:قال رسول الله r: "إن أوَّلَ الناسِ يُقضَى عليه يوم القيامة رجلُ استُشهد؛ فأُتي به فعرَّفَهُ نعمتَه فعرَفَها، فقال: ما عملتَ فيها؟ قال: قاتلتُ فيك حتى استشهدتُ. قال: كذبتَ؛ ولكنك قاتلتَ لأن يُقال: جريء، فقد قِيل، ثم أُمِرَ به فسُحِبَ على وجهه حتى أُلقِي في النار. ورجلٌ تعلَّم العلمَ وعلَّمَه، وقرأ القرآنَ، فأُتي به فعرَّفه نِعمَه فعرفَها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: تعلمتُ العِلمَ وعلَّمتُه، وقرأتُ فيك القرآن. قال: كذبتَ، ولكنك تعلمتَ العلمَ ليُقال إنك عالم، وقرأتَ القرآن ليُقال هو قارئ، فقد قِيل، ثم أُمِرَ به فَسُحِبَ على وجههِ حتى أُلقِي في النار. ورجلٌ وسَّعَ اللهُ عليه وأعطاه من أصناف المالِ كُلِّهِ، فأُتي به فعرَّفه نعمَه فعرَفَها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: ما تركتُ من سبيلٍ تحبُّ أن يُنفقَ فيها إلا أنفقتُ فيها لك. قال: كذَبتَ، ولكنك فعلتَ ليُقال: هو جواد؛ فقد قِيل، ثم أُمر به فسُحِب على وجهه ثم أُلقي في النار" مسلم.

وعن محمود بن لبيد، أن رسول الله r قال: "إن أخوفَ ما أخافُ عليكم الشركَ الأصغر". قالوا: وما الشركُ الأصغرُ يا رسولَ الله r؟ قال: "الرياء؛ يقول الله U إذا جزى الناسَ بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تُراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء"[[39]].

وعن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله r قال: "قال الله U: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عملَ لي عملاً أشرك فيه غيري فأنا منه بريء، وهو للذي أشركَ"[[40]].

وعن أبي سعيد بن أبي فضالة، قال: سمعتُ رسولَ الله r يقول: "إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم القيامة؛ ليوم لا ريب فيه، نادى مُنادٍ: من كان أشركَ في عمله لله أحداً، فليطلُب ثوابَه من عنده، فإن اللهَ أغنى الشركاءِ عن الشرك"[[41]].

وعن الضحَّاك بن قيس قال: قال رسول الله r: "إنَّ الله يقول: أنا خيرُ شريكٍ؛ فمن أشرك بي أحداً فهو لشريكي. يا أيها الناس! أخلصوا الأعمالَ لله؛ فإن الله U لا يقبلُ من العملِ إلا ما خَلُصَ له، ولا تقولوا: هذا لله وللرحم، وليس لله منه شيء، ولا تقولوا: هذا لله ولوجوهكم، فإنه لوجوهكم، وليس لله منه شيء"[[42]].

وعن أبي موسى الأشعري قال: خطبنا رسولُ الله r ذات يوم فقال: "أيها الناسُ! اتقوا هذا الشرك، فإنه أخفى من دبيبِ النَّملِ". فقال له من شاء الله أن يقول: وكيف نتَّقيه وهو أخفى من دبيبِ النمل يا رسولَ الله! قال: "قولوا: اللهم إنَّا نعوذُ بك من أن نُشركَ بك شيئاً نعلمُه، ونستغفركَ لما لا نعلمه"[[43]].

فليحذر كلُّ امرئٍ لنفسه ودينه، وليراقِب نيَّتَه، ليُصلِح عَقدَها، فمناطُ الأمر كله على النيات؛ إذا صلحت صلح العمل، وإذا فسدت فسد العمل، كما في الحديث، عن عمر ابن الخطّاب t قال: سمعتُ رسولَ الله r يقول: "إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ، وإنَّما لِكُلِّ امرئٍ ما نَوَى، فمَن كانت هِجْرَتُهُ إلى اللهِ ورسولِه فهِجْرَتُهُ إلى اللهِ ورسوُلِه، ومن كانت هِجرَتُهُ لِدُنيا يُصِيبُها، أو امرأةٍ يتَزَوَّجُها، فهِجْرَتُه إلى ما هاجَرَ إليه" متفق عليه. 

نسألُ الله تعالى الإخلاصَ في القولِ والعَمل، وأن لا يكِلنا إلى أنفسنا طرفة عين، وأن يجنبنا الشِّرك ما كبر منه وما صغر، وما ظهر منه وما بطن، وأن يجعلنا من عباده الموحدين المخلصين .. وصلى اللهُ على محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم.

 

 

* * * * *

 

 


 

ـ من حقِّ النبي محمد r على الناس أن يؤمنوا به ويصدقوه فيما أخبَرَ عن ربِّه، وأن يطيعوه ولا يعصوا له أمراً، وأن يحتكموا إليه [[44]] ، وأن لا يقدموا بين يديه بقولٍ، أو فهم أو فعل ينمُّ عن الاعتراض أو المخالفة لحكمه وأمره وسنَّته.

قال تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً( النساء:59[[45]].

وقال تعالى: )فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ [[46]] أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(النور:63.

وقال تعالى: )فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً[[47]](النساء:65.

وقال تعالى: ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ( [[48]]الحجرات:1-2.

وفي الحديث، عن أبي هريرة، عن رسول الله r، أنه قال: "والذي نفسُ محمدٍ بيده لا يسمعُ بي أحدٌ من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموتُ ولم يؤمن بالذي أُرسلت به إلا كان من أصحاب النار" مسلم[[49]].

وعن علي t، قال: قال رسولُ الله r: "لا يؤمنُ عبدٌ حتى يؤمنَ بأربعٍ: يَشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسولُ الله بعثني بالحق، ويؤمن بالموتِ والبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدَرِ"[[50]].

عن المقدام بن معد يكرب الكندي، أن رسول الله r قال: "يُوشِكُ الرجلُ مُتكئاً على أريكَته يُحَدَّثُ بحديثٍ من حديثي، فيقول: بيننا وبينكم كتابُ الله U، فما وجدنا فيه من حلالٍ استحلَلْناه، وما وجدنا فيه من حرامٍ حرَّمناه، ألا وإنَّ ما حرَّمَ رسولُ الله r مثل ما حرَّم الله"[[51]].

وعن أبي هريرة، قال: قال رسول اللهr : "كلُّ أمتي يَدخلون الجنة إلا من أبى"، قيل: ومن يأبى يا رسولَ الله؟ قال:"من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى" البخاري.

وعن ابن عمر، أن رسولَ الله r قال: "لا تمنعوا إماءَ الله أن يصلين في المسجد". فقال ابنٌ له: إنا لنمنعهنَّ فقال: فغضب غضباً شديداً، وقال: أحدث عن رسولِ الله  r وتقول إنا لنمنعهنّ[[52]]؟‍!

وعن أبي سلمة أن أبا هريرة، قال لرجل: يا ابن أخي، إذا حدثتُكَ عن رسولِ الله r حديثاً فلا تضرب له الأمثال[[53]].

وعن جابر، أن عمر بن الخطاب، أتى رسولَ الله r بنسخةٍ من التوراة، فقال: يا رسولَ الله! هذه نسخة من التوراة، فسكت، فجعل يقرأ ووجه النبِّي r يتغير، فقال أبو بكر: ثكلتك الثواكل! ما ترى ما بوجه رسول الله r[[54]]؟! فنظر عمر إلى وجهِ رسولِ الله r، فقال: أعوذُ بالله من غضب اللهِ وغضب رسوله، رضينا بالله رباً، وبالإسلامِ ديناً، وبمحمدٍ نبياً. فقال رسول اللهr: "والذي نفسُ محمدٍ بيده، لو بدا لكم موسى فاتبعتموه وتركتموني لضللتم عن سواء السبيل[[55]]، ولو كان حيَّاً وأدركَ نبوتي لاتّبعني" [[56]] .

وعن جابر، قال: لما استوى رسولُ الله r، يوم الجمعة، قال: "اجلسوا"، فسمع ذلك ابن مسعود، فجلسَ على بابِ المسجد[[57]]، فرآه رسولُ الله r، فقال: "تعالَ يا عبدَ الله بنَ مسعود"[[58]].

ـ من لوازم الإيمان وشروطه حُبُّ النبي r وتوقيرُه.

قال تعالى: )قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ(التوبة:24.

وقال تعالى:) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ(الفتح:9.

عن أنس، قال: قال رسول الله r: "لا يؤمنُ أحدُكم حتى أكونَ أحبَّ إليه من والدهِ وولده، والناسِ أجمعين" متفق عليه.

وفي رواية مسلم: "لا يؤمنُ عبدٌ حتى أكونَ أحبَّ إليه من أهلِه ومالِه والناسِ أجمعين".

وعن عبد الله بن هشام قال: كنا مع النبي r وهوآخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي r: "لا والذي نفسي بيده حتى أكونَ أحبَّ إليكَ من نفسِك"، فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحبُّ إليًّ من نفسي، فقال النبيr : "الآن يا عمر[[59]]" البخاري. 

وعن أنس، عن النبي r قال: "ثلاثة من كنَّ فيه وجدَ حلاوةَ الإيمان: أن يكونَ اللهُ ورسولُه أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحبَّ المرءَ لا يحبه إلا الله، وأن يكره أن يعودَ في الكفر كما يكره أن يُقذَف في النار" متفق عليه.

 

ـ صُوَرٌ من احترامِ وتوقِير السَّلفِ الصالحِ للنبي r. 

كان مالكُ إذا ذُكِرَ النبيُّ r، يتغير لونُه وينحني حتى يَصعُبَ ذلك على جُلسائه، فقيل له يوماً في ذلك؟ فقال: لو رأيتم ما رأيت لما أنكرتم عليَّ ما ترون؛ لقد كنتُ أرى محمد بن المنكدر وكان سيِّدَ القُرَّاء، لا نكادُ نسألُه عن حديثٍ أبداً إلا يبكي حتى نرحمَهُ، ولقد كنت أرى جعفر بن محمد ـ وكان كثيرَ الدُّعابة والتَّبسُّمِ ـ فإذا ذُكِرَ عنده النبيُّ r اصفر لونُه!

ولقد كان عبد الرحمن بن القاسم، يَذكرُ النبيَّ r، فيُنظَرُ إلى لونِه كأنَّه نزفَ منه الدم، وقد جفَّ لسانُه في فمِه هيبةً لرسولِ الله r.

ولقد رأيتُ الزُّهريَّ ـ وكان لمن أهنأ الناس ـ فإذا ذُكِر عنده النبيُّ، فكأنه ما عرفَك ولا عرفتَهُ.

ولقد كنتُ آتي عامر بن عبد الله بن الزبير، فإذا ذُكِر عنده النبي r، بكى حتى لا يبقى في عينهِ دموعٌ.

ولقد كنت آتي صفوان بن سليم ـ وكان من المتعبدين المجتهدين ـ فإذا ذُكِر النبيُّ r، بكى فلا يزالُ يبكي حتى يقومَ الناسُ عنه ويتركوه[[60]].

ـ من حقِّهِ r على أمته أن يُنزلوه منزلة كمال العبودية لله U، من دون أن يُغَالُوا فيه، أو يطروه كما أطرت النَّصارى المسيحَ ابن مريم، فقد نهى النبيُّ r عن ذلك.

قال تعالى: )الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا(الكهف:1.

وقال تعالى:) تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً(الفرقان:1.

وقال تعالى: )فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (النجم:10.

وقال تعالى: ) سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (الإسراء:1.

وقال تعالى: )وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً (الجـن:19.

وقال تعالى: ) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ (الكهف:110.

وفي الحديث، عن عمر، قال:قال رسول الله r: "لا تَطروني [[61]] كما أطرت النصارى ابنَ مريم، فإنما أنا عبدُه؛ فقولوا عبد الله ورسوله" البخاري.

وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله r: "لعنَ اللهُ اليهودَ والنصارى، اتخذوا قبورَ أنبيائهم مساجد" متفق عليه. يُكرِّه أمته بأن يستنوا بسنتهم في أنبيائهم!

وعن الرُّبَيِّع بنتِ مُعوِّذٍ رضي الله عنها، قالت: دخل عليَّ النبيُّ r غداة بُنِيَ عليَّ، كمجلِسِكَ مني، وجويرات يضربن بالدُّف، يَندُبْنَ من قُتل من آبائي يومَ بدر، حتى قالت جارية: وفينا نبيٌّ يعلمُ ما في غدِ! فقال النبي r: "لا تقولي هكذا [[62]] وقولي ما كنتِ تقولين" البخاري.

وعن أنسٍ t، أن ناساً قالوا: يا رسول الله يا خيرَنا وابنَ خيرنا، وسيدنا وابنَ سيدنا، فقال: "يا أيها الناس قولوا بقولِكم ولا يستهوينَّكم الشيطانُ[[63]]، أنا محمد عبد الله ورسولُه، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله U"[[64]].

وفي رواية عند أبي داود، فقلنا أنت سيدنا، فقال: "السيّدُ الله تبارك وتعالى"[[65]].

وعن أنس، قال: قال رجل لرسول الله r: يا خيرَ البريَّةِ، فقال رسولُ الله r: "ذاكَ إبراهيم"[[66]].

وعن ابن عباس، قال: جاء رجلٌ إلى النبي r، فراجعه في بعض الكلام، فقال: ما شاءَ اللهُ وشِئتَ! فقال رسولُ الله r: "أجعلتني مع الله ندَّاً؛ لا بل ما شاء اللهُ وحده"[[67]].

وعن أبي مسعود البدري، قال أتى النبيَّ r رجلٌ، فكلمه فجعلَ ترتعدُ فرائِضُه، فقال له: "هوِّن عليك؛ فإنِّي لستُ بملِكٍ، إنَّما أنا ابنُ امرأةٍ من قريش، كانت تأكلُ القديدَ"[[68]].

ـ من انتقص شيئاً من قَدْر الرسول r، أو شتمَه، أو استهزأ به، أو قلَّل من شأنه، أو قال كلاماً بحقه على وجه التهكم والسخرية .. فهو كافر مرتد، يُقتل حداً وكفراً[[69]].

قال تعالى: )وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ(التوبة:12.

وقال تعالى: )قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ(التوبة:66[[70]].

وفي الحديث، عن ابن عباس، أن أعمى كانت له أمُّ ولد، تشتمُ النبيَّ r، وتقعُ فيه، فينهاها فلا تنتهي، ويزجرُها فلا تنزجر. قال: فلما كانت ذات ليلة جعلت تقع في النبي r وتشتمُه، فأخذ المغوَلَ فوضعه في بطنها، واتكأ عليها فقتلها، فوقع بين رجليها طفلٌ، فلطَّخت ما هناكَ بالدم، فلما أصبح ذُكِر ذلك لرسول الله r، فجمع الناسَ فقال: "أُنشدُ اللهَ رجلاً فعلَ ما فعل، لي عليه حق إلا قام"، فقام الأعمى يتخطَّى الناسَ، وهو يتزلزل حتى قعد بين يدَي النبي r، فقال: يا رسول الله! أنا صاحبها، كانت تشتمك وتقع فيك فأنهاها فلا تنتهي، وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقة، فلما كانت البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك، فأخذت المغول فوضعته في بطنها واتكأت عليها حتى قتلتها، فقال النبي r: "ألا اشهدوا أن دمَها هَدْرٌ"[[71]].

وعن أبي برزة الأسلمي، قال: أغلظ رجلٌ لأبي بكر الصديق، فقلت: أقتلُه: فانتهرَني، وقال: ليس هذا الحد لإحدٍ بعد الرسولِ r[[72]].

ـ فيمن يُحدِّثُ كاذباً عن النبيِّ r!

عن أبي هريرة، عن النبيِّ r قال: "مَن كذبَ عليَّ متعمِّداً فليَتبوَّأ مقعدَهُ من النار" البخاري.

وعن المُغيرة قال: سمعتُ النبيَّ r يقول: "إنَّ كَذِباً عليَّ ليس ككذبٍ على أحدٍ؛ من كذَبَ عليَّ متعمداً فليتبوَّأ مَقعدَهُ من النار" البخاري.

وعن سلمَةَ قال: سمعتُ النبيَّ r يقول: "من يَقُل عليَّ ما لم أقل فليتبوَّأ مقعدَهُ من النار" البخاري.

وعن ابن عمر، أن رسول الله r قال: إن الذي يَكذبُ عليَّ يُبنَى له بيتٌ في النار"[[73]].

وعن أبي قتادة، قال سمعتُ رسولَ الله r يقول: "إياكم وكثرة الحديث عني؛ من قال عليَّ فلا يقولنَّ إلا حقَّاً أو صدقاً، فمن قال عليَّ ما لم أقل، فليتبوَّأ مقعده من النار"[[74]].

ـ ومن حقِّه r أن يُصلَّى عليه كلما ذُكِرَ .. فمن لم يفعل ذلك فهو بخيل، وقد ظلمَ نَفْسَه.

قال تعالى: )إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيما([[75]]الأحزاب:56.

وفي الحديث، عن أبي هريرة، عن النبيِّ r قال: "من ذُكِرتُ عندهُ فنسي الصلاةَ عليَّ، خَطِئ به طريقُ الجنة"[[76]].

وعن علي، عن النبي r قال: "كلُّ دعاءٍ محجوبٌ حتى يُصلَّى على النبي r"[[77]].

وعن عمر ابن الخطاب t موقوفاً، قال: "إن الدعاءَ موقوفٌ بين السماء والأرض؛ لا يَصعدُ منه شيءٌ حتى تُصلِّي على نبيِّك r"[[78]]. 

وعن أنسٍ، قال: قال رسول الله r: "من ذُكِرتُ عنده فليصلِّ عليَّ، فإنَّ من صلَّى عليَّ مرةً صلى اللهُ عليه عشراً"[[79]].

وعنه، قال:قال رسول الله r: "من صلى عليَّ واحدةً، صلى اللهُ عليه عشرَ صلواتٍ، وحطَّ عنه عشرَ خطيئاتٍ، ورفع له عشر درجات"[[80]].

وعن أبي بُردة بن نيارٍ، قال: قال رسول الله r: "مَن صلَّى عليَّ من أمتي صلاةً مخلصاً من قلبه؛ صلَّى الله عليه بها عَشر صلواتٍ، ورفعه بها عشْرَ درجاتٍ، وكتبَ له بها عشر حسنات، ومحا عنه عشرَ سيئاتٍ"[[81]].

وعن أنسٍ، قال: قال رسول الله r: "أكثروا الصلاةَ عليَّ يومَ الجمعةَ؛ فإنه أتاني جبريلُ آنفاً عن ربِّه U فقال: ما على الأرضِ من مسلمٍ يُصلي عليكَ مرةً واحدة؛ إلا صلَّيْتُ أنا وملائكتي عليه عشراً"[[82]].

وعن ابن مسعود، أن رسول الله r قال: "أولى الناسِ بي يومَ القيامة أكثرُهم عليَّ صلاةً"[[83]].

وعن أُبي بن كعب، قال: فقلت يا رسول الله! إنِّي أُكثِرُ الصلاةَ عليكَ، فكم أجعل لك من صلاتي[[84]]؟ قال: "ما شِئتَ"، قال: قلتُ الرُّبعَ؟ قال: "ما شِئتَ، وإن زدتَ فهو خيرٌ لك"، قلت: النُّصفَ؟ قال: "ما شِئتَ، فإن زدتَ فهو خيرٌ لك"، قال: قلتُ ثُلُثَين؟ قال: "ما شِئتَ، وإن زدتَ فهو خيرٌ لك"، قال: أجعَل لك صلاتي كُلَّها؟ قال: "إذاً تُكفَى همُّكَ، ويُغفَر لك ذنبُكَ"[[85]].

وفي رواية عنه، قال: قال رجل: يا رسول الله! أرأيتَ إن جعلتُ صلاتي كلها عليك؟ قال: "إذاً يَكفيكَ اللهُ تبارك وتعالى ما أهمَّك من دنياكَ وآخرتك".

وعن أبي الدرداء قال: قال رسولُ الله r: "أكثروا من الصلاةِ عليَّ يومَ الجمعة؛ فإنه مشهودٌ تشهدُه الملائكةُ، وإنَّ أحداً لن يُصلي عليَّ إلا عُرِضت عليَّ صلاتُه حتى يفرغَ منها". قال: قلت وبعد الموت؟ قال: إنَّ الله حرَّم على الأرض أن تأكلَ أجساد الأنبياء، فنبيُّ الله حيٌّ يُرزَق"[[86]].

وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله r: "رَغِمَ أنف رجلٍ ذُكرت عنده فلم يصلِّ عليَّ"[[87]].

وعن أبي هريرة، قال:قال رسول الله r: "البخيل من ذُكِرتُ عنده فلم يصلِّ عليَّ"[[88]].

وعن جابر، قال: قال رسولُ الله r: "من قال حينَ يسمعُ النداءَ: اللهمَّ رب هذه الدعوة التامَّةِ، والصلاةِ القائمةِ، آتِ محمداً الوسيلةَ والفضيلةَ، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، حلَّت له شفاعتي يوم القيامة"[[89]].

وعن جابر بن سمرة، قال: قال رسولُ الله r: "أتاني جبريل فقال: يا محمد!من ذُكِرتَ عنده فلم يصلِّ عليكَ فماتَ فدخل النار فأبعدَهُ الله، قل: آمين، فقلت: آمين"[[90]].

وعن جابر بن عبد الله أن النبيَّ r قال: "لما رقيتُ الدرجةَ الأولى ـ أي من المنبر ـ جاءني جبريل فقال: "شَقِيَ عبدٌ ذُكِرْتَ عنده ولم يُصلِّ عليك، فقلت: آمين"[[91]].

وعن الحسين بن علي رضي الله عنهما، أن رسول الله r قال: "حيثما كنتم فصلُّوا عليَّ؛ فإن صلاتكم تبلُغُني"[[92]].

وعن عمار بن ياسر، قال: قال رسولُ الله r: "إن الله وكَّلَ بقبري ملَكاً أعطاهُ الله أسماءَ الخلائقِ؛ فلا يُصلِّي عليَّ أحدٌ إلى يوم القيامة إلا أبلغني باسمه واسم أبيه: هذا فلانُ ابنُ فلانٍ قد صلَّى عليكَ"[[93]].

وعن أبي بكر t، قال: قال رسول الله r: "أكثروا الصلاةَ عليَّ، فإن اللهَ وكَّلَ بي ملَكاً عند قبري، فإذا صلَّى عليَّ رجلٌ من أمتي، قال لي ذلك الملَك: يا محمد إن فلانَ ابنَ فلان صلَّى عليك السَّاعة َ"[[94]].

 

اللهمَّ صلِّ على عبدكَ ونبيِّك محمد عدَدَ خلقِك، ورِضى نفسِك، وزِنَةَ عَرْشِك، ومِدادَ كلماتكِ، السَّاعَةَ، وكلَّ ساعةٍ، وإلى أن تقوم الساعة، وسلِّم تسليماً كثيراً.

 

 

 

 

* * * * *

 

 

 

 

 

 

 

 

3- حقُّ الصَّحابةِ رضي اللهُ تعالى عنهم أجمعين.

      قال تعالى: )وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ([[95]]التوبة:100.

وقال تعالى: )لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً([[96]]الفتح:18.

وقال تعالى: )مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً([[97]]الفتح: 29.

وقال تعالى: )وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ . لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ([[98]]التوبة:65-66.

ـ في فضلِ الصَّحابةِ رضي الله تعالى عنهم بشكلٍ عام، وما لهم مِن حقٍّ.

عن عمر t قال: قال رسول الله r: "أكرموا أصحابي، فإنَّهم خيارُكم"[[99]].

وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسولُ الله r: "يأتي على الناس زمانٌ فيغزُو فِئامٌ من النَّاس، فيقولون: هل فيكم مَن صاحبَ رسولَ اللهِ r. فيقولون: نعم. فيُفتَح لهم، ثم يأتي على الناسِ زمانٌ، فيَغزُو فِئَامٌ من الناسِ، فيُقال: هل فيكم مَن صاحَبَ أصحابَ رسولِ الله r؟ فيقولون: نعم، فيُفتَح لهم، ثم يأتي على الناسِ زمانٌ فيغزو فئامٌ من الناس، فيُقال: هل فيكم من صاحَبَ مَن صَاحَبَ أصحابَ رسولِ الله r؟ فيقولون: نعم، فيُتح لهم" متفق عليه.

وفي رواية لمسلم: "يأتي على النَّاسِ زمانٌ، يُبعَثُ منهم البَعْثُ فيقولون: انظروا هل تجدون فيكُم أحداً من أصحابِ النبيِّ r؟ فيوجَدُ الرجُلُ، فيُفتَح لهم به، ثم يُبعثُ البعثُ الثاني، فيقولون: هل فيهم من رأى أصحابَ النبيِّ r؟ فيُفتَح لهم به، ثم يُبعَثُ البَعْثُ الثالث، فيُقال: انظُروا هل ترون فيهم مَن رأى من رأى أصحابَ النبيِّ r؟ ثم يكون البعثُ الرابعُ فيُقال: انظُرُوا هل تَرَونَ فيهم أحداً رأى مَن رأى أحداً رأى أصحابَ النبيِّ r، فيوجَدُ الرجلُ، فيُفتَحُ لهم به"[[100]].

وعن أبي بُرْدَةَ، عن أبيه، قال: رفَعَ ـ يعني النبي r ـ رأسَهُ إلى السَّماءِ، وكان كثيراً مِمَّا يَرفَعُ رأسَهُ إلى السماءِ. فقال: "النجوم أَمَنَةٌ للسَّماءِ، فإذا ذهَبت النُّجُومُ أتى السَّماءَ ما تُوعَدُ، وأنا أَمَنَةٌ لأصحابي، فإذا ذَهَبتُ أنا أتى أصحابي ما يُوعَدون، وأصحابي أمَنَةٌ لأُمَّتي، فإذا ذهَبَ أصحابي أتى أُمَّتي ما يُوعَدون"[[101]]مسلم.

وعن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسولُ الله r: "إذا ذُكِرَ أصحابي؛ فأمسِكُوا، وإذا ذُكِرَ النجومُ؛ فأمسِكوا، وإذا ذُكِرَ القدَرُ؛ فأمسكوا"[[102]].

وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال النبيُّ r: "لا تَسُبُّوا أصحابي، فلو أنَّ أحدَكُم أنفقَ مِثلَ أُحُدٍ ذَهبَاً ما بَلَغ مُدَّ أحَدِهم ولا نَصِيفَه[[103]]" متفق عليه.

وفي رواية لمسلم: "لا تَسُبُّوا أحداً من أصحابي؛ فإنَّ أحدَكم لو أنفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذهَباً، ما أدرَكَ مُدَّ أحَدِهِم ولا نَصِيفَهُ"[[104]].

وعن ابن عباس، عن النبي r قال: "من سَبَّ أصحابي، فعليه لَعنَةُ اللهِ والملائِكةِ والنَّاسِ أجمعين"[[105]].

وعن عُويم بن ساعدة، أنَّ رسولَ الله r قال: "إنَّ الله تبارَكَ وتعالى اختارني، واختارَ لي أصحاباً؛ فجَعلَ لي منهم وزراءَ، وأنصاراً، وأصهاراً، فمَن سَبَّهم فعليه لعنَةُ اللهِ والملائكةِ والناسِ أجمعين، لا يُقبلُ منه يومَ القيامَةِ صَرفٌ، ولا عَدْلٌ"[[106]].

وعن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله r: "إنَّ اللهَ قال: مَن عادَى لي وليَّاَ فقد آذَنْتُهُ بالحَرب[[107]]" البخاري.

وعن عبد الله بن عمر قال: "لا تَسُبُّوا أصحابَ محمَّدٍ r، فلَمَقامُ أحَدهِهم ساعَةً، خيرٌ من عمَلِ أحدِكُم عُمره"[[108]].

وعن عبد الله بن مسعود، قال: "إنَّ الله نظرَ في قلُوبِ العِبادِ، فوجَدَ قلْبَ محمدٍ r خيرَ قُلوبِ العِباد، فاصطفاه لنفْسِهِ؛ فابتعثَهُ برسالَتِه، ثمَّ نظَرَ في قلوبِ العبادِ بعد قلبِ محمدٍ، فوجَدَ قلوبَ أصحابِه خيرَ قلوبِ العِباد، فجعلَهُم وزراءَ نبيِّهِ، يُقاتِلون على دينِهِ، فما رأى المسلمون حسَنَاً فهو عندَ الله حَسَنٌ، وما رأوا سيئاً فهو عند اللهِ سيئٌ"[[109]].

ـ فضلُ السابقين من الصَّحابةِ على مَن أسلَمَ بعدهم من الصَّحابةِ وغيرهم، رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

قال تعالى: ]وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ[[[110]]التوبة:100.

وقال تعالى: )لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ(الحديد:10.

عن أبي الدرداء، قال: كنت جالساً عند النبي r إذْ أقبلَ أبو بكرٍ آخذاً بطَرَفِ ثوبهِ حتى أبدَى عن رُكبَتِه، فقال النبيُّ r: "أمَّا صاحِبُكم فقد غامَرَ"، فسَلّم وقال: إنِّي كان بيني وبينَ ابنَ الخطابِ شيءٌ، فأسرَعتُ إليه، ثم ندِمْتُ، فسألتُه أن يَغفِرَ لي، فأبى عليَّ! فأقبلتُ إليك. فقال: "يَغْفِرُ اللهُ لكَ يا أبَا بكر"، ثلاثا. ثمَّ إنَّ عمرَ نَدِمَ، فأتى منزِلَ أبي بكرٍ فسأل: أَثَمََّ أبُو بكرٍ؟ فقالوا: لا، فأتى إلى النبيِّ r فسَلَّمَ، فجعلَ وجهُ النبيِّ r يَتمعََّرُ حتى أشفَقَ أبُو بكرٍ، فجَثَا على رُكبَتَيهِ فقال: يا رسولَ الله! واللهِ أنا كنتُ أظلَمُ، مرتين. فقال النبيُّ r: "إنَّ الله بعثني إليكُم، فقلتم: كذَبْتَ، وقال أبو بكر: صَدَقَ، وواسَاني بنَفْسِه ومالِه، فهل أنتم تارِكُوا لي صاحبي" مرتين، فما أُوذِيَ بَعدَها. البخاري.

وفي رواية: فقال رسولُ الله r: "هل أنتُم تارِكُونَ لي صاحِبِي، هل أنتُم تارِكُونَ لي صاحِبِي، إنِّي قلتُ: يا أيُّها النَّاسُ إنِّي رسولُ اللهِ إليكُم جميعاً، فقلتُم كَذَبْتَ، وقال أبو بكرٍ: صَدَقْتَ"[[111]]البخاري.

وعن أنس، قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف كلام، فقال خالد لعبد الرحمن: تستطيلون علينا بأيامٍ سبَقْتُمونا بها؟! فبلغنا أن ذلك ذُكِرَ للنبي r، فقال: "دَعُوا لي أصحابي، فوالذي نفسي بيدِه لو أنفَقْتُم مِثْلَ أُحُدٍ أو مِثْلَ الجبالِ ذَهباً ما بلَغْتُم أعمالَهُم"[[112]].

وعن مُعَاذ بن رفَاعَةَ بن رافِعٍ الزُّرَقِيِّ، عن أبيه ـ وكان أبوه من أهلِ بَدْرٍ ـ قال: جاءَ جبريلُ إلى النبيِّ r فقال: ما تَعُدُّون أهلَ بَدرٍ فيكم؟ قال: "من أفضَلِ المُسلمين". قال: وكذلك من شَهِدَ بَدْراً مِن الملائِكَةِ. البخاري.

وعن عليٍّ t قال: قال رسولُ الله r: "لَعلَّ اللهَ اطَّلَعَ إلى أهلِ بَدْرٍ فقال: اعملوا ما شِئتُم؛ فقد وجبَت لكم الجنَّةُ، أو فقد غَفَرتُ لكُم" متفق عليه.

وعن جابر بن عبد الله: أنَّ عَبداً لحاطِبٍ جاءَ رسولَ اللهِ r يَشكُو حاطِباً، فقال: يا رسولَ الله! ليدخُلَنَّ حاطِبٌ النَّارَ! فقال رسولُ الله r: "كذَبتَ؛ لا يدخُلُها، فإنَّه شَهِدَ بَدراً والحُدَيْبيَةَ"[[113]] مسلم.

وعنه، عن النبيِّ r قال: "لن يدخُلَ النارَ رجلٌ شَهِدَ بدراً والحُدَيْبيَةَ"[[114]].

وعنه، قال: أخبرتني أُمُّ مُبَشِّرٍ أنَّها سمِعَت النبيَّ r يقولُ عندَ حفصَةَ: "لا يَدخُلُ النارَ إن شاءَ اللهُ من أَصحَابِ الشَّجَرةِ؛ أحدٌ من الذينَ بايَعوا تحتَها"، قالت: بلى، يا رسولَ الله! فانتهَرَها، فقالت حفصَةُ:) وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا (مريم:71. فقالَ النبيُّ r: "قد قالَ اللهُ U:) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً (مريم:72. مسلم. 

وعنه، قال: كنَّا يومَ الحديبية ألفاً وأربعمائة. قال لنا النبيُّ r: "أنتم اليومَ خيرُ أهلِ الأرضِ" متفق عليه.

ـ في فضلِ المهاجرين رضي الله عنهم أجمعين، وما لهم من حق[[115]].  

قال تعالى: ]لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ[[[116]]الحشر:8.

عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله r: "أتعلم أوَّلَ زُمرةٍ تدخلُ الجنةَ من أمتي؟ قلت: الله ورسولُه أعلم. فقال: المهاجرون؛ يأتون يومَ القيامَةِ إلى بابِ الجنَّةِ ويَستَفْتِحُون، فيقول لهم الخزنة: أوَقَد حُوسِبتُم؟ فيقولون: بأيِّ شيءٍ نُحَاسَب؟! وإنما كانت أسيافُنا على عَواتِقِنَا في سبيلِ الله حتى مِتنا على ذلك. قال: فيُفْتَحُ لهم، فيَقِيلُون فيه أربعينَ عاماً قبل أن يدخلَها الناسُ"[[117]].

وعنه قال: سمعتُ رسولَ الله r يقول: "إنَّ أوَّلَ ثلَّةٍ تَدخلُ الجنَّةَ، الفقراءُ المهاجِرون الذين تُتَّقَى بهم المكَارِه، إذا أُمِرُوا سمِعُوا وأطاعُوا، وإن كانت لرجلٍ منهم حاجَةٌ إلى السُّلطانِ لم تُقضَ لهُ حتى يموتَ وهي في صَدْرِه"[[118]].

وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسولُ الله r: "للمهاجرين مَنَابِرُ من ذَهَبٍ يَجلِسونَ عليها يومَ القيامَةِ، قد أَمِنُوا من الفَزَعِ"[[119]].

 

ـ في فضلِ الأنصارِ رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وما لهم من حق.

قال تعالى: ]وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ[الحشر:9.

وقال تعالى: ]لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ[التوبة:117[[120]].

وعن البرَاء بن عازِب، قال: قال النبيُّ r: "الأنْصَارُ لا يُحِبُّهُم إلا مُؤمنٌ، ولا يُبْغِضُهُم إلا مُنَافِقٌ، فمَن أحبَّهُم أحبَّهُ اللهُ، ومَن أبغَضَهُم أبغَضَهُ اللهُ" متفق عليه.

وعن أنسِ بنِ مالكٍ، عن النبيِّ r قال: "آيَةُ الإيمانِ حُبُّ الأنصارِ، وآيةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الأنصَارِ"[[121]]متفق عليه.

وعن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله r قال: "لا يُبْغِضُ الأنصَارَ رجلٌ يُؤمِنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ"[[122]]مسلم. 

وعن الحارِث بن زِياد السَّاعِدي الأنصاري، قال: قال رسولُ الله r: "والذي نفسُ محمدٍ بيدِه لا يُحِبُّ رجلٌ الأنصارَ حتى يَلْقَى اللهَ تباركَ وتعالى، إلا لَقِي اللهَ تبارَكَ وتعالى وهو يُحِبُّه، ولا يَبْغُضُ رجلٌ الأنصارَ حتى يَلقَى اللهَ تباركَ وتعالى، إلا لَقِيَ اللهَ تبارَكَ وتعالى وهو يَبغُضُه"[[123]].

وعن أنسِ بنِ مالكٍ ، أنَّ النبيَّ r رأى صِبياناً ونِساءً مُقبلِينَ من عُرْسٍ، فقامَ نبيُّ اللهِ مُمْثِلاً، فقال: "اللهُمَّ أنتُمْ مِن أحبِّ الناسِ إلِيَّ، اللهُمَّ أنتُمْ مِن أحبِّ الناسِ إلِيَّ" يعني الأنصار.[[124]]متفق عليه.

وعنه، قال: كانت الأنصارُ يومَ الخندَقِ تقول: نحنُ الذين بايعوا مُحمَّداً على الجِهادِ ما حَيِينا أبدَا. فأجابهم: "اللهُمَّ لا عَيْشَ إلا عَيْشُ الآخِرَه، فأكرِمِ الأنصارَ والمُهاجِرَه" متفق عليه.

وعن عائشة قالت: قالَ رسولُ الله r: "ما ضرَّ امرأةً نزَلَت بين بيتين من الأنصار، أو نزَلتْ بين أبَوَيْها"[[125]].

وعن أنَس، قال: مرَّ أبو بكرٍ والعبَّاسُ بمجلسٍ من مجالِسِ الأنصارِ وهم يَبكُون فقال: ما يُبكِيكُم؟ قالوا: ذكَرنا مجلِسَ النبِّي r مِنَّا، فدخَلَ على النبيِّ r، فأخبَرَه بذلك، قال: فخرجَ النبيُّ r وقد عَصَبَ على رأسهِ حاشيَةَ بُرْدٍ، فصَعِدَ المنبَرَ ولم يصعَدْهُ بعد ذلك اليومِ. فحَمِدَ اللهَ وأثنى عليه. ثم قال: "أُوصِيكُم بالأنصارِ، فإنهم كَرِشِي وعَيْبَتي، وقد قَضَوا الذي عليهم، وبَقِي الذي لهم، فاقبَلُوا من مُحْسِنِهم، وتجاوَزُوا عن مُسِيئهم"[[126]] البخاري.

وعنه، عن النبيِّ rقال: "الأنصارُ كَرِشِي وعَيْبَتي، والنَّاسُ سيَكثُرُون ويَقِلُّونَ، فاقبَلُوا من مُحْسِنِهم، وتجاوزوا عن مُسِِيئِهم"[[127]] متفق عليه.

وعن ابن عباس قال: قال رسولُ الله r: "إنَّ النّاسَ يَكثُرونَ، وتَقِلُّ الأنصارُ حتى يكونوا كالمِلْحِ في الطَّعامِ، فمَن وَلِيَ منكم أمراً يَضُرُّ فيه أحداً أو يَنفَعُهُ؛ فليَقبَلْ من مُحْسِنِهم، ويَتجاوَزْ عن مُسِيئِهم" البخاري.

وعن أبي هريرة، عن النبيِّ r قال: "لو أنَّ الأنصارَ سلَكُوا واديَاً، أو شِعْبَاً، لَسَلَكْتُ في وادِي الأنصَارِ، ولولا الهِجْرَةُ لكُنتُ امرَأً من الأنصار" البخاري.

وعن أبي قتادة، قال: سمعتُ رسولَ الله r يقول على المنبر للأنصار: "ألا إنَّ الناسَ دِثارِي، والأنصارَ شِعارِي، لو سلَكَ الناسُ وادياً، وسلكَتِ الأنصارُ شُعبةَ؛ لاتبعتُ شُعبَةَ الأنصارِ، ولولا الهجرةُ لكنتُ رجلاً من الأنصارِ، فمن ولِيَ أمرَ الأنصارِ؛ فليُحسِنْ إلى مُحسِنِهِم، وليتجاوَز عن مُسِيئهم، ومن أفزَعهم فقد أفزَع هذا الذي بني هاتين؛ وأشارَ إلى نفسهِ r"[[128]].

عن أنس بن مالك، قال: خرج علينا رسولُ الله r فقال: "أَلا إنَّ لكلِّ شيءٍ تَرِكَةً وضَيعَةً، وإنَّ تَرِكَتِي وضَيْعَتي الأنصارُ، فاحفظُوني فيهم"[[129]].

وعن زَيْدِ بنِ أرقمَ قال: قال رسولُ الله r: "اللهُمَّ اغفِرْ للأنصارِ، ولأبناءِ الأنصارِ، وأبناءِ أبناءِ الأنصار" مسلم.

وعن أنسٍ، أن النبيَّ r قال: "اللهُمَّ اغفِرْ للأنصارِ، ولأبناءِ الأنصارِ، ولأبنَاءِ أبناءِ الأنصار، ولِنساءِ الأنصار"[[130]].

وعن أبي هريرة، قال: جاءت الحُمَّى إلى النبيِّ r فقالت: ابْعَثْنِي إلى آثَرِ أهلِكَ عندَكَ، فبَعثَها إلى الأنصار، فبَقيَت عليهم سِتَّةَ أيَّامٍ ولياليهِنَّ، فاشتَدَّ ذلك عليهم، فأتاهم في دِيارِهم، فشَكَوا ذلك إليه، فجعلَ النبيُّ r يَدخلُ داراً داراً، وبيتاً بيتاً؛ يدعو لهم بالعافِيَةِ. فلما رَجعَ تَبِعَتْهُ امرأةٌ منهم فقالت: والذي بَعثَكَ بالحقِّ إنِّي لَمِنَ الأنصارِ، وإنَّ أبي لَمِنَ الأنصار، فادْعُ اللهَ لي كما دَعَوْتَ للأنصار! قال: "ما شِئتِ؛ إنْ شِئتِ دَعوتُ اللهَ أن يُعافِيَكِ، وإنْ شِئتِ صَبَرتِ ولكِ الجَنَّة". قالت: بل أصْبِرُ، ولا أجعَلُ الجنَّةَ خَطَراً [[131]].

ـ في فضلِ الخلفاءِ الراشدين الأربعةِ: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعلي رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وما لهم من حقٍّ.

1- بَعضُ ما قِيلَ في فَضلِ أبي بكرٍ الصِّدِّيق، رضي الله عنه، ومَا لَهُ مِن حَقٍّ، واسمُهُ: عبدُ اللهِ بنُ عُثمان[[132]].

قال تعالى: ) إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا (التوبة:40[[133]].

عن أبي بَكْرٍ t قال: قُلتُ للنبيِّ r وأنا في الغارِ: لو أنَّ أحدَهم نظَرَ تحتَ قدَمَيه لأبصَرَنا، فقال: "ما ظَنُّكَ يا أبا بكرٍ باثنَينِ اللهُ ثالِثُهُما" متفق عليه.

وعن ابن عُمرَ، أنَّ رسولَ اللهِ r قال لأبي بَكرٍ: "أنتَ صاحِبي على الحَوْضِ، وصاحِبي في الغَارِ"[[134]].

وعن أبي سعيد الخُدْرِي، عن النبي r قال: "إنَّ مِن أمَنِّ الناسِ عليَّ في صُحْبَتِه ومالِه أبَا بكرٍ، ولو كُنْتُ مُتخِذاً خليلاً غيرَ ربِّي لاتَّخَذْتُ أبا بَكرٍ، ولكِنْ أُخوَّةُ الإسلامِ ومَوَدَّتُهُ، لا يَبقَيَنَّ في المسجدِ بابٌ إلا سُدَّ إلا بابَ أبي بَكرٍ" متفق عليه.

وعن ابن عبَّاس، عن النبيِّ r قال: "لو كنتُ متخذاً من أمتي خليلاً، لاتخَذتُ أبا بكرٍ، ولكن أخي وصاحِبي" البخاري.

وعن عبد الله بن مسعود، عن النبي r قال: "لو كنتُ متخذاً خَليلاً لاتخذْتُ أبا بكرٍ خَلِيلاً، ولكنه أخي وصاحبي، وقد اتَّخَذَ اللهُ صاحِبَكُم خليلاً"[[135]] مسلم.

وعن عائشة، أن رسول الله r قال: "ما نَفَعَنا مالُ أحدٍ، ما نَفَعَنا مالُ أبي بكرٍ"[[136]].

وعن ابن عباس، عن النبيِّ r قال: "ما أحدٌ أعظَمَ عندي يَداً من أبي بكرٍ t، واسَاني بنَفْسِه ومالِه، وأنكَحَني ابنَتَهُ"[[137]].

وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله r: "ما لأحَدٍ عِندَنا يَدٌ إلاَّ وَقَد كافَيناهُ، ما خَلا أبَا بَكرٍ، فإنَّ لَهُ عِندنا يَداً يُكَافِيهِ اللهُ بها يَومَ القيامَةِ، وما نَفَعَني مالُ أحَدٍ قَطُّ ما نَفَعَني مالُ أبي بَكر، ولو كُنتُ مُتّخِذاً خَليلاً لاتخذتُ أبا بكر خَليلاً، ألا وإن صاحِبَكم خَليلُ الله"[[138]].

وعن عائشة: أن أبا بكر دخلَ على رسولِ الله r، فقال: "أنتَ عَتِيقُ اللهِ من النَّارِ" فيومئذٍ سُمّي عَتيقاًَ[[139]].

وعن عمر بن الخطاب، قال: أمرَنا رسولُ الله r أن نتصدَّقَ، ووافقَ ذلك عندي مالاً، فقلتُ: اليومَ أسبِقُ أبا بكرٍ إن سبقتَهُ يوماً، قال: فجئتُ بنصفِ مالي. فقال رسول الله r: "ما أبقيتَ لأهلِك؟" قلتُ: مِثلَهُ. وأتى أبو بكرٍ بكلِّ ما عندَه. فقال: "يا أبَا بكرٍ ما أبْقَيْتَ لأهلِكَ؟" فقال: أبقيتُ لهم اللهَ ورسولَهُ. قلت: لا أسبِقُه إلى شيءٍ أبَدَاً[[140]].

وعن أبي هريرة، قال: قالَ رسولُ الله r: "مَنْ أصبَحَ مِنكُم اليومَ صائماً؟" قال أبو بكرٍ: أنا، قال: "فمَن اتَّبَعَ منكُم اليومَ جنازَةً؟" قال أبو بكرٍ: أنا، قال: "فمَن أطعَمَ منكُم اليومَ مِسْكِيناً؟" قال أبو بكر: أنا، قال: "فمَن عادَ مِنكم اليومَ مريضاً؟" قال أبو بكرٍ: أنا، فقال رسولُ الله r: "ما اجتَمَعْنَ في امرِئٍ إلا دخَلَ الجنَّةَ" مسلم.  

وعن جُبَير بن مُطْعِم، قال: أتتِ امرأةٌ النبيَّ r فكلَّمَتْهُ في شيءٍ، فأمَرَها أن ترجِعَ إليه، قالت: يا رسولَ الله! أرأيتَ إن جِئتُ ولم أجِدْكَ؟ كأنها تُريدُ الموتَ. قال: "إن لم تجدِيني فأتي أبا بَكر ٍ"[[141]] متفق عليه.

وعن عائِشَةَ أُمِّ المؤمنين، أنَّ رسولَ اللهِ r قال في مرضه: "مُرُوا أبا بكرٍ يُصلِّي بالنَّاسِ"، قُلتُ: إنَّ أبا بكرٍ إذا قامَ في مَقامِكَ لم يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ البُكاء، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ، فقال: "مُرُوا أبا بكرٍ فليُصلِّ بالنَّاسِ". فقلتُ لِحَفْصَةَ: قُولي إنَّ أبا بَكرٍ إذا قامَ في مَقامِكَ لم يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ البُكاء، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ بالنَّاسِ، ففَعَلَتْ حفصَةُ، فقالَ رسولُ الله r" إنَّكُنَّ لأنتُنَّ صَواحِبُ يوسُف، مُرُوا أبا بَكرٍ فليُصلِّ للنَاسِ". فقالت حَفْصَةُ لِعائشةَ: ما كُنتُ لأُصيبَ مِنكِ خيراً[[142]]. متفق عليه.

وعن عبدِ الله بن زُمعَة، قال: لمَّا استُعِزَّ برسولِ الله r، وأنا عِندَهُ في نفَرٍ من المسلمين، دعاهُ بِلالٌ إلى الصَّلاةِ، فقال: مُروا من يُصلي للناس، فخرج عبدُ الله بن زمعة، فإذا عمر في الناس، وكان أبو بكر غائِباً، فقلت: يا عمر، قُمْ فَصَلِّ بالناس، فتقدَّم فَكَبَّر، فلما سمِعَ رسولُ الله r صَوتَهُ، وكان عمرُ رجلاً مُجَهّراً؛ قال: "فأين أبو بكر؟ يأبى اللهُ ذلك والمسلمون، يأبى اللهُ ذلك والمسلمون"، فبعث إلى أبي بكرٍ فجاء بعد أن صلى عمر تلك الصلاة فصلى بالناس[[143]].

وفي رواية عنه، قال: لما سمِعَ النبيُّ r صوتَ عمر ـ قال ابن زُمعة ـ: خرَجَ النبيُّ r حتى أطلَعَ رأسَهُ من حُجْرَتِه، ثم قال: "لا، لا، لا، لِيُصلِّ للنَّاس ابنُ أبي قُحَافة" قال ذلك مُغْضَبَاً[[144]].

وعن عائشة، قالت: قال لي رسولُ الله r في مرَضِه: "ادعِي لي أبا بَكرٍ أبَاكِ، وأخاكِ، حتى أكتُبَ كِتاباً؛ فإني أخافُ أن يَتمنَّى مُتَمَنٍّ، ويقولُ قائلٌ: أنا أولى؛ ويأبى اللهُ والمؤمنونَ إلا أبا بَكرٍ" مسلم.

وعنها، قالت: لما ثَقُلَ رسولُ الله r قال لعبدِ الرحمن بن أبي بكرٍ: "ائتني بكَتِفٍ أو لوحٍ حتى أكتبَ لأبي بكرٍ كتاباً لا يُختلَفُ عليه"، فلما ذهبَ عبد الرحمن ليقوم، قال r: "أبى اللهُ والمؤمنون أن يُختلَفَ عليك يا أبا بَكرٍ"[[145]].

وقال عمر t لأبي بكرٍ t: "بل نُبايُعكَ أنتَ؛ فأنتَ سيِّدُنا، وخيْرُنَا، وأحبُّنَا إلى رسولِ الله r" البخاري.

2- بعضُ ما قِيلَ في فضلِ الفاروقِ عُمرَ بن الخطَّاب، رضي الله عنه، وما لَهُ من حَقٍّ.

عن ابن عمر: أن رسولَ اللهِ r قال: "اللهُمَّ أعِزَّ الإسلامَ بأحبِّ هذينِ الرَّجُلينِ إليكَ؛ بأبي جَهْلٍ، أو بِعُمَرَ بنِ الخطَّابِ"، قال: وكان أحَبُّهما إليه عُمَرُ[[146]].

وعن عائشة، أن النبيَّ r قال: "اللهمَّ أعِزَّ الإسلامَ بعمرَ بنِ الخطَّابِ خَاصَّةً"[[147]].

وعن عبد الله بن مسعود، قال: "ما زِلنا أَعِزَّةً مُنذُ أسلَمَ عُمَرُ" البخاري.

وعن عُقبة بن عامر، قال: قال رسولُ الله r: "لو كان نبيٌّ بعدي، لكان عُمَرَ بنَ الخطَّابِ"[[148]].

وعن ابن عمر: أنَّ رسولَ الله r قال: "إنَّ اللهَ جَعَلَ الحقَّ على لِسانِ عُمرَ وقَلْبِهِ". قال ابنُ عُمرَ: ما نزَلَ بالنَّاسِ أمرٌ قط قالوا فيه، وقال فيه عمر إلا نزلَ فيه القرآن على نحو ما قال عُمر[[149]].

وعن أنسٍ قال: قال: عُمَرُ: وافَقتُ اللهَ فِي ثَلاثٍ، أَوْ وَافَقَني رَبِّي في ثلاثٍ، فقُلتُ: يَا رَسولَ الله، لَو اتخّذتَ مَقامَ إبراهيم مُصَلَّى، فنَزَلت:) وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى(البقرة : 125، وقلتُ: يا رَسولَ الله، يَدخلُ عليكَ البَرُّ والفاجِرُ، فَلَو أمَرتَ أُمَّهاتِ المؤمنين بالحِجابِ، فَأَنزَل اللهُ آيةَ الحِجابِ، قال: وبَلَغَني مُعاتَبةُ النبيِّ r بعضَ نِسائه، فَدَخَلتُ عَلَيهِنَّ، قُلتُ: إن انتَهَيتُنَّ أو ليُبدِّلَنَّ اللهُ رسولَهُ r خيراً مِنكُنَّ، حَتَّى أَتَيْتُ إحدَى نسائِه، قالَت: يا عُمَرُ، أَما في رسولِ الله r مَا يَعِظُ نِساءَهُ، حَتَّى تَعِظَهُنَّ أنتَ؟ فَأَنزَلَ الله: )عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ(التحريم:5. متفق عليه.

وفي رواية: فقلتُ لهنَّ:) عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ(، فنزَلَت هذه الآية[[150]] متفق عليه.

وعن أبي هريرة، قال: قال رسُولُ الله r: "لقد كان فيمَا قبلَكُم مِنَ الأمَمِ مُحَدَّثُون، فإنْ يَكُ في أُمَّتِي أحَدٌ فإنهُ عُمَرُ"[[151]]البخاري.

وفي رواية عنه، قال: قال النبيُّ r: "لَقَدْ كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنْ بَنِيِ إِسرَائِيلَ رِجالٌ، يُكَلَّمُونَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا أَنبِياءَ، فَإِنْ يَكُنْ مِنْ أُمَّتِيِ مِنْهُمْ أحَدٌ فَعُمَرُ" البخاري.

وعن سعد بن أبي وقاص، قال: قال رسول الله r: "إيهاً يا ابنَ الخطَّاب، والذي نفسي بيدِه، ما لقيكَ الشيطانُ سالِكاً فجَّاً قَطُّ إلا سلَكَ فجَّاً غيَر فَجِّكَ" متفق عليه.

وعن عائشة قالت: قال رسولُ الله r: "إني لأنظرُ إلى شيَاطِينَ الجنِّ والإنسِ قد فرُّوا من عُمَرَ"[[152]].

وعن بُريدة، قال: خرج رسولُ الله r في بعضِ مغازِيه، فلما انصرَفَ، جاءت جاريةٌ سوداءَ، فقالت: يا رسول الله إني كنتُ نذرتُ إن ردَّك اللهُ سالماً أن أضربَ بين يدَيكَ بالدُّفِّ وأتغنَّى. فقال لها رسولُ الله r: "إن كُنْتِ نذَرْتِ فاضرِبي، وإلا فَلا". فجعلت تَضربُ، فدخلَ أبو بكرٍ وهي تَضرِبُ، ثم دخل عليٌّ وهي تضرب، ثم دخل عُثمانُ وهي تضربُ، ثم دخل عمرُ، فألقَت الدُّفَّ تحت اسْتِها، ثم قعَدَت عليه، فقال رسول الله r: "إن الشَّيطانَ ليخافُ منكَ يا عمرُ، إني كنتُ جالِساً وهي تَضرِبُ، فدخلَ أبو بكرٍ وهي تَضرِبُ، ثم دخل عليٌّ وهي تضرِبُ، ثم دخل عُثمانُ وهي تَضرِبُ، فلمَّا دخلتَ أنت يا عمَرُ ألقَت الدُّفَّ"[[153]].

وعن ابن عمر، عن رسولِ الله r أنه قال: "بَيْنَا أنا نائِمٌ إذ رأيتُ قَدْحاً أُتيتُ به فيه لَبَنٌ، فشَرِبتُ منه حتى إني لأرَى الرِّيَّ يجرِي في أظفَاري، ثم أَعْطَيتُ فضلي عُمرَ بنَ الخطابِ" قالوا: ماذا أوَّلتَ ذلك يا رسولَ الله؟ قال: "العِلْمُ" متفق عليه.

وعن أبي سعيد الخدريِّ، قال: سمعتُ رسولَ الله r يقول: "بَيْنَا أنا نائمٌ رأيتُ الناسَ عُرِضُوا عليَّ، وعليهم قُمُصٌ، فمِنهَا ما يبلُغُ الثَّديَ، ومنها ما يَبلُغُ دونَ ذلك، وعُرِضَ عليَّ عمَرُ وعليه قَميصٌ اجْتَرَّهُ" قالوا: فما أوَّلتَه يا رسولَ الله؟ قال: "الدِّينَ" متفق عليه.

وعن أبي هريرة، قال: سمعتُ رسولَ الله r يقول: "بَيْنَا أنا نائِمٌ رأيتُني على قَلِيبٍ عليها دَلوٌ، فنَزَعتُ منها ما شاء الله، ثم أخذَها ابنُ أبي قُحَافَة فنَزَعَ منها ذنوباً أو ذَنُوبَينِ وفي نَزْعِه ضَعْفٌ، والله يَغفِرُ له، ثم استحالَت غَرْبَاً فأخذَها ابنُ الخطَّابِ، فلَم أرَ عَبْقَرِيَّاً من النَّاسِ يَنْزِعُ نَزْع عمرَ بنِ الخَطَّابِ؛ حتى ضرَبَ الناسُ بِعَطَنٍ"[[154]]متفق عليه.

وفي رواية لمسلم: "فجاء ابنُ الخطابِ فأَخذَ منهُ، فلم أرَ نَزْع رجلٍ قطُّ أقوى منه، حتى تولَّى الناسُ، والحوضُ مَلآنُ يتفجَّرُ".

وفي رواية: "ثم جاء عُمرُ فاستقَى، فاستحالت غَرْباً، فلَمْ أرَ عَبْقَرياً من الناسِ يَفْرِي فَرْيَهُ، حتى رَوِيَ النَّاسُ، وضَرَبُوا العَطَنَ"[[155]]متفق عليه.

3- بعضُ ما قِيلَ في فضلِ أبي بكرٍ الصِّديق، وعُمَرَ بن الخطابِ معاً، رضي الله عنهما.

عن عليٍّ بن أبي طالب قال: كنتُ مع رسول الله r، إذ طلعَ أبو بكرٍ وعمر، فقال رسولُ الله r: "هذان سيِّدا كُهولِ أهلِ الجنَّة من الأولين والآخرِين، إلا النبيِّين والمُرسَلين، يا عليُّ لا تُخبِرْهُما"[[156]].

وفي رواية لابن ماجه: "لا تُخبرهما يا عليُّ ما داما حَيَّيْنِ"[[157]].

وعن عبدِ اللهِ بنِ حَنْطَبٍ: أن النبيَّ r رأى أبَا بكرٍ وعمرَ، فقال: "هَذان السَّمْعُ والبَصَرُ"[[158]].

عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسولُ الله r: "أبو بكرٍ وعُمَرُ من هذا الدين كمنزِلَةِ السَّمْعِ والبَصَرِ من الرَّأسِ"[[159]].

وعن أبي سعيد الخُدري، قال: قال رسولُ الله r: "إنَّ أهلَ الدَّرَجاتِ العُلَى يَراهُم مَنْ أسفَلَ منهم كما يُرَى الكوكَبُ الطَّالِعُ في الأفُقِ من آفاقِ السَّماءِ، وإنَّ أبا بكرٍ وعُمَرَ مِنهُم، وأنْعَمَا"[[160]].

وعن أبي هريرة قال: سَمِعتُ رسولَ اللهِ r يقول: "بَيْنَما رجلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً إذْ رَكِبَها فضَرَبَها، فقالت: إنَّا لم نُخْلَقْ لهذا، إنَّمَا خُلِقْنا لِلْحَرْثِ"، فقال النَّاسُ: سُبحانَ اللهِ بَقَرَةٌ تَكَلَّمُ، فقال: "فإنِّي أومِنُ بهذا أنا وأبو بَكرٍ وعُمَرُ ـ وما هُمَا ثَمَّ ـ، وبَينَما رجلٌ في غَنَمِه إذْ عَدَا الذِّئبُ فذَهَبَ مِنْها بِشاةٍ، فطَلَبَ حتَّى كأنَّه استنقَذَها منه، فقالَ لهُ الذِّئبُ هذا: استَنْقَذْتَهَا مِنِّي، فَمَنْ لَها يَومَ السَّبْعِ، يَومَ لا رَاعٍ لها غَيرِي"، فقال الناسُ: سُبحانَ اللهِ ذِئبٌ يتكَلَّمُ، قال: "فإنِّي أُوْمِنُ بهذا أنا وأبو بكرٍ وعُمَرُ"، وما هُمَا ثَمَّ[[161]] متفق عليه.

وعن ابن عباس، قال: وُضِعَ عُمرُ على سريرِه، فتَكَنَّفَهُ النَّاسُ يَدعون ويُصَلُّونَ قبلَ أن يُرفَعَ، وأنا فيهم، فلم يَرُعْني إلا رجلٌ آخِذٌ مَنْكِبي؛ فإذا عليُّ بنُ أبي طالبٍ، فترحَّم على عُمرَ، وقال: ما خَلَّفْتَ أحداً أحبَّ إليَّ أن ألقى اللهَ بمثلِ عَمَلِهِ منكَ، وأيْمُ الله إنْ كُنتُ ظُنُّ أن يَجعلَكَ اللهُ مع صاحِبَيكَ، وحسِبتُ: إنِّي كُنتُ كثيراً أسمَعُ النبيَّ r يقول: "ذَهَبتُ أنا وأبو بكرٍ وعُمرُ، ودخلتُ أنا وأبو بكرٍ وعُمَرُ، وخَرَجْتُ أنا وأبو بكرٍ وعُمَرُ"[[162]]متفق عليه.

وفي رواية: "كُنتُ وأبو بكرٍ وعُمرُ، وفعلتُ وأبو بكرٍ وعمرُ، وانطلَقتُ وأبو بكرٍ وعُمَرُ" متفق عليه.

وعن حُذيفة، قال: قال رسولُ الله r: "اقْتَدُوا باللَّذَيْنِ مِن بَعْدِي؛ أبي بكرٍ، وعُمَرَ"[[163]].

وفي رواية، عنه، قال: قال رسول الله r: "إني لا أَدرِي ما بقَائي فِيكُم، فاقتَدُوا باللَّذينِ من بَعْدِي "؛ وأشار إلى أبي بكرٍ وعُمرَ[[164]].

وعن عمرو بن العاص، أن النبيَّ r بعثَه على جيشِ ذاتِ السَّلاسِلِ، فأتيتُهُ، فقُلتُ: أيُّ الناسِ أحَبُّ إليكَ؟ قال: "عائشةُ". فقلتُ: من الرِّجالِ؟ فقال: "أبُوها". قلت: ثم مَن؟ قال: "عُمرُ بنُ الخَطَّابِ". فعدَّ رِجالاً، فسَكَتُّ مخافَةَ أن يجعَلَني في آخِرِهِم. متفق عليه.

عن محمَّد بن الحَنَفِيَّةِ، قال: قُلتُ لأبي: أيُّ النَّاسِ خَيْرٌ بَعْدَ رَسولِ اللهِ r؟ قال: أَبُو بَكرٍ، قلت: ثُمَّ مَن؟ قال: ثُمَّ عُمَرُ، وخَشَيتُ أن يَقُولَ عُثمانُ، قُلتُ: ثم أنتَ؟ قال: مَا أنا إلا رَجُلٌ مِنَ المُسلِمينَ[[165]]البخاري. 

وعن عبد الله بن سلَمَةَ، قال: سمعتُ علياً يقول: خيرُ الناسِ بعدَ رسولِ اللهِ r، أبو بكرٍ وعُمَرُ"[[166]].

وعن أبي جُحَيْفَة، قال: كنتُ أَرى عليَّاً أفضلَ الناسِ بعدَ رسول لله r، فذكَرَ الحديث، قلتُ: لا والله يا أميرَ المؤمنين، إني لم أكنْ أَرى أنَّ أحداً مِنَ المسلمين بَعدَ رسولِ اللهِ r أفضَلَ منك، قال: أَفلا أُحدِّثُكَ بِأَفضَلِ الناسِ كانَ بعدَ رَسولِ الله r؟ قال: قلت: بَلَى، فقال: أبو بكرٍ، فقال: أفََلا أُخْبرك بِخَير الناسِ كان بعدَ رسولِ الله r وأبي بكرٍ؟ قلت: بلى، قال: عُمَر[[167]].

وعَن عَبدِ الله بن شقيق قال: قلتُ لعائشة: أيُّ أصحابِ النبيِّ r كانَ أحب إليه؟ قالت: أبو بكرٍ، قلتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قالت: ثُمَّ عُمَرُ، قلت: ثم مَن؟ قالت: ثم أبو عُبَيْدَة بنُ الجَرَّاحِ، قُلتُ: ثُمَّ مَن؟ فسَكَتَت[[168]].

وعن أبي هُريرة قال: قال رسولُ الله r: "نِعْمَ الرَّجُلُ أبُو بَكْرٍ، نِعْمَ الرَّجُلُ عُمَرُ، نِعْمَ الرَّجُلُ أَبو عُبيْدَةَ بنُ الجَرَّاح"[[169]]. 

        4- بعضُ ما قِيلَ في فضلِ عُثمانِ بن عفَّان، رضي الله عنه، وما له من حقِّ.

        عن عمْرو القُرَشي، عن النبي r قال: "من يحفر بِئرَ رُوميةَ فله الجنَّةُ"، فحفَرها عُثمانُ، وقال: "من جَهَّزَ جيشَ العُسْرَةِ فله الجنَّةُ"، فجهَّزَهُ عُثمانُ. البُخاري.

وعن عبد الرحمن بن سمرة، قال: جاءَ عثمانُ إلى النبيِّ r بألفِ دينارٍ في كُمِّهِ حين جهَّزَ جيشَ العُسْرَةِ، فَنَثَرَها في حِجْرِه. قال عبد الرحمن: فرأيتُ النبيَّ r يُقَلِّبُها في حِجرِه ويقول: "ما ضَرَّ عُثمانَ ما عَمِلَ بعد اليومِ مَرَّتَين"[[170]]. 

وعن جابر بن عبد الله، عن النبي r قال: "عُثمانُ في الجنَّةِ"[[171]].

وعن عائشة، قالت: كان رسولُ الله r مُضْطَجِعاً في بيتِي، كاشِفَاً عن فَخِذَيه أو ساقَيْهِ، فاستَأذَن أبو بكرٍ، فأَذِن له وهو على تِلك الحَالِ، فتَحَدَّثَ، ثم استَأذَن عُمرُ، فأَذِنَ له وهو كذلك، فتَحَدَّث، ثم استَأذَن عُثمانُ، فجَلَسَ رسولُ اللهِ r وسَوَّى ثيابَه، فدخَلَ فتَحَدَّث، فلمَّا خرَجَ قالت عائشةُ: دخلَ أبو بكرٍ فلم تَهْتَشَّ له، ولم تُبالِهِ، ثم دخلَ عُمرُ فلم تهتَشَّ له ولم تُبالِه، ثم دخل عثمانُ فجَلسْتَ وسوَّيْتَ ثيابَكَ، فقال: "ألا أستَحِي من رَجُلٍ تَسْتَحِي منه الملائِكَةُ"[[172]] مسلم.

        وفي رواية: "إنَّ عُثمانَ رجلٌ حَيِيٌّ، وإنِّي خَشِيتُ، إن أذِنتُ له على تِلكَ الحَالِ أن لا يَبْلُغَ إليَّ في حاجَتِهِ" مسلم.

وعن كعب بن عُجْرة، قال: ذَكَرَ رسولُ الله r فتنةً فقَرَّبها، فمَرَّ رجلٌ مُقنَّعٌ رأسُه، فقال رسولُ الله r: "هذا يَومَئذٍ على الهُدَى". فوثَبتُ فأخَذتُ بِضَبْعَي عُثمانَ، ثم استَقبَلتُ رسولَ اللهِ r، فقلتُ: هذَا؟ قال: "هذَا"[[173]].

وعن عائشة، أن النبي r قال: "يا عثمانُ إنَّه لعَلَّ اللهَ يُقَمِّصُكَ قَمِيصَاً؛ فإن أرادُوكَ على خَلْعِهِ فلا تخلَعْهُ لهم"[[174]].

وفي رواية لابن ماجه: "يا عُثمانُ إنْ ولاَّكَ اللهُ هذا الأمرَ يوماً، فأرادَكَ المنافقون أن تَخْلَعَ قَميصَكَ الذي قَمَّصَكَ اللهُ، فلا تَخْلَعْهُ"، يقول ذلك ثلاثَ مرَّاتٍ[[175]].

وعن عائشة، قالت: قال رسولُ الله r في مَرَضِهِ: "وَدِدْتُ أنَّ عِنْدِي بَعْضَ أَصْحَابي" قُلْنَا: يَا رَسُولَ الله! أَلا نَدعُو لَكَ أَبا بَكْرٍ؟ فَسَكَتْ. قُلنَا: أَلا نَدعو لكَ عُمَرَ؟ فَسَكَتَ. قُلْنا: أَلا نَدعُو لَكَ عُثمَانَ؟ قال: "نَعَم" فجَاء، فَخَلا بِه، فَجَعَلَ النبي r يُكَلِّمُه، وَوَجْهُ عُثمانَ يَتَغَيَّرُ.

قالَ قَيسٌ: فَحَدَّثَني أَبُو سَهْلَةَ، مولى عثمان: أنَّ عُثمانَ بن عفانَ قال، يومَ الدَّارِ: إِنَّ رَسولَ الله r عَهِدَ إليَّ عّهداً، فَأَنا صائِرٌ إليه[[176]].

وفي رواية للترمذي: عن أبي سهلة، قال: قال لي عُثمانُ يومَ الدَّارِ: إنَّ رسولَ الله r قد عَهِدَ إليَّ عَهْداً فأنا صابِرٌ عليه[[177]].

وعن ابن عمر قال: ذَكَرَ رسولُ الله r فتنةً، فقال: "يُقْتَلُ هذا فيها مَظلُوماً"، لعثمان بن عَفَّان رضي الله عنه[[178]].

5- بَعضُ ما قِيل في فضلِ أبي بكرٍ، وعمر، وعُثمان مَعَاً، رضي الله عنهم أجمعين.

عن أنس بم مالِكٍ، أنَّ النبي r صَعِدَ أُحُداً، وأبو بكرٍ وعمرُ وعُثمانُ، فرجَفَ بهم، فضرَبَه برِجْلِه، فقال: "اثبُتْ أُحُدُ، فإنَّمَا عليكَ نبيٌّ وصِدِّيقٌ وشَهِيدان"[[179]] البخاري.

وعن ابن عمر، قال: كُنَّا في زَمَنِ النبِّي r لا نَعْدِلُ بأبي بَكرٍ أَحَداً، ثمَّ عمرَ، ثم عُثمانَ، ثم نتركُ أصحابَ النبيِّ r لا نُفاضِلُ بينهم"[[180]]البخاري.

وفي رواية لأبي داود، عن ابن عمر قال: "كُنَّا نقولُ ورسولُ اللهِ r حَيٌّ: أفضلُ أمَّةِ النبيِّr بَعدَهُ أبو بكرٍ، ثم عمرُ، ثم عثمانُ"[[181]].

وعن أبي موسى الأشعري، قال: بينما رسولُ اللهِ r في حائطٍ من حوائِطِ المدينةِ، وهو مُتَّكِئٌ يَرْكُزُ بعودٍ معه بين الماءِ والطينِ، إذا استَفْتَحَ رَجُلٌ، فقال: "افتَحْ، وبَشِّرْهُ بالجنَّةِ"، قال ـ أي أبو موسى الأشعري ـ: فإذا أبو بكرٍ، ففَتَحتُ له وبَشَّرْتُهُ بالجنَّةِ، ثم استَفْتَحَ رجلٌ آخَرُ، فقال: "افتَحْ، وبَشِّرْهُ بالجنَّةِ"، قال: فذهبتُ، فإذا هو عُمَرُ، ففتحتُ له وبَشَّرْتُهُ بالجنَّةِ، ثمَّ استفتحَ رجلٌ آخَرُ، قال: فجلسَ النبيُّ r فقال: "افتَحْ وبَشِّرْهُ بالجنَّةِ على بَلْوَى تكونُ ـ وفي رواية: ائذَن لهُ وبَشِّرْه بالجنَّةِ، على بلْوَى سَتُصِيبُهُ"، قال: فذَهبتُ فإذا هو عُثمانُ بنُ عفانَ ، ففَتَحْتُ وبَشَّرْتُهُ بالجَنَّةِ، وقلتُ الذي قال، فقال: اللهمَّ صَبراً، واللهُ المُستعَانُ[[182]]متفق عليه.

6- بعضُ ما قِيل في فضلِ عليِّ بن أبي طالب، رضي الله عنه، وما لهُ من حَقٍّ.

عن سعد بن أبي وقاص، أن رسولَ اللهِ r خَرَجَ إلى تَبُوك، واستَخْلَفَ عليَّاً، فقال: أتُخَلِّفُني في النِّساءِ والصِّبيانِ؟ فقالَ r: "ألا تَرْضَى أن تكونَ مِنِّي بمنزِلَةِ هارونَ مِن مُوسى، إلا أنَّه لا نبيَّ بَعْدِي"[[183]]متفق عليه.

وعن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ، أنَّ رسولَ الله r قال يومَ خيبَرَ: "لأُعطِيَنَّ هذه الرَّايَةَ غداً رجُلاً يَفتَحُ اللهُ على يَدَيهِ، يُحِبُّ اللهَ ورسولَهُ، ويُحِبُّهُ اللهُ ورسولُه". فباتَ النَّاسُ يَدُوكونَ ليلتَهُم أيُّهم يُعْطَاها، قال: فلمَّا أصبحَ الناسُ غَدَوا على رسولِ الله r كلُّهم يَرجو أن يُعْطَاها، فقال r: "أينَ عليُّ بنُ أبي طالِبٍ؟" فقالوا: هو يا رسولَ اللهِ يَشْتَكِي عَيْنَيه. قال: "فأرسِلُوا إليه"، فأُتِيَ به، فبَصَقَ رسولُ الله r في عَيْنَيْهِ، ودعا لَهُ، فَبَرأ حتى كأَنْ لم يَكُنْ به وجَعٌ، فأعطاهُ الرَّايَةَ[[184]] متفق عليه.

وعن عليٍّ قال: والذي فَلَقَ الحبَّةَ وبَرَأَ النَّسْمَةَ إنَّهُ لَعَهِدَ النبيُّ الأُمِّي r إليَّ: "أن لا يُحِبُّني إلا مؤمنٌ، ولا يُبْغِضُنِي إلا مُنافقٌ"[[185]]مسلم.

وعن أمِّ سَلَمة، قالت: أَشهدُ أني سمعتُ رسولَ الله r يقول: "من أحَبَّ عليَّاً فقد أَحبَّني، ومَن أَحَبَّني فقَد أحبَّ اللهَ U، ومَن أبْغَضَ عليَّاً فقد أبغَضَنِي، ومَن أبغَضَني فقَدْ أبغَضَ اللهَ عَزَّ وجَلَّ"[[186]]. 

وعن زيد بن أرقم، قال: قال رسولُ الله r: "مَن كُنتُ مَولاهُ، فعليٌّ مَوْلاهُ، اللهمَّ وَالِ مَن وَالاهُ، وعَادِ من عَادَاهُ"[[187]].

وعن البراء بن عازب، قال: أقبلنا مع رسول الله r في حجته التي حج فنزل في بعض الطريق، فأمَرَ الصلاةَ جامِعَة، فأخذ بيدِ عليٍّ، فقال: "ألَستُ أَوْلى بِالمُؤمِنينَ مِن أَنفُسِهِم؟" قَالُوا: بَلى. قَالَ: "أَلَسْتُ أَولى بِكُلِّ مُؤمِنٍ مِن نَفسِهِ؟" قَالوا: بَلى. قالَ: "فَهذَا وَليُّ مَنْ أَنا مَولاهُ. اللهُمَّ وَالِ من والاهُ، اللهمَّ عادِ من عَاداه ُ"[[188]].

وعن عمران بن حُصين، عن النبي r قال: "إنَّ عليَّاً مِنِّي وأنا مِنْهُ، وهو وَلِيُّ كُلِّ مؤمِنٍ مِنْ بَعْدِي"[[189]].

وعن حَبَشِيِّ بنِ جُنادَةَ، قال: قال رسولُ الله r: "عليٌّ مِنِّي وأنا من عَلِيٍّ، ولا يُؤدِّي عنِّي إلا أنا أو عَليٌّ"[[190]].

وعن عمرو بن شَاس، عن النبيِّ r قال: "مَنْ آذَى عَليَّاً فقَد آذَاني"[[191]].

وعن أبي سعيد الخدري، قال: اشتكَى الناسُ عليَّاً رضوانُ الله عليه، فقام رسولُ الله r فينا خَطِيباً، فسمعته يقول: "أيُّها النَّاسُ! لا تَشْكُوا عليّاً؛ فوالله إنَّهُ لأحسَنُ في ذاتِ اللهِ ـ أو في سبيلِ اللهِ ـ من أن يُشْكَى"[[192]].

عن أبي سعيد الخدري، قال: كنا جلوساً ننتظرُ رسولَ الله r، فخرَجَ علينا من بعضِ بيوتِ نسائهِ، قال: فقمنا معه، فانقطعَت نعْلَه، فتَخَلَّفَ عليها عليٌّ يَخْصِفُها، فمَضَى رسولُ الله r ومَضَينا معه، ثم قامَ ينتظِرُه، وقمنا معه، فقال: "إنَّ مِنْكُم من يُقَاتِلُ على تأويلِ هذا القرآنِ، كما قَاتَلْتُ على تنْزِيلِه"، فاستَشْرَفنا وفينا أبو بَكرٍ وعُمرُ، فقال: "لا، ولكنَّهُ خاصِفُ النَّعْل". قال فجئنا نبشِّره، قال: وكأنه قد سَمِعَه[[193]].

وعن ابن عباس قال: "أوَّل مَن صَلَّى عليٌّ"[[194]].

7- بعضُ ما قِيلَ في فضلِ أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ مَعاً، رضي الله عنهم أجمعين.

وعن أبي هريرة، أن رسولَ الله r كان على حِرَاءٍ هو وأبو بكرٍ، وعُمَرُ، وعليٌّ، وعُثمَانُ، وطَلْحَةُ، والزُّبَيْرُ، فتَحَرّكَت الصَّخْرَةُ، فقال رسولُ الله r: "اهْدَأ، فمَا عليكَ إلا نبيٌّ أو صِدِّيقٌ أو شَهِيدٌ"[[195]] مسلم.

وفي رواية عنه، أن رسولَ اللهِ r كان على جَبَلِ حِرَاءٍ، فَتَحَرَّكَ، فقال رسُولُ الله r: "اسكُنْ، حِرَاءُ! فَمَا عَلَيْكَ إلا نَبِيٌّ أو صِدِّيقٌ أَو شَهِيدٌ"، وعليه النبي r وأبو بكرٍ وعُمَرُ وَعُثمانُ وَعليُّ وطَلحَةُ والزُّبَيْرُ وَسَعْدُ ابنُ أبي وَقَّاصٍ. مسلم.  

وعن أَنَسٍ بن مالِك؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ r قال: "أَرحَمُ أُمَّتي بِأمَّتِي أَبو بَكرٍ، وَأَشَدُّهم فِي دِينِ اللهِ عُمَرُ، وَأَصدَقُهُم حَيَاءً عُثمَانُ، وأَقضَاهُم عَلِيٌّ بنُ أَبي طالِبٍ، وأَقْرَؤهُمْ لِكِتابِ الله أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ، وأَعلَمُهُم بِالحَلالِ والحَرامِ مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ، وأَفرَضُهُم زَيدُ بنُ ثَابِتٍ، أَلا وإنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أمِيناً، وأَمينُ هذِهِ الأمَّةِ أَبو عُبَيْدَةَ بنُ الجَرَّاحِ"[[196]].

وعن سعيد بن زيدٍٍ بِن عمرو بن نفيل قال: كان رسولُ اللهِ r عاشِرَ عَشْرَةٍ؛ فقال: "أَبُو بَكْرٍ فِي الجَنَّةِ، وَعُمَرُ فِي الجَنَّة، وعُثمانُ في الجَنَّةِ، وَعَليٌّ فِي الجَنَّةِ، وطَلحَةُ فِي الجَنَّةِ، والزُّبَيرُ فِي الجنَّةِ، وَسَعْدٌ فِي الجنَّة، وَعَبدُ الرَّحمن فِي الجَنَّةِ"، فَقيل لهُ: مَنِ التَّاسِعُ؟ قالَ: أَنَا[[197]]. 

وعن عبد الله بن مسعود، قال: سمعتُ رسولَ الله r يقول: "القائِمُ بعدي في الجنَّةِ، والذي يقومُ بعدَه في الجنَّةِ، والثالِثُ والرَّابعُ في الجنَّةِ"[[198]].

وعن العِرْباض بن سارية، قال: وعَظَنا رسولُ الله r موعِظَةً ذَرَفَت منها العيون، ووجلَت منها القلوبُ، فقلنا يا رسولَ اللهِ، إنَّ هذه لموعظةُ مُودِّعٍ، فماذا تعهَد إلينا؟ قال: "قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلى البَيضَاء؛ لَيلُهَا كَنَهَارِها. لا يَزِيغُ عَنهَا بَعدِي إلاَّ هَالِكٌ. مَنْ يَعِشْ مِنكُمْ فَسَيَرى اختِلافَاً كَثِيراً، فَعَلَيكُم بِما عَرَفتُم مِن سُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفاءِ الرَّاشِدينَ المَهدِيين، عَضُّوا علَيها بالنَواجِذِ".

وفي روايةٍ: "سَتَرَونَ مِنْ بَعدِي اختِلافاً شَديداً، فَعَلَيكُم بِسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلَفاءِ الرَاشِدين المَهدِيِّين، عَضُّوا عَلَيها بِالنَواجِذ، وإِيَّاكُم والأمورَ المُحدَثاتِ، فإنَّ كُلَّ بِدعَةٍ ضَلالة"[[199]].

وفي رواية لأبي داود: "فإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرى اختِلافاً كَثِراً، فعليكُم بِسُنَّتِي وسُنَّةِ الخُلَفاءِ المَهدِيينَ الرَّاشِدينَ تَمَسَكُوا بِها، وعَضوا عَلَيها بِالنَواجِذِ، وإيَّاكُم ومُحدَثاتِ الأُمورِ فَإنَّ كُلَّ مُحدَثَةٍ بِدعَةٌ، وكُلَّ بِدعَةٍ ضَلالةٌ"[[200]].

8ـ بَعضُ ما قِيلَ في فضلِ الحسَنِ والحُسَين رضي الله تعالى عنهما، وما لهُما من حَقٍّ. 

عن البَرَاء بن عازِب، قال: رأيتُ النبيَّ r والحسَنُ بنُ عليٍّ على عاتِقِه، يقول: "اللهُمَّ إنِّي أُحِبُّهُ، فأَحِبَّهُ" متفق عليه.

وعن أبي هريرة، قال: ما رأيتُ حَسَناً قطّ إلا فاضَتْ عَينَاي دُمُوعاً، وذلك أن النبيَّ r خرجَ يوماً فوجَدني في المسْجِد، فأخذَ بيدِي، فانطلَقتُ معه، فما كلَّمَني حتى جِئنا سوقَ بني قَيْنُقَاعٍ، فطافَ به ونظرَ، ثم انصرفَ وأنا معه حتى جِئْنَا المسجدَ، فجلَسَ فاحْتَبَى، ثم قال: "أين لُكَاعُ؟ ادعُ لي لُكاعَ". فجاء حسَنٌ يَشْتَدُّ فوقَعَ في حِجْرِهِ، ثم أدخَلَ يدَهُ في لحيتِه، ثم جعلَ النبيُّ r يفتحُ فاهُ، فيُدْخِل فاهُ في فِيهِ، ثم قال: "اللهمَّ إني أُحِبُّه، فأَحْبِبْهُ، وأَحِبْ مَن يُحِبُّه"[[201]].

وعن أُسامَةَ بنِ زيدٍ رضي الله عنهما، عن النبيِّ r أنه كان يأخُذُه والحَسَنَ، ويقولُ: "اللهُمَّ إنِّي أُحِبُّهُما فأَحِبَّهُمَا" البخاري.

وعنه، قال رسولُ الله r ـ عن الحَسَن والحُسَين ـ: "هذانِ ابْنَاي وابْنَا ابنَتي، اللهمَّ إنِّي أحِبُّهُما فأَحِبَّهُما، وأحِبْ مَن يُحِبُّهُما"[[202]].

وعن يعلى بن مُرَّة، قال: قال رسولُ الله r: "حُسَيْنٌ مِنِّي، وأنا من حُسَيْن، أحبَّ اللهُ مَن أَحَبَّ حُسَيْنَاً، حُسَيْنٌ سِبْطٌ مِنَ الأَسْبَاطِ"[[203]].

وعن أبي هريرة، قال: خرَجَ علينا رسولُ الله r ومعه حَسَنٌ وحُسَينٌ، هذا على عاتِقِه، وهذا على عاتِقِه، وهو يَلْثُمُ هذا مرَّةً، ويَلثُمُ هذا مَرّة، حتى انتهى إلينا، فقال له رجلٌ: يا رسولَ الله، إنَّك تُحِبُّهما. فقال r: "من أحبَّهُما فقَد أحبَّنِي، ومَن أبغَضَهُما فقَدْ أبغَضَني"[[204]].

وعن عبد الله بن مسعود، عن النبي r أنه كان يُصلِّي والحسَنُ والحُسينُ يَلعبانِ ويَقعُدانِ على ظهرهِ، فأخذَ المسلمون يُميطونَهُما، فلما انصَرَفَ، قال: "ذَرُوهما ـ بأبي وأُمِّي ـ مَن أحَبَّني فيُحِبَّ هذَينِ"[[205]].

وعن أبي سعيد الخُدري، قال: قال رسولُ الله r: "الحَسَنُ والحُسَيْنُ، سَيِّدَا شَبَابِ أهلِ الجنَّةِ"[[206]].

وعن أبي فاخِتَة، قال: قال علي: زارَنا رسولُ اللهِ r، فباتَ عِندنا؛ والحسَنُ والحُسَين نائمان، فاسْتَسْقَى الحسَنُ، فقام رسولُ الله r إلى قُربَةٍ لنا، فجعلَ يَعْصِرُها في القَدْحِ، ثم يَسقِيهِ، فتناولَهُ الحُسَيْنُ ليشْرَب فمنَعَهُ، وبدأ بالحسَنِ، فقالت فاطمةُ: يا رسولَ اللهِ! كأنَّه أحبُّ إليكَ؟ فقال: "لا، ولكنَّه استَسْقَى أوَّلَ مرَّةٍ". ثم قالَ رسولُ اللهِ r: "إنِّي وإيَّاكِ، وهذين، وهذا الرَّاقِدُ ـ يعني عليَّاً ـ يومَ القيامَةِ في مكانٍ واحدٍ"[[207]].

وعن جابر، عن النبيِّ r قال: "من سَرَّه أن ينظرَ إلى رجلٍ من أهلِ الجنَّةِ؛ فلينظُرْ إلى الحسَينِ بنِ عليٍّ"[[208]].

وعن أنسٍ، قال: "لم يكُن أحَدٌ أشبَهَ بالنبيِّ r من الحَسَنِ بِن عليٍّ" البخاري.

وعن أبي بَكْرَةَ، قال: رأيتُ رسولَ اللهِ r على المنبِر والحسَنُ بنُ عليٍّ إلى جَنْبِه، وهو يُقبِلُ على الناسِ مرَّةً وعليه أخْرَى، ويقول: "إنَّ ابنِي هذا سَيِّدٌ، ولعَلَّ اللهَ أن يُصلِحَ به بين فئتِين عَظِيمَتين من المسلمين"[[209]] البخاري.

وعن عليٍّ قال: دخلتُ على النبيِّ r ذاتَ يومٍ وعيناهُ تفيضان، قلت: يا نبيَّ الله أغضَبكَ أحدٌ؟ ما شأنُ عَيْنَيْكَ تَفِيضان؟ قال: "قامَ من عِندِي جبريلُ مِن قَبْلُ، فَحَدَّثَني أنَّ الحُسَين يُقتَلُ بشَطِّ الفُراتِ، فقال: هل لك إلى أن أُشِمَّك من تُرْبَتِه؟ قلت: نعم، فمَدَّ يدَهُ فقبضَ قبْضَةً من تُرابٍ فأعطانِيها، فلَم أملِك عينَيَّ أن فاضَتَا"[[210]].

وعن عبد الرحمن بن أبي نُعْمٍ قال: كُنتُ شاهداً لابنِ عُمَرَ، وسألهُ رجلٌ عن دَمِ البعوضِ[[211]]، ـ وفي رواية: وسأَلَهُ عن المُحْرِم يَقْتُلُ الذُّبابَ ـ؟ فقال: مِمَّن أنتَ؟ قال: من أهلِ العراقِ. قال: انظرُوا إلى هذا، يسألُني عن دمِ البَعُوْضِ؟ وقد قتَلُوا ابنَ النبيِّ r! وسمِعْتُ النبيَّ r يقول: "هما ـ أي الحسن والحسين ـ رَيْحَانَتَايَ مِنَ الدُّنْيَا" البخاري.

عن يحيى بن سعيد، قال: كنا عند علِيِّ بنِ الحُسَين فجاءَ قومٌ من الكوفيين، فقال علي: يا أهلَ العراقِ أحِبُّونا حُبَّ الإسلامِ، سمعتُ أبي يقول: قالَ رسولُ الله r: "يا أيُّها الناس! لا ترفعوني فوقَ قدْرِي، فإن الله اتخذني عَبْداً قبل أن يتَّخَذَني نَبيَّاً"[[212]].

9ـ بعضُ ما قِيلَ في فضلِ أمِّ المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، وما لها مِن حَقٍّ.

قال تعالى: )إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ * لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ * لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ * وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ * وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ * يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(النور:11-17[[213]]. 

عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: قالَ رسولُ الله r يوماً: "يا عائِشَ هذا جبريلُ يُقرِئُكِ السَّلامَ" فقلتُ: وعليه السلامُ ورحمةُ الله وبركاتُهُ، تَرَى ما لا أرى؛ تُريدُ رسولَ الله r. متفق عليه.

وعن أنس بنِ مالكٍ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ r يقول: "فضلُ عائشةَ على النساء؛ كفَضْلِ الثَّرِيدِ على سائرِ الطعامِ"[[214]] متفق عليه.

 وعن هِشامٍ، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ النَّاسَ كانوا يَتَحَرَّونَ بِهَدَايَاهُم يَومَ عائشةَ، يبتغون بها مرْضَاةَ رسولِ اللهِ r. قالت: فَاجتَمَعَ صَوَاحِبي إلى أُمِّ سَلَمَةَ، فَقُلنَ: يَا أُمَّ سَلَمَة، واللهِ إن النَّاسَ يَتَحرَّونَ بِهَداياهُم يَومَ عَائِشَةَ، وإِنَّا نُرِيدُ الخَيرَ كَمَا تُريدُهُ عَائِشَةُ، فَمُري رسولَ الله r أن يَأمُرَ الناس أن يُهدُوا إِلَيهِ حيثُ مَا كانَ، أو حَيثُما دارَ، قالت: فَذَكَرَت ذلكَ أُمُّ سَلَمَةَ لِلنَبِيِّ r، قالت: فَأَعرَض عَنِّي، فَلَما عَادَ إِلَيَّ ذَكَرتُ لهُ ذاكَ فأعرَضَ عَنِّي، فَلَما كانَ في الثَّالِثَةِ ذَكَرْتُ له فقال: "يَا أُمَّ سَلَمَةَ لا تُؤذِيِني فِي عائِشَةَ، فَإِنَّهُ واللهِ ما نَزَلَ عَليَّ الوَحيُ وأَنا فِي لِحَافِ امرَأةٍ مِنكُنَّ غَيرِهَا" متفق عليه.

وفي رواية لمسلم، عن عائشةَ زوجِ النبيِّ r قالت: أرسَلَ أزواجُ النبيِّ r فاطِمَةَ بنْتَ رسولِ اللهِ r إلى رسُولِ اللهِ r، فاستأذَنَتْ عليه وهو مُضْطَجِعٌ مَعِيَ في مِرْطِي، فأذِنَ لها، فقالت: يا رسولَ اللهِ إنَّ أزواجَكَ أرْسَلْنَنِي إليكَ يسْألْنَكَ العدْلَ في ابنَةِ أبي قُحافَةَ، وأنا ساكِتَةٌ، قالت: فقال لها رسولُ اللهِ r: "أيْ بُنَيَّةُ أَلَسْتِ تُحبِّينَ ما أُحِبُّ؟"، فقالت: بَلى، قال: "فأَحِبِّي هذِهِ". فرجَعَت إلى أزواجِ رسولِ اللهِ r فأخبَرَتْهُنَّ بالذي قالت، وبالذي قال لها رسولُ الله r. فقالت فاطِمَةُ: واللهِ لا أُكَلِّمُهُ فيها أبَدَاً[[215]]. 

وعن عمرو بن العاص، قال: أتيْتُ النبيَّ r، فقُلتُ يا رسولَ الله: أيُّ الناسِ أحَبُّ إليكَ؟ قال: "عائِشَةُ". فقلتُ: من الرِّجالِ؟ فقال: "أبُوها" متفق عليه.

وعن عائشة، أن رسولَ الله r ذكَرَ فاطِمَةَ، قالَت: فتكلمتُ أنا، فقال r: "أمَا ترضَينَ أن تَكوني زوجَتِي في الدُّنيا والآخرِة ؟" قلتُ: بلى والله! قال: "فأنتِ زوجتي في الدُّنيا والآخرِة"[[216]].

وعنها، قالت: قال لي رسولُ الله r: "إنه لَيُهَوِّنُ عليَّ الموتَ إن أُرِيْتُكِ زوجتي في الجنَّةِ"[[217]].

وعنها، قالت: أن جبريل جاء بصورتها في خِرقَةِ حَريرٍ خضراء إلى النبيِّ r فقال: "هذه زوجَتُكَ في الدُّنيا والآخِرَةِ"[[218]].

وعن هِشام بنِ عُرْوَةَ، عن أبيه: أنَّ رسولَ الله r لما كانَ في مرَضِهِ، جعلَ يدورُ في نِسائِه، ويقول: "أينَ أنا غداً، أينَ أنا غداً "؛ حِرصاً على بيتِ عائشةَ، قالت عائِشَةُ: فلمَّا كانَ يومِي سَكَنَ" متفق عليه.

وفي رواية لمسلم: عَن عائِشَة قَالَت: إِن كَانَ رَسُولُ الله r لَيَتَفَقَدُ يَقُولُ: "أَينَ أَنا اليَومَ؟ أينَ أنا غَدَاً؟" استِبطَاءً لِيَومِ عائِشَةَ، قَالَت: فَلَمَّا كَانَ يَومِي قَبَضَهُ اللهُ بَينَ سَحْرِي وَنَحْرِي[[219]]. 

وعن أبي موسى، قال: ما أشْكَلَ علينا أصحابُ رسولِ الله r حديثٌ قَطْ، فَسَألْنا عائشةَ إلا وجَدنَا عِندها مِنه عِلماً[[220]].

وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، قال: دخلتُ على عائشةَ رضي الله عنها، فقالت لي: كانَ رسولُ الله r يقول لي: "أَمْرُكُنَّ مما يَهُمُّني بعدي، ولن يَصبِرَ عليكُنَّ ـ وفي رواية: لا يحنو عليكُنَّ مِن بعدي ـ إلا الصَّابرون". ثم قالت: فسَقَى اللهُ أباكَ من سلْسَبيل الجنة، وكان عبد الرحمن بن عوف قد وصلَهُنَّ بمال، فبيع بأربعين ألف[[221]].

وعن أبي هريرة، عن النبي r قال: "خَيْرُكُم خَيْرُكُم لأهلِي من بَعْدِي"[[222]].

وعن عائشةَ، قالت: لما رأيتُ من النبيِّ r طِيبَ النَّفْسِ، قلت: يا رسُولَ الله! ادعُ اللهَ لي، قال: "اللهُمَّ اغْفِرْ لعائِشةَ ما تقَدَّمَ مِن ذَنْبِها وما تأخَّرَ، وما أسَرَّت وما أعلَنَتْ"[[223]].

10ـ بعضُ ما قِيلَ في فَضلِ القرون الثَّلاثةِ الأولى مِنَ البِعْثَةِ، وما لها من حَقٍّ على ما بعدَها من القرون والسِّنين.

وعن عمران بنِ حُصَينٍ t قال: قالَ رَسُولُ الله r: "خَيرُ أُمَتِي قَرْني، ثُمَّ الذِينَ يَلونَهُم، ثُمَّ الذينَ يَلونَهُم، ثُمَّ إنَّ بَعدَكُم قَوماً يَشهَدُونَ وَلا يُستَشهَدونَ، وَيَخُونون ولا يُؤتَمَنونَ، ويَنذُرُون ولا يَفُونَ، ويَظهَرُ فيِهم السِّمَنُ"[[224]] متفق عليه.

وعن عبد الله بن مسعود، أنَّ رَسُولَ اللهِ r قال: "خَيرُ النَّاسِ قَرنِي، ثُمَّ الَّذينَ يَلونَهُم، ثُمَّ الذينَ يَلونَهُم، ثُمَّ يَجِيءُ قَومٌ تَسبِقُ شِهَادَةُ أَحَدِهِم يَمينَهُ، ويَمِينُهُ شَهَادَتَهُ"[[225]]متفق عليه.

وعن أبي هريرة قال: قالَ رسولُ الله r: خيرُ أمَّتِي القرن الذي بُعِثْتُ فيهم، ثمَّ الذين يَلُونَهم ـ واللهُ أعلَم أذَكَرَ الثَّالِثَ أم لا ـ ثمَّ يَخْلُفُ قومٌ يُحبونَ السَّمانَةَ، يَشْهَدُون قبلَ أن يُسْتَشْهَدُوا" مسلم. 

وعن عائشةَ قالت: سألَ رجلٌ النبيَّ r: أيُّ الناسِ خيرٌ؟ قال: "القَرْنُ الذي أنا فيه، ثُمَّ الثاني، ثمَّ الثالِثُ" مسلم.

وعن عمر بن الخطاب، قال: سمعتُ رسولَ الله r يقول: "خيرُ النَّاسِ قَرْنِي الذي أنا منهم، ثمَّ الذين يَلُونَهُم، ثمَّ الذين يَلُونَهُم، ثم يَنْشَأُ أقوامٌ يَفْشُوا فِيهم السِّمَنُ، يَشهَدُون ولا يُسْتَشْهَدُون، ولهم لَغَطٌ في أسواقِهم"[[226]].

عن جابر بن سمرة، قال: خطَبَنا عمرُ بن الخطاب بالجابِيَةِ، فقال: إن رسولَ الله r قامَ فينا مقامي فيكم، فقال: "احفظُوني في أصحابي، ثم الذين يَلُونَهُم، ثم الذين يلونَهُم، ثم يَفْشُوا الكَذِبَ، حتى يَشهَدَ الرجلُ، وما يُسْتَشْهدُ، ويَحْلِفَ وما يُسْتَحْلَفُ"[[227]].

وعن عمر t، قال: قال رسولُ الله r:" أكرموا أصحابي، فإنَّهم خيارُكم، ثمَّ الذين يَلُونَهم، ثم الذين يَلُونَهم، ثم يَظْهَرُ الكَذِبُ حتى إنَّ الرجلَ ليحْلِفُ ولا يُسْتَحْلَفُ، ويَشْهَدُ ولا يُسْتَشْهَدُ"[[228]]. 

وعن عبد الله بن بِسر قال: قال رسولُ الله r: "طُوْبَى لِمَنْ رآني، وطُوبى لِمَن رأَى مَن رآني، ولِمَن رأى مَن رأى مَن رآني وآمَنَ بِيَ"[[229]].

وعن واثِلَة بنِ الأَسْقَع، قال: قالَ رسولُ الله r: "لا تَزالُونَ بخيرٍ مادامَ فيكُم من رآني وصاحبني، واللهِ لا تزالون بخيرٍ مادامَ فيكم من رَأى من رآني وصاحَبَ من صاحَبَنِي، والله لا تزالون بخيرٍ مادامَ فيكُم مَنْ رأى مَنْ رأى مَن رآني، وصاحَبَ مَن صَاحَبَ مَنْ صاحَبَنِي"[[230]]. 

وعن ابن عباس، قال: قال رسُولُ الله r: "تَسْمَعُونَ ويُسْمَعُ مِنْكُم، ويُسْمَعُ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْكُم"[[231]].

وصلى الله على محمد النبيِّ الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم.

ـ من حقِّ الوالدين على الولدِ أن يبرهما ويُحسِن إليهما، وأن يصلَهما ولا يقطعهما، وأن يتواضعَ لهما ولا يعصيهما في معروفٍ.

قال تعالى: )وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ[[232]]وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً. وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً(الإسراء:24.

وقال تعالى: )وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانا([[233]]النساء:36.

وقال تعالى: )وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْك إلِيَّ المَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ(لقمان:14-15.

وقال تعالى: )وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ(العنكبوت:8[[234]].

وفي الحديث، عن عبد الله بن مسعود، قال: سألتُ رسولَ الله r، قلتُ يا رسولَ الله! أيُّ العملِ أفضل؟ قال: "الصلاةُ على ميقاتها"، قلت: ثم أي؟ قال: "بِرُّ الوالدين". قلت: ثم أي؟ قال: "الجهادُ في سبيلِ الله" متفق عليه.

وعن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله r: "لا يُجزئُ ولدٌ والدَهُ إلا أن يجِدَهُ مملوكاً فيشتريَهُ فيُعتِقَهُ" مسلم.

وعن عبد الله بن عمرو، قال: جاء رجلٌ إلى النبي r فاستأذنَه في الجهاد، فقال: "أحيٌّ والداك؟" قال: نعم. قال: "ففيهما فجاهد" متفق عليه.

وفي رواية: عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله r: "ارجع إلى أبوَيكَ فاستأذنهما، فإن أذنا لك فجاهد، وإلا فبرَّهما"[[235]].

وعن عبد الله بن عمرو: أنَّ رجلاً أتى النبي r، فقال: إني جئتُ أبايُعكَ على الهجرةِ، ولقد تركتُ أبوَيَّ يبكيان! قال: "ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما"[[236]].

وعنه، قال: أقبَلَ رجلٌ إلى رسول الله، فقال: أُبايعك على الهجرةٍ والجهادِ، أبتغي الأجرَ من الله، قال: "فهلْ من والديكَ أحدٌ حيٌّ؟"، قال: نعم؛ بل كلاهما حيٌّ. قال: "فتبتغي الأجرَ من الله؟"، قال: نعم. قال: "فارجعْ إلى والديكَ فأحسِن صُحبتَهُما"[[237]]مسلم.

وعن أبي هريرة، عن النبي r، قال: "رَغِمَ أنفُ [[238]]، ثم رغِمَ أنفُ، ثمَّ رغِمَ أنفُ"، قِيل: من يا رسولَ الله؟ قال: "مَن أدركَ أبوَيه عند الكبر أحدَهما أو كِلَيهما، فلم يدخُل الجنةَ"[[239]]مسلم.

وعن جابر بن سمرة، قال: صعدَ النبيُّ المنبرَ فقال: أتاني جبريل u فقال: يا محمد! من أدرَكَ أحدَ أبويه فمات فدخل النار[[240]]، فأبعدَهُ الله، قل: آمين، فقلت: أمين .."[[241]].

وفي رواية من حديث أبي هريرة: "ومن أدرك أبَوَيه أو أحدهما، فلم يبرُّهما فمات، فدخلَ النار، فأبعده الله، قل:آمين. فقلت: "آمين"[[242]].

وفي رواية من حديث ابن عباس: "ومن أدركَ والديهِ أو أحدَهُما فلم يبرَّهما؛ دخلَ النارَ، فأبعدَهُ اللهُ وأسحَقَهُ. قلت: آمين"[[243]].

وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسولُ الله r: "رِضا الله في رِضا الوالِد، وسخَطُ اللهِ في سَخَطِ الوالِد"[[244]].

وفي رواية عنه: "رضا الربِّ تباركَ وتعالى في رضا الوالدين، وسخَطُ الله تباركَ وتعالى في سخَطِ الوالدين"[[245]].

ـ بِرُّ الوالدين من أفضلِ الأعمال، التي يُتوسَّلُ بها إلى الله تعالى.

عن ابن عمر، عن النبيِّ r، قال: "خرجَ ثلاثةٌ يمشون، فأصابهم المطرُ، فدخلوا في غارٍ في جبل فانحطَّت عليهم صخرةٌ.قال: فقال بعضُهم لبعضٍ: ادعوا اللهَ بأفضل عملٍ عملتمُوه. فقال أحدهم: اللهم إني كان لي أبَوان؛ شيخان كبيران، فكنت أخرجُ فأرعى، ثم أجيء فأحلِبُ، فأجيء بالحِلاب، فآتي به أبوَيَّ فيشربان، ثم أسقي الصبية وأهلي وامرأتي. فاحتُبستُ ليلةً، فجئتُ فإذا هما نائمان. قال: فكرهتُ أن أوقظَهُما والصُّبية يتضاغَون عند رجلي[[246]]، فلم يزل ذلك دَأبي ودأبَهُما حتى طلعَ الفجرُ. اللهمَّ إن كنتَ تعلمُ أني فعلتُ ذلك ابتغاءَ وجهك فافرُج عنا فُرجَةً نرى منها السماء، قال: ففُرج عنهم .." متفق عليه.

ـ آدابٌ ينبغي أن تُراعَى عند تعامُلِ الولدِ مع أبيه.

عن عُروةَ، أن أبا هريرة أبصَرَ رجلين، فقال لأحدهما: ما هذا منكَ؟ فقال: أبي، فقال: "لا تُسمِّهِ باسمهِ، ولا تمشِ أمامَه، ولا تجلِسْ قبلَه"[[247]].

وعن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله r: "لا يجلِسُ الرجلُ بين الرجلِ وابنه في المجلس"[[248]].

ـ من بِرِّ الولَدِ لأبيه بعد موتِه أن يدعُو له، ويَتصدَّق عنه .. وأن يَصلَ أهلَ ودِّ أبيه؛ فينظر أصدقاءَه وأخلاءه فيزورهم، ويصلهم، ويُكرمهم.  

عن ابن عمر، قال: قال رسولُ الله r: "إن أبَرَّ البِرِّ أن يصلَ الرجلُ أهلَ ودِّ أبيه، بعد أن يُولِّي الأبُ"[[249]].

وعن أبي بردة قال: قدمتُ المدينةَ، فأتاني عبدُ الله بنُ عمرَ، فقال: أتدري لِمَ أتيتُكَ؟ قال: قلت: لا، قال: سمعتُ رسولَ الله r يقول: "من أحبَّ أن يصلَ أباهُ في قبره، فليصل إخوانَ أبيه بعدَه"، وإنه كان بين أبي عُمرَ وبين أبيكَ إخاءٌ وودٌّ، فأحببتُ أن أصِلَ ذلك [[250]].

وعن أنس، قال: قال رسولُ الله r: "من البرِّ أن تصلَ صديقَ أبيك"[[251]].

وعن أبي أُسيد قال: أتى رسولُ الله r رجلٌ من بني سلمَة، وأنا عنده، فقال: يا رسولَ الله، إن أبوَيَّ قد هلَكا، فهل بقي لي بعد موتها من بِرّهما شيءٌ؟ قال رسولُ الله r: "نعم؛ الصلاةُ عليهما، والاستغفارُ لهما، وإنفاذُ عهودِهما من بعدِهما، وإكرامُ صديقهما، وصِلَةُ رحمهما التي لا رحمَ لك إلا من قِبَلِهما". قال الرجل: ما أكثر هذا يا رسولَ الله وأطيبَهُ؟ قال: "فاعمل به"[[252]].

وعن أبي هريرة، قال: "تُرفَع للميتِ بعد موته درجَتُه، فيقول: أي رب! أي شيء هذه؟ فيُقال: ولدُكَ استغفرَ لك"[[253]].

وعنه، أن رسولَ الله r قال: "إذا ماتَ الإنسانُ انقطَعَ عنه عمَلُه إلا من ثلاثةٍ: إلا من صدقةٍ جاريةٍ، أو عِلمٍ يُنتفَعُ به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له" مسلم.

وعن ابن عباس، أنَّ رجلاً قال: يا رسولَ الله! إنَّ أُمِّي توفيت ولم توصِ، أفينفعها أن أتصدَّقَ عنها؟ قال: "نعم"[[254]].

ـ ما يحقُّ للوالدِ على ولَدِه، لا يحقُّ لغيرِه، والولدُ وما يملك من كسب أبيه .. وفضلُ من يَسعى على والديه. 

عن ابن عمر، قال: قال رسول الله r: "لا يحلُّ لرجلٍ أن يُعطي عطيَّةً أو يَهِبَ هِبةً فيرجعَ فيها، إلا الوالدُ فيما يُعطي ولَدَه، ومثَلُ الذي يُعطي العطيَّة ثم يرجع فيها، كمثل الكلب يأكلُ، فإذا شبعَ قاءَ ثم عادَ في قَيئهِ"[[255]].

وعن عائشة، قالت: قال رسولُ الله r: "إن أطيبَ ما أكلَ الرجلُ من كسبه، وإنَّ ولَدَ الرجلِ من كسبه"[[256]].

وعنها، عن النبي r أنه قال: "ولدُ الرجلِ من كسبه، من أطيبِ كسبه، فكلُوا من أموالِكُم"[[257]].

وعن عبد الله بن عمرو، أن رجلاً أتى النبي r، فقال: يا رسولَ الله، إنَّ لي مالاً وولداً، وإنَّ والدي يحتاجُ مالي؟ قال: "أنتَ ومالُك لوالدك؛ إن أولادَكُم من أطيبِ كسبِكُم، فكلوا من كسبِ أولادِكُم"[[258]].

        عن عائِشةَ رضي الله عنها، قالت: قال رسولُ الله r: "إنَّ أولادَكُم هِبةُ اللهِ لكم )يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ(، فهم وأموالُهم لكم إذا احتجتُم إليها"[[259]].

        وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله r: "من سَعى على والديه؛ ففي سبيلِ الله، ومن سعى على عِيالِه ففي سبيلِ الله، ومن سعى على نفسه ليُعِفَّها؛ ففي سبيل الله، ومن سعى على التكاثُر؛ ففي سبيل الشيطان، وفي رواية: الطاغوت"[[260]].

        ـ بِرُّ الوالدين وهما على الكفرِ والشِّركِ.

عن أسماء بنت أبي بكر الصديق، قالت: قدِمَت عليَّ أُمي وهي مشركةٌ في عهدِ رسولِ الله r، فاستفتيتُ رسولَ الله r، قلت: قدمت علي أُمِّي وهي راغبةٌ [[261]]، أفأصِلُ أمي؟ قال: "نعم صِلي أُمَّك" متفق عليه.

وعن أبي هريرة، قال: مرَّ رسولُ الله r على عبدِ الله بن أُبيِّ ابن سَلُول ـ رأس النفاق ـ  وهو في ظلِّ أجمَةٍ ـ أي شجرة ـ فقال: قد غبَّرَ علينا ابنُ أبي كَبشَةَ[[262]]! فقال ابنه عبد الله بن عبد الله: والذي أكرمَكَ وأنزَلَ عليكَ الكتاب!، إن شِئتَ لأتيتُكَ برأسه، فقال النبيُّ r: "لا؛ ولكن بِرَّ أباكَ، وأحسِنْ صحبتَهُ"[[263]].

ـ للأمِّ زيادَةُ فضلٍ على الولدِ، وهي أحقُّ الناسِ بصحبته.

عن أبي هريرة، قال: جاء رجلٌ إلى رسولِ الله r، فقال: يا رسولَ الله من أحقُّ الناسِ بحسن صحابَتي؟ قال: "أمُّكَ". قال: ثم مَن؟ قال: "أمُّك". قال: ثم مَن؟ قال: "أمك". قال: ثم من؟ قال: "ثم أبوكَ" متفق عليه.

وعن معاوية بن جاهِمةَ، أن جاهِمةَ جاء إلى النبيِّ r، فقال: يا رسولَ الله! أردتُ أن أغزو، وقد جئت أستشيرك؟ فقال: "هل لك من أمٍّ؟" قال: نعم. قال: "فالزمها؛ فإن الجنَّةَ عند رِجلِها"[[264]].

وفي رواية: "الزمها، فإنَّ الجنَّة تحتَ أقدامِها"[[265]].

وفي رواية: "الزَمْ رِجلَها، فثمَّ الجنَّة"[[266]].

وفي رواية: فقال النبيُّ r: "ألكَ والدان؟"، فقلت: نعم، قال: "الزمْهُما؛ فإن الجنَّة تحتَ أرجُلِهما"[[267]].

وعن أبي أيوب، قال: سمعتُ رسولَ الله r يقول: "من فرَّق بين والدةٍ وولَدِها فرَّقَ اللهُ بينه وبين أحبَّتهِ يومَ القيامة"[[268]].

وعن معاوية بن حيدة، قال: قال رسولُ الله r: أُمَّكَ، ثمَّ أُمَّك، ثم أمك، ثم أبَاك، ثمَّ الأقربَ فالأقرب"[[269]].

وعن صعصعة المُجاشعي، أنَّ النبيَّ r قال: "أمَّك، وأبَاك، وأُختَك[[270]] وأخاك، وأدناك أدناك"[[271]].

وعن المِقدام بن مَعدي كَرِب أنه سمع رسولَ الله r يقول: "إنَّ اللهَ يُوصِيكم بأُمَّهاتِكم، ثمَّ يُوصيكم بأمهاتِكم، ثم يوصيكم بآبائِكم، ثم يُوصيكُم بالأقربِ فالأقرب"[[272]].

وعن أبي بُردة أنه شَهد ابن عمر، ورجلٌ يمانيَّ يطوفُ بالبيت، حملَ أُمَّه وراء ظهره، يقول:

إنِّي لها بعيرُها المُذلَّلْ ..... إن أُذعِرَتْ رِكابُها[[273]] لم أُذْعَرْ

ثم قال: يا ابنَ عمر! أتُراني جزيتُها ـ أي كافأتها حقها علي ـ؟ قال: لا؛ ولا بزفرةٍ واحدة[[274]].

وعن أبي مُرَّة، مولى أمِّ هانئ بنت أبي طالب، أنه ركبَ مع أبي هريرة إلى أرضه بـ" العقيق"، فإذا دخَلَ أرضَه صاحَ بأعلى صوته: عليكِ السلامُ ورحمة الله وبركاته يا أُمَّاه! تقول: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، يقول: رَحمكِ الله كما ربيتِني صَغِيراً. فتقول: يا بُنيَّ! وأنتَ؛ فجزاك اللهُ خيراً ورَضيَ عنكَ كما بَرَرْتني كبيراً[[275]].

ـ صِلَةُ الأرحام مجلبة للأرزاق، ومنسأة للأعمار. 

عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله r: "من سَرَّهُ أن يُعظِمَ اللهُ رزقَه، وأن يمدَّ في أجلِه، فليصِل رحمه" متفق عليه[[276]].

وعن سلمان، قال: قال رسول الله r: "لا يردُّ القضاءَ إلا الدعاءُ، ولا يزيدُ في العمرِ إلا البر"[[277]].

وعن أنس، قال: قال رسول الله r: "من سرَّه أن يُبسَطَ له في رزقه، ويُنسَأ[[278]] في أثرِه، فليصِلْ رحمه"[[279]].

وعنه، قال: قال رسولُ الله: "مَن سرَّهُ أن يُمَدَّ له في عُمرِه، ويُزادُ في رزقه؛ فليُبرَّ والديه، وليصِلْ رحمَه"[[280]].

وعن أبي بكرة، قال: قال رسولُ الله r: "إن أعجلَ الطاعةِ ثواباً لصلَةُ الرحم، حتى أن أهل البيت ليكونوا فجَرَةً، فتنموا أموالَهم، ويكثُر عددُهم إذا تواصلوا"[[281]].

وعن سهل بن معاذ عن أبيه، أ ن رسول الله r قال: "من برَّ والديه طوبى له، زادَ اللهُ في عُمره"[[282]].

وعن أبي هريرة، قال: سمعتُ رسولَ الله r يقول: "تعلموا من أنسابِكُم ما تصلونَ به أرحامَكُم؛ فإنَّ صِلَةَ الرحم محبَّةٌ في الأهلِ، مَثراةٌ في المالِ، منسأةٌ في الأثَرِ"[[283]].

وعنه، أن رسولَ الله r قال: "من كان يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخر فليَصِلْ رحمَهُ" متفق عليه.

ـ وصلُ الرَّحم وإن أدبرت .. وفضلُ الصدقة على ذي الرَّحِم الكاشِح!

عن أبي ذرٍّ قال: "أوصاني خليلي r أن أصِلَ رحمي وإن أدبَرَت"[[284]].

وعن عبد الله بن عمرو، عن النبي r قال: "ليس الواصِلُ بالمكافئ[[285]]، ولكنَّ الواصِلَ الذي إذا قُطِعت رَحِمُه وصَلَها" البخاري.

وعن أبي هريرة أن رجلاً قال: يا رسولَ الله! إنَّ لي قرابةً أصِلُهم ويقطعوني، وأُحسِنُ إليهم ويُسيئون إليَّ، وأحلُمُ عليهم ويجهلون عليَّ؟ فقال r: "وإن كنتَ كما قلتَ فكأنَّما تُسِفُّهم الملَّ ـ وهو الرماد الحار ـ ولا يزالُ من الله ظهيرٌ عليهم ما دمتَ على ذلك" مسلم.

وعن أم كلثوم، أن النبيَّ r قال: "أفضلُ الصدقةِ الصَّدقةُ على ذي الرَّحِمِ الكاشِح"[[286]].

وعن عُقبة بن عامر، قال: لقيتُ رسولَ الله r فأخذتُ بيده، فقلتُ: يا رسولَ الله! أخبرني بفواضِل الأعمالِ؟ قال: "يا عُقبةُ! صِلْ من قطعكَ، وأعطِ من حرمَكَ، وأعرض عمَّن ظلمكَ"[[287]].

وعن ابن عبَّاس، أنه قال: "احفَظُوا أنسابَكُم، تصلوا أرحامَكُم؛ فإنه لا بُعْدَ بالرَّحِمِ إذا قَرُبَتْ وإن كانت بعيدةً، ولا قُرْبَ بها إذا بَعُدَتْ وإن كانت قريبةً، وكلُّ رحمٍ آتيةٌ يومَ القيامةِ أمامَ صاحبها؛ تَشهدُ له بصلةٍ إن كان وصَلَها، وعليه بقطِعةٍ إن كان قطَعَها"[[288]].

وعن سويد بن عامر الأنصاري مرفوعاً: "بُلُّوا أرحامَكُم ولو بالسَّلام"[[289]].

ـ فيمن يبخلُ على رَحِمِه!

عن جرير بن عبد الله، عن النبيِّ r قال: "ما من ذِي رَحِمٍ يأتي رَحِمَهُ فيسألُه فضلاً أعطاهُ اللهُ إيَّاه فيبخلُ عليه؛ إلا أُخرِجَ له يومَ القيامَةِ من جهنَّم حيَّةٌ يُقالُ لها: شَجَاعٌ يتلمَّظُ؛ فيُطوَّقُ به"[[290]].

ـ صِلَةُ الرَّحم تُكفِّرُ الذنوبَ والخطايا.

عن ابن عمر، قال: أتى النبيَّ r رجلٌ، فقال: إنِّي أذنبتُ ذنباً عظيماً!، فهلْ لي من توبةٍ؟ فقال r: "هل لك من أُمٍّ؟". قال: لا، قال: "فهل لك من خالةٍ؟". قال: نعم، قال: "فَبِرَّها"[[291]].

وعن ابن عباس، أنه أتاهُ رجلٌ، فقال: إنِّي خطَبتُ امرأةً فأبَت أن تَنْكحَني، وخطبها غيري فأحبَّت أن تَنكِحَهُ، فغِرتُ عليها فقتلتها، فهل لي من توبة؟ قال: أُمُّكَ حيَّة؟! قال: لا، قال: تُبْ إلى الله U، وتقرَّب إليه ما استطعت.

قال عطاء بن يسار: فذهبتُ فسألتُ ابن عباس: لِمَ سألتَه عن حياة أُمِّه؟ فقال: إني لا أعلمُ عملاً أقربُ إلى الله U من بِرِّ الوالدة[[292]].

وعن طَيْسَلة بن ميَّاس، قال: كنت مع النَّجَدَات ـ قوم من الحرورية والخوارج ـ فأصبتُ ذنوباً لا أراها إلا من الكبائر، فذكرتُ ذلك لابن عمر، قال: ما هي؟ قلت: كذا وكذا. قال: ليسَت هذه من الكبائر؛ هُنَّ تِسعٌ: الإشراكُ بالله، وقتلُ النَّفسِ، والفرارُ من الزحفِ، وأكلُ مالِ اليتيم، وإلحادٌ في المسجد، والذي يستَسْخِر ـ من السخرية ـ، وبكاءُ الوالدين من العقوق!

قال لي ابنُ عمر: أتَفْرُقُ من النار، وتحبُّ أن تدخلَ الجنَّة؟ قلت: أي، والله! قال: أحيٌّ والداك؟ قلت: عندي أُمِّي. قال: فوالله لو ألَنْتَ لها الكلامَ، وأطعمتها الطعامَ لتدخلَنَّ الجنَّة ما اجتَنَبْتَ الكبائِر[[293]].

ـ عُقوقُ الوالدين، وقَطعُ الرَّحِم، من أكبرِ الكبائر.

عن أبي بكرة نُفَيع بن الحارث، قال: قال رسولُ الله r: "ألا أُنبئكم بأكبرِ الكبائر؟" ـ ثلاثاً ـ قلنا: بلى يا رسولَ الله. قال: "الإشراكُ بالله، وعقوقُ[[294]] الوالدين"، وكان مُتكئاً فجلسَ، فقال: "ألا وقولُ الزُّور، وشهادةُ الزور" فما زال يكررها حتى قلنا ليتَهُ سكَت" متفق عليه. 

وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله: "إن الله تعالى خلق الخلقَ، حتى إذا فَرَغَ من خلقه، قامت الرَّحِمُ، فقال: مَهْ؟ قالت: هذا مقامُ العائِذ بكَ من القطيعة، قال: نعم؛ أما تَرضيَن أن أصِلَ من وصلَكِ، وأقطعَ من قطَعَكِ؟ قالت: بلى يا رب، قال: فذلك لكِ" متفق عليه.

وعنه، قال: سمعتُ رسولَ الله r يقول: "إنَّ الرحِمَ شُجنةٌ تقول: يا ربِّ! إني قُطِعتُ، يا ربِّ! إنِّي أُسيء إليَّ، يا ربِّ! إني ظُلِمتُ، يا رب! يا رب! فيجيبُها: ألا ترضينَ أن أصِلَ من وصلَكِ، وأقطعَ من قطعَكِ؟!"[[295]].

وعن سعيد بن زيد، عن النبي r قال: "إنَّ هذه الرحم شُجْنَةٌ من الرحمن U، فمن قطعها حرَّم عليه الجنَّةَ"[[296]].

وعن عبد الله بن عمرو، عن النبي r قال: "لا يدخلُ الجنَّةَ منَّانٌ، ولا عَاقٌّ، ولا مدمنُ خمر"[[297]].

وعن عبد الرحمن بن عوف، قال: قال رسولُ الله r: "قال الله: أنا الرحمنُ، وهي الرَّحِمُ، شقَقتُ لها اسماً من اسمي، من وَصَلَها وصَلْتُه ومن قطَعَها بَتَتْهُ"[[298]].

 وعن جُبير بن مُطعِم، قال: قال رسول الله r: "لا يدخلُ الجنَّةَ قاطعُ رحم" متفق عليه.

وعن أبي هريرة، قال: سمعتُ رسولَ الله r قال: "إنَّ أعمال بني آدمَ تُعرَضُ كلَّ خميسٍ ليلة الجُمُعَةَ، فلا يُقبَلُ عمَلُ قاطِعِ رَحِمٍ"[[299]].

وعن عائشة، قالت: قال رسولُ الله r: "الرَّحِمُ مُعلَّقَةٌ بالعرشِ تقول: من وصلَني وصلَهُ اللهُ، ومَن قَطَعني قطعَهُ الله" متفق عليه.

وعن المغيرة بن شُعبة، عن النبي r ، قال: "إن اللهَ تعالى حرَّم عليكم عقوقَ الأمَّهات" متفق عليه[[300]].

وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله r: "ثلاثةٌ لا ينظرُ اللهُ U  إليهم يومَ القيامة: العاقُّ لوالديه، والمرأةُ المترجِّلةُ، والديوث. وثلاثة لا يدخلون الجنة: العاقُّ لوالديه، والمدمنُ على الخمر، والمنَّانُ بما أعطى"[[301]].

وعن ابن عمرو، أن النبَّي r قال: "رِضا الرَّبِّ في رِضا الوالدِ، وسخطُ الربِّ في سخَطِ الوالدِ"[[302]].

وعنه، أن النبيَّ r قال: "رِضَا الربِّ في رضا الوالدين، وسُخْطُه في سُخْطِهما"[[303]].

 وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله r: "مَلعونٌ[[304]]من سَبَّ أباهُ، ملعونٌ من سَبَّ أمَّه، ملعونٌ من ذَبحَ لغير الله"[[305]].

وعن ابن عمرو، قال: قال رسول الله r: "مِن الكبائر شَتمُ الرجلِ والديه: يَسبُّ أبا الرجلِ، فيَسُبَّ أباه، ويَسبُّ أمَّه، فيسبَّ أمَّه" متفق عليه.

وعن أبي بكرة، قال: قال رسول الله r: "من ادَّعى إلى غيرِ أبيه وهو يعلم، فالجنةُ عليه حرامٌ" متفق عليه.

وعن عائشة، قالت: قال رسولُ الله r: "أعظمُ الناسِ فريةً اثنان: شاعرٌ يهجو القبيلة بأسرها، ورجلٌ انتقى من أبيه"[[306]].

وعن عمرو بن مرة الجهني قال: جاء رجلٌ إلى النبي r، فقال: يا رسولَ الله! شهدتُ أن لا إله إلا الله، وأنَّك رسولُ الله، وصليتُ الخمسَ، وأديتُ زكاةَ مالي، وصُمتُ رمَضانَ؟ فقال النبيُّ r: "من ماتَ على هذا كان مع النبيينَ والصِّديقينَ والشُّهداءِ يوم القيامة هكذا ـ ونصبَ أُصبعيه ـ ما لمْ يَعِقَّ والِديه"[[307]].

ـ قاطِعُ الرَّحم عقوبتُه مستعجلةٌ في الدنيا، غير الذي ينتظره يوم القيامة من خزيٍ وعذاب. 

عن أبي بكرة، قال: قال رسولُ الله r: "ما من ذنبٍ أجدرُ أن يُعجِّلَ اللهُ تعالى لصاحبه العقوبَة في الدنيا، مع ما يدِّخرُه في الآخرة من قطيعةِ الرَّحم، والخيانةِ، والكذب"[[308]].

وعن القاسم بن عبد الرحمن، عن النبي r، قال: "من قَطَعَ رحماً، أو حلَفَ على يمين فاجِرةٍ، رأى وبالَه قبل أن يموت"[[309]].

وعن أنس،قال:قال رسول الله r: "بابانِ مُعجَّلان عُقوبتهُما في الدنيا: البغي، والعُقوق"[[310]].

وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله r: "ثلاثُ دعواتٍ مُستجابات لهنَّ، لا شكَّ فيهنَّ: دعوةُ المظلوم، ودعوةُ المسافر، ودعوةُ الوالدين على ولدهما"[[311]].

وعنه قال: قال رسولُ الله r: "ليسَ شيءٌ أُطيعَ اللهُ فيه أعجَلَ ثواباً من صِلَة الرحم، وليسَ شيءٌ أعجَلَ عقاباً من البغي، وقطيعةِ الرَّحمِ، واليمينُ الفاجرةُ تدَعُ الديارَ بلاقِعَ"[[312]].

وعن أبي هُريرة، عن النبي r قال: "لَمْ يَتَكَلَّمْ في المهدِ إلا ثَلاثة: عِيسى ابنُ مريم، وصاحِبُ جُرَيْجٍ، وكان جُرَيْج رَجُلاً عابِداً، فاتَّخَذَ صَومَعةً، فَكانَ فِيها، فأتَتهُ أُمُّهُ وهو يُصَلِّي، فقالت: يا جُرَيْج! فقال: يا رَبِّ! أُمِّي وَصلاتي، فَأَقبَلَ على صلاتِهِ، فانصَرَفَتْ، فلَمَّا كَانَ مِنَ الغَدِ أَتتهُ وَهوَ يُصَلِّي، فقالت: يَا جُرَيْجُ! فقال: يَا رَبِّ! أُمي وَصلاتي، فأقبل على صلاته، فانصرَفَت، فَلَما كانَ مِنَ الغَدِ أَتته فقالت: يا جُريْجُ! فقال: يا رَبِّ! أُمي وصلاتي، فأقبل على صلاته[[313]]، فقالت: اللهم! لا تُمِتْهُ حتى يَنظرَ إلى وجوه المُومِساتِ، فَتَذاكر بنو إسرائيل جُرَيْجاً وعبادته، وكانت امرأةٌ بَغِيٌّ يُتَمَثَّلُ بِحُسْنِها، فقالت: إن شئتم لأفتِنَنَّهُ لَكُم، قال: فَتَعَرَّضت له فلم يَلتفتْ إِليها، فأَتت راعِياً كانَ يأوي إلى صَومَعَتِه، فأَمكَنَتهُ مِن نَفسِها، فَوَقَعَ عَلَيها، فَحَمَلَتْ، فَلَما وَلَدَتْ، قالت: هُوَ مِن جُرَيْجٍ! فأتوه فاستنزلوه وهَدَموا صَومعَته وجَعَلوا يَضرِبونَهُ، فقالَ: ما شأنُكُم؟ قالوا: زَنَيْتَ بِهذه البَغِيِّ، فَوَلَدَت مِنْكَ، فقال: أين الصبي؟ فجاءوا به فقال: دعوني حتى أُصَلي، فَصلى، فلمَّا انصرف أتى بالصبي فَطَعَن في بَطنِهِ، وقال: يا غلامُ! مَن أبوك؟ قال: فُلانٌ الرَّاعي، قال: فأقبلوا على جُريج يُقبلونه ويتمسحون به، وقالوا: نَبني لك صَومَعَتك من ذهبٍ، قال: لا؛ أَعيدوها من طينٍ كما كانت، ففعلوا" مسلم.

وعن أبي هريرة أنه قال: "كان جُرَيْجٌ يتعبَّدُ في صومعةٍ، فجاءت أُمُه ـ قال حُمَيْدٌ: فَوَصَفَ لَنَاَ أَبو رافعٍ صِفَةَ أبي هريرة لِصِفةِ رسول الله r أُمَّهُ حينَ دعَتْهُ، كيف جَعَلَت كَفَّها فوق حَاجِبِها، ثم رفَعَت رأسها إليهِ تَدعوهُ ـ فقالت: يا جُرَيْجُ! أَنا أُمُّكَ، كَلِّمنِي، فَصادَفَتهُ يُصَلِّي، فَقال: اللهمَّ! أُمِّي وصلاتي، قال: فاختارَ صَلاتَهُ، فَرَجَعت ثُمَّ عادَتْ فِي الثانية، فقالت: يا جُرَيْجُ! أَنا أُمُّك، فَكَلِّمني، قال: اللهم! أُمي وَصَلاتي، فاختار صَلاتَهُ، فقالت: اللهم! إنَّ هذا جُريْجٌ؛ وهو ابني، وإني كَلَّمْتُهُ فأَبى أن يُكَلِّمَني، اللهمَّ! فلا تُمِتْهُ حتى تُريهِ المُومِسَات. قال: وَلو دَعَت عليه أن يُفتَنَ لَفُتِن.

قال: وكان راعي ضأنٍ يَأوي إلى دَيْرِه، قال: فَخَرَجت امرأةٌ من القرية فوقعَ عليها الراعي، فحَمَلَت فَوَلَدَت غلاماً، فقيل لها: ما هذا؟ قالت: مِن صاحِبِ هذا الدَّيرِ، قال: فجاءوا بفؤوسهم وَمَسَاحِيهِمْ، فَنَادَوه فَصادفوه يُصلي، فلم يُكَلِمْهُم، قال: فأخذوا يهدمون دَيْرَه، فلما رأى ذلك نَزَلَ إليهم، فقالوا له: سَلْ هذه، قال: فتبسَّمَ ثم مَسحَ رأس الصبي فقال: من أبوك؟ قال: أبي راعي الضَّأن، فلما سَمِعوا ذلك منه قالوا: نبني ما هدمنا من دَيرك بالذهب والفضة، قال: لا، ولكن أعيدوه تراباً كما كان، ثم عَلاهُ" مسلم.

وفي رواية عند البخاري في الأدب المفرد: "ثم انطُلِق به؛ فمُرَّ به على المومِسَات، فرآهُنَّ فتبسَّمَ ... قال الملِك: فما الذي تبسَّمتَ؟ قال: أمراً عَرفتُه؛ أدركتني دعوةُ أُمِّي، ثم أخبرهم".  

وعن العوَّام بن حَوشَب قال: نزلتُ مرةً حيَّاً وإلى جانبِ الحيِّ مقبرةٌ، فلما كان بعدَ العصر انشقَّ فيها قبرٌ، فخرجَ رجلٌ رأسُه رأسُ الحمار، وجسدُه جَسدُ إنسانٍ، فنهقَ ثلاثَ نهقاتٍ ثم انطبقَ عليه القبرُ، فإذا عَجوزٌ تَغزلُ شَعراً أو صوفاً، فقالت امرأةٌ: ترى تلكَ العجوز؟ قلتُ: ما لها؟ قالت: تلك أمُّ هذا، قلتُ: وما كان قصَّتُه؟ قالت: كان يشربُ الخمرَ، فإذا راحَ، تقول له أمُّه: يا بُني اتقِ الله، إلى متى تَشرَبُ هذه الخمرَ؟! فيقول لها: إنما أنتِ تنهقين كما ينهقُ الحمارُ! قالت: فمات بعد العصر. قالت: فهو ينشقُّ عنه القبرُ بعد العصر كلَّ يومٍ فينهقُ ثلاثَ نهَقَاتٍ ثم ينطبقُ عليه القبرُ[[314]].

ـ من عقوقِ الوالدين؛ تقديمُ طاعةِ الزَّوجةِ على طاعةِ الوالدين، ورضاها على رضاهما!

عن ابن عمر، قال: كانت تحتي امرأة وكنت أُحِبُّها، وكان عمر يكرَهُها، فقال لي: طلقها، فأبيت، فأتى عمرُ t النبيَّ r، فذكرَ ذلك له، فقال النبي r: "طلِّقها"[[315]].

وعن أبي الدرداء، أن رجلاً أتاه فقال: إن لي امرأةً وإن أمي تأمُرني بطلاقها؟ فقال سمعتُ رسولَ الله r يقول: "الوالِدُ أوسَطُ أبوابِ الجنة"، فإن شئتَ فأضعْ ذلك الباب أو احفظه[[316]].

وعن معاذ بن جبل، قال: أوصاني رسولُ الله r، بعشر كلمات، قال: "لا تُشرك بالله شيئاً وإن قُتِّلتَ وحُرِّقتَ، ولا تعصي والديك وإن أمَراك أن تخرجَ من أهلِكَ ومالِك ..."[[317]].

وعن أميمة مولاةِ رسولِ الله r، قالت: كنتُ أصبُّ على رسولِ الله r وضوءَه، فدخل رجلٌ فقال: أوصني، فقال: "لا تُشرِك بالله شيئاً وإن قُطِّعت وحُرِّقتَ بالنار، ولا تَعصي والديك، وإن أمراك أن تخلَّى من أهلِك ودنياك فتخلَّ .."[[318]].

 

نعوذُ بالله من سخطِه، ومن سخطِ الوالدين، ونسألُه تعالى أن يجعلنا ممن يصِلُون الرحم لا ممن يقطعونه .. إنه تعالى سميعٌ قريب.

وصلى الله على محمدٍ النبيِّ الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم.

 

 

* * * * *

 

5- حَقُّ الأبناءِ على آبائِهم.

ـ من حقِّ الولدِ على والده، أن يُؤدِّبَه، ويُعَلِّمَه، ويَنصحَ له، وأن يُحسِن إليه، ويَعطف عليه، وأن يعدل بين الأولادِ في العطيَّةِ والهِبَةِ، ولا يُفرِّق بينهم في عطاء[[319]].

قال تعالى: )وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا(طـه:132.

وقال تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً(التحريم:6.

وقال تعالى: )وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (الشعراء:214.

وقال تعالى: )وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ(. )يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ * وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِير( سورة لقمان:13و 16- 19.

ـ الأبناءُ أمانةٌ سَيُسأل عنها الآباء.

عن ابن عمر، قال: سمعتُ رسولَ الله r يقول: "كُلُّكُم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيته؛ الإمامُ راعٍ ومسؤولٌ عن رعيَّتِه، والرَّجلُ راعٍ في أهلِه ومسؤولٌ عن رعيته، والمرأةُ راعيةٌ في بيتِ زوجِها ومسؤولة عن رعيتها، والخادمُ راعٍ في مالِ سيِّده ومسؤول عن رعيته، فكلكم راعٍ ومسؤولٌ عن رعيَّتِه"[[320]]متفق عليه.

وعن ابن عمرو، قال: قال رسولُ الله r: "كفَى بالمرءِ إثماً أن يُضيِّعَ من يقوت[[321]]"[[322]].

 
( حقوقٌ قبل الولادة )

ـ من حقّ الولدِ على أبيه أن يَختارَ له الأمَّ الصالحة؛ ذات الدين والخُلُق الحسَن[[323]].

عن أبي هريرة، عن النبي r قال: "تُنكَحُ المرأةُ لأربع: لمالِها، ولحسَبِها، وجمالِها، ولدينها، فاظفَرْ بذاتِ الدين تربت يداك[[324]]" متفق عليه.

وعن عبد الله بن عمر، أن رسولَ الله r قال: "الدُّنيا متاعٌ وخيرُ متاعِ الدنيا المرأةُ الصالحة" مسلم.

وعن عائشة، قالت:قال رسول الله r: "تخيَّروا لِنُطَفِكُم، فأنكحوا الأكفاءَ، وأَنكِحوا إليهم"[[325]].

وعن عمر، قال: يا رسولَ الله أيُّ المالِ نتخذ؟ فقال: "ليتخذَ أحدُكم قَلباً شاكراً، ولساناً ذاكراً، وزوجةً مؤمنةً تُعين أحدَكُم على أمرِ الآخرة"[[326]].

ـ ومن حَقِّهِ على أبيه كذلك أن يُسمي بالله، ويَستعيذَ بالله من الشيطان الرجيم قبلَ مُباشَرَةِ الجماعِ.

عن ابن عباس، قال: قال النبي r: "أما لو أنَّ أحدَهم يقولُ حينَ يأتي أهلَه: بِسمِ الله، اللهمَّ جَنِّبني الشيطانَ، وجنِّبِ الشيطانَ ما رزَقتَنا، ثم قُدِّرَ بينهما في ذلك، أو قُضيَ ولدٌ، لم يضرَّهُ شيطانٌ أبداً" متفق عليه.

ـ ومن حقِّه أن لا يُغذي والدُه أمَّه بالحرام وهي حاملةٌ به[[327]].

عن جابرٍ، قال: قال رسولُ الله r: "لا يدخلُ الجنَّةَ لحمٌ نَبتَ من السُّحتِ، وكلُّ لحم نبتَ من السُّحتِ كانت النارُ أولى به"[[328]].

وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله r: "إن اللهَ طيبٌ لا يقبلُ إلا طيباً، وإن الله أمرَ المؤمنين بما أمرَ به المرسلين: )يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً(، وقال:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ(، ثم ذَكرَ الرجلَ يُطيلُ السَّفرَ؛ أشْعَثَ أغبرَ، يَمدُّ يدَيه إلى السماءِ: يا ربِّ! يا رب! ومَطعمُه حرامٌ، ومشرَبُه حرامٌ، وملبَسُهُ حرامٌ، وغُذِّيَ بالحرامِ، فأنَّى يُستجابُ لذلك؟!"[[329]] مسلم.

وعن عائشةَ، قالت: "كانَ لأبي بكرٍ غُلامٌ يُخرجُ له الخَراجَ، فكان أبو بكرٍ يأكلُ من خَراجِه، فجاءَ يوماً بشيء، فأكلَ منه أبو بكرٍ، فقال له الغلامُ: تَدري ما هذا؟ فقال أبو بكرٍ: وما هو؟ قال: كنتُ تكهَّنتُ لإنسانٍ في الجاهليَّةِ، وما أُحسِنُ الكهانَةَ إلا أنِّي خدعتُه، فلقيَني فأعطاني بذلك؛ فهذا الذي أكلتَ منهُ! قالت: فأدخلَ أبو بكرٍ يدَهُ، فقاءَ كلَّ شيءٍ في بطنِه" البخاري.

( حُقُوقٌ بعد الولادة )

ـ ومن حقِّ  الولدِ على والدِه، أن يؤذِّنَ في أُذُنِه اليُمنى في السَّاعاتِ الأولى من ولادتِه، وأن يحنِّكَهُ بالتَّمرِ، ثم يَعِقُّ عنه في اليومِ السَّابعِ من ولادتِه[[330]ويُحسِن تَسميتَه، ويَحلِقُ شعرَ رأسِه.

عن أبي رافع، قال: "رأيتُ رسولَ الله r أذَّن في أُذُنِ الحسَن بن علي، حين ولدتهُ فاطِمةُ بالصَّلاةِ"[[331]].

وعن عائشة، قالت: "كان رسولُ الله r يُؤتَى بالصِّبيانِ فيدعو لهم بالبركة، ويحنِّكُهم"[[332]].

وعن سلمان بن عامر الضبي، قال: قال رسول الله r: "مع الغلامِ عقيقَتُه؛ فأهريقُوا عنه دماً، وأَميطوا عنه الأذى[[333]]"[[334]].

وعن سمرة بن جندب، أن رسول الله r، قال: "كلُّ غلامٍ رهينةٌ[[335]] بعقيقتِه، تُذبَحُ عنه يوم سابعِه، ويُحلَقُ، ويُسَمَّى"[[336]].

وعن أمِّ كرزٍ الكعبيَّة، قالت: سمعتُ رسول الله r يقول: "عن الغلامِ شاتان مكافِئتان، وعن الجارية شاة".

قال أبو داود: سمعت أحمد، قال: أي مستويتان أو مقاربتان[[337]].

وعن سمرة بن جندب قال:قال رسول الله r: "لا تُسمينَّ غُلامَكَ: يساراً، ولا رَباحاً، ولا نجيحاً، ولا أفلحَ" مسلم.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أنَّ ابنةً لعمر كان يُقالُ لها: عاصيَة، فسمَّاها رسولُ الله r جميلة[[338]].

وعن أبي هريرة: أن زينب بنتَ أبي سلَمَة كان اسمُها" بَرَّة"، فقيلَ: تُزكِّي نفسَها، فسمَّاها رسولُ الله r" زينَب" متفق عليه.

وفي رواية عند مسلم: قال رسول الله r: "لا تُزكُّوا أنفسَكُم؛ الله أعلمُ بأهلِ البِرِّ منكم" فقالوا: بِمَ نُسمِّيَها؟ قال: "سمُّوها زينب".

وعن شُريح بن هانئ: أنَّ النبيَّ r سمِعَ قوماً يُسمون رجلاً منهم عبد الحَجَر، فقال النبي r: "ما اسمُك؟"، قال: عبد الحجر! قال: "لا، أنت عبدُ الله"[[339]].

وعن عائشة رضي الله عنها: "أن رسولَ الله r كان يُغيِّرُ الاسمَ القبيحَ"[[340]].

وعن جابر، قال: وُلد لرجلٍ منا غلامٌ فسمَّاهُ القاسمَ، فقلنا: لا نُكنيكَ أبا القاسم، ولا كرامةَ[[341]] فأخبرَ النبيَّ r، فقال: "سمِّ ابنَكَ عبد الرحمن" البخاري.

وعن أبي هريرة، عن النبيِّ r قال: "لا تجمعوا بين اسمي وكنيتي؛ أنا أبو القاسم، والله يُعطي، وأنا أقسِمُ"[[342]].

ـ ومن حقِّه أيضاً على والده، أن يُعلِّمَهُ[[343]]ويُؤدِّبَهُ.

عن سبرة، قال: قال رسول الله r: "مُروا الصبيَّ بالصلاة إذا بلغَ سبعَ سِنين، وإذا بلَغَ عشرَ سنينَ فاضربُوه عليها"[[344]].

وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله r: "مُروا أولادَكُم بالصَّلاةِ وهم أبناءُ سبعِ سنين، واضربُوهم عليها وهم أبناءُ عشرِ سنين، وفرِّقُوا بينهم في المضاجع[[345]]" [[346]].

وعن أبي حفص عمر بن أبي سلمة، قال: كنت غلاماً في حِجرِ رسولِ الله r، وكانت يدي تَطِيشُ في الصَّحفَةِ؛ فقال لي رسول الله r: "يا غلامُ سَمِّ اللهَ تعالى، وكُلْ بيمينِك، وكُلْ ممَّا يليكَ". فما زالت طِعمَتي[[347]] بَعْدُ. متفق عليه.

وعن جُندب بن عبد الله، قال:"كنَّا مع النبيِّ r ونحنُ فتيانٌ؛ فتعلَّمنا الإيمانَ[[348]]قبل أن نتعلَّمَ القرآنَ، ثم تعلَّمنا القُرآنَ فازدَدْنا به إيماناً[[349]]".

وعن ابن عباس، قال: كنتُ خلفَ النبي r، فقال: "يا فتى ألا أهَبُ لك، ألا أُعلِّمُك كلماتٍ ينفعك  الله بهن؟ احفظِ اللهَ[[350]] يحفظكَ، احفظ اللهَ تجدهُ أمامَك، وإذا سألتَ فاسألِ اللهَ، وإذا استعنْتَ فاستعن بالله، واعلم أنَّه قد جَفَّ القلَمُ بما هو كائنٌ[[351]]، واعلم بأنَّ الخلائِقَ لو أرادوكَ بشيءٍ لم يُرِدكَ اللهُ به لم يقدروا عليه، واعلم أنَّ النصرَ مع الصبِر، وأنَّ الفرَجَ مع الكربِ، وأن مع العُسْرِ يُسراً"[[352]].

وعن جابر، عن النبي r، قال: "إذا كان جُنْحُ[[353]] الليلِ فَكُفُّوا صبيانَكُم؛ فإن الشياطينَ تنتشرُ حِينئذٍ، فإذا ذهبت ساعةً من العِشَاء فخلُّوهُم" متفق عليه.

وعنه، قال: قال رسول الله r: "كُفُّوا صبيانَكُم عند العِشَاءِ؛ فإن للجنِّ انتشاراً وخَطَفَةً"[[354]].

وعن أبي سعيد، وابن عباس، قالا: قال رسولُ الله r: "من وُلِدَ لهُ ولدٌ، فليُحسِن اسمه وأدَبَه، فإذا بلغَ فليُزوِّجْه، فإن بلَغَ ولم يزوجْهُ فأصابَ إثماً فإنما إثمُه على أبيه"[[355]].

ـ ومن حقِّ الأولادِ على أبيهم أن يعدلَ بينَهم في الإنفاق والهِباتِ؛ وأن لا يوصِي لهم عند الممات[[356]].        

عن النُّعمان بن بشير، قال: أنحلَني نُحْلاً[[357]]، فقالت له أُمي عَمرةُ بنت رواحة: أيتِ رسولَ الله r فأشهِدْه، فأتى النبيَّ r، فأشهدَه فذكرَ ذلك له، فقال: إني نحلْتُ ابني النُّعمانَ نُحْلاً، وإنَّ عَمرةَ سألتني أن أُشهدَك على ذلك، قال: "فكلُّهُم أعطيتَ مِثلَ ما أعطيتَ النعمانِ؟" قال: لا! قال: "هذا جورٌ".

ومن رواية مغيرة: "أليسَ يَسرُّكَ أن يكونوا لك في البرِّ واللطفِ سواء؟" قال: نعم، قال: "فأشهِدْ على هذا غيري".

وذكر مجالد في حديثه: "إن لهم عليكَ من الحقِّ أن تعدلَ بينهم، كما أن لكَ عليهم من الحقِّ أن يبروكَ"[[358]]. ومن رواية جابر: قال رسولُ الله r: "له إخوةٌ؟" فقال: نعم! قال: "فكلُّهم أعطيتَ ما أعطيتَهُ؟" قال: لا! قال: "فليس يَصلُحُ هذا، وإنَّي لا أَشهدُ إلا على حقٍّ"[[359]].

وعن النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله r: "اعدِلُوا بين أولادِكُم، اعدلوا بين أبنائِكم" مسلم.

وعنه، قال r: "اعدِلوا بينَ أولادِكُمْ في النُّحَلِ، كما تُحبونَ أن يَعدِلوا بينكم في البرِّ واللُّطفِ"[[360]].

وعن أبي أمامة قال: سمعت رسولَ الله r، يقول: "إنَّ اللهَ قد أعطى كُلَّ ذي حَقٍّ حَقَّه، فلا وصيَّةَ لوارثٍ"[[361]].

وعن أنسٍ، قال: كان مع رسولِ الله r رجلٌ، فجاء ابن له فقبَّلَهُ وأجلسَهُ على فَخِذه، ثم جاءت بنتٌ له فأجلَسها إلى جنبه، قال: "فهلاَّ عدَلْتَ بينهما؟!"[[362]].

ـ فضلُ تربيةِ البنات، والإحسانِ إليهنَّ، والعطف عليهنَّ.

عن عائشة، قالت: قال رسولُ الله r: "من ابتُلِي من هذه البنات بشيء، فأحسَن إليهنَّ، كُنَّ له سِتراً من النار" متفق عليه.

وعن جابر، عن النبيِّ r، قال: "من عالَ ثلاثاً من بناتٍ يَكفِيهنَّ، ويرحمُهُنَّ، ويُرفِقُ بهنَّ، فهو في الجنَّة"[[363]].

وعن أنسٍ ، قال: قال رسولُ الله r: "مَن عالَ جاريتين[[364]] حتى يُدرِكا، دخَلْتُ أنا وهو الجنَّة كهاتين"، وضمَّ أصابعَه[[365]].

وعن ابن عباس، عن النبي r قال: "ما من مُسلمٍ تُدرِكُه بنتان؛ فيُحسِن صُحبتَهُما إلا أدخلتاهُ الجنَّة"[[366]].

وعنه، عن النبي r قال: "سوُّوا بين أولادكُم في العَطيَّة، فلو كنتُ مُفضلاً أحداً لفضَّلتُ النِّساءَ"[[367]].

وعن عقبة بن عامر، عن النبي r قال: "لا تكرهوا البنات؛ فإنهنَّ المؤنِسات الغاليات"[[368]].

ـ ومن حقِّ البنتِ على والدِها، أن يُحسِن اختيارَ الزوج الصالح لها[[369]]. 

قال تعالى: )وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ(البقرة:221.

عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله r: "إذا أتاكُم مَن تَرضَونَ خُلُقَهُ ودينَهُ فزوِّجوه؛ إلا تفْعَلُوا تَكُنْ فِتنةٌ في الأرضِ وفسَادٌ عريض"[[370]].

وعن سَهْلٍ، قال: مرَّ رجلٌ غنيٌّ على رسولِ الله r، فقال: "ما تقولون في هذا؟" قالوا: حريٌّ إن خَطِبَ أن يُنكَحَ، وإن شفِعَ أن يُشفَعَ، وإن قال أن يُستمعَ، قال: ثم سكتَ، فمرَّ رجلٌ من فقراءِ المسلمين، فقال: "ما تقولون في هذا؟" قالوا: حريٌّ إن خَطِبَ أن لا يُنكَحَ، وإن شَفِع أن لا يُشفَع، وإن قالَ أن لا يُسمَعَ، فقال رسولُ الله r: "هذا خيرٌ من ملءِ الأرضِ من هذا"[[371]].

وعن عمر، قال: قال رسول الله r: "خيرُ النِّكاحِ أيسَرَه"[[372]].

وعن عائشة، قالت:قال رسول الله r: "أَنكِحُوا الأكفَاءَ[[373]]، وأنكِحُوا إليهم"[[374]].

ـ كراهِيَّةُ الدُّعاءِ على الأبناء.

قال رسولُ الله r: "لا تدعُوا على أنفُسِكُم، ولا تدعُوا على أولادِكُم، ولا تدعوا على أموالِكم، لا تُوافِقوا من اللهِ ساعةً يُسأَلُ فيها عطاءٌ فيستجيبُ لكم" مسلم.

وعن جابر بن عبد الله، قال: قال رسولُ الله r: "لا تَدعُوا على أنفُسِكُم، ولا تدعوا على أولادِكُم، ولا تدعوا على خدَمِكُم، ولا تدعوا على أموالِكُم، لا توافقوا من اللهِ ساعةَ نَيْلَ فيها عطاء فيستجيبَ لكُم"[[375]]. 

ـ من أعظَمِ الكبائر أن يَقتُلَ الوالِدُ ولَدَهُ خَشْيَةَ أن يَطْعَمَ معه[[376]]!

قال تعالى: )وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً(الإسراء:31.  

عن عبد الله بن مسعود، قال: قلتُ يا رسولَ الله، أيُّ الذنبِ أعظمُ؟ قال: "أن تجعلَ لله نداً وهو خلقَكَ"، قلتُ: ثم أيٌّ؟ قال: "أن تَقتُلَ ولدَكَ من أجلِ أن يَطعمَ معَكَ"، قُلت: ثم أيٌّ؟ قال: "أن تُزانيَ حليلة جارِكَ" متفق عليه.

وفي رواية عنه: قلتُ ثم أيٌّ؟ قال r: "ثم أن تَقْتُلَ ولَدَكَ خشيةَ أن يَطعَمَ معكَ" اليخاري. وفي رواية: "ثم أن تقتلَ ولدَكَ تخافُ أن يَطْعمَ معَكَ".

وعن المِقداد بن مَعدي كَرِبٍ أنه سمع رسولَ الله r يقول: "ما أطعمتَ ولدَكَ فهو لكَ صدقة .."[[377]].

ـ فضلُ رحمةُ الوالِدِ لأولاده، وتقبيلهم، والعطفِ عليهم.

 عن عائشة، قالت: جاء  أعرابيٌّ إلى النبيِّ r فقال: أَتُقبِّلُون الصبيانَ؟ فما نقبِّلُهم! فقال النبي r: "أوَأَملِكُ[[378]] لك أنْ نَزعَ اللهُ من قلبِكَ الرحمة" متفق عليه.

وعن أبي هريرة، قال: قبَّلَ النبيُّ r الحسنَ بن علي رضي الله عنهما، وعندهُ الأقرعُ ابن حابِسٍ، فقال الأقرع: إنَّ لي عشرَةً من الولدِ ما قبَّلتُ منهم أحداً، فنظر إليه رسولُ الله r فقال: "من لا يَرحَم لا يُرحَم" متفق عليه.

وعن أنسٍ: "أخذَ النبيُّ r إبراهيمَ فقبَّلَه وشمَّهُ" البخاري.

وعن عائشة، قالت: ما رأيتُ أحداً أشبهَ برسولِ الله r من فاطمة كرَّمَ اللهُ وجهها؛ كانت إذا دخلت عليه قامَ إليها فأخذَ بيدها وقبَّلَها وأجلَسَها في مجلِسه، وكان إذا دخلَ عليها قامت إليه، فأخذت بيده فقبَّلتهُ وأجلَسَتْهُ في مجلِسِها[[379]].

وعن البراء، قال: دخلتُ مع أبي بكر أوَّل ما قدِمَ المدينة، فإذا عائشةُ ابنتُه مُضْجَعَةً قد أصابتْها حُمَّى، فأتاها أبو بكرٍ، فقال لها: كيف أنت يا بُنيَّة؟ وقبَّلَ خدَّها[[380]].

وعن أبي هريرة، قال كان رسولُ الله r، ليُدلِعُ لِسَانَهُ للحسن بن علي، فيرى الصبيُّ حُمرةَ لِسانِه، فيَبْهَشُ[[381]]إليه[[382]].

عن أُمِّ خالدٍ بنتِ خالد بن يعيد، قالت: أتيتُ رسولَ الله r مع أبي، وعليَّ قميصٌ أصفَرُ، قال رسول الله r: "سنَهْ سَنَهْ" ـ أي حسنةٌ حَسَنةٌ ـ قالت: فذهبتُ ألعَبُ بخاتَمِ النبوَّةِ فزَبَرَني أبي ـ أي زجرني ونهاني ـ قال رسولُ الله r: "دَعْها" البخاري.

وعن أنسِ ابنِ مالك، قال: إنْ كان النبيُّ r ليُخالِطُنا حتى يقولَ لأخٍ لي صغيرٌ: "يا أبا عُمَيْر، ما فعَلَ النُّغَيْرُ [[383]]" البخاري.

وعنه قال: "كان ـ أي رسول الله r ـ أرحمَ النَّاس بالعيالِ والصِّبيانِ"[[384]].

وعنه، قال: "كان رسولُ الله r يمرُّ بالغُلمانِ فيُسلِّمُ عليهم، ويدعو لهم بالبركة"[[385]].

وعن بريدة، قال: خطبنا رسول الله r، فأقبَلَ الحسنُ والحسَينُ عليهما قميصان أحمران، يَعثُران ويَقومان، فنزلَ فأخذَهُما فصعَد بهما، ثم قال: "صدق الله )إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ(؛ رأيتُ هذين فلم أصبرْ"، ثم أخَذَ في الخُطبةِ[[386]].

وعنه، قال: كان النبيُّ r يخطُبُ فجاءَ الحسن والحُسين رضي الله عنهما، وعليهما قميصان أحمران يَعثُران فيهما، فنزلَ النبيُّ r فقطَعَ كلامَهُ، فحملَهُما، ثمَّ عادَ إلى المنبر، ثم قال: "صدق الله )إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ(؛ رأيتُ هذينِ يَعثُرانِ في قميصَيْهِما فلم أصبرْ حتَّى قطعتُ كلامي فحمَلتُهُما"[[387]].

وعن شدَّاد بن الهاد الليثي، قال: خرجَ علينا رسولُ الله r في إحدى صلاتَي العِشاء، وهو حاملٌ حسناً أو حسيناً، فتقدَّم رسولُ الله r فوضعَهُ، ثم كبَّرَ للصلاة، فصلَّى، فسجدَ بين ظهراني صلاته سجدةً أطالها، قال أبي: فرفعتُ رأسي، وإذا الصبيُّ على ظهرِ رسولِ الله r وهو ساجدٌ، فرجعتُ إلى سُجودي، فلما قضى رسولُ الله r، قال الناسُ: يا رسولَ الله! إنَّكَ سجدتَ بين ظهراني صلاتِكَ سجدةً أطلتَها! حتى ظننَّا أنه قد حدَث أمرٌ، أو أنه يُوحى إليك، قال: "كلُّ ذلك لم يَكُن؛ ولكنَّ ابني ارتَحَلَني، فكرِهتُ أن أُعَجِّلَهُ حتَّى يَقضِيَ حاجَتَهُ"[[388]].

وعن البراء، قال: رأيتُ النبيَّ r والحسَنُ ـ صلوات الله عليه ـ على عاتقِه، وهو يقول: "اللهمَّ إنِّي أُحِبُّه فأحِبَّه"[[389]].

وعن يعلى بن مُرَّة، أنه قال: خرجنا مع النبيِّ r، ودُعينا إلى طعامٍ فإذا حُسين يلعبُ في الطريق، فأسرَعَ النبيُّ r أمامَ القوم، ثم بسَطَ يديه؛ فجعلَ الغلامُ يفرُّ هاهُنا وهاهُنا، ويُضاحِكُه النبيُّ r حتى أخذَه، فجعَلَ إحدى يدَيه في ذقنِه والأُخرى في رأسه، ثم اعتنَقَه، ثمَّ قال النبيُّ r: "حُسينٌ مني وأنا من حُسَين، أحبَّ اللهُ من أحبَّ حُسيناً، الحُسَينُ سَبطٌ من الأسباط"[[390]].

وعن أبي هريرة، قال: "كنَّا نصلي مع رسولِ الله r العِشاءَ، فإذا سجدَ وثبَ الحسَنُ والحُسين على ظهرهِ، وإذا رَفَعَ رأسَه أخذَهما بيده من خلفِه أخذاً رفيقاً، فوضعَهُما وضعاً رفيقاً، فإذا عادَ عادا، فلمَّا صلَّى وضعهما على فخِذَيه واحداً ههنا، وواحداً ههنا.

قال أبو هريرة t: فجِئتُه فقلتُ يا رسولَ الله! ألا أذهب بهما إلى أمِّهما؟ قال: لا، فبَرِقَتْ برقَةً، فقال: الحَقا بأُمِّكُما، فما زالا يمشيان في ضوئها حتى دخلا إلى أُمِّهما"[[391]].

وعن يوسف بن عبد الله بن سَلاَم، قال: "سمَّاني رسولُ الله r يوسف، وأقعدَني على حِجْرِه، ومسَحَ على رأسي"[[392]]. 

وعن قُرَّة بنِ إياسٍ t: أن رجلاً كان يأتي النبيَّ r ومعه ابنٌ له، فقال النبيُّ r: "أتُحبُّه؟"، قال: نعم يا رسولَ الله، أحبَّكَ اللهُ كما أُحِبُّه! ففقدهُ النبيُّ r فقال: "ما فعلَ ابنُ فلان؟"، قالوا: يا رسولَ الله ماتَ! فقال النبيُّ r لأبيه: "ألا تُحبُّ أن لا تأتيَ باباً من أبوابِ الجنَّة إلا وجدتَهُ ينتَظِرُكَ؟"، فقال رجلٌ: يا رسولَ الله، أله خاصَّةً، أم لكلنا؟ قال: "بل لِكُلِّكُم"[[393]].

وفي رواية للنسائي، قال: كانَ نبيُّ الله r إذا جلسَ جلسَ إليه نفرٌ من أصحابه، فيهم رجلٌ له ابنٌ صغيرٌ يأتيهُ من خلفِ ظهرِه فيُقعِدُه بين يديه، فهلَكَ، فامتنعَ الرجلُ أن يحضُرَ الحلَقَة لذِكرِ ابنهِ، فحَزِنَ عليه، ففقدَهُ النبيُّ r، فقال: "ماليَ لا أرى فلاناً؟"، قالوا: يا رسولَ الله! بُنَيُّه الذي رأيتَه هلَكَ، فلقيَهُ النبيُّ r فسألَه عن بُنَيِّهِ؟ فأخبره أنه هلَكَ، فعزَّاهُ عليه، ثم قال: "يا فلان، أيُّما كانَ أحبُّ إليكَ أن تُمتَّعَ به عُمُرَكَ، أوْ لا تأتي غداً إلى بابٍ من أبوابِ الجنَّة إلا وجدتَهُ قد سبقَكَ إليه يَفتَحهُ لك؟"، قال: يا نبيَّ الله! بل يسبِقُني إلى بابِ الجنَّةِ، فيفتَحُها لي لهو أحبُّ إليَّ. قال: "فذاكَ لك".

نسألُ اللهَ تعالى أن يجعلنا ممن يُنصفون أبناءهم، ويُحسنون تربيتهم، وتأديبهم، وتعليمهم في الصغر .. لينصفونا ويبرونا في الكِبَر .. وليكونوا حسنةً من حسناتنا يومَ القيامة، إنه تعالى سميعٌ قريب مجيب، وصلَّى الله على محمد النبيِّ الأمي، وعلى آله وصحبه وسلَّم.

 

 

 

ـ للزوجِ حقٌّ على زوجتهِ؛ من حقِّه عليها، أن تطيعَه ولا تعصيَهُ في معروفٍ، وأن لا تمنع نفسَها عن فراشه إذا ما دعاها إليه، وأن تحفظَ غَيبَتَهُ في نفسِها ومالِه، وأن تحيطَ أبناءَه بالنُّصح والعناية والعطف.

قال تعالى: )الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ[[394]](النساء: 34.

وقال تعالى: )وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(الروم: 21.

وقال تعالى: )نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ( البقرة: 223.

وفي الحديث، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله r: "كلُّ نفسٍ من بني آدمَ سيِّدٌ؛ فالرَّجُلُ سيِّدُ أهله، والمرأةُ سيِّدةُ بيتها"[[395]].

وعن ابن عمر، عن النبي r، قال: "كلُّكم راعٍ وكلُّكُم مسؤولٌ عن رعيته، والأميرُ راعٍ، والرجلُ راعٍ على أهلِ بيته، والمرأة راعيةٌ على بيتِ زوجِها وولده[[396]]، فكلُّكُم راعٍ وكلكم مسؤولٌ عن رعيَّته" متفق عليه.

وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله r: "إذا صلَّت المرأةُ خَمسَها[[397]]، وصامَت شهرَها، وحَصَّنت فرجَها، وأطاعَت زوجَها، قيل لها: ادخلي الجنَّةَ من أيِّ أبوابِ الجنَّةِ شِئتِ"[[398]].

وعنه، قال: قال رسول الله r: "خيُر النساءِ التي تَسرُّهُ إذا نظَر، وتُطيعُه إذا أمَرَ، ولا تُخالِفُه في نفسِها ولا مالها بما يكره"[[399]].

وعن كعب بن عجرة، قال: قال رسول الله r: "ألا أُخبركُم بنسائِكم من أهل الجنَّةِ؟ الودودُ، العؤود[[400]]؛ التي إذا ظُلِمت قالت: هذه يدي في يدِك، لا أذوقُ غمضاً[[401]]، حتى تَرضى"[[402]].

وفي رواية، قال r: "ألا أخبركم بنسائكم في الجنَّة؟ كل ودودٍ ولودٍ، إذا غضبت أو أُسيء إليها، أو غضبَ زوجها، قالت: هذه يدي في يدِكَ؛ لا أكتحِلُ بغمضٍ حتى ترضى"[[403]].

وعن أبي أُذينة الصدفي، أن رسولَ الله r قال: "خير نسائكم الودود الولود، المواتية[[404]] المواسية، إذا اتقينَ الله، وشرُّ نسائكم المتبرِّجات المتخيلات، وهنَّ المنافقات، لا يدخلُ الجنة مِنهنّ إلا مثلُ الغراب الأعصَم"[[405]].

وعن طلق بن علي، قال: قال رسولُ الله r: "إذا دعا الرَّجُلُ زوجتَهُ لحاجته فلْتأتِه، وإن كانت على التنُّورِ[[406]]"[[407]].

ـ عِظَمُ حقِّ الزَّوجِ على زوجتِه.

عن معاذ، قال: قال رسول الله r: "لو تعلمُ المرأةُ حقَّ الزوجِ، لم تقعد ما حضرَ غداؤهُ وعشاؤه، حتى يَفرغَ منه"[[408]].

وعن أبي سعيدٍ، قال: قال رسولُ الله r: "حقُّ الزوجِ على زوجتهِ أن لو كانت به قرحةٌ[[409]]، فلحَسَتها ما أدَّت حقَّهُ"[[410]].

 وعن أنسٍ، قال: قال رسولُ الله r: "لا يَصلُحُ لبشرٍ أن يَسجُدَ لبشرٍ، ولو صَلُحَ أن يسجدَ بشرٌ لبشرٍ لأمرتُ المرأةَ أن تَسجدَ لزوجها؛ من عِظَمِ حقِّهِ عليها، والذي نفسي بيده، لو أنَّ من قَدمِه إلى مَفرقِ رأسِه قُرحةً تنبجِسُ[[411]] بالقيحِ والصَّديد، ثم أقبلت تَلحسَهُ ما أدَّت حقَّه [[412]]"[[413]].

        وعن زيد بن أرقم، أن معاذاً قال: يا رسولَ الله أرأيتَ أهلَ الكتاب يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم، أفلا نسجد لك؟ قال: "لو كنت آمراً أحداً أن يسجدَ لأحدٍ لأمرتُ المرأةَ أن تسجدَ لزوجها، ولا تؤدي المرأةُ حقَّ زوجها حتى لو سألها نفسها على قَتَبٍ لأعطته"[[414]].

        وفي رواية عنه، قال r: "لو أمرتُ أحداً أن يسجدَ لأحدٍ؛ لأمرتُ المرأةَ أن تسجُدَ لزوجها؛ مِن عِظَمِ حقِّه عليها، ولا تجدُ امرأةٌ حلاوةَ الإيمان؛ حتى تؤدِّيَ حقَّ زوجِها، ولو سألها نفسَها وهي على ظهرِ قَتَبٍ"[[415]].

وعن عبد الله بن أبي أوفى، قال: قال رسولُ الله r: "والذي نفسُ محمدٍ بيده، لا تُؤدي المرأةُ حقَّ رَبها حتى تُؤدِّي حَقَّ زوجِها كُلَّه"[[416]].

وعن حُصين بن مُحصن، قال: حدثتني عمتي قالت: أتيت رسولَ الله r في بعض الحاجة، فقال: "أي هذه أذاتُ بعلٍ؟[[417]]". قلت: نعم، قال: "كيف أنتِ له؟" قالت: ما آلوه[[418]]، إلا ماعجزت عنه، قال: "فانظري أين أنت منه؛ فإنما هو جنَّتُكِ ونارُكِ[[419]]"[[420]].

وعن أبي سعيدٍ الخدري، قال: أتى رجلٌ بابنته إلى رسولِ الله r، فقال: إن ابنتي هذه أبت أن تتزوَّجَ، فقال لها رسولُ الله r: "أطيعي أباكِ"، فقالت: والذي بعثكَ بالحق لا أتزوَّجُ حتى تُخبرني ما حقُّ الزَّوج على زوجَتِه؟ قال: "حقُّ الزوج على زوجتِه؛ لو كانت به قُرحةٌ فلحستها، أو انتثرَ مِنخَراه صَديداً أو دماً ثمَّ ابتلعتهُ ما أدَّت حقَّه". قالت: والذي بعثك بالحق لا أتزوَّجُ أبداً، فقال r: "لا تُنكِحوهنَّ إلا بإذنهنَّ"[[421]].

ـ في المرأةِ التي تعصي زوجَها، وتَكْفُر فضلَهُ عليها، وما لَها في الآخرةِ من خزيٍ وعذاب.

عن ابن عباس، قال: قال النبي r: "أُرِيتُ النارَ، فإذا أكثرُ أهلها النساء؛ يَكْفُرْن"، قيل: أيكفُرنَ بالله؟! قال: "يَكفُرْنَ العَشِيَر[[422]]، ويكفُرن الإحسانَ[[423]]؛ لو أحسنتَ إلى إحداهنَّ الدهرَ ثم رأت منك شيئاً[[424]]، قالت: ما رأيتُ منك خيراً قط"[[425]].

وعن أسماء ابنة يزيد الأنصاريَّة، قالت: مرَّ بي النبيُّ r وأنا في جَوارٍ أترابٍ لي، فسلَّم علينا، وقال: "إياكنَّ وكفرَ المُنعَّمين!" فقلتُ: يا رسولَ الله وما كفرُ المنعَّمين؟ قال: "لعلَّ إحداكنَّ تطولُ أيمَتُها من أبويها، ثم يرزقها اللهُ زوجاً، ويرزقها منه ولَداً، فتغضبُ الغضبةَ فتَكْفر؛ فتقول: ما رأيتُ منكَ خيراً قطُّ"[[426]]. 

وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله r: "لا ينظرُ الله إلى امرأة لا تَشكُر لزوجِها[[427]]، وهي لا تَستغني عنه"[[428]].

وعن أبي هريرة، قال: "إذا دعا الرجلُ امرأتَهُ إلى فراشه فأبت، فبات غَضبانَ عليها؛ لعنتها الملائكةُ حتى تُصبحَ" متفق عليه.

وعنه، قال: قال رسولُ الله r: "والذي نفسي بيده، ما من رجل يدعو امرأتَهُ إلى فراشه فتأبى عليه[[429]]؛ إلا كان الذي في السماءِ ساخِطاً عليها، حتى يرضى عنها[[430]]".

وعن طَلق بن علي، قال: قال رسولُ الله r: "إذا دعا الرجلُ زوجتَهُ لحاجته فلتأتِه، وإن كانت على التنُّور"[[431]].

وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله r: "اثنان لا تجاوز صلاتُهما رؤوسَهما: عبدٌ آبِقٌ  من مواليه حتى يرجِعَ، وامرأةٌ عصَت زوجَها حتى ترجِعَ"[[432]].

وعن فُضالة بن عُبيد، قال: قال رسولُ الله r: "ثلاثةٌ لا تَسأل عنهم: رجلٌ فارقَ الجماعةَ وعصى إمامَه، وماتَ عاصياً، وأمَةٌ أو عبدٌ أبِقَ من سيِّدهِ فماتَ، وامرأة غاب عنها زوجها وقد كفاها مؤنَة الدنيا فتبرَّجَت بعده[[433]]، فلا تسأل عنهم[[434]]"[[435]].

وعن سعد، قال: قال رسولُ الله r: "ثلاثةٌ من السَّعادةِ، وثلاثةٌ من الشَّقاءِ؛ فمن السعادةِ: المرأةُ الصالحةُ؛ تراها فتُعجِبُكَ، وتغيبُ عنها فتأمنَها على نفسها ومالِك.

ومن الشَّقاء: المرأةُ تراها فتسوؤكَ، وتحملُ لسانها عليكَ[[436]]، وإن غِبتَ عنها لم تأمَنها على نفسِها ومالِكَ"[[437]].

وعن معاذ بن جبل، قال: قال رسولُ الله r: "لا تؤذي امرأةٌ زوجَها في الدنيا، إلا قالت زوجتُه من الحور العين: لا تُؤذيه قاتلكِ اللهُ، فإنما هو عندك دخيلٌ[[438]]، يُوشِكُ أن يُفارقَكِ إلينا"[[439]].

وعن أبي أُمامة، قال: قال رسول الله r: "ثلاثةٌ لا تُجاوز صلاتُهم آذانَهم: العبدُ الآبِقُ حتى يرجِعَ، وامرأةٌ باتت وزوجُها عليها ساخِطٌ، وإمِامُ قومٍ وهم له كارهون"[[440]].

وعن ثوبان، قال: قال رسولُ الله r: "أيما امرأةٍ سألت زوجَها الطلاقَ من غير بأسٍ[[441]]، فحرامٌ عليها رائحةُ الجنَّةِ"[[442]].

وعن عائشة، قالت: "أيُّما امرأةٍ وضعت ثيابَها في غير بيتِ زوجها[[443]]، فقد هتكت سِترَ ما بينها وبين الله U "[[444]].

وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله r: "ليس مِنَّا من خبَّبَ[[445]] امرأةً على زوجِها، أو عبداً على سيده"[[446]].

وعن جابر بن عبد الله، عن النبيِّ r: "إن إبليس يضع عرشَهُ على الماء ـ وفي رواية: البحر ـ، ثم يبعث سراياه؛ فأدناهم منه منزلةً أعظمهم فتنةً، يجيءُ أحدُهم، فيقول: فعلتُ كذا وكذا، فيقول: ما صنعتَ شيئاً، ثم يجيء أحدُهم فيقول: ما تركتُه حتى فرَّقتُ بينه وبين امرأته، فيُدنيه منه، ويقول: نِعمَ أنتَ!". قال الأعمش: أراه قال: "فيلتزِمُه"[[447]].

ـ ومن حقِّ الزوجِ على زوجته أن لا تُنفقَ من مالها شيئاً إلا بإذنه.  

وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسولُ الله r: "لا يجوزُ لامرأةٍ عطيَّةٌ إلا بإذنِ زوجِها"[[448]].

وعنه، قال: قال رسولُ الله r: "لا يجوزُ لامرأةٍ هِبةٌ في مالها، إذا ملَك زوجُها عصمَتَها"[[449]]. أي إلا بإذنه.

وعن واثلَة، قال: قال رسولُ الله r: "ليس للمرأة أن تنتهكَ شيئاً من مالها إلا بإذنِ زوجها"[[450]].

وعن أسماء، أن امرأةً قالت: يا رسول الله إن لي ضُرَّةً، فهل عليَّ جُنَاحٌ إن تشبَّعت[[451]] من زوجي غير الذي يعطيني؟ فقال: "المتشبِّع بما لم يُعطَ كلابس ثوبي زُور" متفق عليه.

 

 

ـ مِن حَقِّهِ عليها كذلك أن لا تَتنفَّل .. وأن لا تُدخِل أحداً بيتَه إلا بإذنِه ورِضاه[[452]].

عن أبي سعيد، قال: جاءت امراةٌ إلى رسول الله r ونحن عنده، فقالت: زوجي صفوانُ بن المعطَّل يضربني إذا صليت، ويفطِّرُني إذا صُمتُ، ولا يصلي الفجرَ حتى تطلعَ الشمسُ. قال: وصفوان عنده. قال: فسأله عما قالت؟ فقال: يا رسولَ الله! أما قولها: يضربني إذا صليت؛ فإنها تقرأ بسورتين وقد نهيتها، قال: فقال له رسولُ الله r: "لو كانت سورة واحدة لكفَت الناس". قال: وأما قولها: يُفطِّرُني إذا صمت؛ فإنها تنطلقُ تصومُ وأنا رجلٌ شاب فلا أصبر[[453]]، فقال رسولُ الله r: "لا تَصومُ المرأة إلا بإذنِ زوجها". وأما قولها: إني لا أصلي حتى تطلعَ الشمسُ، فإنَّا أهلُ بيت عُرف لنا ذاك، لا نكاد نستيقظ حتى تطلع الشمس، قال: "فإذا استيقظتَ يا صفوان فصلِّ"[[454]].

وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله r: "لا تصُمْ المرأةُ وبعلُها شاهِدٌ إلا بإذنه غير رمضان، ولا تأذن في بيته وهو شاهدٌ إلا بإذنه[[455]]" متفق عليه. 

وعن علي بن أبي طالب t قال: "نهى r عن أن تُكلَّمَ النساءُ ـ يعني في بيوتهنَّ ـ إلا بإذنِ أزواجهنَّ"[[456]].

ـ ومن حقِّه عليها أن يأتيَها بالوضعية التي يشاء، على أن يجتنب الدُّبَر، ولا يُجامعها في حيضٍ أو نفاسٍ .. كما لا يجوز لها أن تُطاوعَهُ أو تُطيعَه في ذلك؛ إذ لا طاعة لمخلوقٍ في معصيةِ الخالِق.

قال تعالى: )وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ(البقرة:222.  

وعن ابن عباس، قال: كان هذا الحي من الأنصار وهم أهل وثَنٍ مع هذا الحي من يهود وهم أهل كتاب، وكانوا يرون لهم فضلاً عليهم في العلم، فكانوا يقتدون بكثيرٍ من فعلهم، وكان من أمر أهل الكتاب: أن لا يأتوا النساءَ إلا على حَرْفٍ[[457]]، وذلك أسترُ ما تكون للمرأة، فكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم، وكان هذا الحي من قريش يشرحون النساءَ شرحاً منكراً، ويتلذذون منهنَّ مقبلات، ومدبرات، ومستلقيات، فلما قدم المهاجرون المدينة، تزوج رجلٌ منهم امرأةً من الأنصار، فذهب يصنع بها ذلك، فأنكرته عليه، وقالت: إنما كنا نُؤتَى على حَرفٍ، فاصنع ذلك وإلا اجتنبني، حتى شَري أمرهما[[458]]، فبلغ ذلك رسولَ الله r، فأنزل الله U :) نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ(. أي: مُقبلات، ومُدبرات، ومُستلقيات[[459]].

وعن جابر، قال: كانت اليهود تقول: إذا أتى الرجلُ امرأته مِن دُبرها في قُبُلِها كان الولد أحول! فنزلت:) نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ(. فقال رسولُ الله r: "مقبلةٌ، ومدبرةٌ، إذا كان ذلك في الفَرْجِ" متفق عليه.

وعن ابن عباس، قال: جاء عمر بن الخطاب إلى رسولِ الله r فقال: يا رسولَ الله! هلكتُ. قال: "وما الذي أهلكَك؟" قال: حوَّلتُ رحلي الليلة[[460]]، فلم يرد عليه شيئاً، فأوحي إلى رسول الله r، هذه الآية:) نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ(، يقول: أقبل وأدبر، واتقِ الدُّبرَ والحيضَةَ"[[461]].

وعن خزيمة بن ثابت: أن النبي r قال: "إن اللهَ لا يستحي من الحق، لا تأتوا النساء في أدبارهِنَّ"[[462]].

وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله r: "ملعون من أتى امرأةً في دُبُرِها"[[463]].

وعنه، قال: قال رسول الله r: "من أتى حائضاً، أو امرأةً في دُبرها، أو كاهناً فصدَّقه بما يقول، فقد كفَرَ بما أُنزِل على محمدٍ"[[464]]. وفي رواية: "فقد برئ مما أُنزل على محمدٍ r".

وعنه، عن النبي r قال: "لا ينظرُ اللهُ إلى رجلٍ جامع امرأتَهُ في دُبُرِها"[[465]].

وعن عُقبة بن عامر، قال: قال رسولُ الله r: "لعنَ اللهُ الذين يأتونَ النساء في محاشِّهِنَّ"[[466]]. أي أدبارهنَّ.

وعن خُزيمة بن ثابت، عن النبي r قال: "إتيان النساء في أدبارهِنَّ حرامٌ"[[467]].

وعن طاوس، قال: سُئِل ابن عباس عن الذي يأتي امرأته في دُبرها؟ فقال: هذا يسألُني عن الكُفر[[468]].

ـ كفَّارة من يأتي امرأته وهي حائض!

عن ابن عباس، عن النبي r، في الذي يأتي امرأته وهي حائض، قال: "يتصدق بدينار أو نصف دينار"[[469]]. من الذهب.

ـ لا حرج على الرجل أن يستمتعَ بامرأته الحائض دون الجماع.

عن أنس بن مالك، أن اليهود كانت إذا حاضت منهم المرأة أخرجوها من البيت ولم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يجامعوها في البيت، فسُئل رسولُ الله r عن ذلك، فأنزلَ الله سبحانه )وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ( إلى آخر الآية، فقال رسولُ الله r: "جامعوهنَّ في البيوتِ، واصنعوا كل شيءٍ غير النِّكاح"، فقالت اليهود ما يريد هذا الرجل أن يدعَ شيئاً من أمرِنا إلا خالفنا فيه[[470] ].

وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: "كان رسول الله r يأمر إحدانا إذا كانت حائضاً أن تتَّزِرَ، ثم يُضاجِعها. متفق عليه.

وعنها رضي الله عنها قالت : كانت إحدانا إذا كانت حائِضاً، فأرادَ رسولُ الله r  أن يباشرها، أمرها أن تتَّزرَ في فورِ حيضتها، ثم يُباشرها. قالت: وأيكم يملكُ إربَه، كما كان النبي r يملك إِرْبَه[[471]]البخاري.

وعن ميمونة، أن رسولَ الله r: كان يُباشر المرأةَ من نسائه، وهي حائض، إذا كان عليها إزارٌ إلى أنصاف الفخذين، أو الركبتين؛ تحتجز به[[472]].

ـ الطاعةُ تكون بالمعروف؛ إذ لا طاعة لمخلُوقٍ ـ مهما عَظُمَ فضلُ هذا المخلوق ـ في معصية الخالق[[473]].

ليعلمن النساء أن طاعةَ المرأة لزوجِها ليست على إطلاقها .. وإنما هي مقيدة بالمعروف، وفي طاعة اللهِ U؛ فإذا أمرها بأمرٍ فيه معصية لله U ـ كأن يأمرها بترك الصلاة، أو خلع الحجاب، أو بالاختلاط مع الرجال الأجانب وغيرها من الأمور المحرمة ـ فلا طاعة له عليها في ذلك .. كما لا يجوز لها أن تُطيعه أو تُتابعه في ذلك .. فالطاعة إنما تكون في المعروف، لا في المعصية.

قال تعالى: )وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا(العنكبوت:8. وقال تعالى: )وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً(لقمان:15. )فَلا تُطِعْهُمَا(؛ رغم حقهما المغلظ على ابنيهما .. فمن باب أولى أن لا تُطيع المرأةُ زوجها لو أمرها بأن تُشرك بالله .. أو أي أمرٍ فيه معصية لله U، فحق الخالق مُقدم على حق المخلوق، وطاعته I مقدمة على طاعة المخلوق أيَّاً كان هذا المخلوق.  

وفي الحديث، عن علي بن أبي طالب t قال: قال رسولُ الله r: "لا طاعةَ في معصية الله، إنما الطاعةُ في المعروف" متفق عليه.

وعن النوَّاس بن سمعان، قال: قال رسول الله r: "لا طاعة لمخلوقٍ في معصيةِ الخالق"[[474]].

ـ ومن حقِّه عليها بعد مماته، أن تحدَّ عليه أربعةَ أشهرٍ وعَشْراً.

قال تعالى: )وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً( البقرة:234.

وعن أم حبيبه، قالت: قال رسولُ الله r: "لا يحلُّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدَّ على ميتٍ فوق ثلاثِ ليالٍ، إلا زوج؛ فإنها تحِد عليه أربعةَ أشهرٍ وعشراً" متفق عليه.

وعن أم عطيَّةَ، قالت: "كُنَّا نُنْهَى أن نُحِدَّ على مَيِّتٍ فوقَ ثَلاثٍ، إلا على زَوجٍ، أربَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْراً، ولا نَكْتَحِلَ، ولا نَتَطَيَّبَ، ولا نَلْبَسَ ثَوباً مَصبُوغاً، إلا ثَوبَ عَصْبٍ [[475]]، وقَدْ رُخِّصَ لنا عندَ الطُّهْرِ، إذا اغتَسَلَتْ إحدَانا مِن مَحِيضِها في نُبْذَةٍ من كُسْتِ أَظفَارٍ، وكُنَّا نُنْهى عنِ اتِّباعِ الجنائزِ" متفق عليه.

ـ شَرْطٌ باطِلٌ! 

       عن أُمِّ مبشرٍ الأنصارية: أن النبيَّ r خطَبَ أم مبشرٍ بنت البراء بن معرورٍ، فقالت: إني اشترطتُ لزوجي أن لا أتزوَّجَ بعده، فقال النبيُّ r: "إن هذا لا يصلُحُ"[[476]].

 

وبعد: فإن الحقوق المتبادلة بين الزوجين، ينبغي أن تُملى بشيء من المحبة والمودة والرفق، وطِيب النفس، بعيداً عن العنف والتشدد، والاستعلاء، أو الإذلال؛ فإن الله رفيقٌ يحبُّ الرفقَ في الأمر كُلِّه، ويُجازي عليه ما لا يجازي على العنف، وإذا أحبَّ اللهُ بيتاً أدخلَ إليه الرفق والرحمة .. نسأل الله تعالى أن يُملِئ بيوتنا وبيوت جميع المسلمين بالمحبة والرفق والرحمة .. إنه تعالى سميعٌ قريب مجيب.

 

وصلى الله على محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلَّم.

 

وبعد أن تعرفنا على حقّ الزوج على زوجته .. ننتقل بكم ـ بإذن الله ـ لنتعرف على حقِّ المرأة على زوجها. 

 

* * * * *

 

 

 

 

 

 

 

ـ من حقِّ المرأةِ على زوجها، أن يعاشرها بالمعروف، وأن يرفق بها، ويُحسن إليها في طعامها وكسوتها ومسكنها ـ قَدْرَ استطاعته ـ، وأن لا يُقبِّح .. وأن لا يَهجرَ خارجَ البيتِ، وأن يعدلَ بين نسائِه إن كان من أهل التعدد.

قال تعالى: )وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوف(النساء:19.
وقال تعالى: )فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَة(النساء:3.
وقال تعالى: )وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ [[477]]فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً(النساء:129.
وفي الحديث: عن معاوية بن حيدة، قال: قلت يا رسولَ الله ما حقُّ زوجةِ أحدِنا عليه؟قال: "أن تطعمَها إذا طَعمتَ، وتَكسوها إذا اكتَسيتَ، ولا تَضرِبْ الوجهَ، ولا تُقبِّحْ[[478]] ولا تهجرْ إلا في البيتِ [[479]]".

            وعنه قال: قلت يا رسولَ الله نساؤنا ما نأتي منهنَّ وما نَذَر؟ قال: "ائتِ حرثكَ أنَّى شِئتَ، وأطعمها إذا طعِمتَ، واكسها إذا اكتَسَيْتَ، ولا تُقبِّح الوجهَ، ولا تضرب"[[480]].

وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسولُ الله r: "كفَى بالمرء إثماً أن يُضيِّعَ من يَقُوت"[[481]]. أي من يُعيل من النساء، والأبناء، وغيرهم ممن يدخل في رعايته.

وعن أبي شريح خويلد بن عمرو الخزاعي، قال: قال النبي r: "اللهم إني أحَرِّجُ [[482]] حق الضعيفين: اليتيم، والمرأة"[[483]].

وعن عمرو بن الأحوص الجشمي، أنه سمعَ النبَّي r في حَجَّة الوداع، يقول بعد أن حمد الله تعالى وأثنى عليه ووعظ، ثم قال: "ألا واستوصوا بالنِّساءِ خيراً، فإنما هنَّ عَوانٍ[[484]] عندكم ليس تملكون منهنَّ شيئاً غير ذلك[[485]]، إلا أن يأتين بفاحشةٍ مبينة، فإن فعلْنَ فاهجروهن في المضاجِع واضربوهن ضَرباً غيرَ مُبرِّحٍ، فإن أطعنَكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً[[486]]، ألا إن لكم على نسائكم حقاً ولنسائكم عليكم حقَّاً؛ فحقكم عليهن أن لا يُوطِئن فرُشَكُم مَن تكرهون ولا يأذنَّ في بيوتكم لمن تَكرهون، ألا وحقهُنَّ عليكم أن تُحسِنوا إليهنَّ في كسوتِهِنَّ وطعامهِنَّ"[[487]].

            وقال r: "إن اللهَ سائلٌ كلَّ راعٍ عمَّا استرعاهُ؛ حَفِظَ أم ضيَّعَ، حتى يسألَ الرجلَ عن أهلِ بيته"[[488]].

ـ لا بد من سَدَادِ المهرِ كامِلاً المُعجَّل منه والمؤخَّر.

       عن ميمون الكردي، عن أبيه قال سمعتُ رسولَ الله r يقول: "أيُّما رجلٍ تزوَّج امرأةً على ما قلَّ من المهرِ أو كثُرَ، ليس في نفسه أن يؤدِّيَ إليها حقَّها؛ خدَعها، فمات ولم يؤدِّ إليها حقَّها؛ لقي اللهَ يومَ القيامة وهو زانٍ"[[489]].

وعن عقبة بن عامر، قال: قال رسولُ الله r: "إنَّ أحقَّ الشروطِ أن يوفَّى به، ما استحلَلْتم به الفروجَ"[[490]].
وعن ابن عمر: "أن رسولَ اللهِ  نهى عن الشِّغار، والشِّغار: أن يزوِّجَ الرجلُ ابنتَه على أن يزوجَه الآخرُ ابنتَه وليس بينهما صِدَاق[[491]]" أي مهر.

            وعنه مرفوعاً: "إن أعظمَ الذنوبِ عند الله رجلٌ تزوَّجَ امرأةً، فلمَّا قضى حاجتَه منها طلَّقها وذَهبَ بمهرها، ورجلٌ استعملَ رجلاً فذهبَ بأجرته، وآخَرُ يقتلُ دابَّةً عَبَثاً"[[492]].

 

ـ للمرأة حقُّ النَّفقةِ والسَّكَن طيلة فترة عِدَّة الطلاق.

       عن فاطمة بنت قيس، قالت: أتيتُ النبيَّ r فقلت: أنا بنت آل خالدٍ، وإنَّ زوجي فلاناً أرسلَ إليَّ بطلاقي، وإنِّي سألتُ أهلَهُ النفقةَ والسكن، فأبوا عليّ، قالوا: يا رسولَ الله إنه قد أرسلَ إليها بثلاثِ تطليقات، قالت: فقال رسول الله r: "إنما النفقةُ والسَّكنُ للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرَّجعةُ"[[493]].

ـ الصبرُ على المرأةِ، وعدم الإسراعِ في اللجوءِ إلى الضَّربِ أو الطَّلاقِ!

       عن المقدام بن معدي كرب، أن رسولَ الله r قامَ في الناسٍ فحمدَ اللهَ وأثنى عليه، ثم قال: "إن اللهَ يوصيكم بالنساء خيراً، إن اللهَ يوصيكم بالنساء خيراً؛ فإنهنَّ أمهاتُكم، وبناتُكُم وخالاتُكم، إن الرجلَ من أهلِ الكتابِ يتزوجُ المرأةَ وما يعلُقُ يَداها الخيطَ، فما يرغبُ واحدٌ منهما عن صاحبه حتى يموتا هَرَماً"[[494]].

وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله r: "لا يَفرَكُ[[495]] مؤمنٌ مؤمنةً، إن كَرِه منها خُلُقاً رضي منها آخر" مسلم.
وعن سمرة، قال: قال رسولُ الله r: "إن المرأةَ خُلِقَت من ضِلعٍ، وإنَّك إن تُرِدْ إقامةَ الضلع تكسرها[[496]]، فدارِها تعِشْ بها"[[497]].

            وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله r: "إن المرأةَ خُلِقت من ضِلعٍ، لن تستقيم لك على طريقةٍ، فإن استمتعتَ بها استمتعت بها وبها عِوَجٌ، وإنْ ذهبتَ تُقيمها كسرتَها، وكَسْرُها طلاقُها"[[498]].

وعن عائشة، قالت: قال رسولُ الله r: "إن النساءَ شقائِقُ الرجال"[[499]].

وعن إياس بن عبد الله، قال: قال رسولُ الله r: "لا تضربوا إمَاءَ الله". فجاء عمر t إلى رسولِ الله r، فقال: ذئِرن[[500]] النساءُ على أزواجهنَّ، فرخَّص في ضربهنَّ، فأطافَ بآل رسولِ الله r نساءٌ كثير يشكون أزواجَهنَّ، فقال النبيُّ r: "لقد طافَ بآلِ محمد نساءٌكثير يشكونَ أزواجَهنَّ، ليس أولئكَ بخيارِكم"[[501]].

وعن عبد الله بن زُمعَةَ، قال: قال رسول الله r : "يعمدُ أحدُكم فيجلدُ امرأتَه جلْدَ العبدِ[[502]]، فلعلَّه يُضاجِعُها في آخرِ يومه!!" متفق عليه.   
وعن سعد بن أبي وقاص، قال: لما كان من أمرِ عثمان بن مظعون الذي كان من تركِ النساء، بعث إليه رسول الله r، فقال: "يا عثمان إني لم أومَر بالرهبانيَّة؛ أرغبتَ عن سُنتي؟!" قال: لا يا رسولَ الله، قال: "إن من سُنتي أن أصلي وأنامَ، وأصومَ وأَطعَم، وأنكِحَ وأطلِّقَ، فمن رَغِب عن سُنتي فليس مني، يا عثمان إن لأهلك عليك حقَّاً، ولنفسكَ عليك حقَّاً"[[503]].

وعن أنس، أن نفراً من أصحاب النبيِّ r، سألوا أزواج النبي r عن عمله في السِّرِّ، فقال بعضهم: لا أتزوَّجُ النساءَ، وقال بعضهم: لا آكلُ اللحمَ، وقال بعضهم: لا أنامُ على فراشٍ، فحمدَ الله وأثنى عليه، فقال: "ما بالُ أقوامٍ قالوا كذا وكذا؟ ولكني أُصلي وأنام، وأصومُ وأفطر، وأتزوَّجُ النساءَ، فمن رَغِبَ عن سُنَّتي فليس مني" مسلم.

ـ من كان من ذوي التعدُّدِ يجب أن يَعْدلَ بين نسائه .. وهذا من حقهن عليه.

وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله r: "إذا كانت عند الرجل امرأتان، فلم يعدل بينهما، جاء يومَ القيامة وشِقُّهُ ساقِطٌ"[[504]].

وعنه، قال: قال رسولُ الله r: "من كانت له امرأتان، فمالَ إلى إحداهما، جاء يومَ القيامةِ وشِقُّه مائِلٌ"[[505]].

وقال r: "إن المُقْسطِين عند الله على منابرَ من نورٍ، عن يمين الرحمن U، وكِلتا يديه يمينٌ، الذين يعدلون في حُكمهم وأهلِيهم، وما وَلُوا" مسلم.

ـ كم يمكثُ الرجلُ عندما يُعرِس على البكر، وكم يمكث عندما يُعرس على الثَّيِّب.

عن أنس، قال: قال رسول الله r: "إذا تزوَّجَ البِكرَ على الثيِّب أقام عندها سبعاً، وإذا تزوَّج الثيِّبَ على البِكر أقامَ عندها ثلاثاً"[[506]]. أي ثلاثة أيامٍ.

ـ فضلُ الإحسانِ والإنفاق على الزوجة.    

عن المقدام بن معد يَكرب، قال: قال رسولُ الله r: "ما أطعمتَ زوجتَكَ فهو لك صدقةٌ، وما أطعمتَ ولدَك فهو لك صدَقةٌ، وما أطعمتَ خادمَك فهو لك صدقة، وما أطعمتَ نفسكَ فهو لك صدقة"[[507]].

وعن عمرو بن أمية الضُمري، قال: قال رسولُ الله r: "ما أعطى الرجلُ امرأتَه فهو صدقةٌ"[[508]].

وعن سعد بن أبي وقاص، أن رسولَ الله r قال له: "وإنَّك لن تُنفقَ نفقةً تبتغي بها وجه اللهِ إلا أُجِرتَ بها حتى ما تجعلُ في فِيّ امرأتِكَ"[[509]].

وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله r: "خيارُكم خيارُكم لنسائهم"[[510]].

  وعنه، قال:قال رسولُ الله r: "دينارٌ أنفقتَه في سبيلِ الله، ودينارٌ أنفقته في رقبةٍ[[511]]، ودينارٌ تصدَّقتَ به على مسكين، ودينار أنفقتَه على أهلِك؛ أعظمُها أجراً الذي أنفقتَه على أهلِك" مسلم.

وعن ثوبان، قال: قال رسولُ الله r: "أفضلُ دينارٍ يُنفقه الرجلُ دينارٌ يُنفقُه على عيالِه" مسلم.

            وعن عرباض بن سارية، قال: قال رسولُ الله r : "إذا سَقى الرجلُ امرأتَه الماءَ أُجِرَ"، فقمت إليها فسقيتها وأخبرتها بما سمعت[[512]].

وعن عائشة، قالت: قال رسولُ الله r: "خيرُكم خيرُكم لأهلِه، وأنا خيرُكم لأهلي"[[513]].

وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله r: "خيركُم ، خيركُم للنساء"[[514]].

            وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله r: "أكملُ المؤمنين إيماناً أحسنُهم خُلُقاً، وخِيارُهم خِيارُهم لنسائهم"[[515]].

وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله r: "كفى بالمرء إثماً أن يضيّعَ مَن يَقوت[[516]]".

 وعن عائشة رضي الله عنها أنها سئُلت عن النبي r ما كان يَصنعُ في بيته؟ قالت: "كان يكون في مهنةِ أهلِه ـ تعني في خدمة أهلِه[[517]]ـ فإذا حضرَت الصلاةُ، خرجَ إلى الصلاة" البخاري.

ـ ومن حقِّها عليه، أن يعلمها الدين وأن لا يكتمها علماً نافعاً ينفعها في دينها وآخرتها، يعلمه.

قال تعالى: )وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا(طـه:132[[518]].

عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسولُ الله r: "من كتمَ عِلماً عن  أهله، أُلجِمَ يومَ القيامةِ لجاماً من نارٍ"[[519]].

وعن علي t، في قوله تعالى: )قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً(، قال: علِّموا أهليكم الخيرَ[[520]].

وعن ابن عمر، قال: قال رسولُ الله r: "لا تمنعوا النساءَ حظوظَهُنَّ مِن المساجِد[[521]]، إذا استأذَنَّكُم" مسلم.

            وعن مالك بن الحويرث، قال: أتينا رسولَ الله r ونحنُ شبَبَةٌ متقاربون[[522]]، فأقمنا عنده عشرين ليلةً، وكان رسولُ الله r رحيماً رقيقاً، فظنَّ أنَّا قد اشتقنا أهلَنا، فسألنا عن مَن تركنا من أهلِنا، فأخبرناهُ، فقال: "ارجعوا إلى أهليكُم؛ فأقيموا فيهم، وعلِّموهم، ومُرُوهُم فإذا حضرَت الصلاةُ فليؤذِّنَ لكم أحدُكم، ثم ليؤمَّكُم أكبرُكم" مسلم. 

ـ آدابٌ وحقوقٌ لها علاقة بالمعاشرة، لا بد من مراعاتها. 

عن جابرٍ، قال: قدمتُ من سفرٍ، فأتيتُ النبيَّ r فقال: "إذا أتيتَ أهلَك فاعمل عملاً كيِّساً". فلما أتيتُ أهلي، قلتُ: إن النبيَّ r قال: "إذا أتيتَ أهلَك فاعمل عملاً كيِّساً"، قالت: دونك[[523]].

وعنه، قال: قال رسول الله r: "إذا أطال أحدكم الغَيبَة[[524]]، فلا يَطرقْ أهلَه ليلاً" متفق عليه[[525]].

وعنه، قال: كنا مع رسول الله r في غزاةٍ، فلما قدِمنا المدينَة، ذهبنا لندخل فقال: "أمهلوا حتى ندخلَ ليلاً؛ كي تمتشِطَ الشَّعثَةُ[[526]]، وتستحِدَّ[[527]] المغيَّبَةُ"، قال: وقال: "فإذا قَدِمتَ، فالكَيْس الكيس[[528]]".

وعن أنسٍ، قال: "كان النبيُّ r لا يطرُقُ أهلَه[[529]]؛ كان لا يدخل إلا غدوةً أو عيشة" البخاري.

وعن ابن عمر، أن رسول الله r أقبل من غزوةٍ فقال: "يا أيها الناس! لا تطرقوا النِّساءَ ليلاً، ولا تغتروهنَّ"[[530]].

ـ ومن تلك الآداب والحقوق: حسن الملاطفة، والملاعبة، وممارسة اللهو المباح .. وهذا من تمام حسن المعاشرة التي أمر اللهُ ورسولُه r بها.

       عن عائشة زوج النبي r قالت: دخل الحبشةُ المسجدَ يلعبون، فقال لي: "يا حُمَيْراء أتحبين أن تنظري إليهم "؛ يعني إلى لعب الحبشَةَ ورقصِهم في المسجد، فقلتُ: نعم، فقام على الباب، وجئته، فوضعتُ ذقني على عاتِقه، فأسندتُ وجهي إلى خدِّه، قالت: ومن قولهم يومئذٍ: أبا القاسم طَيِّباً، فقال رسولُ الله r: "حسبُكِ؟"، فقلت: يا رسول الله لا تعجل، فقام لي، ثم قال: "حسبُكِ؟"، فقلتُ: لا تعجل يا رسولَ الله! قالت: وما لي حبُّ النظر إليهم، ولكني أحببتُ أن يبلغَ النساءَ مقامُه لي، ومكاني منه[[531]].

        وعنها، رضي الله عنها، قالت: "أنها كانت مع رسولِ الله r في سفرٍ، وهي جارية، قالت: لم أحمل اللحمَ، ولم أُبْدِنْ، فقال لأصحابه: تقدموا، فتقدموا، ثم قال: تعالي أسابقُك، فسابقتُه، فسبقتُه على رجلَي، فلما كان بعدُ، خرجتُ معه في سفرٍ، فقال لأصحابه: تقدَّموا، ثم قال: تعالي أسابِقُكِ، ونسيت الذي كان، وقد حملتُ اللحمَ، وبدَّنتُ، فقلت: كيف أسابقك يا رسولَ الله وأنا على هذه الحال؟ فقال: لتفعَلِن، فسابقته، فسبقني، فجعل يضحكُ، ويقول: هذه بتلكَ السَّبقةِ"[[532]].

        وعنها رضي الله عنها قالت: كُنتُ أشربُ وأنا حائضٌ، ثم أناولُه النبيَّ r، فيضع فاهُ على موضِعِ فِيَّ، فيشرَبُ، وأتَعَرَّقُ العَرْقَ وأنا حائضٌ ثمَّ أناولُهُ النبيَّ r، فيضعُ فاهُ على موضِعِ فِيَّ" مسلم.

        وعن جابر بن عبد الله، عن النبي r قال: "كلُّ شيءٍ ليس من ذكر الله U فهو لغوٌ، ولهو أو سهو إلا أربعُ خصالٍ: مشيُ الرجلِ بين الغرَضين[[533]]، وتأديبُه فرسَه، وملاعبتُه أهله، وتعلُّم السِّباحةِ"[[534]].

 

وبعد: فليعلم الجميع أن الرابطة والوشيجة التي تجمع بين الزوجين، هي أسمى وشيجة ورابطة بعد وشيجة ورابطة العقيدة والدين، فليحافظا عليها بطاعة الله وطاعة رسوله r، فإن نزغ الشيطانُ بينهما وتنازعا في شيء، فيردا ما تنازعا فيه ـ برضى وطواعية واستسلام ـ إلى كتابِ الله تعالى، وسُنَّةِ رسوله r، وهذا من لوازم الإيمان، كما قال تعالى: )فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً(النساء:59.

وأقول كذلك: من لوازم نجاح الحياة الزوجية أن ينظر كل طرفٍ من الزوجين إلى ما له وما عليه من الحقوق والواجبات .. فالمشاكل غالباً ما تقع عندما ينظر كل واحدٍ من الزوجين إلى ما له من الحقوق .. من دون أن ينظر ما عليه من الواجبات، وما للطرف الآخر عليه من حقوق!

 

 

* * * * *

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ـ من حقِّ المسلم على أخيه المسلم، أن يردَّ عليه السلام، ويُشمِّتَهُ [[535]] إذا عطسَ، ويجيبَ دعوتَه إذا دعاه، وأن يعودَهُ إذا مرض، ويتبع جنازتَه إذا مات .. وأن ينصرَه ـ في الحق ـ ويذبَّ عنه وعن عِرضه وحرماته الأذى والعدوان في ظهر الغيب كما في حضرته، وأن ينصح له، ويألم لألمه، ويفرح لفرحه، ويحبَّ له ما يحبُّ لنفسه من خيرٍ.

قال تعالى: )إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ(الحجرات:10.

وقال تعالى: )وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(التوبة:71.

وقال تعالى: )وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ(الحجرات:12.  

وفي الحديث، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله r: "للمؤمِن على المؤمن ستُّ خِصالٍ: يعودُه إذا مرضَ، ويشهَدُه[[536]] إذا مات، ويُجيبُه إذا دعاه[[537]]، ويُسلِّم عليه إذا لقيَه، ويُشمِّتُه إذا عطَسَ، ويَنصحَ[[538]] له إذا غاب أو شَهِد"[[539]].

وعن البراء بن عازِبٍ قال: "أمرَنا رسولُ الله r بسبعٍ: أمرنا بعيادةِ المريضِ، واتباعِ الجنائزِ، وتَشميتِ العاطِس، وإبرارِ القسَمِ أو المُقْسِمِ، ونصْرِ المظلومِ، وإجابةِ الدَّاعي، وإفشاءِ السَّلامِ .."[[540]].

وعن أسماء بنت يزيد، قالت: قال رسول الله r: "من ذَبَّ عن عِرضِ أخيه بالغَيبَة[[541]]، كان حقاً على الله أن يعتِقَهُ من النَّار"[[542]].

وعن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله r: "مَن ردَّ عن عِرضِ أخيه، ردَّ اللهُ عن وجهِه النارَ يومَ القيامةِ"[[543]].

وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله r: "المؤمنُ مرآةُ المؤمنِ، والمؤمنُ أخو المؤمِن، يكفُّ عليه ضَيعَتَهُ[[544]]، ويحوطُه[[545]] من ورائه"[[546]].

وعن أبي هريرة، قال: "المؤمنُ مرآةُ أخيه؛ إذا رأى فيه عَيباً أصلَحَهُ"[[547]].

وعن تميم الداري، قال: قال رسول الله r: "إنَّ الدينَ النَّصيحةُ، إنَّ الدينَ النصيحةُ، إنَّ الدينَ النَّصيحةُ"، قالوا: لمن يا رسولَ الله؟ قال: "لله[[548]]، وكتابِه[[549]]، ورسولِه[[550]]، وأئمَّةِ المؤمنين وعامَّتهِم[[551]]، وأئِمَّةِ المسلمين وعامَّتِهم"[[552]].

وعن أنس، قال: قال رسول الله r: "انصُرْ أخاكَ ظالماً أو مظلوماً"، فقال رجلٌ: يا رسول الله أنصُرهُ مظلوماً، فكيف أنصره ظالماً؟ قال: "تمنعُه من الظُّلمِ، فَذاكَ نَصرُكَ إيَّاه" متفق عليه [[553]].

وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسولُ الله r: "المسلمون تتكافأ [[554]] دماؤهم، يسعى بذمَّتهم أدناهم، ويُجيرُ[[555]] عليهم أقصاهم، وهم يدٌ على مَن سواهُم، يَردُّ مُشِدُّهُم[[556]] على مُضعِفهم، ومُتَسَرِّعِهم[[557]] على قاعِدهم، لا يُقتَلُ مؤمنٌ بكافرٍ، ولا ذُو عهدٍ في عهده" [[558]].             

وعن جابرٍ، أن النبي r ، قال: "ما من امرئٍ يَخذُلُ امرءاً مسلماً في موطنٍ يُنتقصُ فيه عِرضُه، ويُنتهكُ فيه من حُرمَتِه، إلا خذَلَه اللهُ تعالى في موطنٍ يُحبُّ فيه نصرَتَهُ، وما مِن أحدٍ ينصرُ مُسلماً في موطنٍ يُنتقَصُ فيه من عِرضهِ، ويُنتهكُ فيه من حُرمتِه، إلا نصرَهُ اللهُ في موطنٍ يُحبُّ فيه نصرتَهُ"[[559]].

 وعن أنس، قال: قال رسولُ الله r: "والذي نفسي بيده لا يؤمنُ عبدٌ حتى يُحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسِه" متفق عليه[[560]].

وعنه مرفوعاً: "مَنْ نصَرَ أخاهُ بالغيبِ نصَرَهُ اللهُ في الدنيا والآخرة"[[561]].

وعن أبي هريرة، عن النبي r قال: "إذا عطَس أحدُكم فليقلْ: الحمدُ لله على كلِّ حالٍ، وليقل أخوه أو صاحبُه: يرحمُك الله، ويقول هو: يهديكُم الله ويُصلِح بالَكُم"[[562]].

وعن أنس، قال: عطَس رجلان عند النبي r، فشمَّتَ أحدَهما وتركَ الآخر، قال: فقيل: يا رسول الله! رجلان عطسا فشمَّتَ أحدَهما وتركتَ الآخر؟ فقال: "إن هذا حَمِدَ اللهَ، وإن هذا لم يحمد الله" متفق عليه.

ـ منزلةُ المؤمِن من المؤمنين، ومثَلُه بالنسبة لهم.

عن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله r: "المؤمنُ من أهلِ الإيمان بمنزلة الرأسِ من الجسد، يألَمُ المؤمنُ لما يُصيبُ أهلَ الإيمان، كما يألَمُ الرأسُ لما يصيبُ الجسدَ"[[563]].

وعن النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله r: "ترى المؤمنين في تراحُمِهم وتوادِّهم، وتعاطُفِهم، كمثلِ الجسدِ إذا اشتكى عضواً[[564]] تداعى لهُ سائرُ الجسدِ بالسَّهرِ والحُمَّى" متفق عليه[[565]].

وعنه، قال: قال رسولُ الله r: "المؤمنون كرجلٍ واحدٍ، إذا اشتكى رأسَهُ اشتكى كلُّه، وإن اشتكى عينَهُ اشتكى كلُّه"[[566]].

ـ فضلُ من يمشي في حاجةِ أخيه المسلم، ويُفرِّجُ عنه كُربةً من كُرَبِ الدُّنيا.

عن أبي هريرة، عن النبي r، قال: "مَن نَفَّسَ عن مُسلِمٍ كُربَةً من كُرَب الدنيا، نفَّسَ اللهُ عنه كُربةً من كُرَبِ الآخرةِ، ومَن سَترَ على مسلمٍ ستره الله في الدُّنيا والآخرِة، واللهُ في عونِ العبدِ ما كان العبدُ في عونِ أخيه"[[567]].

وعن ابن عمر، أن رسول الله rقال: "المسلمُ أخو المسلمِ لا يَظلِمهُ ولا يُسْلِمه[[568]]، ومن كان في حاجةِ أخيه، كان اللهُ في حاجته[[569]]، ومن فرَّج عن مسلمٍٍ كُربةً فرَّجَ اللهُ عنه كُربةً من كُرَبِ يومِ القيامة، ومن سَترَ مُسلماً سَترهُ اللهُ يومَ القيامة" متفق عليه.

وعنه، قال: قال رسولُ الله r: "أحبُّ الناس إلى اللهِ أنفَعُهم[[570]]، وأحبَّ الأعمال إلى الله U سرورٌ تُدخِلُه على مسلمٍ، أو تَكشُفَ عنه كربةً، أو تقضي عنه ديناً، أو تَطرُدَ عنه جوعاً، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجةٍ أحبَّ إلي من أن أعتكِفَ في المسجد شَهراً، ومن كفَّ غضبَه سترَ اللهُ عورتَه، ومن كظَمَ غيظاً ، ولوشاء أن يُمضيَه أمضاه، ملأ اللهُ قلبَه رِضىً يومَ القيامة، ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجةٍ حتى يُثبِتَها له، أثبتَ اللهُ تعالى قدَمَه يومَ تزِلُّ الأقدامُ، وإنَّ سوءَ الخلقِ ليفسِدَ العملَ كما يُفسِدُ الخلُّ العسلَ"[[571]].

وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله r: "أفضلُ الأعمالِ أن تُدخِلَ على أخيكَ المؤمن سروراً، أو تقضي عنه ديناً، أو تُطعمَهُ خُبزاً"[[572]].  

عن ابن المكندر يرفعه إلى النبيِّ r: "من أفضلِ الأعمالِ إدخالُ السرورِ على المؤمنِ؛ تقضي عنه ديناً، تقضي له حاجةً، تنفِّسَ له كُربةً".

قال سفيان بن عُيينة: وقيل لابن المنكَدِرِ فما بقي مما يُستَلَذُّ؟ قال: الإفضالُ على الإخوان[[573]].

وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله r: "إنَّ اللهَ U يقول يومَ القيامة: يا ابنَ آدمَ مَرِضتُ فلم تَعُدْني، قال: يا رب كيف أعودُكَ وأنت ربُّ العالمين، قال: أما علِمتَ أنَ عبدي فلاناً مَرِضَ فلم تَعُدْهُ، أما علمتَ أنَّكَ لو عُدتَهُ لوجدتني عندَه! يا ابنَ آدمَ استطعمتُكَ فلَم تُطعمنِي، قال: يا ربِّ! و كيف أطعمُكَ وأنتَ ربُّ العالمينَ؟ قال: أما عَلمتَ أنَّهُ استطعَمَكَ عَبدِي فلان فَلَم تُطعِمْهُ؟ أمَا عَلِمتَ أنَّكَ لو أطعَمتَهُ لَوَجدتَ ذلك عِندِي؟ يا ابن آدم! استسقيتُكَ فَلَم تُسقِني، قال: يا ربِّ! كَيفَ أَسقِيكَ وَأَنتَ رَبُّ العَالَمينَ؟قال: استَسقَاكَ عَبدِي فُلانُ فَلَم تَسْقِهِ، أَمَا إِنَّك لَو أَسقَيتَهُ وَجَدتَ ذلكَ عندي"[[574]] مسلم. 

وعن أمامة، عن النبي r قال: "من شَفِعَ لأخيه بشفاعةٍ[[575]]، فأهدى له هديَّةً عليها فقبِلَها، فقد أتى باباً عظيماً من أبوابِ الرِّبا"[[576]].

وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسولُ الله r: "إنَّ لله أقواماً اختصَّهم بالنَّعمِ لمنافع العبادِ، يُقرُّهم فيها ما بذَلوها، فإذا مَنعُوها نزعَها منهم؛ فحوَّلها إلى غيرِهم"[[577]].

وعن ابن عباس قال: قال رسولُ الله r: "ما مِن عبدٍ أنعمَ اللهُ عليه نعمةً فأسبغها عليه، ثم جعلَ من حوائجِ الناس إليه فتبرَّمَ؛ فقد عرَّضَ تلك النعمةَ للزوال"[[578]].

وفي الأثر عن عبد الله بن عمر، أنَّ عمر بن الخطاب t قال عامَ الرَّمادة ـ وكانت سَنةٌ شديدةٌ مَلمَّةٌ، بعدما اجتهدَ عمر في إمداد الأعراب بالإبل والقمح والزيت من الأرياف كلها مما جَهدَها ذلك، فقام عمر يدعو، فقال: اللهمَّ اجعل رزقَهم على رؤوسِ الجبالِ، فاستجابَ اللهُ له وللمسلمين، فقال حين نزلَ به الغيثُ: "الحمدُ لله، فوالله لو أنَّ الله لم يُفرِّجها ما تركتُ أهلَ بيتٍ من المسلمين لهم سَعةٌ إلا أَدخَلْتُ معهم أعدادَهم من الفقراء؛ فلم يكن اثنان يَهلَكان من الطعامِ على ما يُقيمُ الواحد"[[579]].

ـ فَضلُ مَن زارَ أخاً له في الله؛ لا يَبتغي من زِيارَته له سِوى مرضاةِ اللهِ تعالى[[580]].

عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله r: "مَن عادَ مريضاً، أو زارَ أخاً له في الله، ناداه منادٍ: أنْ طِبتَ وطابَ ممشاكَ، وتبوَّأتَ من الجنةِ منزلاً"[[581]].

وعن عليٍّ، عن النبي r قال: "ما من مُسلم يعودُ مسلماً غَدوةً[[582]]، إلا صلى عليه سبعون ألفَ ملَكٍ حتى يُمسي، وإن عادَه عَشيَّةً، صلى عليه سبعون ألف ملَكٍ حتى يُصبحَ، وكان له خريفٌ في الجنة"[[583]].

وعن جابر بن عبد الله، قال: سمعتُ النبيَّ r يقول: "مَن عادَ مريضاً خاضَ في الرحمة، حتى إذا قعدَ استقرَّ فيها"[[584]].

وعن أبي هريرة، عن النبيِّ r: "أنَّ رجلاً زارَ أخاً له في قريةٍ أخرى، فأرصَدَ اللهُ له على مَدْرَجَتِه ملَكاً، فلما أتى عليه، قال: أين تُريد؟ قال: أريدُ أخاً لي في هذه القريةِ، قال: هل لكَ عليه من نعمةٍ تَرُبُّها[[585]]؟ قال: لا؛ غير أني أُحبُّه في الله U، قال: فإنِّي رسولُ اللهِ إليك؛ بأنَّ اللهَ قد أحبَّك كما أحببتَهُ فيه" مسلم.

وعن ثَوبان مولى رسولِ الله r، عن رسولِ الله r قال: "من عاد مريضاً، لم يزَلْ في خُرْفَةِ الجنة حتى يرجِعَ". قيل: يا رسول الله وما خُرفةُ الجنَّة؟ قال: "جَنَاهَا[[586]]" مسلم.

ـ إذا أحبَّ المسلمُ أخاه المسلم.

عن المِقدام بن مَعدي كَرِب، قال: قال النبيُّ r: "إذا أحبَّ أحدُكُم أخاه، فليُعلِمه أنه أحبَّه"[[587]].

وفي رواية: "إذا أحبَّ الرجلُ أخاه فليُخبرهُ أنه يحبُّه"[[588]].

وعن أنس بن مالك قال: مرَّ رجلٌ بالنبيِّ r وعنده ناسٌ، فقال رجلٌ ممن عنده: إنِّي لأحبُّ هذا لله، فقال النبيُّ r: "أعلَمْتَهُ؟"، قال: لا، قال: "فقم إليه فأعلِمْهُ"، فقام إليه فأعلَمَهُ، فقال: أحبَّك الذي أحببتني له. قال: ثم رجعَ إلى النبيِّ r فأخبره بما قال، فقال النبيُّ r: "أنتَ مع من أحببتَ، ولك ما احتسَبتَ"[[589]].

وعن أنسٍ، قال: قال النبيُّ r: "ما تحابَّا الرجلان إلا كانَ أفضلُهما أشدَّهُما حُبَّاً لصاحبه"[[590]].

وعن أبي الدرداء مرفوعاً: "ما من رجلين تحابَّا في الله بظهرِ الغيبِ؛ إلا كانَ أحبُّهما إلى الله أشدَّهما حُبَّاً لصاحِبه"[[591]].

وعن أبي أُمامَة مرفوعاً: "ما أحبَّ عبدٌ عبداً لله إلا أكرمَهُ الله U"[[592]].

وعن معاذ بن جبل، قال: "إذا أحببتَ أخاً فلا تُمارِه، ولا تُشارِه، ولا تسأل عنه؛ فعسى أن توافِيَ له عدواً، فيُخبركَ بما ليس فيه، فيُفرِّق بينك وبينه"[[593]].

وعن أبي هريرة قال: "يُبصِرُ أحدُكم القَذاةَ في عينِ أخيه، وينسى الجِذْل ـ أو الجِذْعَ ـ في عين نفْسِه"[[594]].

ـ أمورٌ تزيدُ المحبَّة بين المسلمين وتقويها:

ـ منها إفشاءُ السلام: عن أبي هريرة، عن النبيِّ r قال: "والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنَّةَ حتى تُسْلِموا، ولا تُسْلِموا حتى تحابُّوا، وافشوا السلامَ تحابُّوا، وإياكُم والبُغضَةَ؛ فإنها هي الحالقة، لا أقولُ لكم: تحلقُ الشَّعرَ، ولكن تحلق الدينَ"[[595]].

وعنه، قال: قال رسول الله r: "لا تدخلوا الجنَّةَ حتى تُؤمنوا، ولا تُؤمنوا حتى تَحابُّوا، ألا أدلُّكُم على شيءٍ إذا فعلتموه تحاببتُم؟ أفْشُوا السلامَ بينكُم" مسلم.

وعن أبي أمامة t، قال: قال رسول الله r: "إنَّ أوْلى الناسِ بالله من بدأَهم بالسَّلامِ"[[596]]. وفي رواية عند الترمذي: قيل يا رسولَ الله الرجُلانِ يلتقيان أيُّهما يبدأُ بالسَّلامِ؟ قال: "أولاهما بالله تعالى". أي أقربهما إلى الله وأحبهما إليه.

وعن أبي هريرة، عن النبي r قال: "إذا لقي أحدُكم أخاهُ فليُسلِّم عليه، فإن حالَ بينهما شجرةٌ أو جِدارٌ أو حجرٌ ثمَّ لقيَهُ فليُسلِّم عليه"[[597]].

وعن أنس بن مالك t، قال: "كنا إذا كنَّا معَ رسولِ الله r فتُفَرِّقُ بيننا شجرةٌ؛ فإذا التقينا يُسلِّمُ بعضُنا على بعضٍ"[[598]].

وعن عبد الله بن عمرو: أن رجلاً سألَ رسولَ الله r: أيُّ الإسلامِ خير قال: تُطعِمُ  الطَّعامَ، وتَقرأُ السَّلامَ على من عَرفتَ ومن لم تعرف" مسلم.

وعن الأغرِّ ـ أغرِّ مُزينَةَ ـ t قال: كان رسول الله r أمرَ لي بجَرِيبٍ من تمرٍ عند رجلٍ من الأنصار، فمَطَلني به، فكلمت فيه رسولَ اللهِ r، فقال: "أُغدُ يا أبا بكرٍ؛ فخُذ له تَمْرَهُ". فوعدني أبو بكرٍ المسجدَ إذا صلينا الصُّبحَ، فوجدتُه حيثُ وعدني، فانطلقنا، فكلما رأى أبو بكرٍ رجُلاً من بعيدٍ سلَّم عليه، فقال أبو بكر t: أما تَرى ما يصيبُ القومُ عليكَ من الفضل؟ لا يسبِقُكَ إلى السَّلام أحدٌ. فكنا إذا طَلِعَ الرجلُ من بعيدٍ بادرناه بالسَّلام قبلَ أن يُسلِّمَ علينا"[[599]].

وعن بُشَيْر بن يسار قال: "ما كان أحدٌ يبدأ ـ أو يبدرُ ـ ابن عمر السلامَ"[[600]]. أي كان هو دائماً يُبادرهم السلام، فيكون هو السابق والبادئ!

وعن الطُّفيل بن أُبي بن كعب: أنه كان يأتي عبدَ الله بن عمر فيغدو معه إلى السوقِ، قال: فإذا غدونا إلى السوق  لم يمرَّ عبدُ الله بن عمر على سقَّاطٍ ـ الفقير الذي يبيع سَقَطَ المتاع ورديئه ـ ولا صاحب بيعة، ولا مسكينٍ، ولا أحدٍ إلا ويُسلِّمُ عليه!

قال الطُّفَيل: فجئتُ عبدَ الله بن عمر يوماً، فاستَتْبَعَني إلى السوق، فقلت: ما تصنعُ بالسوقِ، وأنت لا تقِفُ على البيعِ، ولا تسألُ عن السِّلَعِ، ولا تَسومُ بها، ولا تجلسُ في مجالس السوق، فاجلس بنا هنا نتحدَّث؟!

فقال لي عبد الله: "يا أبا بطنٍ ـ وكان الطفيل ذا بطنٍ ـ إنما نغدو من أجل السَّلام؛ نُسلِّمُ على من لقينا"[[601]].

ـ ومنها المُصافحةُ: عن البراء بن عازب، قال: قال رسولُ الله r: "ما من مُسلِمَينِ يلتقيانِ فيتَصافحَانِ إلا غُفِرَ لهما قبلَ أن يفتَرِقا"[[602]].

وعن ابن عباس، عن النبي r قال: "إذا لقي المُسلِمُ أخاهُ المُسلِمَ، فأخذ بيدهِ فصافحَهُ، تناثرت خطاياهُما من بين أصابِعِهِما كما يتناثرُ ورقُ الشَّجَرِ بالشِّتاء"[[603]].

وعن البراء بن عازِب، قال: "من تمام التحيَّةِ أن تُصافِحَ أخاكَ"[[604]].

وعن أنس بن مالك، قال: "كان ـ r ـ إذا صافَحَ رجلاً لم يَترُك يدَهُ حتى يكونَ هو التارِك ليدِ رسولِ الله r"[[605]].

وعنه، قال: "كان أصحابُ النبيِّ r إذا تَلاقَوا تَصافَحوا، وإذا قَدِموا من سفرٍ تعانَقُوا"[[606]].

ـ ومنها الإهداء والتهادي: عن أبي هريرة، عن النبيِّ r قال: "تهادُوا تحابُّوا"[[607]].

وعن أنسٍ، قال: "يا بُنيَّ تباذَلُوا بينكم؛ فإنه أوَدُّ لما بينكم"[[608]].

وعن ابن عمر قال: "لقد أتى علينا زمانٌ ـ أو قال: حينٌ ـ وما أحدٌ أحقُّ بديناره ودرهمه من أخيه المسلم، ثم الآن الدينار والدرهم أحب إلى أحدنا من أخيه المسلم"[[609]].

ـ ومنها الدعاء لأخيك المسلم بظهر الغيب: عن أم الدرداء، قالت: فإنَّ النبيَّ r كان يقول: "دعوةُ المرء المسلم لأخيه ـ بظهرِ الغيب ـ مُستجابةٌ عندَ رأسِه ملَكٌ؛ كلما دعَا لأخيه بخيرٍ، قال الملكُ الموكَّلُ به: آمين، ولكَ بِمِثْلٍ" مسلم.

وعن أبي بكر الصديق t: "إنَّ دعوةَ الأخ في الله تُستجَاب"[[610]].

ـ ومنها التبسُّمُ في وجه أخيك المسلم، وأن تلقاهُ ووجهُكَ منبسطٌ منطلق: عن أبي ذر t قال: قال رسولُ الله r: "تبسُّمُكَ في وجهِ أخيكَ صدقةُ، وأمرُكَ بالمعروف ونهيُكَ عن المنكر صدقةٌ، وإرشادُكَ الرجلُ في أرضِ الضَّلال لك صدَقةٌ، وإماطَتُكَ الأذى والشَّوكَ والعظمَ عن الطريقِ لك صدقةٌ، وإفراغُكَ من دَلوكَ في دلو أخيكَ لك صدقةٌ"[[611]].

وعن أبي جُريّ الهجيمي t قال: أتيتُ رسولَ الله r فقلتُ: يا رسولَ الله إنا قومٌ من أهلِ الباديةِ، فعلمنا شيئاً ينفعنا الله به؟ فقال: "لا تحقِرنَّ من المعروفِ شيئاً، ولو أن تُفرِغَ من دلوكَ في إناء المُستقي، ولو أن تُكلِّمَ أخاكَ ووجهُكَ إليه مُنْبَسطٌ ..."[[612]].

وفي رواية للنسائي وأحمد، فقال: "لا تحقِرنَّ من المعروفِ شيئاً أن تأتيَهُ ولو أن تهَبَ صِلةَ الحبلِ، ولو أنْ تُفرِغَ من دَلوِكَ في إناء المُستَقِي، ولو أن تَلقَى أخاكَ المسلمَ ووجهُكَ بِسْطٌ إليه ـ أي منبسطٌ منطلق ـ ولو أن تؤنِسَ الوحشانَ بنفسك؛ ولو أن تهَبَ الشَّسَعَ". والشَّسَعُ: الشيء أو الخيط الذي يُربَط به النعل ويُشَد.  

ـ ومنها الاعتدال والتوسط في زيارة الإخوان من غير إكثارٍ ممل، ولا إقلالٍ مُخِلٍ:

عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسولُ الله r: "زُرْ غِبَّاً تَزْدَدْ حُبَّاً"[[613]].

ـ ومنها أن يُعلِمَه أنه يُحبُّه في الله: عن علي بن الحسين مرفوعاً: "إذا أحبَّ أحدُكم أخاه في الله فليُبيِّنْ له؛ فإنَّه خيرٌ في الإلفةِ، وأبقَى في المودَّةِ"[[614]].

ـ ما للمتحابين في الله عند الله تعالى من أجرٍ.

وعن أبي مسلم قال: قلت لمعاذ: والله إنِّي لأحبُّكَ لغير دُنيا أرجو أن أصيبَها منكَ، ولا قرابَةٍ بيني وبينَك، قال: فلأيِّ شيءٍ؟ قلتُ: لله، قال: فجذَب حبوتي، ثم قال: أبشِرْ إن كنتَ صادقاً؛ فإنِّي سمعتُ رسولَ الله r يقول: "المتحابُّون في الله في ظلِّ العرشِ يومَ لا ظِلَّ إلا ظِلُّه، يَغبِطُهم بمكانهم النبيُّون والشُّهداءُ".

قال: ولقيتُ عُبادةَ بن الصامت فحدثتُه بحديث معاذ، فقال: سمعتُ رسولَ الله r يقولُ عن ربِّه تبارَك وتعالى: "حَقَّت محبَّتي على المتحابِّين فيَّ، وحَقَّت محبَّتي على المتناصِحين فيَّ، وحَقَّت محبتي على المُتَباذِلين فيَّ، هم على منابِرَ من نورٍ، يغبطُهُم النَّبيُّون والشُّهداء والصِّديقُون"[[615]].

وفي رواية عنه، قال سمعتُ رسولَ الله r يقول: "قالَ الله U: المُتحابُّون في جَلالي لَهُم منابِرُ من نورٍ، يَغبطُهُم النبيُّون والشُّهداءُ".

وعن ابن عباس، أن رسولَ الله r قال: "إن لله جُلساءَ يومَ القيامة عن يمين العرشِ، وكلتا يدي الله يمينٌ، على منابرَ من نورٍ، وجوهُهم من نورٍ، ليسوا بأنبياءَ ولا شُهداء ولا صدِّيقين"، قيل: يا رسولَ الله من هم؟ قال: "هم المُتحابُّون بجلالِ الله تبارك وتعالى"[[616]].

وعن أبي الدرداء قال: قال رسولُ الله r: "ليبعثنَّ اللهُ أقواماً يومَ القيامةِ في وجوهِهِم النور، على منابِرِ اللُّؤلُؤِ، يغبِطُهُم الناسُ، ليسوا بأنبياءَ ولا شُهداءَ".

قال: فجَثى أعرابيٌّ على رُكبتيْهِ، فقال: يا رسولَ الله جَلِّهم لنا نعرِفُهم؟ قال: "هم المُتحابُّونَ في الله من قبائل شتَّى، وبلادٍ شتَّى يجتمعون، على ذكرِ الله؛ يَذكرونَه"[[617]].

وعن ابن عمر قال: قال رسولُ الله r: "إنَّ لله عباداً ليسوا بأنبياء ولا شهداءَ، يغبطُهم الشهداءُ والأنبياءُ يومَ القيامةِ؛ لقربهم من الله تعالى ومجلِسهم منه"، فجثَا أعرابيٌّ على ركبتيه فقال: يا رسولَ الله! صِفهم لنا، وجلِّهم لنا؟ قال: "قومٌ من أَفناءِ الناس، من نُزَّاع القبائل، تصادقوا في الله، وتحابُّوا فيه، يضَعُ الله U لهم يومَ القيامةِ منابرَ من نورٍ، يخافُ الناسُ ولا يخافون، هم أولياءُ الله U الذين )لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ("[[618]].

 

ـ حُرمَةُ المسلمِ على أخيه المسلم، ومن يقولُ في أخيه المسلم ما ليس فيه. 

عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله r: "كلُّ المسلمِ على المسلم حرامٌ: مالُه، وعِرْضُه، ودَمُه، حَسْبُ امرئٍ من الشرِّ أن يحقرَ أخاه المسلم" مسلم. 

وعن أبي بكرة الثقفي، أنَّ رسولَ الله r، خطبَ الناسَ[[619]]فقال: "ألا تدرون أي يُومٍ هذا؟" قالوا: الله ورسولُه أعلم، قال: "فسكتَ حتى ظننَّا أنه سيُسمِّيه بغيرِ اسمه، فقال: "أليس بيوم النحر؟" قلنا: بلى يا رسولَ الله، قال: "أي بلدٍ هذه؛ أليست بالبلدةِ الحرام؟" قلنا: بلى يا رسولَ الله، قال: "فإن دماءَكم، وأموالَكُم، وأعراضَكم، وأبشارَكم عليكم حرام، كحرمة يومِكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا هل بلَّغت؟" قلنا: نعم، قال: اللهم اشهد، فليبلِّغ الشاهدُ الغائبَ؛ فإنه رُبَّ مُبَلِّغٍ يُبلِّغُه مَن هو أوعَى له" فكان كذلك، قال: "لا ترجعوا بعدي كفَّاراً[[620]] يَضرِبُ بعضُكم رِقابَ بعضٍ" متفق عليه.

وعن عبد الرحمن بن سعيد، أن رسول الله r قال: "لا يحلُّ للرجلِ أن يأخذَ عَصا أخيه بغير طِيبِ نفسِه؛ وذلك لشدَّة ما حرَّم رسولُ الله r من مالِ المسلمِ على المسلمِ"[[621]].

وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله r: "المسلمُ من سلِمَ المسلمون من لسانِه ويدِه، والمهاجرُ من هجَرَ ما نهى اللهُ عنه" البخاري.

وعن ابن مسعود، قال: قال رسول الله r: "سُبابُ المسلمِ فسوقٌ، وقتالُه كفرٌ"[[622]]متفق عليه.

وعن معاذ بن أنس، قال: قال رسول الله r: "من ضيَّق منزلاً، أو قطع طريقاً، أو آذى مؤمناً، فلا جهادَ له"[[623]].

وعن أبي بكرة، قال: سمعت رسول الله r يقول: "إذا تواجه المسلمان بسيفَيهِما فالقاتلُ والمقتولُ في النار"، قال: قيل: يا رسولَ الله هذا القاتلُ فما بالُ المقتولِ؟ قال: "إنه قد أرادَ قتلَ صاحبه" مسلم.

وعنه، أن رسولَ الله r قال: "إذا شهَرَ المسلمُ على أخيهِ سلاحاً؛ فلا تزالُ ملائكةُ الله تلعنُه حتى يَشيمَهُ عنه"[[624]].

وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله r: "إنَّ الملائكةَ لتلعنُ أحدَكُم إذا أشارَ إلى أخيه بحديدةٍ، وإن كان أخاهُ لأبيه وأُمِّه"[[625]].

وعن ابن عباس قال: نظرَ رسولُ الله r إلى الكعبة فقال: "مرحباً بكِ من بيت، ما أعظمَكِ، وأعظمَ حُرمَتكِ، ولَلْمؤمنُ أعظمُ حُرمةً عند الله منكِ؛ إن اللهَ حرَّمَ منكِ واحدةً، وحرَّمَ من المؤمن ثلاثاً: دَمَه، ومالَهُ، وأن يُظنَّ به ظنُّ السُّوءِ"[[626]].

وعن أبي أمامة الحارثي، قال: قال رسولُ الله r: "من اقتطعَ حقَّ امرئٍ مُسلمٍ بيمينِه، فقد أوجبَ اللهُ له النارَ وحرَّمَ عليه الجنَّةَ وإن كان قضيباً من أراكٍ"[[627]].

وعن أبي هريرة، عن النبي r قال: "لا يخطبُ الرجلُ على خِطبةِ أخيه حتى ينكِحَ أو يَترُكَ" متفق عليه.

وعن ابن عمر، قال: قال رسولُ الله r: "لا يبِع الرجلُ على بيعِ أخيه، ولا يخطِبُ على خِطبةِ أخيه إلا أن يأذَن له" مسلم.

وعن أبي هريرة، أن رسول الله r قال: "لا يَسُمْ الرجلُ على سَومِ أخيه المسلم"[[628]].

وعن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله r: "المسلمُ أخو المسلم، ولا يحلُّ لمسلمٍ باعَ من أخيه بيعاً فيه عيبٌ إلا بيَّنَه له"[[629]].

وعن أُمامة بن سهل بن حنيف، قال: قال رسول الله r: "علامَ يقتلُ أحدُكم أخاهُ[[630]]؛ إذا رأى أحدُكم من أخيه ما يعجبه فليدْعُ له بالبركةِ"[[631]].

وعن ابن مسعود، قال: قال رسول الله r: "سبابُ المسلمِ فسوقٌ، وقتالُه كُفرٌ، وحُرمةُ ماله كحُرمَةِ دمِه"[[632]].

وعن ابن عمرو، قال:قال رسول الله r: "سبابُ المؤمنِ كالمُشرفِ على الهلَكةِ"[[633]].

وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله r: "أيما امرئٍ قال لأخيه يا كافر، فقد باء بها أحدُهما؛ إن كان كما قالَ وإلا رجعت"[[634]].

وعن أبي ذر، أنه سمع رسول الله r يقول: "من دعا رجلاً بالكفر أو قال عدوَّ الله، وليس كذلك، إلا حارَ عليه"[[635]].

وعن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله r: "من قال في مؤمنٍ ما ليس فيه، حُبِسَ في رَدغةِ الخبالِ حتى يأتي بالمخرجِ مما قال"[[636]].

وعن ثابت بن الضحاك، قال: قال رسول الله r: "إذا قال الرجلُ لأخيه: يا كافر؛ فهو كقتلِه، ولعنُ المؤمن كقتلِه"[[637]].

وعن أبي هريرة، أنه قيل: يا رسول الله ما الغيبةُ؟ قال: "ذِكرُكَ أخاكَ بما يكرهُ"، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: "إن كان فيه ما تقولُ فقد اغتبتَهُ، وإن لم يكن فيه ما تقولُ فقد بهتَّهُ"[[638]].      

وعن سعيد بن زيد، عن النبي r: "إنَّ من أَربى الربا الاستطالةُ في عِرضِ المسلم بغير حقٍّ"[[639]].

وعن قيس، قال: كان عمرو بن العاص يسيرُ مع نفرٍ من أصحابه، فمرَّ على بغلٍ ميتٍ قد انتفخَ، فقال: "والله لأن يأكلَ أحدُكُم من هذا حتى يملأ بطنَهُ، خيرٌ من أن يأكُلَ لحمَ مُسلِمٍ"[[640]]. أي خير من أن يغتابه ويخوض في عِرضه؛ فأكل لحم المسلم يكون بغِيبته، كما قال تعالى: )وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ(الحجرات:12.  

وعن سلَمَةَ بن الأكوع، قال: "كُنَّا إذا رأينا الرجلَ يلعَنُ أخاه رأيناه أن قد أتى باباً من الكبائر"[[641]].

ـ فيمن يهجر أخاهُ المسلم، فوقَ ثلاثةِ أيامٍ.

عن أنس بن مالك، أن النبَّي r قال: "لا تَباغَضُوا، ولا تحاسَدُوا، ولا تدابَرُوا، وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يحلُّ لمسلمٍ أن يهجرَ أخاه فوقَ ثلاثِ ليالٍ "متفق عليه.      

وعن عائشة رضي الله عنها، أن رسولَ الله r قال: "لا يكون لمسلمٍ أن يهجرَ مسلماً فوقَ ثلاثةٍ، فإذا لقيَه سلَّم عليه ثلاثَ مِرارٍ كلُّ ذلك لا يَردُّ عليه، فقد باءَ بإثمِه"[[642]].

وعن هشامٍ بن عامر الأنصاري، أنه سمعَ رسولَ الله r قال: "لا يحلُّ لمسلمٍ أن يُصارم مسلماً فوقَ ثلاثٍ، فإنهما ناكبان عن الحق ما داما على صِرامِهما، وإن أولهما فيئاً يكون كفارته عند سبقه بالفيء، وإن ماتا على صِرامهما لم يدخلا الجنَّةَ جميعاً أبداً، وإن سلَّمَ عليه فأبى أن يقبل تسليمه وسلامَه، ردَّ عليه الملَكُ، وردَّ على الآخر الشيطانُ"[[643]].

وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله r: "لا يحلُّ لمسلمٍ أن يهجرَ أخاهُ فوقَ ثلاثٍ؛ فمن هجرَ فوقَ ثلاثٍ فمات، دخلَ النار"[[644]].

وعن أبي خِراش السُّلَمي، أنه سمع رسولَ الله r يقول: "من هَجرَ أخاه سنةً، فهو كسفكِ دمِه"[[645]].

وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسولُ الله r: "لو أنَّ رجُلين دخلا في الإسلامِ فاهتَجَرَا؛ لكانَ أحدُهما خارجاً من الإسلام حتى يرجعَ؛ يعني الظالم"[[646]].

وعن أبي أيوب الأنصاري، أن رسول الله r قال: "لا يحل لمسلمٍ أن يهجرَ أخاهُ فوقَ ثلاثة أيامٍ يلتقيان؛ فيُعرضُ هذا ويُعرضُ هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام"[[647]].

وعن أبي هريرة،  عن النبي r قال: "تُفتَّحُ أبوابُ الجنةِ كل يوم اثنين وخميس، فيُغفرُ في ذلك اليومين لكلِّ عبدٍ لا يُشرك بالله شيئاً، إلا مَن بينه وبين أخيه شَحناء، فيُقال: أَنْظِروا هذين حتى يصطلحا"[[648]].

قال أبو داود: إذا كانت الهجرة لله، فليس من هذا بشيء، وإن عمر بن عبد العزيز: غطَّى وجهه عن رجل[[649]].

وعن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله r: "إذا كنتم ثلاثةً فلا يتناجى اثنان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس؛ من أجلِ أن يُحزِنُه" متفق عليه.

وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله r: "إذا لقي أحدُكُم أخاه فليسلِّم عليه، فإن حالَت بينهما شجرةٌ، أو حائطٌ، أو حجرٌ، ثم لقيه فليُسلم عليه"[[650]].

ـ فيمن يتجسَّسُ على المسلمين[[651]].

وعن أبي برزة الأسلمي، قال: قال رسول الله r: "يا معشَرَ من آمنَ بلسانه ولم يدخُلِ الإيمانُ قلبَهُ، لا تغتابوا المسلمينَ، ولا تتبعوا عوراتِهم؛ فإنه من اتَّبع عوراتِهم يتَّبِعُ اللهُ عورتَه، ومن يتبعِ اللهُ عورَتَه يفضَحْهُ اللهُ في بيتهِ"[[652]].  

وعن معاذ بن أنس الجهني، عن النبي r قال: "مَن حمى مؤمناً من مُنافقٍ، بَعثَ اللهُ ملَكاً يحمي لحمَه يومَ القيامة من نارِ جهنَّم، ومَن رمَى مُسلِماً بشيء يريد شَينَه[[653]] به حبسَه اللهُ على جسرِ جهنَّم حتى يخرُجَ مما قال"[[654]].

وقال r: "إياكُم والظن فإن الظنَّ أكذَبَ الحديثِ، ولا تجسَّسُوا، ولا تحسَّسُوا، ولا تَباغَضُوا، وكونوا إخواناً" البخاري.

        وعن المُسْتَوْرِد، عن النبيِّ r قال: "من أكلَ بمسلمٍ أكلةً فإن الله يُطعمه مثلها من جهنَّم، ومن كُسِي ثوباً برجل مسلم فإن الله U يكسوه من جهنَّم ـ وفي رواية: يكسوه مِثلَهُ في جهنَّمَ ـ ومن قامَ برجلٍ مسلم مقام رياءٍ وسمعةٍ فإن الله يقوم به مقامَ رياءٍ وسمعةٍ يوم القيامة"[[655]]. 

        وعن أنسٍ، أن رسولَ الله r كان قائماً يُصلِّي في بيتِه، فجاءَ رَجلٌ فاطَّلَعَ في بيتِهِ، فأخذَ رسولُ الله r سَهماً من كِنانتِه، فسَدَّدَه نحو عينَيه حتى انصَرَفَ"[[656]].

        وعن أبي هريرة أنه سمع رسولَ الله r يقول: "لو اطَّلَعَ في بيتِكَ أحدٌ، ولم تأذَن له، خذَفتَهُ بحصاةٍ، ففقأتَ عينَه ما كان عليكَ من جُناحٍ" متفق عليه. أي من حرجٍ.

        وفي رواية: "لو أن امرأً اطَّلَعَ عليكَ بغير إذنٍ فخذَفْتَه بحصاةٍ ففقأت عينه لم يكُنْ عليكَ جُناحٌ [[657]]" متفق عليه.

ـ مثالٌ في الأخوَّةِ والإيثار ..!

عن أنس، قال: آخى رسولُ الله r بين قريش والأنصار، فآخى بين سعد بن الربيع، وعبد الرحمن بن عوف، فقال له سعد: إن لي مالاً فهو بيني وبينك شطران، ولي امرأتان فانظر أيهما أحبُّ إليك، فأنا أطلقها، فإذا حلَّت فتزوَّجْها!!  قال: بارك اللهُ لك في أهلِك ومالِك، دلُّوني؛ أي على السُّوق[[658]].

نسأل الله تعالى أن يغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، وأن لا يجعل فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ.

كما ونسألُه تعالى أن يوحِّدَ الشَّملَ، ويجمع الصفوف ـ على منهاج الكتاب والسُّنة، وفهم السلف الصالح ـ وأن يؤلِّف بين القلوب، ويجعل يدنا واحدةً على من سِوانا، وأن ينصرنا على أعدائنا؛ أعداء الدين، إنه تعالى سميعٌ  قريب مجيب.

وصلى الله على محمد النبيِّ الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم.

      ـ من هو المجاهد في سبيل الله[[660]].

      قال تعالى: )وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(البقرة:244.

وقال تعالى: )الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً(النساء:76.

وقال تعالى: )انْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(التوبة:41.

وقال تعالى: )إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ(الحجرات:15.

وفي الحديث، عن أبي موسى الأشعري، قال: قال أعرابيٌّ للنبي r: الرجلُ يُقاتلُ للمغنَمِ، والرجلُ يُقاتلُ ليُذكَرَ، ويُقاتل ليُرَى مكانُه، مَن في سبيلِ الله؟ فقال: "من قاتل لتكون كلمةُ الله هي العُليا، فهو في سبيلِ الله" متفق عليه. 

وعنه، قال: جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ r فقال: يا رسولَ الله، ما القتالُ في سبيلِ الله؟ فإنَّ أحدَنا يُقاتِلُ غضَباً، ويُقاتِلُ حميَّةً، فرفعَ إليه رأسَهُ، قال: وما رفعَ إليه رأسَه إلا أنه ـ أي السائل ـ كان قائماًً، فقال: "مَن قاتلَ لِتكون كلمَةُ اللهِ هي العُليا، فهو في سبيلِ الله U ["[[661]متفق عليه.

وعنه، قال: سُئلَ رسولُ الله r: عن الرجلِ يُقاتلُ شَجاعةً، ويُقاتلُ حميَّةً، ويُقاتِلُ رياءً، أي ذلك في سبيلِ الله؟ فقال رسولُ الله r: "مَن قاتلَ لتكونَ كلِمَةُ اللهِ هي العليا، فهو في سبيلِ الله" مسلم.

        وعن أبي أُمَامةَ الباهِلي قال: جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ r فقال: أرأيتَ رجلاً غَزَا يَلتمسُ الأجرَ والذِّكرَ ما لَه؟ فقال رسولُ الله r: "لا شَيءَ لَهُ"، فأعادَها ثلاثَ مرَّاتٍ، يقولُ له رسولُ الله: "لا شيءَ له"، ثم قال: "إنَّ الله لا يقبَلُ مِن العمَلِ إلا ما كانَ له خالِصاً وابتُغِيَ به وَجْهُهُ"[[662]].

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنَّ رسولَ الله r قال: "ما من غازيَةٍ تَغزُو في سبيلِ الله فيُصيبونَ الغنيمةَ، إلا تعجَّلوا تُلُثَي أجرِهم من الآخرةِ، ويبقى لهم الثُّلثُ، وإن لم يُصيبوا غَنِيمَةً تمَّ لهم أجْرُهُمْ"[[663]] مسلم.

وعن عبادة بن الصامت، قال: قال رسولُ الله r: "من غزا في سبيلِ الله، ولم ينْوِ إلا عِقَالاً، فله ما نَوى"[[664]].

وعن أبي هريرة، قال: سمعتُ رسولَ الله r يقول: "مثَلُ المجاهدِ في سبيلِ اللهِ، والله أعلمُ بمن يُجاهِدُ في سبيله، كمثلِ الصائِم، القائمِ، وتَوكَّلَ اللهُ للمجاهِدِ في سبيلِه بأن يَتَوفَّاهُ، أن يُدخلَه الجنَّةَ، أو يُرجِعَهُ سالماً مع أجرٍ أو غنيمةٍ"[[665]]متفق عليه.

وعنه، أن رسولَ الله r قال: "والذي نفْسِيِ بيَدهِ لا يُكْلَمُ أحدٌ في سبيلِ الله، واللهُ أعلمُ بمن يُكلَمُ في سبيلهِ، إلا جاءَ يومَ القيامَةِ، واللونُ لونُ الدَّمِ، والرِّيحُ ريحُ المِسْكِ" متفق عليه.

ـ فضلُ المجاهِد في سبيلِ الله.

قال تعالى: )لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً * دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رَّحِيماً(النساء:95-96.

وقال تعالى: )الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ(التوبة:20.

وقال تعالى: )لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ(الحديد:10.

        وفي الحديث، عن عمران بن حصين، عن النبيِّ r قال: "لَقيامُ رجلٍ في سبيلِ اللهِ ساعةً أفضلُ من عبادةِ ستينَ سنة"[[666]].

        وعنه، أنَّ رسولَ الله r قال: "مقامُ الرَّجُلِ في الصَّفِّ في سبيلِ الله، أفضَلُ عندَ الله من عبادةِ الرجلِ ستينَ سنةً"[[667]].

 وعن مجاهد، عن أبي هريرة أنه كان في الرِّباطِ، ففَزِعُوا، فخرَجُوا إلى السَّاحِلِ، ثم قيل: لا بأس، فانصرفَ الناسُ، وأبو هريرة واقفٌ، فمرَّ به إنسانٌ، قال: ما يُوقفك يا أبا هريرة؟ فقال: سمعتُ رسولَ الله r يقول: "موقفُ ساعةٍ في سبيلِ اللهِ خيرٌ من قيامِ ليلةِ القدْرِ عند الحجرِ الأسودِ"[[668]].

وعن أبي هريرة أن رسولَ الله r قال: "مثلُ المجاهدِ في سبيلِ الله كمثلِ الصائمِ القائمِ الدائمِ الذي لا يَفترُ من صلاةٍ، ولا صيامٍ حتى يرجعَ"[[669]].

وعن سهلِ بن سعدِ، أن رسولَ اللهِ r قال: "رِبَاطُ يومٍ في سبيلِ اللهِ خيرٌ من الدُّنيا وما عليها" متفق عليه.

وعن ابن عمر، عن النبي r قال: "ألا أنبِّئكُم بليلةٍ أفضلَ من ليلةِ القدر؟ حارِسُ الحرَسِ في أرضِ خوفٍ لَعلَّه أنْ لا يرجِعَ إلى أهلهِ"[[670]].

وعن أنس بن مالك، قال: سُئلَ رسولُ الله r عن أجرِ الرِّباط، فقال: "من رابطَ ليلةً حارِساً مِن وراءِ المسلمين كان له أجرُ من خَلْفَه مِمَّن صامَ وصلَّى"[[671]].

وعن عثمان بن عفَّان، قال: سمعتُ رسولَ الله r يقول: "من رابطَ ليلةً في سبيلِ الله؛ كانت كألفِ ليلةٍ صيامِها وقيامِها"[[672]].

وفي رواية عنه، قال: سمعتُ رسولَ الله r يقول: "حَرَسُ ليلَةٍ في سبيلِ الله أفضلُ من ألفِ ليلةٍ يُقامُ ليلُها ويُصامُ نهارُها"[[673]].

وعن أم مُبشِّر، عن النَّبي r قال: "خيرُ الناسِ منزلةً: رجلٌ على مَتْنِ فرَسِه؛ يُخيفُ العدوَّ ويُخيفونَه"[[674]].

وعن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله r: "إن في الجنَّةِ مائةَ درجَةٍ أعدَّها اللهُ للمجاهدين في سبيلِ الله؛ ما بين الدَّرجتين كما بينَ السماءِ والأرض" البخاري.

        وعن كعب من مرَّة، قال: سمعتُ رسولَ الله r يقول: "من بَلَغَ العدوَّ بسهمٍ، رفعَ اللهُ له درجةً"، فقال له عبد الرحمن بن النَّحَّام: وما الدَّرجةُ يا رسولَ الله؟ قال: "أما إنها ليست بعَتَبَةِ أُمِّك؛ ما بين الدرجتين مِئةُ عامٍ"[[675]].  

وعن أبي هريرة t قال: جاء رجلٌ إلى رسولِ الله r، فقال: دُلَّني على عملٍ يعدِلُ الجهادَ، قال: "لا أجِدُه". قال: "هل تستطيعُ إذا خرجَ المجاهدُ أن تدخلَ مسجدَكَ، فتقومَ ولا تَفْتُرَ، وتصومَ ولا تُفطِرَ ؟" قال: ومن يستطيع ذلك؟! البخاري. 

وعنه، قال: قِيلَ للنبي r: ما يَعدلُ الجهادَ في سبيلِ الله U؟ قال: "لا تَستطيعونَه"، قال: فأعادوا عليه مرَّتين أو ثلاثاً، كلُّ ذلك يقول: "لا تَستطيعونَه"، وقال في الثَّالثة: "مثَلُ المجاهدِ في سبيلِ الله؛ كمثَل الصَّائمِ القائمِ القَانِتِ بآياتِ اللهِ، لا يَفْتُرُ من صِيامٍ ولا صلاةٍ حتى يرجعَ المجاهدُ في سبيلِ الله تعالى" مسلم.

وعن معاذ بن أنس، عن النبي r: "أن امرأةً أتَتْهُ، فقالت: يا رسولَ الله، انطلق زوجي غازياً، وكنتُ أقتدي بصلاته إذا صلَّى، وبفعلِه كله، فأخبرني بعملٍ يُبْلِغُني عملَه حتى يرجعَ. فقال لها: أتستطيعين أن تقومي ولا تَقعُدِي، وتصومي ولا تفطري، وتَذْكُري اللهَ ولا تَفْتُرِي حتى يرجعَ؟! قالت: ما أُطيق هذا يا رسولَ الله! فقال: والذي نفْسي بيده، لو طُوِِّقْتيِهِ ما بَلَغْتِ العُشْرَ من عمَلِهِ"[[676]].

وعنه، قال: "سمعتُ رسولَ الله r يقول: "مثَلُ المجاهدِ في سبيلِ الله ـ والله أعلمُ بمن يجاهد في سبيلِه ـ كمثَلِ الصَّائِمِ، القائمِ، الخاشِعِ، الرَّاكعِ، السَّاجِدِ"[[677]]. 

وعن النعمان بن بشير، قال: قال رسولُ الله r: "مثَلُ المجاهدِ في سبيلِ الله؛ كمثَلِ الصائمِ نهارَهُ، القائِمِ ليلَهُ، حتى يرجِعَ متى يرجِعُ"[[678]].

عن أبي سعيد الخدري t قال: أتى رجلٌ إلى رسولِ الله r فقال: أيُّ النَّاسِ أفضلُ؟ قال: مؤمنٌ يجاهدُ بنفسِه وبمالِه في سبيلِ الله تعالى. قال: ثمَّ مَن؟ قال: "ثمَّ مؤمنٌ في شِعَبٍ من الشِّعَابِ يعبدُ اللهَ، ويَدَعُ الناسَ من شَرِّه" متفق عليه.

وعن ابن عباس: أنَّ رسولَ الله r قال: "ألا أخبِرُكُم بخيرِ النَّاسِ مَنزِلاً؟ "قلنا: بلى يا رسولَ الله، قال: "رجلٌ آخِذٌ برأسِ فرَسِهِ في سبيلِ الله U حتى يموتَ أو يُقتَلَ"[[679]].

عن أبي سعيد الخدري، عن النبي r قال: "أفضلُ الجهادِ عند الله يوم القيامة الذين يُلْقَونَ في الصفِّ الأوَّلِ فلا يُلفِتون وجُوهَهُم حتى يُقتلوا، أولئك يَتَلَبَّطون في الغُرَفِ العُلَى من الجنَّةِ يَنظرُ إليهم ربُّك، إن ربَّك إذا ضَحِك إلى قومٍ فلا حِسابَ عليهم"[[680]].

وعن عمرو بن عبسة، عن النبي r قال: "أفضلُ الجهادِ من عُقِرَ جوادُه وأُهريقَ دَمُه"[[681]].

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله r: "تضَمَّن اللهُ لمن خرَجَ في سبيلهِ، لا يُخرجِهُ إلا جهاداً في سبيلي، وإيماناً بي، وتصديقاً برُسُلي، فهو عليَّ ضامِنٌ أن أُدخِلَه الجنَّة، أو أَرجِعَهُ إلى مسكَنِه الذي خَرَجَ منه، نائلاً ما نالَ من أجرٍ أو غنيمةٍ، والذي نفسُ محمدٍ بيدِه! ما من كَلْمٍ يُكلَمُ في سبيلِ الله تعالى، إلا جاء يومَ القيامةِ كهيئتِه حين كُلِمَ؛ لونُه لونُ دمٍ وريحُهُ مِسكٌ، والذي نفسُ محمد بيده! لولا أن يَشُقَّ على المسلمين، ما قعَدتُ خِلافَ سَريةٍ تغزُو في سبيلِ الله أبداً، ولكن لا أجدُ سَعَةً فأحمِلُهم، ولا يجدون سَعةَ، ويَشُقُّ عليهم أن يَتَخَلَّفُوا عني، والذي نفسُ محمدٍ بيده! لوَدِدْتُ أن أغزُو في سبيلِ الله فأُقتَلُ، ثمَّ أغزُو فأُقتَل، ثم أغزُو فأُقتَلُ" مسلم.

وعن المِقدَام بن مَعْدِ يَكْرِب، عن رسولِ الله r قال:"للشهيدِ عندَ اللهِ سِتُّ خِصَالٍ: يَغْفِرُ له في أَوَّلِ دُفعَةٍ من دَمِه، ويُرَى مَقعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ ويُجَارُ من عذابِ القبرِ ويأمَنُ من الفَزَعِ الأكبَر، ويُحَلَّى حُلَّةَ الإيمانِ، ويُزَوَّجُ مِنَ الحورِ العيِن، ويُشَفَّعُ في سبعين من أقاربِه"[[682]].

ـ فيمن يُجَهَّز المجاهدَ في سبيلِ الله للغزوِ، ويُعينُه بنفسِه ومالِه على جهادِه، ويَخلُفُ أهلَه ومالَه بالخير.

عن زيد بن خالد الجُهَنِي، أن رسول الله r قال: "من جَهَّز غازياً في سبيلِ الله فقد غزا، ومن خَلَف غازياً في أهلِه بخيرٍ فقد غزا" متفق عليه.

وعنه، قال: قال رسولُ الله r: "مَنْ جهَّزَ غازِياً في سبيلِ الله، كان له مِثلُ أجرِه؛ من غير أن ينقصَ من أجرِ الغازي شيئاً"[[683]].

وعن زيد بن ثابت، عن النبي r قال: "من جهَّزَ غازياً في سبيلِ الله فلَهُ مثلُ أجرِه، ومن خَلَفَ غازياً في أهلِه بخيرٍ، أو أنفَقَ على أهلِه فلهُ مثلُ أجرِه"[[684]].

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي r قال: "للغازي أجْرُهُ، وللجاعلِ أجرُه وأجْرُ الغازِي"[[685]]. 

وعن أبي أُمَامَة، عن النبي r قال: "من لم يغْزُ، أو يُجَهِّز غازِياً، أو يُخْلِف غازياً في أهلِه بخيرٍ، أصابَه اللهُ سبحانه بقارِعة قبلَ يومِ القيامة"[[686]].

وعن عمر بن الخطاب، قال: قال رسولُ الله r: "من أَظلَّ رأسَ غازٍ، أظلَّه اللهُ يومَ القيامةِ، ومَن جهَّزَ غازياً حتى يستقِلَّ بجهازِه فله مثلُ أجرِه"[[687]].

وعن عُقبَةَ بن عامر الجُّهني، عن النبي r قال: "إنَّ اللهَ ليُدخِلَ  بالسَّهم الواحدِ الثلاثَةَ الجنَّة: صانِعُهُ يحتسِبُ في صَنعتِهِ الخيرَ، والرَّامي به، والمُمِدَّ به"[[688]].

وعن أنس بن مالك؛ أن فتىً مِن أسلَمَ قال: يا رسولَ الله! إنِّي أُريدُ الغزوَ ولَيسَ معي ما أتَجَهَّزُ، قال: "ائْتِ فُلاناً فإنَّه قد كانَ تَجَهَّزَ فمَرِضَ"، فأتاهُ فقال: إنَّ رسولَ الله r يُقرِئُكَ السلامُ ويقول: "أَعطِني الذي تَجَهَّزتَ به"، قال: يا فُلانة! أعطيه الذي تَجَهَّزتُ به، ولا تَحبِسي عَنهُ شيئاً، فوَالله! لا تَحبِسي منه شيئاً فيُبَارَكَ لكِ فيهِ" مسلم.

 

 

ـ فيمن يَخلفُ المجاهد في سبيلِ لله  في أهله بسوء، وبيان أن حرمَةَ المجاهدِ مغلَّظة ومُضاعَفة.

وعن بُرَيْدَةَ الأسلَمِي، قال: قال رسولُ الله r: "حُرْمَةُ نساءِ المجاهدين على القاعدِين كحُرْمَةِ أُمَّهاتهِم، وما مِن رجُلٍ من القاعدين يَخلُفُ رجلاً من المجاهدين في أهلِه، فيخونُه فيهم إلا وقفَ له يوم القيامَةِ؛ فيأخُذُ من عمَلِهِ ما شاء، فما ظَنُّكم"[[689]]مسلم.

وفي رواية: "وقال: فخُذْ من حَسناتِه ما شِئتَ"، فالتفتَ إلينا رسولُ الله r فقال: "فَمَا ظَنُّكُمْ؟" مسلم.

وفي رواية عند أبي داود: "حُرْمَةُ نساءِ المجاهدين على القاعدِين كحُرْمَةِ أُمَّهاتهِم، وما مِن رجُلٍ من القاعدين يَخلُفُ رجلاً من المجاهدين إلا نُصبَ له يوم القيامة، فقيل له: هذا قد خلَفَكَ في أهلِك فخذ من حسناتِه ما شِئت"[[690]].

وفي رواية عند النسائي: "قيل له يومَ القيامة: هذا خانَكَ في أهلِكَ فخُذْ من حسناتِه ما شئت". ثم التفت النبيُّ r إلى أصحابه فقال: "ما ظَنُّكُمْ تُرَوْنَ يدَعُ له من حسناتهِ شيئاً"[[691]].

 

وصلى اللهُ على محمدٍ النبيِّ الأمي، وعلى آله وصحبه وسلَّم.

 

 

* * * * *

 

 

 

 

 

ـ للجار حقٌّ إضافيٌّ على جارِه لمجرد كونه جاراً .. وما يحقُّ للجار على جاره لا يحقُّ لغيره .. كما أن انتهاك حرمات الجار لجاره والاعتداء عليها، لهو أشدُّ غلظة وحرمة من انتهاك حرمات غيره من الناس ..!

بذلك نطقت نصوص الكتاب والسنة:

قال تعالى: )وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى[[692]]  وَالْجَارِ الْجُنُب[[693]ِ] ( النساء:36.

وفي الحديث، عن عائشة، أنَّ النبي r، قال: "ما زالَ جبريلُ يُوصيني بالجار حتى قلتُ ليورِّثنَّه[[694]]".

وعن عبد الله بن عمرو، أنه ذبحَ شاةً، فقال: أهديتم لجاري اليهودي؟ فإني سمعت رسولَ الله r، يقول: "ما زالَ جبريل يوصيني بالجارِ حتى ظننتُ أنه سيورِّثُه"[[695]].

وعن أبي أمامة قال: سمعتُ رسولَ الله r وهو على ناقَتِه الجدعاءِ في حِجَّة الوداع يقول: "أوصيكُم بالجار"، حتى أكثرَ، فقلت إنه يُورِّثُه[[696]].

ـ فضلُ إكرامِ الجار، والإحسانِ إليه .. وفيمن يمنع معروفه عن جاره.

عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله r: "اتقِ المحارمَ تَكُن أعبدَ الناس، وارضَ بما قسمَ اللهُ لكَ تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارِكَ تكن مؤمِناً، وأحبَّ للناس ما تُحبُّ لنفسِكَ تكن مسلماً، ولا تُكثر الضحكِ، فإنَّ كثرة الضحك تُميتُ القلبَ"[[697]].   

وعن جابر، قال: قال رسولُ الله r: "كلُّ معروفٍ صدقةٌ، وإن من المعروف أن تلقى أخاك ووجهكَ إليه مُنبسِطٌ، وأن تصُبَّ من دلوِكَ في إناءِ جارك"[[698]].

وعن أنسٍ، قال: قال رسولُ الله r: "والذي نفسي بيده، لا يؤمنُ عبدٌ حتى يحبَّ لجاره ما يُحبُّ لنفسِه" مسلم.

وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله r: "من كان يُؤمن بالله واليومِ الآخر، فليُحسِن إلى جاره" متفق عليه.

وعن أبي ذرٍّ، قال: قال رسول الله r: "لا يحقرنَّ أحدُكُم شيئاً من المعروف .. وإذا اشتريتَ لحماً أو طبختَ قدراً فأكثر مرقتَه، وأغرِفْ منه لجارِك"[[699]].

وعنه قال: أوصاني خليلي r فقال: "يا أبا ذرٍّ إذا طبختَ مرقةً فأكثر ماءَ المرقةِ، وتعاهد جيرانَك، أو أقسم في جيرانِك"[[700]].

وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله r: "خيرُ الأصحابِ عند الله خيرُهم لصاحبه، وخيرُ الجيرانِ عند الله خيرُهم لجارِه"[[701]].

وعن عبد الرحمن بن أبي قُراد، قال: قالَ النبي r: "من سرَّه أن يحبَّ اللهَ ورسولَه، أو يحبَّهُ اللهُ ورسولُه فليَصدُقْ حديثَه إذا حَدَّثَ، وليؤدِّ أمانتَه إذا اؤتمن، وليُحسِن جِوارَ مَن جاورَه"[[702]].

وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله r: "يا نساء المسلمات، لا تحقرنَّ جارةٌ لجارتها ولو فِرْسِنَ[[703]] شاةٍ" متفق عليه.

وعن أبي ذرٍّ، قال: قال رسولُ الله r: "إذا طبختَ مرقة فأكثر ماءَها، وتعاهد جيرانك" مسلم.

وعن ابن عباس، قال: قال رسولُ الله r: "ليس المؤمنُ [[704]] بالذي يشبعُ وجارهُ جائعٌ إلى جنبِه"[[705]].

وعن أنس، قال: قال رسول الله r: "ما آمن بي من باتَ شبعان وجارُه جائِعٌ إلى جنبه وهو يعلمُ به"[[706]]. 

وعن ابن عمر قال: سمعتُ رسولَ الله r يقول: "كم من جارٍ متعلقٌ بجارِه يومَ القيامة، يقول: يا ربِّ! هذا أغلقَ بابَه دوني؛ فمنع معروفَه"[[707]].

وعن عائشة، أن النبي r قال لها: "إنه من أُعطي حظَّه من الرفق، فقد أُعطِي حظَّهُ من خير الدنيا والآخرة، وصِلةُ الرحم، وحسنُ الخلق، وحُسنُ الجوار يُعمِّران الديار، ويزيدان في الأعمار"[[708]].

ـ أولى الجيران بزيادةِ فضلِك ومعروفِك، أقربهم إليك باباً ومنزلاً.

عن عائشة، قالت: قلت يا رسول الله ! إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: "إلى أقربهما منكِ باباً"[[709]].

ـ حدودُ الجار.

عن الحسن البصري أنه سُئل عن الجار؟ قال: "أربعين داراً أمامه، وأربعين خلفَه، وأربعين عن يمينه، وأربعين عن يساره"[[710]].

ـ فيمن كان جارُه من غيرِ المسلمين.

عن مجاهد، قال: كنت عند عبد الله بن عمرو وغُلامُه يسلَخ شاةً، فقال: يا غلام! إذا فرغتَ فابدأ بجارنا اليهودي، فقال رجل من القوم: اليهودي، أصلحك الله؟! قال: "سمعتُ النبيَّ r يوصي بالجار، حتى خشينا أو رُؤينا أنه سيورِّثُه"[[711]].

ـ شهادةُ الجارِ معتبرةٌ عند الله تعالى.

وعن ابن مسعود، قال: قال رجل للنبي r: "يا رسولَ الله كيف لي أن أعلمَ إذا أحسنتُ أو إذا أسأتُ؟ فقال النبي r: "إذا سمعت جيرانَك يقولون:قد أحسنتَ؛ فقد أحسنتَ، وإذا سمعتهم يقولون: قد أسأتَ، فقد أسأت"[[712]].

وعنه، قال: قال النبي r: "إذا أثنى عليك جيرانُك أنك مُحسِنٌ، فأنت محسنٌ، وإذا أثنى عليك جيرانك أنَّك مسيءٌ، فأنت مسيء[[713]]"[[714]].

ـ الجار يُقدَّم على غيره، والأوليَّة له عند بيع الدار أو الأرض.

عن سمرة، عن النبي r قال: "جارُ الدار أحقُّ بدارِ الجارِ أو الأرض[[715]]" [[716]].

وعن عمرو بن الشريد، سمع أبا رافع، سمع النبي r يقول: "الجارُ أحقُّ بَسَقَبِه[[717]]"[[718]].

وعن جابر بن عبد الله ، قال: قال رسول الله r: "الجار أحق بشفعةِ [[719]] جارِه، يُنتظرُ بها وإن كان غائباً، إذا كان طريقُهما واحداً"[[720]].

وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله r: "إذا استأذن أحدُكم أخاه أن يَغرِزَ خشبةً في جداره فلا يمنعَه". فنكَّسوا، فقال[[721]]: مالي أراكم قد أعرضتم؟! لألقينَّها بين أكتافكم. متفق عليه.

وعن ابن عباس مرفوعاً: "من بنى بناءً فليدعَمْه حائطُ جاره" وفي لفظ: "من سأله جارُه أن يدعمَ على حائطه فليدَعْهُ"[[722]].

ـ فيمن يُؤذي جاره، وبيان أن حرمة الجار مغلَّظة.

عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله r: "لا يَدخلُ الجنَّةَ من لا يأمَنُ جارُهُ بوائِقَه[[723]]".

وعن أنس بن مالك قال: قال رسولُ الله r: "لا يستقيمُ إيمانُ عبدٍ حتى يستقيمَ قلبُه، ولا يستقيمَ قلبُه حتى يستقيمَ لسانُه، ولا يَدخلُ رجلٌ الجنَّة لا يأمن جارُهُ بوائقَه"[[724] ].  وعنه، عن النبي r قال: "ليس بمؤمن من لا يأمَنُ جارُه غوائِلَه[[725]]"[[726]].

وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله r: "من كان يؤمنُ بالله واليومِ الآخر، فلا يؤذِ جارَهُ" متفق عليه.

وعن طلق بن علي، قال: قال رسولُ الله r: "ليس المؤمنُ الذي لا يأمَنُ جارُه بوائِقَه"[[727]].

وعن أبي شريح، قال: قال رسولُ الله r : "واللهِ لا يُؤمِنُ، والله لا يُؤمن، والله لا يؤمن" قيل: مَن يا رسول الله؟ قال: "الذي لا يأمَنُ جارُه بوائِقَه"[[728]].

وعن المقداد بن الأسود، قال: قال رسول الله r: "لأَن يزني الرجلُ بعشرةِ نسوةٍ خيرٌ له من أن يَزني بامرأةِ جارِه، ولأن يَسرقَ الرجلُ من عَشرةِ أبياتٍ، أيسَرُ له من أن يَسرقَ من بيتِ جارِه"[[729]].

وعن أنس بن مالك، قال: نزل بالنبي r أضيافٌ من البحرين، فدعا النبيُّ بوضوئه، فتوضَّأ، فبادروا إلى وضوئه فشربوا ما أدركوه منه، وما انصبَّ منه في الرض فمسحوا به وجوههم ورؤوسَهم وصدورَهم، فقال لهم النبي r : "ما دعاكم إلى ذلك؟" قالوا: حبَّاً لك؛ لعل اللهَ يحبنا يا رسولَ الله. فقال r: "إن كنتم تُحبون أن يُحبَّكم اللهُ ورسولُه فحافظوا على ثلاث خصالٍ: صِدقِ الحديثِ، وأداءِ الأمانة، وحُسنِ الجوار؛ فإنَّ أذى الجار يمحو الحسنات كما تمحو الشمسُ الجليدَ"[[730]].

وعن أبي هريرة، قال: قال رجلٌ يا رسولَ الله، إن فلانةَ تُذكرُ من كثرةِ صلاتها، وصيامِها، وصدقتِها، غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها. قال: "هي في النار". قال: يا رسول الله، فإن فلانة تُذكر قلة صيامها، وصدقتها، وصلاتها، وإنها تَصدَّقُ بالأثوارِ من الِإقطِ[[731]]، ولا تؤذي بلسانها جيرانَها، قال: "هي في الجنة"[[732]].

وعن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى النبي r، يشكو جارَه، فقال: "اذهب فاصبر"، فأتاه مرتين أو ثلاثاً، فقال: "اذهب فاطرحْ متاعَك في الطريق"، فطرحَ متاعَه في الطريق، فجعلَ الناسُ يسألونَه فيُخبرهم خبَره، فجعل الناسُ يلعنونَه[[733]]: فعل الله به، وفعل، وفعل، فجاء إليه جارُه[[734]]، فقال له: ارجع لا ترى مني شيئاً تكرههُ[[735]].

وعن عُقبة بن عامر قال: قال رسول الله r: "أوَّلُ خصمين يومَ القيامة جاران"[[736]].

وعن أبي عامر الحِمصي قال: كان ثوبان يقول: "ما من جارٍ يظلِمُ جارَه ويَقهرُه، حتى يحمله ذلك على أن يخرجَ من منزلِه، إلا هلَك"[[737]].

ـ فيمن يصبر على أذى جاره.

عن أبي ذرٍّ قال: قال رسول الله r: "إن الله يُحبُّ ثلاثةً"، منهم: "رجلٌ كان له جارُ سوءٍ يُؤذيه فيصبِرُ على أذاهُ حتى يكفيَهُ الله إيَّاه بحياةٍ أو موتٍ"[[738]].

ـ من علامات الساعة أن يَقتل الرجلُ جارَه بغير حق!

عن أبي موسى، قال رسول الله r: "لا تقومُ الساعةُ حتى يقتلَ الرجلُ جارَه وأخاهُ وأباه"[[739]].

ـ من السَّعادةِ الجارُ الصالح، ومن الشقاءِ الجارُ السوء.

عن سعد بن أبي وقاص، قال: قال رسول الله r: "أربَعٌ من السعادة: المرأةُ الصالحة، والمسكنُ الواسِعُ، والجارُ الصالحُ، والمركَبُ الهنيءُ. وأربَعٌ من الشَّقاء: المرأةُ السوءُ، والجارُ السوءُ، والمركبُ السوءُ، والمسكنُ الضيِّقُ"[[740]].

وعن أبي هريرة قال: كان من دعاء النبيِّ r: "اللهمَّ إنِّي أعوذُ بك من جارِ السُّوء في دار المُقام؛ فإن جارَ الدُّنيا يتحوَّل"[[741]].

نسألُ اللهَ تعالى الجارَ الصالح في الدنيا والآخرة، ونعوذُ به من جارِ السوء في الدنيا والآخرة.

 

وصلى الله على محمد النبيِّ الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم.

* * * * *

 

للحاكم المسلم حقوقٌ على رعيَّته، منها: أن يطيعوه في المعروف ـ ولا طاعة له عليهم في معصية الله ـ وأن يحيطوه بالنصح، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من دون تشهير به أو سمعة ورياء، وأن لا يُنازِعوه على الحكم، أو يخرجوا عليه بالسيف إلا إذا رأوا منه كفراً بواحاً[[742]عندهم من الله فيه برهان. 

قال تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُم[[743]](النساء:59.

وقال تعالى: )فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا(التغابن:16.

وقال تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ(آل عمران:149.

وقال تعالى: )وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً[[744]](النساء:141.

وقال تعالى: )اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّه[[745]] (التوبة:31.

وفي الحديث، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله r: "مَن أطاعني فقد أطاعَ الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومَن عصى أميري فقد عصاني "متفق عليه.

وعن أُمِّ الحصين، قالت: قال رسولُ الله r: "إن أُمِّرَ عليكم عبدٌ مُجَدَّعٌ[[746]] يقودكم بكتاب الله، فاسمعوا له وأطيعوا" مسلم.

وعن معاوية، عن النبي r قال: "إن السَّامعَ المطيع لا حُجَّة عليه، وإنَّ السَّامِعَ العاصي لا حُجَّة له"[[747]].

وعن عبد الله بن عُمر، قال: قال رسول الله r: "من خلَع يداً من طاعةٍ لقي اللهَ يوم القيامة لا حُجَّة له، ومن مات وليس في عُنقِه بيعةً مات ميتةً جاهلية[[748]]" مسلم.

وعنه، قال: قال رسولُ الله r: "من خرَجَ من الطَّاعة، وفارقَ الجمَاعة، فماتَ، ماتَ مِيتةً جاهليةً، ومَن قاتلَ تحت رايةٍ عميَّةٍ[[749]] يَغضَبُ لِعَصَبَةٍ، أو يدعو إلى عصبَةٍ، أو ينصرُ عصبَةٍ فقُتِل فقِتْلَتُه جاهلية[[750]]، ومن خَرجَ على أمتي يَضرِبُ بَرَّها وفاجِرها [[751]] ولا يتحاشى من مؤمِنها[[752]]، ولا يفي لِذي عهدٍ عَهدَه، فليس مني ولَستُ منه" مسلم.

 

ـ الطاعةُ في المعروف؛ إذْ لا سمعَ ولا طاعةَ لمخلوقٍ في معصيةِ الخالق.

عن ابن عمر، قال: قال رسول الله r: "السَّمعُ والطاعةُ على المرء المسلم فيما أحبَّ وكرِهَ، ما لم يؤمَر بمعصية، فإذا أُمِرَ بمعصيةٍ فلا سَمعَ ولا طاعة "متفق عليه.

وعن علي، قال: قال رسول الله r: "لا طاعةَ في معصيةِ الله، إنما الطاعةُ في المعروف" متفق عليه.

وعن أبي سعيد الخدري، عن النبي r قال: "مَن أمركُم من الولاة بمعصيةٍ فلا تُطيعوه"[[753]].

وعن النَّواس بن سمعان، قال: قالَ رسول الله r: "لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصيةِ الخالق"[[754]].

وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله r: "طاعةُ الإمامِ حقٌّ على المرءِ المسلم، مالم يأمر بمعصيةِ الله U، فإذا أمرَ بمعصيةِ الله فلا طاعةَ له"[[755]].

ـ كما يجبُ على الرعيَّةِ من المسلمين أن تحمي الخليفة المسلم العدل، من كلِّ مَن تُسوِّلُ له نفسُهُ الخروجَ عليه بالسيف، أيَّاً كانت صِفةُ ذلك الخارج، وكانت مُبرراته[[756]].

     عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله r: "من بايعَ إماماً فأعطاهُ صفقَةَ يدِه، وثمرةَ قلبه، فليُطعه إن استطاعَ، فإن جاء آخرٌ يُنازِعُه[[757]]فاضربوا عنُقَ الآخر" مسلم.

      وعن عَرْفَجَةَ قال: سمعتُ رسولَ الله r، يقول: "إنَّه ستكونُ هنَاتٌ وهنَات[[758]]، فمن أرادَ أن يُفرِّقَ أمرَ هذه الأمة وهي جميعٌ[[759]]، فاضربوه بالسيفِ كائِناً من كان" مسلم.

      وعن أبي سعيد، قال: قال رسولُ الله r: "أذا بُويع لخليفتين، فاقتلوا الآخرَ منهما" مسلم.

      وعن عَرْفَجةَ، قال: قال رسول الله r: "من أتاكُم وأمركُم جميعٌ على رجلٍ واحدٍ يريدُ أن يشقَّ عصاكم، أو يفرق جماعتَكُم فاقتلوه [[760]]" مسلم.

      وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله r: "لكل غادرٍ لواءٌ يومَ القيامة يُرفع له بقدرِ غَدْرِه، ألا ولا غادرٌ أعظمُ غدراً من أميرِ عامَّةٍ[[761]]" مسلم.

      ـ الصبر[[762]] على الولاة المسلمين، وإن بدرت منهم بعض المظالم، ما لم ترقَ تلك المظالم إلى درجة الكفر البواح.

     عن ابن عباس، قال: قال رسول الله r: "من رأى من أميرِه شيئاً يَكرهه فليصبر عليه، فإنه من فارَقَ الجماعة شِبراً فماتَ إلا ماتَ ميتةً جاهليَّةً" متفق عليه.

      وعن عبد الله بن مسعود، قال: قال لنا رسول الله r: "إنَّكم سترونَ بعدي أثرةً[[763]] وأموراً[[764]] تُنكرونها". قالوا: فما تأمرُنا يا رسولَ الله؟ قال: "أدُّوا إليهم حقَّهم وسَلُوا الله حقَّكُم[[765]]"البخاري.

      وعن نافع، قال: لما خلعَ أهلُ المدينة يزيد بن معاوية، جمع ابن عمر حشَمَه وولدَه، فقال: إني سمعتُ النبيَّ r يقول: "يُنصَبُ لكلِّ غادرٍ لواءٌ يومَ القيامة"، وإنَّا قد بايعنا هذا الرجلَ على بيعِ اللهِ ورسولِه، وإني لا أعلمُ غدراً أعظمُ من أن يُبايَعَ رجلٌ على بيعِ اللهِ ورسولِه ثم يُنصَبُ له القتال، وإني لا أعلمُ أحداً منكم خلعَهُ ولا بايعَ في هذا الأمرِ إلا كانت الفيصلُ بيني وبينَهُ[[766]].

      وعن حُذيفة بن اليمان، قال له النبي r: "تسمعُ وتطيعُ للأميرِ، وإن ضُرِبَ ظهركَ وأُخِذ مالك، فاسمعْ وأطِعْ [[767]]" مسلم.

      وعن سلمة بن يزيد الجعفي، أنه سأل رسولَ الله r، فقال: يا نبيَّ الله أرأيتَ إن قامت علينا أمراءٌ يسألونَ حقَّهم، ويمنعونا حقَّنا، فما تأمُرنا؟ فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه، ثم سأله الثالثة، فجذبه الاشعث بن قيس[[768]]، فقال رسول الله r: "اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حُمِّلوا[[769]] وعليكم ما حُمِّلتُم" مسلم.

      وعن عوف بن مالك الأشجعي، عن رسولِ الله r، قال: "ألا مَن وليَّ عليه والٍ فَرآهُ يأتي شيئاً من معصيةِ الله[[770]]، فليَكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعنَّ يداً من طاعة" مسلم.

      ومن حديث النبيِّ r لحذيفة بن اليمان، قال: "تكونُ هِدنَةٌ على دخنٍ[[771]]، ثم تكونُ دعاةُ ضلالة، قال: فإن رأيتَ يومئذٍ خليفةً في الأرض فالزمه، وإن نهكَ جِسمَكَ وأخذَ مالَك[[772]]، فإن لم ترَه فاهرُب في الأرض[[773]]؛ ولو أن تموت وأنت عاضٌّ بجِذلِ شجرةٍ"[[774]].

      وعن عبادة بن الصامت، عن النبي r، قال: "اسمعْ وأطِعْ في عُسْرِكَ ويُسْرِك، ومَنشطِك ومَكرهِك[[775]]، وأثرَةٍ عليك وإن أكلوا مالَك وضَربوا ظهرَك"[[776]].

      وعن أبي ذر، قال: أتاني رسول الله r، وأنا في مسجد المدينة، فضربني برجله، وقال: "ألا أراكَ نائماً فيه؟"، فقلت: يا رسولَ الله غلبني عيني. قال: "كيف تصنع إذا أُخرِجتَ منه؟". فقلت: إني أرضى الشامَ؛ الأرضَ المقدسَة المباركَة[[777]]، قال: "كيف تصنع إذا أُخرجتَ منه؟" قال: ما أصنع، أضربُ بسيفي يا رسولَ الله، قال رسولُ الله r: "ألا أدلُّك على خيرٍ من ذلك، وأقرب رُشداً ـ قالها مرتين ـ تَسمَع وتُطِيعُ وتُسَاقُ كيفَ سَاقوكَ"[[778]].

      عن وائل بن حجر قال: سمعتُ رسولَ الله r ورجلٌ سأله فقال: أرأيتَ إن كان علينا أمراء يمنعونا حقَّنا، ويسألونا حقَّهم؟ فقال رسولُ الله r: "اسمعوا وأطيعُوا؛ فإنَّما عليهم ما حُمِّلوا، وعليكم ما حُمِّلتُم [[779]]" مسلم.

      ـ أما إن ظهر منه الكفرُ البواحُ، الذي لنا فيه من كتاب الله تعالى وسُنِّةِ نبيه r بُرهان، وأصرَّ عليه، حينها فلا طاعة له البتَّة، ويتعين على الأمة الخروج عليه بالسيف والقوة إلى أن يقيلوه ويستبدلوه بحاكمٍ مسلمٍ عدل [[780]].

     عن عبادة بن الصامت، قال: "دعانا النبي r، فبايعناه؛ فيما أخذ علينا أن بايعَنا على السمعِ والطاعة في مَنْشَطِنا ومكرهنا، وعُسرِنا ويُسرنا، وأثرةٍ علينا، وأن لا نُنازِع الأمرَ أهلَه، إلا أن تَروا كُفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان[[781]]" متفق عليه. 

      وعن أمِّ سلمةَ، قالت: قال رسول الله r: "ستكونُ أمراءٌ، فتعرفون وتنكرون، فمن عرف برئ، ومن أنكرَ سَلِمَ، ولكن من رضيَ وتابَع[[782]]"، قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: "لا، ما صلُّوا[[783]]" مسلم.

      وعن عوف بن مالك الأشجعي، عن رسولِ الله r، قال: "خيارُ أئمتكم الذين تحبونَهُم ويحبونَكم، وتُصلون[[784]] عليهم، ويُصلون عليكم، وشرارُ أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعونونهم ويلعنونَكُم"، قالوا: قلنا يا رسولَ الله أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: "لا؛ ما أقاموا فيكم الصلاة، لا ما أقاموا فيكم الصلاة [[785]]" مسلم.       

      وعن أبي سعيد، قال: قال رسولُ الله r: "يكون أمراءٌ تلينُ لهم الجلود ولا تطمئنُّ إليهم القلوبُ، ثم يكون أمراءٌ تشمئزُّ منهم القلوبُ، وتقشعِرُّ منهم الجلودُ" فقال رجلٌ: يا رسولَ الله ! أفلا نقاتلهم؟ قال: "لا، ما أقاموا الصلاة"[[786]].              

      ـ ومن حقِّ الحاكم المسلم الموحِّد على رعيته كذلك أن ينصحوا له، وألاَّ يُضمِروا له إلا خيراً. 

     عن ابن عيينة، قال: قال رسول الله r: "الدينُ النصيحة" قلنا: لمن؟ قال: "لله، ولكتابِه، ولرسولِه ، ولأئمة المسلمين، وعامتهم" مسلم.       

      وعن جبير بن  مطعم، قال: قال رسول الله r: "ثلاثٌ لا يغلُ عليهنَّ قلبُ المؤمن: إخلاصُ العملِ لله، والنَّصيحةُ لولاة الأمر [[787]].."[[788]].

      وعن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله r: "ثلاثةٌ لا يغلُ عليهنَّ قلبُ المؤمن: إخلاصُ العملِ لله، والنصيحةُ لولاةِ الأمر، ولزومُ جماعتهم، فإنَّ دعوتهم تحيطُ مِن ورائهم"[[789]].

      وعن عائشة، قالت: قال رسول الله r: "من ولي منكم عملاً، فأرادَ اللهُ به خيراً، جعلَ له وزيراً صالحاً؛ إن نسي ذكَّرَهُ[[790]]، وإن ذكَرَ أعانَه"[[791]].

      وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله r: "ما مِن والٍ إلا وله بِطانتان: بِطانةٌ تأمرُه بالمعروف وتَنهاهُ عن المنكر، وبطانةٌ لا تَألُوه خَبالاً[[792]]، فمن وُقِي شرَّها فقد وُقِي، وهو مِن التي تغلِب عليه منهما"[[793]].

      وعن عائشة قالت: قال رسول الله r: "إذا أرادَ اللهُ بالأميرِ خيراً جعلَ له وزيرَ صِدقٍ؛ إن نسيَ ذَكَّرَه، وإن ذَكَرَ أعانَهُ، وإذا أراد اللهُ به غير ذلك؛ جعلَ له وزيرَ سُوءٍ؛ إن نسيَ لم يُذَكِّرْهُ، وإن ذَكَرَ لم يُعِنْهُ"[[794]].

      وعن أبي هريرة، عن النبي r قال: "ثلاثةٌ لا يُكلمهم الله يومَ القيامةِ، ولا ينظرُ إليهم، ولا يُزكيهم، ولهم عذابٌ أليم: رجلٌ على فضلِ ماء بالفلاةِ؛ يمنعه من ابن السبيل، ورجلٌ بايعَ رجلاً بسلعةٍ بعد العصْرِ، فحلف له بالله: لأخذَها بكذا وكذا فصدَّقَه، وهو على غير ذلك، ورجلٌ بايع إماماً لا يُبايعه إلا لِدُنيا؛ فإن أعطاهُ منها وفَى، وإن لم يُعطِه منها لم يَفِ[ [795]]" متفق عليه.

      وعن محمد بن زيدٍ أنَّ ناساً قالوا لجدِّه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: إنَّا ندخُلُ على سلاطِيننا فنقول لهم بخلافِ ما نتكلَّمُ إذا خَرجنا من عندِهم[[796]]؟ قال ابن عمر: "كنا نعُدُّ هذا نفاقاً على عهدِ رسولِ الله r" البخاري.

      عن أبي مَعْمَر قال: قام رجلٌ يُثني على أميرٍ من الأمراء، فجعل المقداد يحثي في وجهِه التراب، وقال: "أمرنا رسولُ الله r أن نَحثي في وجوه المدَّاحين التراب"[[797]].

      ـ من آدابِ نُصحِ الحاكمِ، أن يُنصَح سِرَّاً[[798] وليس علانية أمام الأشهَاد[[799]].

     عن عياض بن غَنْم،  قال لهشام بن حكيم: ألم تسمع بقول رسول الله r: "من أرادَ أن ينصحَ لِذي سلطانٍ فلا يُبدِه علانيةً، ولكن يأخذ بيدِه فيخلُو به، فإن قَبِل منه فذاك، وإلا كان قد أدى الذي عليه"[[800]].

      وعنه، قال: قال رسول الله r: "من كانت عنده نصيحةٌ لِذِي سلطانٍ فليأخذْ بيدِه، فليخلُو بِه، فإن قَبِلَها قَبِلَها، وإن ردَّها كان قد أدَّى الذي عليه"[[801]].

      ـ وهذا لا يمنع ولا يتعارض مع مبدأ الصَّدعِ بالحق عند سلطانٍ جائر.

      عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسولُ الله r: "أفضلُ الجهادِ كلمةُ عدلٍ عندَ سلطانٍ جائرٍ"[[802]].

      وفي رواية عنه: "أفضلُ الجهادِ كلمةُ حقٍّ عند سلطانٍ جائر".

      وفي رواية عنه، أن النبيَّ r قال: "إنَّ من أعظمِ الجهادِ كلمةُ عدلٍ عندَ سلطانٍ جائرٍ"[[803]].

      وعن جابرٍ، عن النبي r قال: "سيدُ الشهداء حمزةُ بن عبد المطلب، ورجلٌ قامَ إلى إِمامٍ جائرٍ فأمرَه ونهاهُ فقتلَهُ"[[804]].

      وعن أبي أمامة، قال: قال رسولُ الله r: "أحبُّ الجهادِ إلى اللهِ؛ كلمةُ حقٍّ تُقال لإمامٍ جائرٍ"[[805]].

      ـ كما أنه لا يتعارض مع مبدأ الأخذِ على يدِ الظالم، ومنعه من الظلم، وأطره إلى الحق.

      عن جرير قال: سمعتُ رسولَ الله r يقول: "ما مِن رجلٍ يكونُ في قومٍ يعملُ فيهم بالمعاصي يقدرون على أن يُغيِّروا عليه فلا يغيروا إلا أصابهم اللهُ بعذابٍ من قبلِ أن يموتوا"[[806]].

      وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسولُ الله r: "سيكونُ أُمراءُ من بعدي؛ يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يُؤمَرون، فمن جاهدَهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدَهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدَهم بقلبه فهو مؤمِن، لا إيمانَ بعدَه"[[807]].

      ـ كما يجبُ على الرعيَّة أيضاً، أن توقِّرَ الحاكم المسلم وتُعزِّرَه؛ فإنَّ ذلك من تقوى القلوبِ، وهو مرضاةٌ للربِّ U.

     عن أنس بن مالك، قال: نهانا كبراؤنا من أصحاب رسول الله r، قال: "لا تسبُّوا أمراءَكم، ولا تَغشُّوهم، ولا تبغضوهم، واتقوا الله واصبروا، فإنَّ الأمرَ قريب"[[808]].

      وعن أبي بكرة، قال: سمعتُ رسولَ الله r، يقول: "من أهانَ سُلطانَ اللهِ، أهانَهُ اللهُ"[[809]].

      وعنه، قال: سمعت رسولَ الله r: "من أجلَّ سلطانَ اللهِ، أجَلَّهُ اللهُ يومَ القيامةِ"[[810]].

      وعن معاذ بن جبل، قال: قال رسولُ الله r: "خمسٌ مَن فعلَ واحدةً منهنَّ كان ضامِناً على الله U: من عادَ مريضاً، أو خرجَ مع جنازةٍ، أو خرجَ غازياً، أو دخلَ على إمامِه يريد تَعزيرَهُ وتوقيرَهُ، أو قعدَ في بيتهِ فسَلِمَ الناسُ منه، وسَلِمَ منَ الناسِ"[[811]].

      وعن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسولُ الله r: "إنَّ مِن إجلالِ الله إكرامَ ذِي الشيبَةِ المُسلم، وحامِلِ القرآنِ غيرِ الغالي فيه والجافي عنه، وإكرامَ ذي السُّلطانِ المُقْسِط"[[812]].

      ـ ما يحقُّ للحاكِم من المال العام.

     عن عبدِ الله بن زُرَيْرٍ الغافقي، قال: دخلنا على علي بن أبي طالب يوم أضحى فقدَّم إلينا خَزِيرَةً[[813]]، فقلنا يا أمير المؤمنين لو قدَّمت إلينا من هذا البطِّ والوزِّ، والخيرُ كثير، قال: يا ابن زُرَير إني سمعت رسول الله r، يقول: "لا يحلُّ للخليفةِ إلا قصعتان: قصعةً يَأكلُها هو وأهلُه، وقصعةً يُطعِمُها"[[814]].

      وعن المستورد بن شدَّاد، قال: سمعتُ النبيَّ r يقول: "من كان لنا عامِلاً فليَكتَسِبْ زوجةً، فإن لم يكن له خادمٌ فليكتَسبْ خادِماً، فإن لم يكن له مَسكنٌ فليكتَسِب مَسكناً، من اتخذ غير ذلك فهو غَالٍّ[[815]]"[[816]].

      ـ وما زادَ عن ذلك فهو تخوّضٌ في مالِ اللهِ بغيرِ حقٍّ.

     عن خولَة الأنصاريَّة، قالت: قال رسول الله r: "إنَّ رجالاً يَتخوَّضُون[[817]] في مالِ الله بغيرِ حقٍّ، فلهم النارُ يومَ القيامة" البخاري.

      ـ اعتزالُ السلطانِ المسلمِ الفاسقِ الظالم، إن كان في مُجالَسَتِه ومخالَطتِه عَوناً له على ظلمِه وفسوقه، وطغيانه.

     عن أبي سعيد، وأبي هريرة، قالا: قال رسولُ الله r: "ليأتينَّ عليكم أمراءٌ، يقربون شرارَ الناسِ، ويُؤخِّرون الصلاةَ عن مواقِيتها[[818]]، فمن أدركَ ذلك منهم، فلا يَكونَنَّ عِرِّيفاً[[819]]، ولا شرطيّاً، ولا جابياً، ولا خازِناً"[[820]].

      وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله r: "يليكم عمالٌ من بعدي، يقولون ما يعلمون، ويَعملونَ بما يَعرِفُون، وطاعةُ أولئك طاعة، فتَلبثُون كذلك دهراً، ثم يليكم عمالٌ من بعدي يقولون مالا يَعلمون، ويَعملون مالا يَعرفون، فمن ناصحَهم، ووازَرَهم، وشَدَّ على أعضادِهم، فأولئك قد هلَكوا وأهلَكوا[[821]]، خالِطُوهم بأجسادِكُم، وزايلوهم بأعمالِكم، واشهدوا على المحسن بأنَّه محسنٌ، وعلى المسيءِ بأنه مسيءٌ"[[822]].

      وعن عبادة بن الصمات، عن النبي r، قال: "سيليكُم أمراءٌ بعدي يُعرِّفونَكم ما تُنكِرون[[823]]، ويُنكِرون عليكم ما تَعرفون[[824]]، فمن أدركَ ذلك منكم، فلا طاعةَ لمن عصى الله"[[825]].

      وعن عبد الله بن مسعود، عن النبي r، قال: "سيلي أمورَكم بعدي رجالٌ يُطفِئون السُّنةَ، ويَعملون بالبدعة، ويُؤخِّرون الصلاةَ عن مواقيتها"، فقلت: يا رسولَ الله! إن أدركتُهم كيفَ أفعل؟ قال: "تسألني يا ابنَ أمِّ عبد كيف تفعل؟ لا طاعة لمن عصى الله [[826]].                                        

      وعن كعب بن عُجْرَةَ، قال: قال رسول الله r: "اسمعوا، هل سمعتهم أنه سيكون بعدي أمراءٌ فمن دخلَ عليهم فصدَّقَهم بكذبِهم، وأعانهم على ظُلمِهم فليسَ مني ولستُ منه، وليس بواردٍ عليَّ الحوض، ومن لم يَدخُلْ عليهم ولم يُعِنْهُم على ظلمِهم ولم يُصدقهم بكذِبهم هو مني وأنا منه، وهو واردٌ عليَّ الحوض"[[827]].

      وعن النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله r: ألا إنَّها ستكون بعدي أُمراء يظلمون ويَكذبون، فمن صدَّقَهُم بكذبهم، ومالأهم[[828]] على ظُلمِهم، فليس مني، ولا أنا منه، ومن لم يُصدِّقهم بكذبِهِم، ولم يُمالئهم على ظُلمِهم، فهو مني وأنا منه"[[829]].

      وعن عبد الله بن خباب عن أبيه، قال: كنا قُعوداً على بابِ النبيِّ r، فخرجَ علينا فقال: "اسمعوا". قلنا: سمِعْنا. قال: "اسْمَعوا". قلنا: قد سمِعنا. قال: "اسمعوا". قلنا: سمعنا[[830]]. قال: "إنه سيكونُ بعدي أُمراءُ فلا تُصدقوهم بكَذِبهم، ولا تُعينوهم على ظُلمهم، فإنَّ من صدَّقهم بكذبِهم، وأعانهم على ظُلمهم، لم يرِد عليَّ الحوضَ"[[831]].

      وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله r: "سيكونُ أمراءُ تَعرفون وتُنكرون، فمن نابذَهم نجا، ومَن اعتزلهم سَلِم، ومن خالَطَهم هلَك"[[832]].

      وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسولُ الله r: "ستكون أمراءٌ فتعرفون وتُنكرون، فمن كَرِهَ بَرِئَ، ومَن أنكَرَ سَلِمَ، ولكن مَن رَضِيَ وتابَعَ لم يَبْرَأ[[833]]" مسلم.

      وعن أبي أُمامة، قال: قال رسول الله r: "سيكونُ في آخِر الزمانِ شَرِطَةٌ يَغْدون في غَضبِ الله، ويَروحون في سخطِ الله[[834]]"[[835]].

      وعن ابن عباس، عن النبي r، قال: "مَن أَعانَ ظالماً[[836]] بباطلٍ ليُدحِضَ بباطلِه حقَّاً، فقد بَرِئ من ذِمَّةِ الله U وذِمَّةِ رسولِه"[[837]].

      وعن أبي الأعور السَّلمي، قال: قال رسول الله r: "إيَّاكُم وأبوابِ السلطانِ؛ فإنَّه قد أصبحَ صعباً هُبوطاً[[838]]"[[839]].

      وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله r: "من أتى أبوابَ السُّلطانِ افتُتِنَ، وما ازدادَ أحدٌ من السُّلطان قُرباً، إلا ازدادَ من اللهِ بُعداً"[[840]].

      وعن أبي أمامة الباهلي، عن النبيِّ r قال: "حوضي كما بين عدَنٍ وعَمَّانَ، فيه أكاويبُ عددُ نجومِ السماء، مَن شَرِبَ منه لم يَظمأ بعدَهُ أبداً، وإن ممَّن يَرِدُهُ عليَّ من أمتي: الشَّعِثَةُ رؤوسُهم، الدَّنِسَةُ ثيابُهم، لا يَنكحونَ المنعَّمَات، ولا يَحضُرونَ السُّدَدَ ـ يعني أبوابَ السلطان ـ الذين يُعطُون كلَّ الذي عليهم، ولا يُعْطَونَ كلَّ الذي لهم"[[841]].

 

      أقولُ: هذه الأحاديث ـ الآنفة الذكر أعلاه ـ لا يصح أن تُحمَل على السلطان المسلم العادل، الذي يجاهد في سبيل الله، ويحكم بما أنزل الله، ويتقي الله في رعيته، فسلطان هذه صفاته لا شك أن مناصرته، ومناصحته، ومؤازرته واجبة وفيها الخير كلَّ الخير.

     فغالب الذين أخطأوا في الأحكام السلطانية .. يكون خطؤهم بسبب إعمالهم لبعض النصوص الشرعية ـ ذات العلاقة بالأحكام السلطانية ـ وإهمالهم لبعضها الآخر .. فلا يُعملِون مجموع النصوص .. ولو أعملوها فلا يُحسنون التوفيق فيما بينها!

     أو حملهم لما قيل في السلطان المسلم العدل؛ الذي يحكم بما أنزل الله .. على الحاكم الفاسق الظالم .. وأحياناً على الحاكم الكافر المرتد .. وكذلك العكس؛ فمنهم من يحمل ما قيل في الحاكم الفاسق الظالم .. على الحاكم المسلم العدل .. وكلا المنهجين والفريقين على باطل وضلال؛ فالفريق الأول يمثل أهل التفريط والإرجاء على ممر عصورهم .. بينما الفريق الآخر يمثل الخوارج الغلاة على ممر عصورهم المختلفة .. والحق وسط بينهما .. نسأل الله تعالى أن يجنبنا مزالق الغلو والإرجاء، وأن يجعلنا من أهل العدل والوسط، والوسطية؛ من غير جنوح إلى إفراط أو تفريط.

 

وصلى الله على محمد النبيِّ الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم.

 

* * * * *

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

12- حَقُّ الرعيَّةِ على الحاكِم.

     الحقوق متبادلة بين الحاكِم والمحكوم؛ فمن لوازم أداء المحكوم لحقوقِ الحاكمِ أن يؤدِّي الحاكِمُ حقَّ المحكومِ والرعيَّة عليه، فالحقوق لا تُعطَى من طرفٍ واحدٍ وحسب وإنما تُعطى من الطرفين للطرفين .. ومِن حقِّ الرعيَّةِ على الحاكِم، أن يَحكم فيهم بالسويَّة والعدل، وبما أنزلَ الله، وأن يُحِيطَهُم بالنُّصْحِ والرِّعاية، والحماية، وأن يُجاهِد عنهم وعن حرماتهم العدوَّ، وأن يَقلقَ لراحتهم وخدمتهم، وأن يكون رحيماً رفيقاً بهم، لا يُغلِق بابَه دُونَ حاجَتِهم، وفقرائهم وضعفائهم. 

     عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله r: "ألا كُلُّكُم راعٍ، وكُلكُم مسؤولٌ عن رعيَّتِه؛ فالإمامُ الأعظمُ الذي على الناسِ راعٍ وهو مَسؤولٌ عن رعيتِه[[842]]، والرجلُ راعٍ على أهلِ بيتهِ وهو مسؤولٌ عن رعيَّتِه، والمرأةُ راعيةٌ على أهلِ بيتِ زوجِها وولدِه وهي مسؤولةٌ عنهم، وعبدُ الرجُلِ راعٍ على مالِ سيِّدِه وهو مسؤولٌ عنه، ألا فَكلُّكم راعٍ وكُلُّكُم مسؤولٌ عن رعيَّته"متفق عليه.

      وعن معقل بن يسار، قال: قال رسولُ الله r: "ما مِن عبدٍ يَسترعيهُ اللهُ رعيَّةً، فلَم يُحِطْها بِنُصحِه لم يجدْ رائحةَ الجنَّةِ "متفق عليه.

      وعنه، قال: سمعتُ رسولَ الله r يقول: "ما مِن والٍ يَلي رعيَّةً من المسلمين فيموت وهو غاشٌّ [[843]] لهم إلا حرَّمَ اللهُ عليه الجنَّةَ "متفق عليه.

      وفي روايةٍ لمسلم: "ما من عبدٍ يَسترعيَه اللهُ رعيَّةً، يموتُ يومَ يموت وهو غاشٌ لرعيَّتِه، إلا حرَّمَ اللهُ عليه الجنَّة".

      وفي رواية: "أيما راعٍ استرعى رعيةً فغشَّها فهو في النَّار". 

      وعنه، قال: قال رسول اللهr   : "رجُلانِ ما تنالهما شفَاعتي: إمامٌ ظَلومٌ غَشُومٌ[[844]]، وآخرُ غالٍ في الدينِ مارقٌ منهُ"[[845]].

      وعن خالد بن الوليد، قال: قال رسولُ الله r: "أشدُّ الناسِ عذاباً للناس في الدُّنيا، أشدُّ الناسِ عَذاباً عندَ الله يومَ القيامَة"[[846]].        

      وعن أبي سعيدٍ، قال: قالَ رسولُ الله r: "أشدُّ الناسِ يومَ القيامةِ عذاباً، إمامٌ جائرٌ"[[847]].

      وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله r: "أربعةٌ يبغضُهم اللهُ U: البيَّاع الحلاَّف، والفقيرُ المختالُ، والشيخُ الزَّاني، والإمامُ الجائِرُ"[[848]].

      وعن سلمان قال: قال رسولُ الله r: "ثلاثةٌ لا يدخلون الجنة: الشيخُ الزَّاني، والإمامُ الكذَّاب، والعائلُ المَزهُوّ"[[849]].

      وعن عائذ بن عمرو، قال: سمعتُ رسولَ الله r يقول: "إنَّ شَرَّ الرُّعاءِ الحُطَمَة [[850]]" مسلم.

      وعن معاوية، قال: قال رسول الله r: "لا تُقَدَّسَ أُمَّةٌ لا يُقضَى فيها بالحقِّ، ولا يأخذُ الضعيفُ حقَّهُ من القويِّ غَيْرَ مُتَعْتَعٍ"[[851]].

      وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله r: "إنما الإمامُ جُنَّةٌ[[852]] يُقاتَل من ورائِه، ويُتَّقَى به، فإن أمَرَ بتقوى الله وعدَلَ فإنَّ له بذلك أجراً، وإن أمرَ بغيرِه فإنَّ عليه وِزراً" متفق عليه.

      وعن أبي أمامة، قال: قال رسول الله r: "ما مِن رجلٍ يلي أمرَ عشرةٍ فما فوق ذلك، إلا أتى اللهَ مَغلولاً يدَه إلى عُنِقِه، فَكَّهُ برُّهُ، أو أوثقَهُ إثمُه، أولها ملامةٌ، وأوسَطُها ندامةٌ، وآخِرُها خِزيٌ يومَ القيامة"[[853]].

      وعن معقل بن يسار، قال: قال رسول الله r: "ما من أميرٍ يلي أمرَ المسلمين، ثم لا يجهدُ لهم ويَنصح، إلا لم يدخلْ معهم الجنَّة" مسلم.

      وعن أبي هريرة، عن النبي r، قال: "كانت بنو إسرائيل تسوسُهم الأنبياءُ، كلما هلَكَ نبٌّي خلفَه نبي، وإنَّه لا نبيَّ بعدي، وسيكون خُلفاء، فيكثرون"، قالوا: فما تأمرُنا؟ قال: "فُوا بيعةَ الأولِ فالأول، أعطوهم حقَّهم، فإن الله سائلَهم عمَّا استرعاهم" متفق عليه.

      وعن عائشةَ، قالت: قال رسول الله r: "اللهمَّ من وليَ من أمرِ أمَّتي شيئاً فشقَّ عليهم فاشقُقْ عليه، ومَن وليَ من أمرِ أمتي شيئاً فرفَقَ بهم، فارفُقْ به" مسلم.

      وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسولُ الله r: "إن المُقْسِطين عندَ اللهِ على منابِر من نورٍ عن يمين الرحمن، وكلتا يَدَيه يمين، الذين يَعدلون في حُكمِهم، وأهلِيهم، وما وُلُّوا" مسلم.

      وعن عياض بن حِماد، قال: قال رسولُ الله r: "أهلُ الجنةِ ثلاثةٌ: ذُو سلطانٍ مُقسِطٌ[[854]] مُتصدِّقٌ مُوفَّقٌ، ورجلٌ رقيقُ القلبِ لكلِّ ذِي قُربى ومُسلم، وعَفِيفٌ مُتعفِّفٌ ذُو عِيالٍ"[[855]].

      وعن معاوية بن أبي سفيان ، قال: سمعتُ رسولَ الله r يقول: "يكونُ أمراءٌ فلا يُرَدُّ عليهم قولُهم[[856]]، يَتهافَتون في النَّار، يَتْبَعُ بَعضُهم بَعضاً"[[857]].

      وعن عروة، أن حكيم بن حُزام مرَّ بعمير بن سعد وهو يعذِّب الناسَ في الجِزيةِ في الشمس، فقال: يا عُمير إني سمعتُ رسولَ الله r يقول: "إنَّ اللهَ يُعذِّبُ الذين يُعذِّبون الناسَ في الدنيا". اذهَبْ فخلِّ سبيلَهم[[858]].

      ـ تُعطَى الولاية للأتقى، والأصلح، والأقوى، والأكثر عدلاً، بغض النظر عن نسبه، وانتمائه القبلي أو القومي.

      قال تعالى: )وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ([[859]]البقرة:124.

      وعن أُمِّ الحصين، قالت: قال رسولُ الله r: "إن أُمِّرَ عليكم عبدٌ مُجَدَّعٌ[[860]] يقودكم بكتابِ الله، فاسمعوا له وأطيعوا" مسلم. 

      عن أبي برزة قال: قال رسولُ الله r: "الأمراءُ من قُريشٍ ـ ثلاثاً ـ ما فعلوا ثلاثاً: ما حَكَموا فعَدلوا، واستُرحِموا فرحِموا، وعاهدوا فوَفَوا، فمن لم يفعلْ ذلك منهم فعليهِ لعنةُ اللهِ والملائكةِ والناسِ أجمعين"[[861]].

      وعن أبي موسى الأشعري قال: قال رسولُ الله r: "إنَّ هذا الأمرَ في قريشٍ ما إذا استُرحِموا رَحِموا، وإذا حكَموا عَدلُوا، وإذا قَسَموا أقسَطُوا، فمن لم يفعَل ذلك منهم؛ فعليه لعنةُُ الله والملائكةِ والناسِ أجمعين، لا يُقبَلُ منهم صَرفٌ ولا عَدْلٌ"[[862]].

      وعن عبد الله بن مسعود قال: بينا نحنُ عند رسولِ الله r في قريب من ثمانين رجلاً من قريش، ليس فيهم إلا من قريش .. قال r: "أمّا بعد يا معشر قُريش! فإنَّكم أهلُ هذا الأمرِ ما لم تعصوا الله، فإذا عصيتموه بعثَ إليكم من يَلْحَاكُم[[863]] كما يُلحى هذا القضيب "؛ لقضيبٍ في يده، ثم لحى قضيبَه فإذا هو أبيض يصلد[[864]].

      وعن معاوية قال: سمعتُ رسولَ الله r يقول: "إنَّ هذا الأمرَ في قريشٍ لا يُعاديهم أحدٌ إلاَّ كبَّهُ اللهُ في النار على وجههِ؛ ما أقاموا الدينَ" البخاري.

      وعن معاذ بن جبل أن رسولَ الله r لما بعثه إلى اليمن خرج معه يوصيه، ثم التفت رسولُ الله r إلى المدينة، فقال: "إنَّ أهلَ بيتي هؤلاء يرونَ أنَّهم أولى الناس بي، وليس كذلك؛ إن أوليائي منكم المتقون، من كانوا وحيثُ كانوا، اللهمَّ إنِّي لا أُحِلُّ لهم فسادَ ما أصلحت، وأيمُ والله لتُكفأنَّ أمتي عن دينها كما تُكفأنَّ الإناءُ في البطحاء"[[865]].

      وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله r: "هلاكُ أُمَّتي على يَدَيْ غِلْمةٍ من قُريش"[[866]].

      ـ السلطانُ الذي يُغلِق بابَه دونَ حاجَة الناسِ والمساكين.

     عن ابن عباس، قال: "كان r لا يُدفَعُ عنه الناسُ، ولا يُضرَبوا عنه"[[867]].

     وعن عمرو بن مُرَّة، قال: قال رسول الله r: "ما مِن إمامٍ أو والٍ يُغلِق بابَه دونَ ذَوي الحاجَةِ والخَلَّةِ[[868]] والمسْكَنَةِ، إلا أغلقَ اللهُ أبوابَ السماءِ دونَ  خَلَّتِه، وحاجَتِه، ومَسكنته"[[869]].

      وعن أبي مريم الأُزدي، قال: قال رسولُ الله r: "مَن ولِيَ من أمورِ المسلمين شيئاً، فاحتجَبَ دونَ خَلَّتِهم، وحاجتِهم، وفقرِهم، وفاقتِهم، احتجَبَ اللهُ عنه يومَ القيامةِ دونَ خَلَّتِه، وحاجَتِه، وفاقتِه، وفَقرِه"[[870]].

      وعن معاذ بن جبل قال: قال رسولُ الله r: "من ولِيَ من أمرِ النَّاسِ شيئاً فاحتجبَ عن أُولِي الضَّعفِ والحاجةِ، احتجبَ اللهُ عنه يومَ القيامةِ"[[871]].

      وعن عمر بن الخطاب tمأتلللليل

 ، أنه كان إذا بعَثَ عُمَّالَه[[872]] شرطَ عليهم: "أن لا تركبوا بِرْذَوناً[[873]]، ولا تأكلُوا نقيَّاً[[874]]، ولا تلبسوا رقيقاً[[875]]، ولا تُغلقوا أبوابَكم دونَ حوائجِ الناسِ، فإن فعلتُم شيئاً من ذلك؛ فقد حلَّت بكم العقوبَة، ثم يُشيِّعُهم"[[876]].

       ـ لا يجوزُ للحاكمِ أن يُفسِدَ رعيَّتَه بالتَّجسُّسِ عليهم، وتَتَبُّعِ عوراتِهم.

     قال تعالى: )وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ[[877]](الحجرات:12.

      عن معاوية، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ r، يقول: "إنَّكَ إن اتَّبَعتَ عوراتِ الناسِ أفسدتَهم أو كِدتَ أن تُفْسِدَهُم".   

      قال أبو الدرداء: كلمةٌ سمعَها معاويةُ من رسولِ الله r، نفعَه اللهُ تعالى بها[[878]].

      وعن جبير بن نفير، وكثير بن مرة، وعمرو بن الأسود، والمقداد بن معد يكرب، وأبي أُمامة، عن النبي r قال: "إن الأميرَ إذا ابتغى الرِّيبَةَ في الناسِ أفسدَهم"[[879]].

      وعن أبي هريرة، عن النبي r قال: "لا تحسَّسُوا[[880]]، ولا تجَسَّسوا، ولا تَدابَروا، ولا تَبَاغَضُوا، وكونوا عبادَ الله إخواناً" البخاري.      

        وعن المستورد بن شدَّاد، أن النبي r قال: "من أكلَ برجلٍ مُسلمٍ أكلَةً[[881]]فإن الله يُطعِمُه مثلَها من جهنَّم، ومن كُسِي ثوبَاً برجلٍ مُسلمٍ فإن اللهَ يكسُوه مثلَهُ من جهنَّم، ومن قامَ برجلٍ مقامَ سمعةٍ ورياءٍ فإنَّ اللهَ يقومُ به مقامَ سمعةٍ ورياءٍ يَومَ القيامة"[[882] ].

وعن ابن عباس، عن النبي r قال: "مَن استمعَ إلى حديثِ قومٍ وهم يفرُّون منه، صُبَّ في أُذُنَيهِ الآنِك"[[883]].

        وعن أبي برزةَ الأسلمي، أن النبي r قال: "يا معشَرَ من آمنَ بلسانِه ولم يدخُلِ الإيمانُ قلبَه، لا تَغتابُوا المسلمين، ولا تَتَّبعُوا عوراتِهم؛ فإنَّه من اتَّبعَ عوراتِهم يَتَّبَّعُ اللهُ عورتَه، ومن يتَّبعُ اللهُ عورتَه يَفضَحْهُ في بيتِه"[[884]].

      ـ خطر الحكام المضلين على الأمَّة!

        عن عمر بن الخطاب t قال: قال رسولُ الله r: "أخوف ما أخافُ على أمتي الأئمَّةُ المُضلُّون"[[885]].

        وعن أبي ذرٍّ قال: كنت مُخاصراً للنبي r يوماً إلى منزلهِ، فسمعته يقول: "غيرُ الدجَّالِ أخوفُ على أمتي من الدجَّال؛ الأئمة المُضلون"[[886]].

      ـ ذَمُّ الحرصِ على الإمارةِ، وبيانُ أنها تكليفٌ ومسؤوليةٌ عظيمةٌ، وأنها يومَ القيامةِ خِزيٌ ونَدامَةٌ، إلا من أخذَها بحقِّها، وأدَّى الذي عليه فيها.

     عن أبي ذَر، قال: قلت: يا رسولَ الله! ألا تَستعمِلُني؟ قال: فضربَ بيده على منكبي، ثم قال: "يا أبا ذر إنَّك ضعيفٌ، وإنها أمانَةٌ، وإنها يومَ القيامةِ خِزيٌ وندَامَةٌ، إلا مَن أخذَها بحقِّها، وأدَّى الذي عليه فيها".

      وفي رواية، قال له: "يا أبا ذَر إني أراكَ ضَعيفاً، وإني أُحبُّ لكَ ما أحبُّ لنفسي، لا تأمَّرَنَّ على اثنين، ولا توَلَّينَّ مالَ يتيم"[[887]].

      وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله r: "ليتمنينَّ أقوامٌ ولُّوا هذا الأمر، أنهم خَرُّوا من الثريَّا، وأنَّهم لم يَلُوا شيئاً"[[888]].

      وعنه، أن رسولَ الله r قال: "ويلٌ للأمراء! ليتمنينَّ أقوامٌ أنَّهم كانوا مُعلَّقين بذوائبِهم بالثريَّا، وأنهم لم يكونوا وَلُوا شيئاً قط"[[889]].

      وعنه، أنَّ رسولَ الله r قال: "ويلٌ للأمراء، ويلٌ للعُرَفاء، ويلٌ للأُمناء؛ ليتمنَّيَنَّ أقوامٌ  يومَ القيامة أنَّ ذوائبَهم معلقةٌ بالثُّريَّا يُدَلْدَلُون بين السماء والأرض، وأنهم لم يَلوا عملاً"[[890]].

      وعنه، قال: قال رسولُ الله r: "ما مِن أميِر عشرةٍ، إلا وهو يُؤتَى به يوم القيامةِ مَغلولاً، حتَّى يَفُكَّه العدلُ، أو يوبقَهُ الجورُ"[[891]].

      وعن عوف بن مالك، قال: قال رسولُ الله r: "إن شئتم أنبأتُكُم عن الإمارة؛ أولُها ملامَةٌ، وثانيها ندامَةٌ، وثالِثُها عذابٌ يومَ القيامةِ؛ إلا مَن عدَل"[[892]].

      وعن أبي موسى، قال: قال رسول الله r: "إنا والله لا نُولِّي على هذا العملِ أحداً سألَه، ولا أحداً حَرِصَ عليه" مسلم.

      وعن أبي هريرة، عن النبي r قال: "إنَّكُم ستَحرصون على الإمارةِ، وإنها ستكونُ ندامةً وحسرةً يومَ القيامةِ" البخاري.

      وعن عبد الرحمن بن سمرة، قال: قال لي رسولُ الله r: "يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارةَ، فإنَّكَ إن أُعطِيتَها عن مَسألَةٍ وُكِّلتَ إليها، وإن أُعطِيتَها عن غيرِ مَسألَةٍ أُعِنتَ عليها" مسلم.

      وعن أبي هريرة، قال: قال رسُولُ الله r: "تجدونَ مِن خيرِ النَّاسِ أشدَّهُم كراهيةً لهذا الأمرِ حتى يقعَ فيه" متفق عليه.

      وعن ابن عباس قال: قال رسولُ الله r: "أولُ هذا الأمرِ نبوةٌ ورحمةٌ، ثم يكونُ خلافةً ورحمةً، ثم يكونُ مُلكاً ورحمةً، ثم يَتكادَمونَ عليه تكادُمَ الحُمُرِ[[893]]، فعليكم بالجهادِ، وإنَّ أفضلَ جهادِكم الرباطُ، وإنَّ أفضلَ رباطِكُم عَسْقلانُ"[[894]].

      وعن مالك بن الحارث، عن رجلٍ قال: استعمل النبيُّ r رجلاً على سريَّةً، فلما مضى ورجع إليه قال له: "كيف وجدت الإمارة؟". فقال: كنت كبعض القوم؛ كنتُ إذا ركبتُ ركَبوا، وإذا نزلتُ نزَلوا، فقال رسولُ الله r: "إنَّ صاحِبَ السلطانِ على بابِ عنَتٍ، إلا من عَصمَ اللهُ U". فقال الرجلُ: والله لا أعملُ لك ولا لغيرِكَ أبداً،" فضحِك النبيُّ r حتى بدَت نواجِذُه"[[895]].

 

 

وصلَّى اللهُ على محمدٍ النبيِّ الأُمِّي، وعلى آلِه وصحبِه وسلَّم.

     ـ فَضلُ طلَبِ العِلم، والحض على طلبه .. وما لطالِب العلم من مكرُمَةٍ، وأجرٍ، وثواب.

     قال تعالى: )وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ[[896]] لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ(التوبة:122.

      وقال تعالى: )وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ[[897]] يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(آل عمران:104.

     عن أنس، قال: قال رسول الله r: "طلبُ العلمِ فريضةٌ على كل مسلمٍ"[[898]].

      وعن صفوان بن عَسَّال المرادي، قال: أتيتُ النبيَّ r وهو في المسجدِ متَّكئٌ على بُردَةٍ له أحمر، فقلت له: يا رسولَ الله! إني جِئتُ أطلبُ العِلمَ، فقال: "مَرحباً بطالبِ العِلم، إنَّ طالبَ العِلم تحفُّهُ الملائكةُ وتظلُّه بأجنحتها، ثم يَركَبُ بعضُهم بعضاً حتى يبلغوا السماءَ الدنيا من محبتَّهم لما يطلب"[[899]].

      وعن أبي الدرداء، قال: سمعتُ رسولَ الله r يقول: "من سلَك طريقاً يَلتمِسُ فيه علماً، سهَّلَ اللهُ له طريقاً إلى الجنة، وإنَّ الملائكةَ لتضعُ أجنحتها لطالِبِ العِلم رِضاً بما يصنع"[[900]].

      وعن عبد الله بن مسعود، قال: منهومان لا يشبعان: صاحِبُ العِلم، وصاحِبُ الدنيا، ولا يستويان؛ أما صاحبُ العلم فيزداد رضى للرحمن، وأما صاحب الدنيا فيتمادى في الطغيان. ثم قرأ:)  كَلَّا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى(العلق:7 . قال: وقال الآخر:) إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء( فاطر:28.[[901]].

      وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله r: "من يُرِد اللهُ به خيراً، يُفقِّههُ في الدين" متفق عليه.

      وعن حذيفة بن اليمان قال: قال رسولُ الله r: "فضلُ العلمِ خيرٌ مِن فضلِ العبادة، وخيرُ دينكم الورَعُ"[[902]].

      وعن أنس قال: قالَ رسولُ الله r: "من خَرجَ في طلبِ العلم فهو في سبيلِ الله حتى يرجعَ"[[903]].

      وعن أبي هريرة قال: سمعتُ رسولَ الله r يقول: "الدنيا ملعونةٌ ملعونٌ ما فيها؛ إلا ذكرَ الله وما والاه[[904]]، وعالماً ومتعلماً"[[905]].

      ـ فضلُ العالمِ الذي يُعلِّمُ الناسَ الخيرَ، وما لَهُ من كرامات وأجرٍ وثوابٍ عندَ اللهِ U.

     قال تعالى: )وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ(فصلت:33.

      وقال تعالى: )إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء(فاطر:28.[[906]].

      وقال تعالى: )شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(آل عمران:18.[[907]].

      وقال تعالى: )قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ(الزمر:9.  

      وقال تعالى: )يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ(المجادلة:11.[[908]].

      عن معاذ، قال: قال رسول الله r: "فضلُ العالِم على العابِد، كفضلِ القمرِ ليلةَ البدرِ على سائرِ الكواكبِ"[[909]].            

      وعن أبي الدرداء، قال: سمعتُ رسولَ الله r يقول: "إن العالِمَ ليستغفرُ له مَن في السماواتِ ومَن في الأرض، حتى الحِيتان في الماءِ، وفضلُ العالمِ على العابد كفضلِ القمرِ على سائرِ الكواكب، وإنَّ العلماءَ ورثةُ الأنبياءِ، إنَّ الأنبياءَ لم يُورِّثوا ديناراً ولا دِرهماً، إنما ورَّثوا العِلْمَ، فمَن أخذَهُ أخذَ بحظٍّ وافرٍ"[[910]].

      وعن جابر قال: قال رسولُ الله r: "مُعَلِّمُ الخيرِ يَسْتَغْفِرُ له كُلُّ شيءٍ حتى الحيتانُ في البحارِ"[[911]].

      وعن أبي أمامة الباهِلي، قال: قال رسولُ الله r: "فضلُ العالمِ على العابد، كفضلي على أَدناكُم. إنَّ اللهَ وملائكتَهُ وأهلَ السماوات والأرض حتى النَّملَة في جُحرها، وحتى الحوتَ، ليصلون على معلِّمي الناسِ الخيرَ"[[912]].

      وعن عثمان بن عفَّان، قال: قال رسولُ الله r: "أفضلُكُم مَن تعلَّمَ القرآنَ وعلَّمَهُ" البخاري.

      وعن مصعب بن سعد، عن أبيه قال: قال رسولُ الله r: "خيارُكُم مَن تعلَّمَ القرآنَ وعَلَّمَه"[[913]].

      ـ حسنَةُ العالم ماضيةٌ وجارية حتى بعد مماته، وعلى قدر ما ينفع اللهُ بعلمه.

      وعن أبي أمامة الباهلي، عن النبي r: "مَن غدا إلى المسجدِ لا يريدُ إلا أن يتعلم خيراً أو يُعلِّمَه، كان له كأجرِ حاجٍّ تامَّاً حَجَّتُه"[[914]].

      وعن أنس بن مالك، عن رسول اللهِ r، أنه قال: "أيُّما داعٍ دعَا إلى ضلالةٍ فاتُّبِعَ، فإن له مثلَ أوزارِ من اتَّبعَه ولا ينقصُ مَن أوزارهم شيئاً، وأيُّما داعٍ دعا إلى الهُدى فاتُّبِعَ فإنَّ له مثلَ أجورِ مَن اتَّبعَه ولا ينقصُ من أجورِهم شيئاً"[[915]].

      وعنه، قال: قال رسولُ الله r: "إنَّ مِن الناسِ مفاتيحُ للخير مغاليقُ للشرِّ. وإنَّ من الناس مفاتيحُ للشرِّ مغاليقُ للخير، فطوبى لمن جعلَ اللهُ مفاتيحَ الخيرِ على يَدَيه، وويلٌ لمن جعلَ اللهُ مفاتيحَ الشرِّ على يدَيه"[[916]].

      وعن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزنيُّ، حدثني أبي، عن جدي، أن رسولَ الله r قال: "من أحيا سُنَّةً من سُنَّتي فَعَمِلَ بها الناسُ، كان له مثلَ أجرِ مَن عملَ بها لا ينقصُ من أجورهم شيئاً، ومَن ابتدَع بدعةً فعُمِل بها، كان عليه أوزارَ من عَملَ بها لا يَنقصُ من أوزارِ من عملَ بها شيئاً"[[917]].        

      وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله r: "إنَّ ممَّا يَلحقُ المؤمنَ مِن عملِه وحسناتِه بعد موتِه، علماً علَّمَه ونشرَه"[[918]].

      وعنه قال: قال رسولُ الله r: "إذا ماتَ ابنُ آدم انقطعَ عملُه إلا من ثلاثٍ: صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ يُنتفَعُ به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له" مسلم.

      وعن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه، أن النبي r قال: "مَن عَلَّمَ علماً فله أجرُ مَن عمِلَ به، لا ينقصُ من أجرِ العامل ِشيءٌ"[[919]].

      وعن أبي قتادة قال: قال رسولُ الله r: "خير ما يُخلِّفُ الرجلُ من بعده ثلاثٌ: ولدٌ صالحٌ يدعو له، وصدقةٌ تجري يبلغُه أجرُها، وعِلمٌ يُعمَلُ به من بعده"[[920]].                                  

      وعن جرير بن عبد الله، قال: قال رسول الله r: "مَن سنَّ في الإسلام سنَّةً حسَنةً[[921]]، فعُمِلَ بها بعدَهُ، كُتِبَ له مثلُ أجرِ من عملَ بها ولا ينقصُ من أجورِهم شيءٌ، ومَن سنَّ في الإسلامِ سنةً سيئةً، فعُمِلَ بها بعدَهُ، كُتِبَ عليه مثلُ وزرِ مَن عملَ بها، ولا ينقصُ مِن أوزارِهم شيءٌ" مسلم.

      ـ العلماء العاملون هم المرجعية الذين يرجع إليهم الناس عند ورود الشبهات، وحدوث النوازل .. وفيما يحتاجون إليه من شؤون دينهم.

     قال تعالى:) فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ(النحل:43.

      وقال تعالى: )وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ[[922]](النساء:83.  

      وقال تعالى: )وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ(التوبة:122.  

     وقال تعالى: )هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ[[923]] يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ(آل عمران:7.

      وقال تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ([[924]]النساء:59.

      عن جابر، قال: خرجنا في سفرٍ، فأصابَ رجلاً منَّا حجرٌ فشجَّه في رأسِه، ثم احتلمَ، فسألَ أصحابَه، فقال: هل تجدون لي رخصةً في التيمُّمِ؟ فقالوا: ما نجد لك رخصةً وأنتَ تقدرُ على الماء، فماتَ!

      فلما قدِمنا على النبيِّ r أُخبِرَ بذلك، فقال: "قتَلوهُ قتَلَهمُ الله، ألا سألوا إذْ لم يعلَموا، فإنما شِفَاءُ العيِّ السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمَّم"[[925]].

      وعن ابن عباس مرفوعاً: "البَركَةُ مع أكابِركُم"[[926]].

     ـ فيمن يطلب العلمَ ـ مما يُبتغى به وجه الله تعالى ـ لغير الله   Uابتغاءَ عَرَضٍ من الدنيا، أو للمماراةِ والمباهاة، أو حتى يَصرفَ إليه وجوه الناس، أو لكي يُقال عنه عالم، أو لأي غرَضٍ آخر من أغراض الدنيا!

     قال تعالى: )فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً(الكهف:110.

     عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله r: "من تعلَّمَ عِلماً مما يُبتغَى به وجهُ الله، لا يتعلَّمهُ إلا ليُصيبَ به عَرَضاً من الدنيا، لم يجدْ عَرْفَ الجنَّة يومَ القيامة". يعني ريحها[[927]].

      وعن جابر، قال: قال رسولُ الله r: "لا تعلَّموا العِلمَ لِتُباهوا به العُلماء، أو تماروا به السُّفهاء، ولا تخيَّروا به المجالسَ[[928]]، فمن فعلَ ذلك فالنَّارُ النار"[[929]].

      وعن كعب بن مالك، قال: سمعتُ رسولَ الله r يقول: "من ابتغى العِلْمَ ليُباهي به العلماءَ، أو يماري به السُّفهاء[[930]]، أو تُقبل أفئدةُ الناس إليه، فإلى النار"[[931]].

      وعن ابن عمر، عن النبيِّ r قال: "من طلبَ العلمَ ليُباهي به العلماءَ، ويُماري به السفهاءَ، أو ليَصرَف وجوهَ الناسِ إليه، فهو في النار"[[932]].

      ومما جاء في الحديث الذي يرويه أبو هريرة، عن النبي r: "ورجلٌ تعلَّمَ العلمَ وعلَّمَه، وقرأَ القُرآن، فأتي به فعرَّفه نِعمَه، فعَرَفها قال: فما عملتَ فيها؟ قال: تعلَّمتُ العلمَ وعلَّمتُه، وقرأتُ فيكَ القرآن، قال: كذَبْتَ، ولكنَّك تعلمت ليُقَالَ: عالِمٌ، وقرأتَ القرآنَ ليُقال: هو قارئٌ، فقد قِيل، ثم أُمِرَ به فسُحِبَ على وجهه حتى أُلقي في النار" مسلم.

      وعن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله r: "يَظهرُ الإسلامُ حتى تختلِفَ التُّجارُ في البحرِ، وحتى تخوضُ الخيلُ في سبيلِ الله، ثم يَظهر قومٌ يقرؤون القرآن، يقولون: من أقرأُ منَّا؟ من أفقهُ منَّا[[933]]؟"، ثم قال لأصحابه: "هل في أولئكَ من خيرٍ؟" قالوا: اللهُ ورسولُه أعلم. قال: "أولئك منكم من هذه الأمة، وأولئكَ هم وقودُ النار"[[934]].

      وعن أبن عباس، عن رسولِ الله r قال: "ليأتيَنَّ على الناس زمانٌ يتعلمونَ فيه القرآنَ؛ يتعلمونه ويقرؤونه، ثم يقولون: قد قرأنا وعَلِمْنا، فمن ذا الذي هو خيرٌ منَّا؟! فهل في أولئِكَ من خير؟". قالوا: يا رسولَ الله مَن أولئك؟ قال: "أولئك منكم، وأولئك هم وقودُ النار"[[935]].

      وعن عُبادة بن الصامت، قال: عَلَّمتُ ناساً من أهلِ الصُّفَّةِ الكتابَ والقُرآن، فأهدَى إليَّ رجلٌ منهم قَوسَاً. فقلت: ليست بمالٍ، وأرمي عنها في سبيلِ الله U، لآتينَّ رسولَ الله rفلأسألَنَّه فأتيتُه، فقلتُ: يا رسولَ الله! رجلٌ أهدَى إليَّ قَوسَاً مِمَّن كنتُ أُعَلِّمُه الكتابَ والقرآنَ، وليسَت بمالٍ، وأرمي عنها في سبيل الله، قال: "إن كنتَ تحبُّ أن تُطوَّقَ طَوقاً مِن نارٍ، فاقبلها" فقلت: ما ترى فيها يا رسولَ الله؟ فقال: "جَمرَةٌ بين كتفيك تقلَّدتَها أو تَعلَّقتها[[936]]"[[937]].

      وعن أبي سعيد الخدري، أنه سمع النبيَّ r يقول: "تعَلَّموا القرآنَ، وسَلُوا الله به الجنَّة قبلَ أن يتعلَّمَهُ قومٌ يسألونَ به الدنيا؛ فإنَّ القرآن يتعلَّمهُ ثلاثةٌ: رجلٌ يُباهي به، ورجلٌ يستأكلُ به، ورجلٌ يَقرأهُ لله"[[938]].

      وعن عمران بن حُصين قال: سمعتُ رسولَ الله r يقول: "مَن قرأَ القرآنَ فليسأل الله به؛ فإنه سيجيءُ أقوامٌ يقرؤون القرآنَ يسألون به الناسَ"[[939]].                                        

      وعن ابن مسعود t، قال: كيف أنتم إذا لبستكُم فتنةٌ يَهرَمُ فيها الكبيرُ، ويَربُوا فيها الصغيرُ، ويَتَّخِذُها الناسُ سُنَّةً، إذا تُرِكَ منها شيءٌ، قيل: تُرِكَت السُّنَّة؟! قالوا: ومتى ذاكَ؟ قال: إذا ذهبَ علماؤكم، وكَثُرَت قُرَّاؤكم، وقَلَّت فقهاؤكم، وكَثُرَت أُمراؤكم، وقَلَّت أُمناؤكم، والتُمِست الدنيا بعملِ الآخرة، وتُفِقِّه لغيرِ الدين"[[940]].

      ـ يجبُ على العالمِ أن يُوافِقَ قولُه فِعلَهُ؛ لأنَّه قُدوةٌ لمن بَعدَه، وهو أدعى لوضعِ القبولِ له في الأرض وفي السماء.

     وقال تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ *كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ(الصف:3.

      عن أسامة بن زيد، قال: سمعت رسول الله r يقول: "يُجَاءُ برجلٍ فيُطرَحُ في النار، فيطحنُ فيها كما يَطحنُ الحمارُ برحاه، فيطيفُ بهِ أهلُ النار، فيقولون: أي فلان، ألستَ كنتَ تأمرُ بالمعروف وتَنهى عن المنكر؟ فيقول: إنِّي كنتُ آمرُ بالمعروفِ ولا أفعلُه، وأنهى عن المنكرِ وأفعَلُه!" البخاري.

      وعنه، قال: سمعت النبيَّ r يقول: "مَررتُ ليلة أُسرِي بي بأقوامٍ تُقرَضُ شِفاهُهم بمقاريضَ من نار، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: خُطباءُ أمَّتِكَ الذين يقولونَ مالا يفعلون" متفق عليه.

      وعن أبي برزَةَ الأسلمي، قال: قال رسول الله r: "لا تَزولُ قدما عبدٍ يومَ القيامة حتى يُسألَ عن عمره فِيمَ أفناه، وعن علمهِ فيمَ فعلَ فيه، وعن مالِه من أين اكتسبَهُ وفيم أنفَقَه؟ وعن جِسمِه فيمَ أبلاه"[[941]].

      وعنه، قال: قال رسول الله r: "مثلُ الذي يُعَلِّمُ الناسَ الخيرَ وينسى نفسَهُ، مثلُ الفَتِيلَةِ تُضيءُ على الناسِ وتحرقُ نفسَها"[[942]].

      وكان أبو الدرداء t  يقول: إنَّما أخشى من ربي يومَ القيامة أن يدعوني على رؤوسِ الخلائق، فيقول لي: يا عُويمر! فأقول: لبيك ربِّ. فيقول: ما عملتَ فيما علِمتَ؟[[943]].

      وعن عمران بن حصين، قال: قال رسول الله r: "إن أخوفَ ما أخافُ على أُمتي كلُّ منافقٍ عليمِ اللسان"[[944]].

      ـ كما يجبُ عليه أن لا يَكتُمَ الناسَ علماً يعلَمُهُ[[945]].

     قال تعالى: )إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ(البقرة:175.

      وقال تعالى: ) إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (البقرة:159-160.  

     عن أبي هريرة،، عن النبي r قال: "ما من رجلٍ يحفظُ علماً فيَكتُمَهُ، إلا أُتِيَ به يومَ القيامة مُلجَمَاً بلجامٍ من النَّار"[[946]].

      وعنه، قال: قال رسولُ الله r: "من سُئِلَ عن عِلمٍ يَعلَمُه فكَتَمَهُ، أُلِجمَ يومَ القيامة بلجامٍ من نار"[[947]].

      وعن ابن مسعود، قال: قال رسولُ الله r: "أيُّما رجلٍ آتاهُ اللهُ عِلماً فكتمَهُ، ألجمَهُ اللهُ يومَ القيامَةِ بلجامٍ من نار"[[948]].  

      وعن أبي هريرة، أن رسول الله r قال: "مثَلُ الذي يتعلّمُ العِلمَ ثم لا يُحدِّثُ به، كمثلِ الذي يَكنزُ الكنزَ ثم لا يُنفِقُ منه"[[949]].

      وعن ابن عمر، عن النبي r قال: "عِلمٌ لا يُقالُ به ككنزٍ لا يُنفَقُ منه"[[950]].

      ـ كما ينبغي عليه أن يرحِّبَ بطالبِ العلم السائل عن أمر دينه، ويتواضعَ له، ويُقبِلَ عليه ما استطاع.

     عن صفوان بن عسال المرادي، قال: أتيتُ النبيَّ r وهو في المسجدِ متكئٌ على بُردةٍ له أحمرَ، فقلتُ له: يا رسولَ الله! إني جئتُ أطلبُ العلمَ. فقال: "مرحباً بطالبِ العلم"[[951]].

      وعن أبي سعيد الخدري، عن رسولِ الله r قال: "سيأتيكُم أقوامٌ يَطلبون العلمَ، فإذا رأيتموهُم فقولوا لهم: مرحباً بوصية رسولِ الله r، وأقنُوهم"[[952]]. أي وعلِّموهم. 

      وعن أبي رفاعة، قال: انتهيتُ إلى رسولِ الله r وهو يخطبُ، فقلتُ يا رسولَ الله! رجل غريبٌ جاءَ يسأل عن دينِه، لا يدري ما دينَهُ؟ فأقبلَ رسولُ الله r، وترَك خُطبتَهُ حتى انتهى إليَّ، فأُتي بكرسيٍّ خِلْتُ قوائِمَه حديداً، فقعدَ عليه رسولُ الله r: "فجعلَ يُعلِّمني مما علَّمه الله، ثم أتى خُطبتَهُ فأتمَّها[[953]]".

      ـ كما ينبغي عليه أن يُراعي الأهم فالأهم في تعليمه الناس شؤون دينهم، وأهم العلوم وأجلها التي ينبغي أن يُعطيها اهتمامَه علم التوحيد .. فالتوحيد هو الأساس الذي يُبنى عليه .. إذْ من دونه لا يتماسك بنيان، ولا يُقبَل عمل .. لذا كان النبي r لا يقبل من الناس عملاً إلا بعد أن يُجيبوه أولاً إلى التوحيد.

     عن ابن عباسٍ، أن رسولَ اللهِ r لما بعَث مُعاذاً على اليمن، قال: "إنَّك تَقدُمُ على قومٍ أهلَ كتابٍ، فليكُن أوَّلَ ما تدعوهُم إليه عبادَةُ اللهِ[[954]] فإذا عرَفُوا الله[[955]]، فأخبرهُم أنَّ الله قد  فرَضَ عليهم خمس صلواتٍ في يومِهم وليلَتِهم، فإذا فعلُوا فأخبرهُم أنَّ اللهَ فرضَ عليهم زكاةً من أموالهم وتُردُّ على فُقرائهم، فإذا أطاعوا بها فخذ منهم وتوَقَّ[[956]] كرائِمَ أموالِ الناس[[957]]" متفق عليه.

      وعن جندب بن عبد الله، قال: كنا معَ النبي r ونحن فتيانٌ، فتعلَّمنا الإيمان قبل أن نتعلَّمَ القُرآنَ، ثم تعلمنا القرآنَ فازدَدْنا به إيماناً[[958]].

      ـ كما ينبغي عليه أن يتخوَّلَ الناسَ في النُّصح؛ حتى لا يُمِلّهُم[[959]ويراعي الزمانَ والمكان المناسبين للوعظِ والتبيلغ.

     عن شقيق، كان عبدُ الله بن مسعود يُذكِّرُ الناسَ في كل خميسٍ، فقال له رجلٌ: يا أبا عبد الرحمن! لوددتُ أنَّك ذكَّرتنا في كلِّ يومٍ. قال: أما إنَّه يمنعني من ذلك أني أكره أن أُمِلَّكُم، وإني أتخوَّلكُم[[960]] بالموعظةِ كما كان رسول الله r يتخوَّلَنا بها مخافةَ السآمةِ علينا[[961]].

      وعن عكرمة، أنَّ ابنَ عباس قال: حدِّثِ الناسَ كُلَّ جمعةٍ مرَّةً، فإن أبيت فمرَّتين، فإن أكثرتَ فثلاثَ مرَّاتٍ، ولا تُمِلَّ النَّاسَ هذا القرآنَ، ولا أُلفِيَنَّكَ تأتي القومَ وهم في حديثٍ من حديثهم فتقصُّ عليهم فتقطعُ عليهم حديثَهم فتُمِلَّهُم، ولكن أنصتْ، فإذا أمروكَ فحدِّثهم وهم يشتهونَه، وانظر السَّجْعَ من الدعاءِ فاجتنبهُ، فإنِّي عهدتُ رسولَ الله r وأصحابَهُ لا يفعلون ذلك[[962]].

      ـ كما ينبغي على العالم ـ عندما يفتي ويدعو الآخرين ـ أن يراعي عقول الناس وطبائعهم، ومستوياتهم، فيبشر ولا يُنفِّر .. كما يجب عليه أن يجتنب التشدد والغلو في الدين، ويجنح للرفق والتيسير ما أمكن ذلك شرعاً.

     قال تعالى: )وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ(آل عمران:159.

      وعن أبي موسى، قال: قال رسولُ الله r: "ادعوا النَّاس، وبَشِّروا ولا تُنفِّروا، ويَسِّروا ولا تُعَسِّرُوا" مسلم.

      وعن ابن عباس، قال: قال رسولُ الله r: "عَلِّموا، ويَسِّرُوا ولا تُعَسِّروا، وبَشِّروُا ولا تُنَفِّروا، وإذا غَضِبَ أحدُكم فليَسْكُت"[[963]].     

      وعن عائشة، أنها قالت: "ما خُيِّرَ رسولُ الله r بين أمرين إلا أخذَ أيسرَهُما، ما لم يكُن إثماً كان أبعدَ الناسِ منه[[964]]، وما انتقم رسولُ الله r لنفسِه، إلا أن تُنتَهك حرمَةُ اللهِ فينتقمُ لله بها" متفق عليه.

      وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله r: "إيَّاكُم والغُلُو في الدين[[965]]، فإنما هلَكَ من كان قبلكُم بالغلوِّ في الدين"[[966]].

      وعن أبي هريرة، عن النبيِّ r قال: "إنَّ الدينَ يُسْرٌ، ولن يُشَادَّ الدينَ أحدٌ إلا غَلبَه" البخاري[[967]].

      وعن بريدة الأسلمي، قال: قالَ رسولُ الله r: "عليكُم هدياً قاصِداً[[968]]، فإنَّهُ من يُغالِب هذا الدينَ يغلُبُه"[[969]].

      وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله r: "إنَّ اللهَ رفيقٌ يُحبُّ الرِّفقَ في الأمرِ كُلِّه" البخاري.

      وعنها، قالت: قال رسول ُ الله r: "إنَّ اللهَ رفيقٌ يُحبُّ الرِّفقَ، ويُعطِي على الرفقِ ما لا يُعطي على العنفِ، ومَا لا يُعطي على ما سواهُ" مسلم.

      وعنها، قالت: قال رسولُ الله r: "إنَّ الرِّفقَ لا يكونُ في شيءٍ إلا زانَهُ، ولا يُنزَعُ من شيءٍ إلا شانَه [[970]]" مسلم.

      وعن جرير بن عبد الله قال: قال رسولُ الله r: "مَن يُحرَمِ الرِّفقَ يُحْرَمِ الخيرَ" مسلم. 

         وعن معاوية بن الحكم، قال: بينما أنا أُصلِّي مع رسولِ الله r، إذ عَطَس رجلٌ من القوم، فقلت: يرحمُكَ اللهُ، فرماني القومُ بأبصارهم، فقلت: واثكل أمياه[[971]] ما شأنُكم تنظرون إلي؟! فجَعلُوا يَضربون بأيدِيهم على أَفخاذِهم فلمَّا رأيتهم يُصمِّتُونَني[[972]]، لكنِّي سكَتُّ، فلمَّا صلَّى رسولُ الله r ـ فبأبي هو وأمِّي، ما رأيتُ معلِّماً قبلَه ولا بعدَه أحسن تعليماً منه ـ فوالله ما كهَرَني، ولا ضَرَبني، ولا شَتَمني، ثم قال: "إن هذه الصلاةَ لا يصلُحُ فيها شيءٌ من كلامِ النَّاس، إنما هو التَّسبيحُ والتكبيرُ وقراءةُ القرآن" مسلم.

      وعن أنس بن مالك، قال: بينما نحنُ في المسجدِ مع رسولِ الله r إذ جاءَ أَعرابي، فقامَ يبولُ في المسجِدِ، فقال أصحاب رسول الله r: مَهْ مه! قال : قال رسولُ الله r: "لا تُزْرِمُوه، دَعُوه"، فتركُوه حتى بالَ. ثم إنَّ رسولَ الله r دعاهُ فقال له: "إنَّ هذهِ المسَاجِدَ لا تَصلُحُ لشيءٍ من هذا البولِ والقذَر، إنما هي لذكرِ اللهِ U، والصلاةِ، وقراءةِ القُرآن". قال فأمرَ رجلاً من القوم، فجاءَ بدلوٍ من مَاءٍ، فشَنَّه عليه. مسلم.

      وفي رواية عن أبي هريرة، قال: قام أعرابي فبال في المسجد! فتناوله الناس[[973]]فقال لهم رسولُ الله r: "دَعُوه وأهرِيقُوا على بولِه دَلْواً مِن ماءٍ، فإنَّما بُعِثتُم مُيَسِّرين، ولم تُبعَثوا مُعَسِّرين"[[974]].  

      وعنه، أنَّ رجلاً سأل النبي r عن المباشرَةِ للصائِمِ، فرَخَّصَ له، وأتاهُ آخرُ فنهاهُ؛ فإذا الذي رخَّص له شيخٌ، والذي نهاهُ شابٌّ[[975]].

      وعن علي بن أبي طالب t، قال: "حَدِّثوا النَّاسَ بما يَعرِفُون أتحبونَ أن يُكَذَّبَ اللهُ ورسولُه" البخاري.

 

      ـ كما ينبغي عليه أن يصدع بالحق، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ولا يخشى في الله لومة لائم؛ فإذا العالم تَرخَّصَ لنفسه وأخذَ بالتقيَّةِ، واحتجَبَ، فمتى يَظهرُ الحقُّ للناس..؟!

      عن حذيفة بن اليمان، عن النبي r قال: "والذي نفسي بيدِه لتأمُرُنَّ بالمعروفِ ولتَنْهونَّ عن المنكرِ، وليوشِكَنَّ الله أن يبعثَ عليكم عِقاباً منه؛ فتدعونَه فلا يَستجيبَ لكُم"[[976]].

      وعن طارق بن شهاب، قال: سمعتُ رسولَ الله r يقول: "من رأى منكم مُنكراً فليغيرْهُ بيدِه، فإن لم يستطِعُ فبلسانِه، فإن لم يَستطِع فبقلبِه وذلك أضعفُ الإيمان" مسلم.

      وعن أبي سعيد الخدري، عن النبي r قال: "لا يمنعنَّ رجلاً  هيبةُ الناسِ أنْ يقولَ بحقٍّ إذا عَلِمَهُ؛ فإنَّه لا يُقرِّبُ من أجلٍ ولا يُبعدُ من رِزْقٍ"[[977]].

      وعن عبادة بن الصامت، قال: "بايعَنَا رسولُ الله على أن نقولَ بالحقِّ أينما كُنَّا لا نخافُ في اللهِ لومةَ لائم" متفق عليه.

      وعن جابر، عن النبيِّ r قال: "سيِّدُ الشُّهداء حمزةُ بنُ عبدِ المطلب، ورجلٌ قامَ إلى إمامٍ جائرٍ فأمرَه ونهاهُ فقتَلَهُ"[[978]].               

      وعن أبي سعيد، قال: قال رسول الله r: "أفضلُ الجهادِ كلمةُ حقٍّ عندَ سُلطانٍ جائرٍ"[[979]].

      وعن أبي أُمامة، قال: قالَ رسولُ الله r: "أحبُّ الجهادِ إلى اللهِ، كلمةُ حقٍّ تُقالُ لإمامٍ جائرٍ"[[980]].

      وعن قيس، قال: قال أبو بكرٍ بعد أن حمد الله وأثنى عليه: يا أيُّها الناسُ، إنَّكم تَقرأون هذه الآية، وتضعونَها على غيرِ موضعها: )عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ(، وإنَّا سمعنا النبي r يقول: "إن النَّاس إذا رأَوا الظالمَ فلم يأخذوا على يدَيْهِ أوشَكَ أن يَعُمَّهم اللهُ بعقابٍ". وإني سمعتُ رسولَ الله r يقول: "ما مِن قومٍ يُعمَلُ فيهم بالمعاصي، ثمَّ يَقدرون على أن يُغيروا، ثم لا يُغيِّرُوا، إلا يوشَكُ أن يعمَّهُم اللهُ منه بعقابٍ"[[981]].

      وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله r: "لا يَحْقِرَنَّ أحدُكم نَفسَه" قالوا: يا رسولَ الله كيف يَحقِرُ أحدُنَا نَفْسَه؟ قال: "يَرى أمراً للهِ عليه مقالاً، ثمَّ لا يَقولُ فيه، فيقولُ اللهُ U يومَ القيامة: ما منعَكَ أن تقولَ فيَّ كَذا وكذا؟ فيقول: خشيةَ النَّاسِ. فيقولُ: فإيَّايَ كُنتَ أحقَّ أن تخشَى"[[982]].          

      ـ للعالمِ حَقٌّ على الناسِ؛ أن يُوقِّرُوه، ويحترموه ويُكرِموه .. من غير غلوٍّ ولا مُجافاة .. وأن يُقَدِّموه في الحديث والمشورة عن غيره. 

     عن عبادة بن الصامت، أنَّ رسولَ اللهِ r قال: "ليسَ مِن أُمتي مَنْ لم يُجِلَّ كبيرَنا، ويرحَم صَغِيرَنا، ويَعرِف لعالِمنا"[[983]].

      وعن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسولُ الله r: "إنَّ من إجلالِ اللهِ إكرامَ ذي

الشَّيبَةِ المسلم، وحاملِ القرآنِ غيرِ الغَالي فيه والجَّافي عنه، وإكرامَ ذي السلطانِ المُقْسِط"[[984]].

      وعن ابن عمر، قال: قال رسولُ الله r: "ليسَ مِنَّا مَن لم يَرحمْ صغيرَنا، ويَعرِف حقَّ كبيرنا"[[985]].

      وعن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله r: "إنَّ اللهَ تعالى قال: مَن عادى لي وليَّاً[[986]]فقد آذنتُهُ بالحرب" البخاري.

      وعن عائشة، قالت: قال النبي r: "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم"[[987]].

      وعن ابن عمر، عن النبيِّ r: "أمرَني جبريلُ أن أُقدِّمَ الأكابِرَ"[[988]].

      وعن جابرٍ أنَّ النبيَّ r كان يجمعُ بين الرجلين من قتلى أحدٍ ـ يعني في القبر ـ ثم يقول: "أيهما أكثرُ أخذاً للقرآن؟ فإذا أُشيرَ إلى أحدِهما، قدَّمَه في اللحدِ" البخاري.

      وعن عبد الله بن مسعود، عن النبي r قال: "لِيَلِيَنِي منكُم أُولُو الأحلامِ والنُّهى، ثمَّ الذين يَلونَهم، ثم الذين يلونهم، ولا تختلفُوا فتختلفَ قُلوبُكُم، وإيَّاكم وهَيْشَاتِ الأسواق"[[989]].

      قال أبو عيسى الترمذي: وقد روي عن النبي r: أنه كان يُعجبُه r أن يَليَهُ المهاجرون والأنصار؛ ليحفَظوا عنه.

      قال الشَّعْبي: صلَّى زيدٌ بن ثابت على جنازةٍ، فقُرِّبَت إليه بغلتُه ليركَبها، فجاء ابن عباس، فأخذَ بركابِه، فقال زيد: خلِّ عنه يا ابنَ عمِّ رسولِ الله r، فقال ابنُ عباس: هكذا أُمِرنا أن نفعلَ بالعلماءِ والكُبراء، فقبَّل زيد بن ثابت يدَه، وقال: هكذا أُمِرنا أن نفعَلَ بأهلِ بيتِ نبينا r[[990]].

 

      نسألُ الله تعالى عِلماً نافعاً، وعملاً خالصاً مُتقبَّلاً، وقلباً خاشِعاً أيَّاباً للحق، ولساناً ذاكراً .. وأن يجعلنا ممن يعرفون للعلماء حقَّهم وقدرهم .. ومن غير إفراطٍ ولا تفريط ..  اللهمَّ آمين.

وصلى الله على محمد النبيِّ الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم.

 

* * * * *

     قال تعالى: )وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً(الإنسان:8.

      وقال تعالى: )وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ( هود:69[[991]].

      وقال تعالى: ) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ (  الذاريات:24-27

      عن أبي هريرة، عن النبيِّ r: "كان أوَّلَ من ضيَّفَ الضيفَ إبراهيمُ، وهو أولُ من اختَتَنَ على رأسِ ثمانينَ سنةٍ، واختتن بالقدُّومِ"[[992]].

      ـ فضلُ إكرامِ الضيفِ[[993]].

      عن أبي هريرة، أنَّ رجلاً أتى النبَّي r، فبعثَ إلى نسائه، فقلْنَ ما معَنا إلا الماءُ! فقال رسول الله r: "من يَضمُّ أو يُضِيفُ هذا؟" فقال رجلٌ من الأنصار: أنا، فانطلقَ به إلى امرأتِه، قال: أكرمي ضيفَ رسولِ الله r، فقالت: ما عندنا إلا قوتُ صبياني، فقال: هيِّئي طعامَكِ، وأصبحي سِراجَكِ، ونوِّمي صبيانَك إذا أرادوا عَشاءً، فهيَّأت طعامَها، وأصبحَتْ سِراجَها، ونوَّمَت صبيانها، ثم قامت كأنها تُصلح سراجَها فأطفأَته[[994]]،فجعَلا يُريانِه أنهما يأكلان فباتا طاويين[[995]]، فلما أصبحَ غدا إلى رسولِ الله r، فقال: "ضَحكَ اللهُ الليلةَ أو عَجِبَ من فِعَالِكُما". فأنزل الله U:) وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ( الحشر:9[[996]].

      وعن سعد بن أبي وقاص، قال: قال رسولُ الله r: "إن اللهَ كريم يحبُّ الكُرمَاء، جَوادٌ يحبُّ الجوَدَةَ، يحبُّ معالي الأخلاقِ ويكره سَفْسَافَها"[[997]].

      وعن صُهيب، قال: سمعتُ الرسولَ r يقول: "خيارُكم من أطعمَ الطعامَ"[[998]].

      ومن حديثٍ أبي شريحٍ، أنَّ رسولَ اللهِ r قال: "من كان يُؤمنُ بالله واليومِ الآخر فليُكرِم ضيفَه" متفق عليه.

      وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أنَّ رجلاً سأل النبيَّ r أي الإسلام خير؟ قال r: "تُطعمُ الطعامَ، وتقرأ السلامَ على من عرَفْتَ وعلى من لم تَعرِف" البخاري.

         وعنه، قال: قال رسول الله r: "اعبدوا الرحمن، وأطعموا الطعامَ، وأفشُوا السلامَ، تدخلوا الجنَّة بسلام"[[999]].

      وعن عليٍّ t قال: قال رسولُ الله r: "إنَّ في الجنَّةِ غُرَفاً تُرَى ظُهُورُها من بطُونِها، وبطُونُها من ظُهُورِها". فقام أعرابيٌّ فقال: لمن هي يا رسولَ الله؟ فقال: "لمن أطَابَ الكلامَ، وأطعمَ الطعامَ، وأدامَ الصيامَ، وصلَّى بالليل والنَّاسُ نيامٌ"[[1000]].

      وعن يزيد ابن المقدام بن شريح بن هاني، عن المقدام عن أبيه، عن هاني: أنه لما وفدَ على رسولِ الله r قال: يا رسولَ الله أيُّ شيءٍ يوجبُ الجنَّةَ؟ قال r: "عليكَ بحُسْنِ الكلامِ، وبذلِ الطعامِ"[[1001]].

      ـ ذَمُّ البُخلِ ومَن لا يُضيف.

      وعن عُقبة بن عامر، عن النبي r قال: "لا خيرَ فيمن لا يُضِيف"[[1002]].

      وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله r: "شَرُّ ما في الرجلِ شِحٌّ هالِعٌ، وجُبنٌ خالِعٌ"[[1003]].

      وعن عبد الله بن عمرو، قال: خطبَ رسولُ الله r فقال: "إيَّاكُم والشُّحُّ فإنما هلَكَ من كان قبلكُم بالشُّحِّ: أمرَهُم بالبُخلِ فبَخِلُوا، وأمرهُم بالقطِيعة فقطَعُوا، وأمرَهُم بالفجورِ ففجَروا"[[1004]].

      وعن أبي هريرة t قال: قال رسولُ الله r: "إيَّاكُم والشُّحَّ، فإنَّه دعا مَن كان قبلَكُم فسَفَكُوا دِماءَهم، ودعا من كان قبلَكُم فقَطَّعوا أرحامَهم، ودعا من كان قبلَكُم فاستحَلُّوا حُرُماتِهم"[[1005]].

      وعن عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله r: "صلاحُ أوَّلِ هذه الأمة بالزُّهدِ واليقين، ويَهلِكُ آخِرُها بالبُخل والأمَل"[[1006]].

      وعن أبي هريرة t قال: قال رسولُ الله r: "لا يجتمعُ غبارٌ في سبيل الله ودُخانُ جهنَّم في جوفِ عبدٍ أبداً، ولا يجتمعُ شُحٌّ وإيمانٌ في قلبِ عبدٍ أبداً"[[1007]].

      وفي رواية: "لا يجمعُ الله في قلبِ امرئٍ مسلمٍ الإيمانَ، والشُّحَّ جميعاً"[[1008]].

      وعن أبي سعيد الخدري t قال: قال رسول الله r: "خصلتان لا تجتمعان في مؤمن: البُخلُ، وسوءُ الخلُقِ"[[1009]].

      وعن أبي هريرة أن رسول الله r قال: "اجتنبوا السَّبعَ الموبقات"، قيل: يا رسولَ الله ما هي؟ قال: "الشِّركُ بالله، والشُّحُّ، وقَتلُ النَفسِ، التي حَرَّمَ الله إلا بالحق، وأَكلُ الرِّبا، وَأَكلُ مَالِ اليَتيمِ، والتَوَلِّي يَومَ الزَّحفِ، وقَذفُ المُحصَناتِ الغافلات المُؤمناتِ"[[1010]]. 

      قال أبو بكرٍ الصديق t: "وأي داءٍ أدوأُ من البخل، قالها ثلاثاً" البخاري.

         دخلت امرأةٌ على عائشةَ قد شُلَّت يدُها فقالت: يا أمَّ المؤمنين، بتُّ البارحةَ صحيحةَ اليدِ فأصبَحَت شلاَّء! قالت عائشة: وما ذاك؟ قالت: كان لي أبَوان موسِران، كان أبي يُعطي الزكاة ويُقرِي الضيف ويُعطي السائلَ ولا يحقرَ من الخير شيئاً إلا فعلَه، وكانت أمي امرأةً بخيلةً مُمسِكةً، لا تصنعُ في مالها خيراً، فمات أبي ثم ماتت أمي بعده بشهرين، فرأيتُ البارِحةَ في منامي أبي وعليه ثوبان أصفران، بين يديه نهرٌ جارٍ، قلت : يا أبَه ما هذا؟ قال: يا بنية من يعمل في هذه الدنيا خيراً يره، هذا أعطانيه الله تعالى. قلت: فما فعلت أمي؟ قال: وقد ماتت أمك؟ قلت: نعم، قال: هيهات! عدلت عنا، فاذهبي فالتمسيها ذاتَ الشمال، فملتُ عن شمالي، فإذا أنا بأمي قائمة عريانة متزرة بخرقةٍ، بيدها شُحيمة تنادي: والهفاه، واحسرتاه، واعطَشَاه. فإذا بلغها الجهد دلكت تلك الشحيمة براحتها ثم لحستها، وإذا بين يديها نهرٌ جارٍ، قلت: يا أُمَّاه ما لك تنادين العطشَ، وبين يديك نهرٌ جار؟! قالت: لا أُترَكُ أن أَشربَ منه. قلت: أفلا أسقيك؟ قالت: وددتُ أنَّك فعلتِ، فغرفتُ لها غُرفةً فسقيتها، فلما شربت نادى منادٍ من ذات اليمين: ألا من سقى هذه المرأة شُلَّت يمينه ـ مرتين ـ فأصبحتُ شلاَّء اليمين، لا أستطيع أن أعمل بيميني. قالت لها عائشة: وعرَفْتِ الخرقَة؟ قالت: نعم يا أمَّ المؤمنين، وهي التي رأيتها عليها، ما رأيت أمي تصدقت بشيء قط، إلا أن أبي نحرَ ذاتَ يومٍ ثوراً، فجاء سائلٌ فعمدت أمي إلى عظمٍ عليه شُحيمة فناولته إيَّاه، وما رأيتُها تصدَّقت بشيء إلا أنَّ سائلاً جاء يسأل، فعمدت أمي إلى خرقة فناولتها إياه!

      فكبَّرت عائشة رضي الله عنها وقالت: صدق الله وبلَّغ رسولُه r:) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ(الزلزلة:7-8.[[1011]].

      ـ حقُّ الضيفِ على من يَنزل في فنائه، أن يضيفَه ثلاثةَ أيامٍ، فما زاد عن ذلك فهو عليه صدقة.

     عن أبي شريح الخزاعي، قال: قال رسول الله r: "الضيافةُ ثلاثةُ أيامٍ، وجائزَتُه يومٌ وليلة[[1012]]، ولا يحلُّ لرجلٍ مسلم أن يقيم عند أخيه حتى يُؤثِمَهُ"، قالوا: يا رسول الله وكيف يُؤثِمُه؟ قال: "يقيم عنده ولا شيء له يقريه به" مسلم.

      وعنه، أن رسولَ الله r قال: "من كان يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فليُكرِم ضيفَه؛ جائزتُه يومٌ وليلةٌ، والضيافةُ ثلاثة أيامٍ، فما بعد ذلك فهو صَدقة، ولا يحلُّ له أن يَثويَ عنده حتى يُحَرِّجَه [[1013]]" متفق عليه.

      سئل مالك عن قول النبي r: "جائزته يوم وليلة". فقال: يُكرمه ويُتحِفُه ويحفظَه يوماً وليلة، وثلاثةُ أيامٍ ضيافة[[1014]].

      وعن أبي هريرة، أن النبي r قال: "الضيافَةُ ثلاثةُ أيامٍ فما سوى ذلك فهو صدقةٌ"[[1015]].

      وعنه، قال سمعتُ رسولَ الله r يقول: "للضيف على مَن نزَلَ به من الحقِّ ثلاثٌ، فما زادَ فهو صدقةٌ، وعلى الضيفِ أن يرتحِلَ؛ لا يؤثِّمَ أهلَ المنزِل"[[1016]].

      وعن أبي كريمة، قال: قال رسول الله r: "ليلةُ الضيفِ حقٌّ على كلِّ مسلم، فمن أصبحَ بفنائه، فهو عليه دَينٌ؛ إن شاءَ اقتضى، وإن شاء ترك"[[1017]].

      ـ فإن نزل بقومٍ بخلاء؛ منعوه حقَّه فلم يُضيفوه، فله أن يأخذَ حقَّه وكفايته بيده ولا حرج عليه، فإن عجَزَ عن تحصيل حقِّه بنفسه وجب على المسلمين نصره إلى أن يمكنوه من تحصيل حقه ممن نزل بفنائه.

      وعن أبي هريرة، أن النبي r قال: "أيما ضيفٍ نزلَ بقومٍ، فأصبحَ الضيفُ محروماً، فله أن يأخذَ بقدْرِ قِراه، ولا حرجَ عليه"[[1018]].

      وعن عقبة بن عامر، قال: قلنا يا رسول الله إنك تبعثُنا، فننزِلُ بقومٍ فلا يُقروننا[[1019]]، فما ترى؟ فقال لنا رسول الله r: "إن نزلتم بقومٍ فأمروا لكم بما ينبغي للضيفِ فاقبلوا، فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حقَّ الضيفِ الذي ينبغي لهم" متفق عليه.

      وعن المقداد بن مَعْدِ يكرِبَ الكِنْدِي t عن النبيِّ r قال: "أيُّما رجُلٍ أضافَ قوماً فأصبحَ الضيفُ محروماً، فإنَّ نصرَهُ حقٌّ على كلِّ مسلم حتى يأخذَ بِقِرَى ليلتِه من زرعِه ومالِه"[[1020]].      

       ـ ليس من واجب المُضِيف أن يتكلَّف لضيفِه مالا يَقدرُ عليه؛ فالإسلام نهى عن الحرج والتَّكَلُّفِ. 

     عن شقيق، قال: دخلت أنا وصاحبٌ لي على سَلمان t، فقرَّب إلينا خبزاً وملحاً، فقال: لولا أن رسولَ الله r نهانا عن التكلُّفِ لتكلَّفتُ لكم، فقال صاحبي: لو كان في ملحنا سَعْتَرُ[[1021]]، فبعثَ بمطهرَته إلى البقال فرهنَها، فجاءَ بِسَعْتَرٍ فألقاه فيه، فلما أكلنا، قال صاحبي: الحمد لله الذي قنعنا بما رزَقنا، فقال سلمان: لو قنعتَ بما رُزِقتَ لم تَكن مطهرَتي مرهونةٌ عند البقال[[1022]].

      وعنه، قال: قال رسول الله r: "لا يتكلَّفَنَّ أحدٌ لِضيفِه مالا يَقدِرُ عليه"[[1023]].

      وعن أم هانئ بنت أبي طالب قالت: دخل عليَّ رسولُ الله r فقال: "هلْ عندكُم شيء ؟"، فقلت: لا؛ إلا كِسَرٌ يابسةٌ وخَلٌّ، فقال النبي r: "قربيه فما أقفَرَ بيتٌ من أدْمٍ فيه خَلٌّ"[[1024]].

      وعن عائشة رضي الله عنها، عن النبي r قال: "نعمَ الإدَامُ الخلُّ" مسلم.

      وعن جابر بن عبد الله، قال: سمعتُ رسولَ الله r يقول: "طعامُ الواحد يكفي الاثنين، وطعامُ الاثنين يكفي الأربعةَ، وطعامُ الأربعةِ يكفي الثَّمانيةَ [[1025]]" مسلم.

      وعن عبدِ الله بن عُبَيد بن عَمِيرَةَ، قال: دخل على جابرٍ t نفرٌ من أصحابِ النبيِّ r فقدَّمَ إليهم خُبزاً وخَلاً، فقال: كلوا، فإني سمعتُ رسولَ الله r يقول: "نِعْمَ الإدامُ الخلُّ"، إنه هلاكٌ بالرجلِ أن يدخُلَ إليه النَّفرُ من إخوانه فيَحتقرَ ما في بيتِه أن يُقدِّمَهُ إليهم، وهلاكٌ بالقومِ أن يحتقروا ما قُدِّمَ إليهم"[[1026]].

      وعن أنس بن مالك t قال: دخَلَ عليه قومٌ يعودونَهُ في مرَضٍ له، فقال: يا جاريَةُ هلُمِّي لأصحابنا ولو كِسَراً، فإني سمعتُ رسولَ الله r يقول: "مَكارمُ الأخلاقِ من أعمالِ الجنَّة"[[1027]].

      ـ شَرُّ الطعامِ والولائم التي يُدعى إليها الأغنياء ويُمنَع عنها الفقراء والمساكين.

     عن أبي هريرة t قال: قال رسول الله r: "شرُّ الطعامِ طعامُ الوليمةِ؛ يُدعَى لها الأغنياء، ويُتركُ الفقراء، ومَن تركَ الدعوةَ فقد عصى اللهَ تعالى ورسولَه r" البخاري.

      وكان أبو هريرة t يقول: "بئسَ الطعامُ طعامُ الوليمةِ؛ يُدعى إليه الأغنياء ويُترَكُ المساكين" مسلم.

      وعنه، عن النبي r قال: "شرُّ الطعام طعامِ الوليمةِ؛ يُمنَعَها من يأتيها ويُدعى إليها مَن يأباها" مسلم.

      ـ وأحبُّ الطعام إلى الله تعالى الطعام الذي تكثر عليه الأيدي، فتجتمعُ ولا تتفرق.

      عن جابر بن عبد الله t قال: قال رسولُ الله r: "إنَّ أحبَّ الطعامِ إلى الله ما كَثُرَت عليه الأيدِي"[[1028]].

      وعن وحشي بن حربٍ، عن أبيه عن جده قال: قالوا يا رسولَ الله إنَّا نأكلُ ولا نشبَعُ؟ قال: "تجتمعون على طعامِكم أو تتفرقون؟". قالوا: نتفرَّقُ. قال: "اجتمعوا على طعامِكُم، واذكروا اسمَ الله؛ يُبارَكْ لكم فيه"[[1029]].

      وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسولُ الله r: "كلوا جميعاً ولا تَتفرَّقوا"[[1030]].

      ـ آدابٌ عامَّة تتعلَّقُ بالزيارةِ والضيافة ينبغي مراعاتها.

     عن عبد الله بن بُسْر صاحبِ النبيِّ r: "أنَّ النبيَّ r كان إذا أتى باباً يريدُ أن يستأذِنَ لم يستقبلْهُ؛ جاء يميناً وشمالاً؛ فإن أُذِنَ له وإلا انصرَفَ"[[1031]].

      وعن سَهْل بن سعْد: أن رجلاً اطَّلعَ من جحرٍ في باب النبيِّ r، ومع النبيِّ r مِدْرَى يحكُّ به رأسَه، فلما رآهُ النبيُّ r قال: "لو أعلمُ أنَّكَ تنظرُني لطعنتُ به عينَكَ، إنَّما جُعِلَ الإذنُ من أجلِ البصَرِ"[[1032]].

      وعن أبي هريرة، عن النبي r قال: "لو اطَّلَع رجلٌ في بيتِك، فخذفته بحصاةٍ، ففقأت عينَه، ما كان عليكَ جناح"[[1033]].

      وعن مسلم بن نُذَير قال: استأذَنَ رجلٌ على حُذيفة، فاطَّلَعَ وقال: أدخلُ؟! قال حذيفة: "أما عينُك فقد دخلت، وأما استُكَ فلم تدخل"[[1034]].

      وعن جابر قال: أتيتُ النبيَّ r في دَينٍ كان على أبي، فدقَقْتُ البابَ، فقالَ r: "مَن ذا؟"، فقلتُ: أنا، فقال r:"أنا، أنا؟!"، كأنه كرهه[[1035]].

      وعن ابن عباس قال: استأذنَ عمر على النبيِّ r فقال: السلام على رسول الله، السلام عليكم، أيَدخلُ عمر"[[1036]].

      وعن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله r: "إذا استأذَنَ أحدُكُم ثلاثاً فلم يؤذَن له؛ فليرجِعْ" متفق عليه.

      وفي رواية عند الترمذي: "الاستئذانُ ثلاثٌ؛ فإن أُذِن لك وإلا فارجِعْ"[[1037]].

      وعن مصعب بن شَيبَة، عن أبيه مرفوعاً: "إذا انتهى أحدُكم إلى المجلسِ فإن وُسِّعَ له فليجلِس، وإلا فلينظر أوسعَ مكانٍ يراهُ فليجلِس فيه"[[1038]].

      وعن أبي هريرة مرفوعاً: "إذا انتهى أحدُكم إلى المجلس؛ فليُسلِّم فإذا أرادَ أن يقومَ فيُسلِّم؛ فليسَت الأولى بأحقِّ من الآخرةِ"[[1039]].

      وعن أبي مسعود الأنصاري، قال: كان من الأنصار رجلٌ يُقالُ له أبو شُعَيب، وكان له غلامٌ لحَّامٌ، فقال: اصنَعْ لي طعاماً أدعو رسولَ الله r خامِسَ خمسةٍ، فدعا رسولَ الله r خامِسَ خمسةٍ فتبعَهُم رجلٌ، فقال النبيُّ r: "إنَّك دعوتَنا خامِسَ خمسةٍ، وهذا رجلٌ قد تَبِعَنا، فإن شئتَ أذِنتَ له وإن شِئتَ ترَكْتَهُ ؟"، قال: بل أذِنتُ له[[1040]]. متفق عليه.

      وعن ابن عمر قال: قال رسول الله r: "إذا زارَ أحدُكم أخاهُ فجَلسَ عندهُ، فلا يَقومَنَّ حتى يستأذِنَهُ"[[1041]].

      وعن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله r: "إذا قامَ أحدُكُم من مجلسِه ثمَّ رجَع إليه فهو أحقُّ به" مسلم.

      وعن أبي هريرة مرفوعاً: "لا يقومُ الرجلُ للرجلِ من مجلِسِه، ولكن أفسِحُوا يَفْسَحِ اللهُ لكُم"[[1042]].

      وعنه، أن رسول الله r قال: إذا كان ثلاثةٌ جميعاً فلا يتناجَ اثنانِ دونَ الثَّالِثِ"[[1043]].

      وعن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعاً: "نهَى أن يجلِسَ الرجُلُ بين الرَّجُلَينِ إلا بإذنهما"[[1044]].

      وعن سهل بن يعد قال: قال رسولُ الله r: "لا يجلس الرجلُ بين الرجلِ وابنهِ في المجلسِ"[[1045]].

      وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله r: "إذا دخلَ أحدُكُم على أخيه المسلم، فأطعَمَهُ من طعامِه فليأكُلْ ولا يَسألْهُ عنه، وإن سَقاهُ من شرابِه فليشْرَبْ من شرابِه ولا يَسأَلْهُ عنه"[[1046]].

      وعن أبي هريرة، قال: "ما عابَ رسولُ الله r طعاماً قط؛ إن رضيَه أكلَه، وإلا تركَه" متفق عليه.

      وعن ابن عمر قال: قال رسولُ الله r: "ثلاثةٌ لا تُرَدُّ: الوسائِدُ، والدُّهنُ، واللَّبَنُ"[[1047]].

      وعن جابر بن عبد الله، قال سمعتُ رسولَ الله r يقول: "غطُّوا الإناءَ، وأَوكُوا السِّقاءَ؛ فإنَّ في السَّنَةِ ليلةً ينزلُ فيها وباءٌ، لا يمرُّ بإناءٍ ليس عليه غطاءٌ، أو سِقاءٍ ليس عليه وِكَاءٌ، إلا نزَلَ من ذلك الوبَاء" مسلم[[1048]].

      عن عبيد الله بن علي بن أبي رافع، عن جدته سلمى، قالت: "كان r يَكرَه أن يُؤخَذَ من رأسِ الطعامِ"[[1049]].

      وعن ابن عباس مرفوعاً: "إن البركَةَ وسطُ القصعةِ؛ فكلوا من نواحِيها، ولا تأكلوا من رأسِها"[[1050]].

      وعن عمر بن أبي سلمة، قال: كنتُ غلاماً في حجرِ رسولِ الله r، كانت يدي تطيشُ في الصحفةِ، فقال لي رسولُ الله r: "يا غلام! إذا أكلتَ فقلْ: بسمِ اللهَ، وكُلْ بيمينِك، وكُلْ ممَّا يَليك"[[1051]].

      وعن أبي الدرداء قال: قال رسولُ الله r: "لا تأكُلْ مُتَّكِئاً"[[1052]].

      وعن عبد الله بن عمرو قال: "ما رُئيَ رسولُ الله r يأكُلُ مُتَّكِئاً قط، ولا يطَأُ عَقِبَهُ رجُلانِ"[[1053]].

      وعن ابن عمر، قال: "نهى r عن مَطعمَين: عن الجلوسِ على مائدةٍ يُشرَبُ عليها الخمرُ، وأن ياكلَ الرجلُ وهو منبطحٌ على بطنِه"[[1054]].

      وعن أنس بن مالك، أنَّ رسولَ اللهِ r أتِي بلبنٍ قد شِيبَ بماءٍ، وعن يمينه أعرابي، وعن شمالِه أبو بكرٍ، فشَرِبَ ثمَّ أعطى الأعرابيَّ، وقال: "الأيمَنُ فالأيمنُ ـ وفي طريق ـ: الأيمنون، الأيمنون، ألا فيمِّنوا" متفق عليه. وقوله" شِيبَ "؛ أي خُلِط ومُزِج.

      وعن أبي هريرة، أن النبيَّ r قال: "ليأكُلْ أحدُكم بيمينِه، وليَشرَبْ بيمينِه، وليأخُذْ بيمينه، وليُعْطِ بيمينهِ؛ فإنَّ الشيطانَ يأكلُ بشمالِه، ويَشرَبُ بشماله، ويُعطِي بشمالِه، ويأخذُ بشمالِه"[[1055]].

      وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله r: "إذا شَرِبَ أحدُكم فلا يتنفس في الإناء؛ فإذا أراد أن يعود؛ فليُنِح الإناءَ، ثم لِيَعُدْ إن كان يُريد"[[1056]].

      وعن أبي المثنى الجهني قال: "نهى r عن النفخِ في الشراب، فقال له رجلٌ: يا رسولَ الله إني لا أُروَى من نفَسٍ واحدٍ؟ فقال له رسولُ الله r: فأبِنِ القدَح عن فِيكَ، ثمَّ تنفَّس، قال: فإني أرى القذاةَ فيه؟ قال: فأهرِقها"[[1057]].

      وعن أنس بن مالك، قال: "كان r إذا شَرِبَ تنفَّس ثَلاثاً، وقال: هو أَهنَأ وأمرَأُ وأبرَأُ" مسلم.

      وعن ابن عمر، قال: تجشَّأ رجلٌ عندَ النبيِّ r، فقال: "كُفَّ عنَّا جُشاءَكَ؛ فإنَّ أكثرَهُم شَبعَاً في الدنيا أطولُهُم جوعاً يومَ القيامةِ"[[1058]].

      وعن أنس بن مالك، قال: "كان يُؤتَى بالتمرِ فيه دودٌ، فيُفتِّشه يُخرِجُ السُّوسَ منه"[[1059]].

      وعن عبد الله بن مسعود، قال: "من نسيَ أن يَذكرَ اللهَ في أوَّلِ طعامِه؛ فيقُل حين يذكرَ: بسمِ الله في أوَّلِه وآخِرِه؛ فإنَّه يستقبلُ طعاماً جديداً، ويمنعُ الخبيثَ ما كان يصيبُ منه"[[1060]]. 

      وعن أنس بن مالك، قال: قال رسولُ الله r: "إنَّ الله ليرضى عن العبدِ أن يَأكلَ الأكلةَ فيَحمَدَهُ عليها، أو يَشرَبَ الشَّرْبَةَ فيَحمَدَهُ عليها" مسلم.

      وعن عبد الرحمن بن جبير، أنه حدثه رجلٌ خدَمَ رسولَ الله r ثمانِ سنين: أنه كان يسمعُ رسولَ الله r  إذا قُرِّبَ إليه الطعامُ؛ يقول: "بسم الله"، فإذا فرَغَ، قال: "اللهم أطعمتَ، وأسقيتَ، وأَقنَيتَ، وهَدَيتَ، وأحييتَ، فلك الحمدُ على ما أعطيتَ"[[1061]]. 

      وعن أبي أيوب الأنصاري، قال: كان رسولُ الله r إذا أكلَ أو شَرِبَ قال: "الحمدُ لله الذي أطعمَ وسَقَى، وسوَّغَه، وجعَلَ له مخرَجاً"[[1062]].

      وعن معاذ بن أنس الجهني، عن النبي r قال: "من أكَلَ طعاماً فقال: الحمدُ لله الذي أطعمني هذا ورزَقَنِيه من غيرِ حولٍ ولا قوَّةٍ، غُفِرَ لهُ ما تقدَّمَ من ذَنبِه"[[1063]].

      هذه بعض الآداب العامة ذات العلاقة بالزيارة والضيافة التي ينبغي مراعاتها والالتزام بها .. نسألُ الله تعالى أن يؤدِّبَنا بأدبِ الإسلام .. وأن يجمِّل أخلاقنا بالكرم والتواضع والسخاء .. وأن يعيذنا من الجُبن والبخل .. إنه تعالى سميع قريب مجيب.

وصلى الله على محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلَّم.

 

 

* * * * *

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

     ـ الإنسانُ مملوكٌ ومخلوق لله U وحده .. وبالتالي لا يَحقُّ له أن يتصرَّفَ في نفسه في شيء إلا وفق مشيئة وإذن خالقه ومالكه وحده، فيُقْدِم ويضحي حيث أمره الله تعالى أن يُقدِم ويَضحي، ويُمسِك ويحجم حيث أمره الله تعالى أن يُمسك ويحجم .. فالعبد مستخلفٌ على نفسه وعلى حفظها ورعايتها، وهو مسؤول عنها وعن جسده يوم القيامة أمام خالقه I .. فيما أفنى جسده وأبلاه، وهل اتقى الله تعالى فيه أم لا.

      قال تعالى: )وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً(النساء:29. 

      وقال تعالى: )وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج(الحج:78.

      وقال تعالى: )يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ(البقرة:185.

      وقال تعالى: )لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ(البقرة:286.

      وقال تعالى: )وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ([[1064]]البقرة:195.

      وقال تعالى: )كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ([[1065]]المدثر:38.

      وقال تعالى: )وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ(الصافات:24.

      وفي الحديث، عن أبي برزة، أن رسولَ الله r قال: "لا تزولُ قدما عبدٍ يومَ القيامة حتى يُسأل عن أربعٍ: عن عُمُرِهِ فيمَ أفناهُ، وعن علمِه ماذا عمِل به، وعن مالِه من أين اكتسبَه وفِيمَ أنفَقَهُ، وعن جسمِه فِيمَ أبلاهُ"[[1066]].

      وفي رواية عن معاذ بن جبل قال: قال رسولُ الله r: "لن تزولَ قدما عبدٍ يومَ القيامةِ حتى يُسألَ عن أربعِ خِصالٍ: عن عمُرِه فيمَ أفناه، وعن شبابِه فيمَ أبلاه، وعن مالِه من أينَ اكتسبَهُ وفيمَ أنفقَه، وعن عِلمِه ماذا عَمِلَ فيه"[[1067]].

      وعن أبي هريرة مرفوعاً: "إن أوَّلَ ما يُحاسَب به العبدُ يومَ القيامة أن يُقال له: ألم أُصِحَّ لكَ جسمكَ، وأروِكَ من الماءِ البارِدِ؟"[[1068]].

         ـ تحريمُ الانتحار، وقتلِ الإنسانِ لنَفْسِه بنَفْسِه.

      عن أبي هريرة قال: قال رسول الله r: "من قَتلَ نَفْسَهُ بحديدةٍ فحديدَتُه في يدِه يتَوجَّأُ بها في بطنهِ في نارِ جهنَّم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن شَرِبَ سماً فقتل نفسَه فهو يتحسَّاهُ في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبَداً، ومن تَردَّى من جبلٍ فقتلَ نفسَهُ فهو يَتردَّى في نارِ جهنَّم خالداً مخلداً فيها أبداً[[1069]]" مسلم.

      وعنه، عن النبيِّ r: "الذي يَطعنُ نفسَهُ، إنما يطعنها في النارِ، والذي يتقحَّم فيها يتقَحَّمُ في النار، والذي يخنقُ نفْسَهُ يخنقها في النَّار"[[1070]].

      وعن ثابت بن الضحَّاك، عن النبي r قال: "مَن قتَلَ نفْسَهُ بشيءٍ في الدنيا عُذِّبَ به يومَ القيامة" مسلم.

      وعن جندب بن عبد الله البجلي مرفوعاً: "جُرِحَ رجلٌ فيمَن كانَ قبلَكم جرحاً، فجَزعَ منه، فأخذَ سكيناً فحزَّ بها يدَه، فما رقي الدمُ حتى ماتَ، فقال الله U: عبدي بادرني نفْسَه، حرَّمتُ عليه الجنَّة"[[1071]].

      وعن أبي هريرة قال: شَهِدْنا معَ رسولِ الله r حُنَيناً، فقالَ لرجل ممن يُدعى بالإسلام: "هذا من أهلِ النار"، فلما حَضَرنا القتالَ قاتلَ الرجلُ قتالاً شديداً فأصابته جِراحَةٌ، فقيل يا رسولَ الله الرجل الذي قلت له آنفاً أنه من أهل النار فإنه قاتل اليوم قتالاً شديداً وقد ماتَ، فقال النبيُّ r: "إلى النارِ"، فكادَ بعضُ المسلمين أن يرتابَ. فبينما هم على ذلك إذْ قِيلَ إنه لم يمتْ، ولكن به جِراحاً شديداً فلما كان من الليلِ لم يصبرْ على الجراحِ فقتل نفْسَهُ، فأُخبِرَ النبيُّ r بذلك، فقال: "الله أكبر، أَشهدُ أني عبدُ اللهِ ورسولُه، ثم أمر بلالاً فنادى في الناس أنه لا يدخلُ الجنَّةَ إلا نفسٌ مسلمةٌ، وأنَّ اللهَ يؤيد هذا الدين بالرجلِ الفاجِر"[[1072]]مسلم.

      وعن سهل بن أبي حثمة، عن أبيه، قال: سمعتُ النبيَّ r على المنبر يقول: "اجتنبوا الكبائر السبع: الشركُ بالله، وقتلُ النَّفْسِ، والفرار من الزحفِ، وأكلُ مالِ اليتيم، وأكلُ الربا، وقذفُ المُحصَنَةِ، والتعرُّبُ بعد الهجرة"[[1073]].

      عن أبي عمران الجوني، قال: حدثني بعضُ أصحاب محمدٍ، قال: قال رسولُ الله r: "من باتَ فوقَ بيتٍ ليسَ له إِجَّار فوقعَ فماتَ؛ فبرِئت منه الذِّمَّةُ، ومن رَكِبَ البحرَ عندَ ارتجاجِه فماتَ؛ فقد بَرِئت منه الذِّمَّة"[[1074]].

       ـ الاقتصادُ في الطاعات رفقاً بالنفس، ومراعاة لحقِّ النفسِ على صاحبها.

     عن أبي جحيفة وهب بن عبد الله t قال: آخى النبي r بين سَلمان وأبي الدرداء، فزار سلمانُ أبا الدرداء، فرأى أمَّ الدرداء مُتبَذِّلَةً[[1075]]، فقال: ما شأنُكِ؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجةً في الدنيا[[1076]]، فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاماً، فقاله له: كل فإني صائم قال: ما أنا بآكِلٍ حتى تأكلَ، فلما كان الليلُ ذهبَ أبو الدرداءُ يقوم، فقال له: نمْ، فنام ثم ذهب يقومُ، فقال له: نمْ، فلما كان آخرُ الليلِ قال سلمان: قم الآن، فصلَّيا جميعاً، فقال له سلمان: إنَّ لربِّكَ عليك حقَّاً، وإنَّ لنفسِكَ عليكَ حقَّاً، ولأهلك عليك حقاً، فأعطِ كلَّ ذي حقٍّ حقه، فأتى النبيَّ r فذكر ذلك له، فقال النبيُّ r: "صَدَقَ سَلمان" البخاري.

      وعن أنس t قال: جاء ثلاثةُ رهطٍ إلى بيوتِ أزواجِ النبي r، يَسألون عن عبادةِ النبي r، فلما أُخبِروا كأنهم تَقَالُّوها، وقالوا: أين نحن من النبي r وقد غُفِر له ما تقدَّمَ من ذنبهِ وما تأخَّرَ، قال أحدهم: أمَّا أنا فأصلي الليل أبداً، وقال الآخر: وأنا أصومُ الدَّهرَ أبداً ولا أُفْطِر، وقال الآخر: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء رسولُ الله r إليهم فقال: "أنتم الذين قلتُم كذا وكذا؟! أمَا والله إني لأخشاكُم لله وأتقاكُم له، لكنِّي أصومُ وأُفطِرُ وأُصلِّي وأَرقُد، وأتزوَّجُ النساءَ، فمَن رَغِبَ عن سُنَّتي فليس مني" متفق عليه.

      وعن أنس t قال: دخل النبيُّ المسجدَ فإذا حبلٌ ممدودٌ بين السَّاريتين، فقال: "ما هذا الحبلُ؟" قالوا: هذا حبلٌ لزينب فإذا فتَرَت[[1077]] تَعلَّقَت به. فقال النبيُّ r: "حُلُّوه؛ ليصلِّ أحدُكُم نشاطَه فإذا فتَرَ فليرقُدْ" متفق عليه.

      وعن عائشة t أن رسول الله r قال: "إذا نعَسَ أحدُكُم وهو يُصلي فليَرقُدْ حتى يَذهبَ عنه النومُ؛ فإنَّه إذا صلَّى وهو ناعِسٌ لا يدري لعلَّه يَذهبُ يستغفرُ فيَسُبَّ نفسَه" متفق عليه.           

      وعن عبد الله بن عمرو قال: أُخبَر النبيُّ r أني أقول: والله لأصومنَّ النَّهارَ، ولأقومنَّ الليلَ ما عِشتُ، فقال رسولُ الله r: "أنت الذي تقول ذلك؟" فقلت له: قد قُلتُه بأبي أنت وأمي يا رسولَ الله. قال: "فإنك لا تستطيعَ ذلك فصمْ وأَفطِرْ، ونَمْ وقُمْ، وصُمْ من الشهرِ ثلاثةَ أيامٍ فإنَّ الحسنةَ بعشرِ أمثالها، وذلك مثلُ صيامِ الدهرِ" متفق عليه.

      وعن حمزة بن عمرو، أنه سألَ رسولَ اللهِ r عن الصيامِ في السفر؟ فقال: "أيُّ ذلك عليك أيسر فافعَلْ"؛ يعني إفطارَ رمضانَ أو صيامَه في السَّفَرِ[[1078]].

      وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "ما خُيِّرَ رسولُ الله r بين أمرين قَطُّ إلا أخذَ أيسرَهُما ما لم يكن إثماً؛ فإن كان إثماً كان أبعدَ الناسِ منه، وما انتقمَ رسولُ الله r لنفْسِه في شيءٍ قطُّ إلا أن تُنتهَكَ حُرمَةُ الله، فينتقمَ بها لله" البخاري.

      وعنها، قالت: "ما ضَربَ r بيدِه خادماً ولا امرأةً، ولا ضربَ رسولُ الله r شيئاً قطُّ إلا أن يُجاهدَ في سبيلِ الله، ولا خُيِّرَ بين أمرين قطُّ إلا كان أحبُّهما إليه أيسَرَهما حتى يكون إثماً؛ فإذا كان إثماً كان أبعدَ الناسِ عن الإثم"[[1079]].

      وعن حَنْظَلَة الأسيدي ـ وكان من كتَّاب رسولِ الله r ـ قال: لقيني أبو بكرٍ فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قال: قلتُ: نافقَ حنظلة! قال: سبحانَ الله، ما تقول؟! قال: قلت: نكون عند رسولِ الله r يُذكِّرنا بالنارِ والجَنَّةِ حتى كأنها رَأي عينٍ، فإذا خرجنا من عندِ رسولِ الله r عافَسْنا الأزواج والأولاد والضَّيعات فنسينا كثيراً، قال أبو بكرٍ: فوالله إنَّا لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكرٍ حتى دخلنا على رسولِ الله r، قلت: نافَقَ حنظلةُ يا رسولَ الله! فقال رسولُ الله r: "وما ذاكَ؟"، قلت: نكون عندك تذكِّرنا بالنار والجنة حتى كأنها رأي العين، فإذا خرجنا من عندِك عافَسْنا الأزواجَ والأولادَ والضَّيعات فنسينا كثيراً، فقال رسول الله r: "والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذِّكرِ، لصافحتكم الملائكةُ على فُرشِكُم وفي طُرقِكُم، ولكن يا حنظلة! ساعةً وساعة، ثلاثَ مرات"[[1080]].

      ـ لا وفاءَ بنذرٍ مُؤدَّاهُ إلى الحرَجِ وهلاكِ النَّفس وتعذيبها.

     عن ابن عباس t قال: بينما النبي r يخطُب إذا هو برجلٍ قائم فسأل عنه، فقالوا: أبو إسرائيل نذَرَ أن يقومَ في الشمسِ ولايقْعُدَ ولا يستظِلَّ، ولا يتكلمَ ويصومَ، فقال النبي r: "مُروهُ فليتكلَّم، وليستظِلَّ وليقعُد وليتمَّ صومَهُ" البخاري.

      وعن أنس أن النبيَّ r رأى شَيخاً يُهادَى [[1081]] بين ابنيه، فقال: "ما بالُ هذا؟"، قالوا: نذرَ أن يمشي إلى بيتِ الله، قال: "إنَّ اللهَ تعالى عن تعذيبِ هذا نفسَهُ لغني"، وأمرَهُ أن يركب. متفق عليه.

      وفي رواية لمسلم، عن أبي هريرة قال: "اركَبْ أيها الشيخ! فإنَّ اللهَ غنيٌّ عنك وعن نَذْرِك".

      ـ للنفسِ حظها المشروع من الدنيا، لا ينبغي للمرء أن يشدد على نفسه؛ فيحرمها من حظِّها وحقِّها.

      قال تعالى: )وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ(القصص:77.  

      عن أبي هريرة قال: أمرَ النبيُّ r بصدَقةٍ، فقال رجلٌ: عندي دينارٌ؟ قال: "أنفقه على نفسِك". قال: عندي آخر؟ قال: "أنفقه على زوجتِك". قال عندي آخر؟ قال: "أنفقه على خادِمِك، ثم أنت أبصَر"[[1082]].

      وعن عمران بن حُصين مرفوعاً: "إنَّ الله إذا أنعم على عبدٍ نعمةً، يُحِبُّ أن يرى أثرَ نعمتِه على عبدِه"[[1083]].

      وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله r: "إنَّ الله U إذا أنعمَ على عبدٍ نعمةً؛ يُحبُّ أن يرى أثرَ النعمةِ عليه، ويَكرهُ البؤسَ والتَّباؤس، ويبغَضُ السَّائِلَ الملحفَ، ويُحبُّ الحيي العفيف المتعفِّف"[[1084]].  

      وعن أنس بن مالك، قال: قال رسولُ الله r: "حُبِّبَ إليَّ من دُنياكُم: النساءُ، والطِّيبُ، وجُعِلَت قُرَّةُ عيني في الصَّلاة"[[1085]].

      وعن ابن شهاب، أن عثمان بن مظعون أرادَ أن يختصي ويَسيحَ في الأرضِ، فقال له رسولُ الله r: "أليس لك فيَّ أسوةٌ حسنةٌ؛ فأنا آتي النساءَ، وآكلُ اللحمَ، وأصومُ وأفطر، وإنَّ خصاءَ أمَّتي الصيام، وليس من أمتي من خصى أو اختصى"[[1086]].

      عن عبد الله بن الحارث يقول: "كنا نأكلُ على عهدِ رسولِ الله r في المسجد الخبزَ واللحمَ"[[1087]].

      وعن سهل بن حُنَيْف، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبي r قال: "لا تُشَدِّدوا على أنفُسِكم؛ فإنَّما هلَكَ من قبلَكم بتشدِيدِهم على أنفُسِهم، وستجدونَ بقاياهم في الصوامع والدِّيارات"[[1088]].

      ـ من حقِّ النفس على صاحبها الابتعاد عن جميع العادات والسلوكيات والأعمال الخاطئة والضَّارَّةِ بالجسد والنفس[[1089]].

     عن عبادَة بن الصَّامت، أنَّ رسولَ الله r قضى أن: "لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ"[[1090]].

      وعن أبي صِرْمَة، عن رسولِ الله r قال: "من ضارَّ أضرَّ اللهُ به، ومن شَاقَّ شقَّ اللهُ عليه"[[1091]].

     عن المقدام بن معد يكرب الكندي، قال: سمعتُ رسولَ الله r يقول: "ما ملأ آدميٌّ وعاءً شرَّاً من بطنٍ، بحسبِ ابن آدمَ أُكلاتٍ يقِمنَ صُلبَه، فإنَّ كان لا محالةَ فثُلثٌ لطعامِه، وثُلثٌ لِشرابِه، وثلثٌ لِنَفَسِه"[[1092]].

      وعن أُبي بن كعب، قال: قال رسولُ الله r: "إنَّ من شرار أمتي الذين غُذُّوا بالنعَِّيمِ؛ الذين يطلبونَ ألوانَ الطعامِ وألوانَ الثيابِ، يتشدَّقون بالكلامِ"[[1093]].

      وعن أبي جُحَيْفَة قال: تجشَّأتُ عندَ النبيِّ r، فقال: "ما أكلتَ يا أبا جُحيفة؟!"، فقلتُ: خبزٌ ولحمٌ، فقال: "إنَّ أطولَ الناسِ جوعاً يومَ القيامَةِ؛ أكثرُهم شِبَعاً في الدُّنيا"[[1094]].

      وعن جُندُب بن عبد الله، قال: قال رسولُ الله r: "من استطاعَ أن لا يجعلَ في بطنِهِ إلا طَيِّباً؛ فإنَّ أوَّلَ ما يُنْتِنُ من الإنسانِ بطنه"[[1095]].

      وعن حذيفة قال: قال رسولُ الله r: "لا ينبغي لمؤمنٍ أنْ يُذِلَّ نفْسَهُ"، قالوا: وكيف يذلُّ نفْسَهُ قال: "يتعرَّض من البلاء لما لا يُطِيق"[[1096]].

         عن جابر بن عبدِ الله، قال: أتانا رسولُ الله r زائراً في منزلنا، فرأى رجلاً شَعِثَاً قد تَفَرَّقَ شعرُه، فقال: "أما كان يجدُ هذا ما يُسَكِّنُ به شعرَه؟!"، ورأى رجلاً آخرَ وعليه ثياباً وَسِخة، فقال: "أما كانَ هذا يجدُ ماءً يَغسِلُ به ثوبَه؟!"[[1097]].

      وعن أبي هريرة، أن رسولَ الله r قال: "من فِطرة الإسلامِ الغُسلُ يومَ الجُمعَةِ، والاستِنانُ، وأخذُ الشَّارب، وإعفاء اللحى؛ فإنَّ المجوسَ تُعفي شوارِبَها، وتُحفي لِحاها، فخالفوهم: خُذوا شواربَكم، وأعفُوا لحاكُم"[[1098]].

      وعن عائشة، أن النبيَّ r قال: "أكرموا الشَّعْرَ"[[1099]].

      وعن سعيد بن عبد الرحمن الجحشي، أن النبي r قال لأبي قتادة: "إن اتخذتَ شَعراً فأكرِمْه"[[1100]].

      وعن ابن عمر، أن النبيَّ r قال: "عليكُم بالسِّواكِ؛ فإنَّه مطيبةٌ للفمِ، ومرضاةٌ للربِّ"[[1101]].

      وعن ابن عباس مرفوعاً: "من باتَ وفي يدِه غَمَرٌ فأصابَه شيء فلا يلومنَّ إلا نفْسَه"[[1102]].

      وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله r: "لا تُكثِروا من الضَّحِك؛ فإنَّ كثرةَ الضحك تُميتُ القلبَ"[[1103]].

      وعنه، أن رسولَ الله r قال: "ليسَ الشديدُ بالصُّرعَةِ، إنَّما الشديدُ الذي يملكُ نفْسَهُ عند الغضبِ" البخاري.

      وعنه، أن رجلاً قال للنبي r: أوصني، قال: "لا تَغْضَبْ". فردَّدَ مراراً، قال: "لا تَغضب"[[1104]]البخاري.

      عن ابن عباس: "كان r يمشي مشياً يُعرَفُ فيه أنه ليسَ بعاجزٍ ولا كَسلان"[[1105]].

      ـ الأمرُ بالتداوي؛ رحمة بالنفس والجسد.

     عن جابر بن عبد الله، أن رسولَ الله r عادَ مريضاً، فقال: "ألا تدعو له طبيباً؟". قالوا: يا رسولَ الله، وأنت تأمُرنا بهذا؟ قال: فقال: "إنَّ الله U لم يُنزِل داءً إلا أُنزِلَ معه دواءٌ"[[1106]]. 

      وعن أبي الدرداء، عن النبيِّ r قال: "إنَّ اللهَ خلقَ الداءَ والدواءَ، فتداوَوا، ولا تتداوَوا بحرام"[[1107]].

      وعن أبي سعيد الخدري، عن النبيِّ r قال: "إنَّ اللهَ لم يُنزِل داءً أو لم يخلق داءً إلا أنزلَ أو خلقَ له دواءً، عَلِمَه من عَلِمَه، وجَهِلَهُ من جَهِلَه إلا السَّامَ"، قالوا: يا رسولَ الله وما السَّامُ؟ قال: "الموت"[[1108]].

      وعن رجلٍ من الأنصار، قال: عادَ رسولُ الله رجلاً به جرحٌ، فقال رسولُ الله r: "ادعوا له طبيب بني فلانٍ". قال: فدعَوهُ فجاء، فقال: يا رسولَ الله ويُغني الدواءُ شيئاً؟ فقال: "سبحان الله، وهل أنزلَ اللهُ من داءٍ في الأرضِ إلا جَعلَ له شفاءً"[[1109]].

     ـ حرصُ الإسلام على أن يبقى جسد المسلم سليماً وقوياً ما أمكن؛ ليقوى على القيام بالواجبات الشرعية، وأداء الحقوق لأصحابها، والتي منها إعمار الأرض بما ينفع الناس.

     قال تعالى: ) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ([[1110]]الأنفال:60.  

      عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله r: "المؤمنُ القوي خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمنِ الضعيفِ، وفي كلٍّ خير، احرص على ما ينفعُك واستعِن بالله، ولا تعجَز، وإن أصابَكَ شيءٌ فلا تقُل: لو أنِّي فعلتُ كان كذا وكذا، ولكن قل: قَدَرُ اللهِ، وما شاءَ فعل، فإنَّ لو تفتح عملَ الشيطان" مسلم.

      وعن أبي هريرة قال: "مثلُ المؤمنِ الضعيف كمثل الخامةِ من الزرعِ؛ تميلُها الريحُ، وتُقيمُها مرةً أخرى، والمؤمنُ القويُّ؛ مثل النخلة تؤتي أُكُلَها كل حينٍ في ظلِّها ذلك، ولا تقلبها الريحُ"[[1111]].

      وعن عطاء بن أبي رباح، قال: رأيتُ جابر بن عبد الله، وجابر بن عمير الأنصاري يرتميان، فملَّ أحدُهما فجلس، فقالَ له الآخرُ: كسلتَ؟! سمعتُ رسولَ الله r يقول: "كلُّ شيء ليس من ذكر الله U فهو لهو أو سهوٌ، إلا أربعُ خصالٍ: مشيُ الرَّجلِ بين الغَرَضين، وتأديبُه فرسَه، ومُلاعبتُه أهلَه، وتعليمُ السِّباحة"[[1112]].

      ـ للذنوب والمعاصي آثارٌ مدمرة على الإنسان؛ على إيمانه وجسده وجوارحِه سواء، وبالتالي من حقِّ النفس على صاحبها أن يُعنى بتزكيتها وتقويتها بالطاعات والأعمال الصالحة، واجتناب الآثام والذنوب؛ فالإنسان روح وجسد، ولكلٍّ منهما حق على صاحبه؛ فيهتم بقوة إيمانه كما يهتم بقوة وسلامة جسده، وأعضائه، فتتكامل القوتان ـ الإيمانية والجسدية ـ وتتحدا على تحقيق الغايات من وجود الإنسان على هذه الأرض[[1113]].

     قال تعالى: )وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى . فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى(النازعات:41[[1114]].

      وقال تعالى: )الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ(البقرة:275.

      عن أبي ذرٍّ، قال: سألتُ رسولَ الله r: أيُّ الجهادِ أفضل؟ قال: "أن تُجاهدَ نفسَكَ وهواكَ في ذاتِ الله U ["[[1115].

      وعن النعمان بن بشير، قال: سمعتُ رسولَ الله r يقول: "إنَّ في ابنِ آدمَ مُضغةً إذا صَلُحت صلُحَ سائرُ جسدِه، وإذا فسدت فسدَ سائرُ جسدِه؛ ألا وهي القلب"[[1116]].

      وعن عبد الله، قال: قال رسول الله r: "الإثم حوَّاز القلوب، وما من نظرةٍ إلا وللشيطان فيها مَطمَعٌ"[[1117]].

      وعن حذيفة بن اليمان قال: سمعت رسول الله r يقول : "تُعرَضُ الفِتنُ على القلوبِ كالحصِير ِعوداً عوداً، فأيُّ قلبٍ أُشرِبَها نُكِتَ فيه نُكتَةٌ سوداءُ، وأيُّ قلبٍ أنكرَهَا نُكِتَ فيه نُكتَةٌ بيضاءُ، حتى تَصيرَ على قلبين: على أبيضَ مِثلِ الصَّفا؛ فلا تَضرُّهُ فتنة ما دامتِ السماواتُ والأرض، والآخرُ أسوَدُ مِربَاداً؛ كالكُوزِ مُجَخِّيَاً لا يَعرِفُ معروفاً ولا يُنكِرُ منكراً، إلا ما أُشرِبَ من هواهُ" مسلم.

      وعن أبي هريرة، عن رسول الله r قال: "إنَّ العبدَ إذا أخطأَ خطيئةً نُكِتَت في قلبِه نُكتَةٌ سوداء، فإذا نزَعَ واستغفَرَ وتابَ سُقِلَ قلبُه؛ وإن عادَ زِيدَ فيها حتى تَعلُوَ قلبَهُ؛ وهو الرَّان الذي ذكَرَ الله:) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ("[[1118]].

     وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله r: "من وقَاه اللهُ شرَّ ما بين لَحْيَيهِ، وشرَّ ما بين رجليه دخلَ الجنَّةَ"[[1119]].

      وعن أبي بكرٍ الصديق مرفوعاً: "لا يدخلُ الجنَّةَ جسدٌ غُذِّي بالحرام"[[1120]].

      وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسولُ الله r: "لا يدخلُ الجنَّةَ لحم نبتَ من السُّحتِ، وكلُّ لحمٍ نبتَ من السُّحتِ كانت النارُ أولى به"[[1121]].

      وعن عائشة قالت: كان لأبي بكر غلامٌ يُخرِجُ له الخَراجَ، فكان أبو بكرٍ يأكلُ من خَراجِه، فجاءَ يوماً بشيءٍ، فأكل منه أبو بكرٍ، فقال له الغلامُ: تدري ما هذا؟ فقال أبو بكر: وما هو؟ قال: كنتُ تكَهَّنتُ لإنسانٍ في الجاهليَّة، وما أُحسِنُ الكهانَةَ إلا أني خدَعتُه، فلقيني فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلت منه! قالت: فأدخَلَ أبو بكرٍ يدَهُ، فقاءَ كلَّ شيءٍ في بطنِه. البخاري.

      وعن أبي هريرة، عن النبي r قال: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمنٌ، ولا يشرَبُ الخمرَ حينَ يشرَبها وهو مؤمِنٌ، ولا يَسرقُ حين يسرِقُ وهو مؤمنٌ، ولا ينتهبُ نُهبةً يرفعُ الناسُ إليه أبصارَهم وهو مؤمنٌ "متفق عليه.

      وعن ابن عباس، عن النبي r قال: "الخمرُ أمُّ الفواحِش، وأكبر الكبائرِ؛ من شَرِبَها وقعَ على أمِّه وخالتهِ وعَمَّتِه"[[1122]].

      وعن عبد الله بن بريدة، عن أبيه مرفوعاً: "ما نقضَ قوم العهد قطُّ؛ إلا كان القتلُ بينهم، وما ظهرت فاحشةٌ في قومٍ قط إلا سلَّط الله U عليهم الموت، ولا منع قومٌ الزكاةَ إلا حبسَ عنهم القَطْرَ"[[1123]]. 

      وعن عبد الله بن عمر، قال: أقبلَ رسولُ الله r فقال: "يا معشَرَ المهاجرين! خمسٌ إذا ابتليتُم بهنَّ، وأعوذُ بالله أن تدركوهنَّ: لم تظهر الفاحِشة في قومٍ قط حتى يُعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن قد مضت في أسلافِهم الذين مضوا، ولم يُنقصوا الكيلَ والميزان إلا أُخِذوا بالسِّنين وشِدَّة المؤنةِ وجَوْرِ السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاةَ أموالهم إلا مُنعوا القطرَ من السماء، ولولا البهائمُ لم يُمطَروا، ولم ينقضوا عهدَ الله وعهدَ رسولِه إلا سلَّطَ اللهُ عليهم عدواً من غيرهم؛ فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيَّروا مما أنزلَ اللهُ إلا جعلَ اللهُ بأسَهم بينهم"[[1124]]. 

      وعن ابن عباس قال: قال رسولُ الله r: "خَمسٌ بخمسٍ: ما نقضَ قومٌ العهدَ إلا سلَّطَ عليهم عدوَّهُم، وما حكموا بغيرِ ما أنزلَ الله إلا فشا فيهم الفَقرُ، ولا ظَهرت فيهم الفاحِشةُ إلا فشا فيهم الموت، ولا مَنعوا الزكاةَ إلا حُبِسَ عنهم القَطرُ، ولا طفَّفوا المكيالَ إلا حُبِسَ عنهم النَّباتُ، وأُخِذُوا بالسِّنين"[[1125]].

      نسألُ الله تعالى أن يُزكي نفوسنا بطاعته وطاعة رسوله r، وأن يُعيذنا من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، وأن يجعلنا ممن يُجاهدون أنفسهم وأهواءهم في ذات الله U.

وصلى الله على محمد النبي  الأمي، وعلى آله وصحبه وسلَّم.

 

* * * * *

 

      ـ المالُ مالُ اللهِ، وهو المالِكُ الحقيقي له، والإنسانُ مُستأمَن ومُستخلَفٌ عليه، ليعملَ فيه ـ كَسباً وإنفاقاً ـ وفقَ مشيئةِ وإذنِ مَن استأمَنَهُ واستخلَفَهُ عليه، وهو يوم القيامة سيُسأل ويُحاسَب عنه؛ فيمَ اكتسبَه، وفيمَ أنفقَه، وهل أدَّى حقَّهُ المفروض عليه، أم لا ..؟

     قال تعالى: )قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(آل عمران:26.

      وقال تعالى: )وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ(آل عمران:109.

      وقال تعالى: )وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ(الأنعام:165.

      وقال تعالى: )ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ(يونس:14.

      وقال تعالى: )آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ(الحديد:7.

      وقال تعالى: )وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ([[1126]]البقرة:30.

      وفي الحديث، عن أبي برزة، أن رسولَ الله r قال: "لا تزولُ قدما عبدٍ يومَ القيامة حتى يُسأل عن أربعٍ ـ منها ـ: وعن مالِه من أين اكتسبَه وفِيمَ أنفَقَهُ .."[[1127]].

      وعن أبي سعيد الخدري، عن رسولِ الله r: "إنَّ الدُّنيا خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، وإنَّ اللهَ U مُستخلفَكُم فيها؛ لينظرَ كيف تعملون، فاتَّقوا الدُّنيا، واتقوا النِّساءَ، فإنَّ أوَّلَ فتنةِ بني إسرائيل كانت في النِّساءِ"[[1128]].

      ـ وجوبُ أداءِ زكاةِ الأموالِ؛ فالزكاة من جملةِ الأركانِ والمباني التي بُني عليها الإسلامُ.

     قال تعالى: )وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ(البقرة:43.

      وقال تعالى: )الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاة(الحج:41. 

      وقال تعالى: )خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِم(التوبة:103.

      وقال تعالى: )وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ(الذاريات:19.

      وقال تعالى: )وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ . لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ([[1129]]المعارج:24-25.

      وقال تعالى: )وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ([[1130]]الأنعام:141.

      وفي الحديث، عن ابن عمر t قال: قال رسول الله r: "بُني الإسلامُ على خمسٍ: شهادةِ أن لا إله إلا اللهُ، وأنَّ محمداً رسولُ الله، وإقامِ الصلاةِ، وإيتاءِ الزكاةِ، والحجِّ، وصومِ رمضانَ" متفق عليه.

      وعنه، عن النبيِّ r قال: "بُني الإسلامُ على خمسٍ: على أن يُعبَدَ اللهُ، ويُكفَرَ بما دُونِه[[1131]]، وإقامِ الصلاة، وإِيتاءِ الزكاةِ، وحجِّ البيتِ، وصومِ رمضان" مسلم. 

         وعن ابن عباس، أنَّ رسولَ الله r لمَّا بعثَ معاذاً على اليمن، قال: "إنَّك تقدمُ على قومٍ أهلَ كتابٍ، فليَكُنْ أوَّلُ ما تدعوهم إليه عبادةَ اللهِ فإذا عَرفُوا اللهَ، فأخبرهم أن اللهَ قد فَرضَ عليهم خمسَ صلواتٍ في يومِهم وليلتهم، فإذا فعلوا فأخبرهم أن الله فرَضَ عليهم زكاةً من أموالهم وتُردُّ على فقرائِهم، فإذا أطاعوا بها فخذ منهم وتَوقَّ كرائمَ أموالِ الناسِ"[[1132]].

      وفي رواية: "إنكَ تأتي قوماً أهلَ كتابٍ، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأَنِّي رسولُ الله، فإن هم أطاعوكَ لذلك فأعلمهم: أن الله افترَضَ عليهم خمسَ صلواتٍ في كلِّ يومٍ وليلةٍ، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم: أن اللهَ افترَضَ عليهم صدَقةً في أموالهم؛ تؤخَذ من أغنيائهم وتُرَدُّ في فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك، فإيَّاكَ وكرائمَ أموالِهم، واتَّقِ دَعوةَ المظلوم؛ فإنها ليس بينها وبين اللهِ حِجابٌ" متفق عليه.

      وعن عبد الله بن معاوية الغاضري، قال: قال النبي r: "ثلاثٌ من فعلَهُنَّ فقد طَعِمَ طَعْمَ الإيمان: مَن عبدَ الله وحدَه، وأنَّه لا إله إلا الله، وأعطى زكاة مالِه طيبةً بها نفْسُه رافدةً عليه كلَّ عام، ولا يُعطي الهَرِمَةِ، ولا الدَّرِنَة، ولا المريضَة، ولا الشَّرَطَ اللئيمةِ، ولكن من وسط أموالكم، فإنَّ الله لم يسألكم خيرَه، ولم يأمرْكُم بشرِّه"[[1133]].

      ـ فِيمَن يمنع زكاةَ مالِه.

     قال تعالى: ) وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لانْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (التوبة:34-35.

     عن ابن عمر أن رسول الله r قال: "أُمِرتُ أن أقاتِلَ الناسَ حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسولُ الله، ويُقيموا الصلاةَ، ويُؤتُوا الزكاةَ، فإذا فعلوا ذلك عصَمُوا مني دماءَهم وأموالَهم إلا بحقِّ الإسلام وحسابُهم على الله" متفق عليه.

      وعن أبي هريرة، قال: لما توفي النبيُّ r، واستُخْلِفَ أبو بكرٍ بعده، وكفَرَ من كفرَ من العرب، قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسولُ الله r: "أُمِرتُ أن أقاتِلَ الناسَ حتى يَقولُوا: لا إله إلا الله؛ فمن قال لا إله إلا الله عَصمَ مني مالَهُ ونَفْسَهُ إلا بحقِّه وحسابُه على الله"، فقال أبو بكر: والله لأقاتِلَنَّ مَن فَرَّق بين الصلاة والزَّكاة، فإنَّ الزكاةَ حقُّ المالِ، والله لو منعوني عَناقاً[[1134]] كانوا يؤدونها إلى رسولِ الله r لقاتلتُهم على منعها. قال عمر: فوالله ما هو إلا رأيتُ أنَّ الله شرحَ صدرَ أبي بكرٍ للقتال، فعرفتُ أنَّه الحقُّ متفق عليه.        

      وعنه، قال: قال رسولُ الله r: "مَن آتاه اللهُ مالاً فلم يؤدِّ زكاتَه، مثُلَ له يومَ القيامةِ شجاعاً أقرع له زبيبتان[[1135]]، يُطوِّقُه يوم القيامةِ ثم يأخذ بِلُهزُمَتيه يعني بشِدْقَيه، ثم يقول: أنا مالُك، أنا كنزُك" متفق عليه.

      وعنه، قال: قال رسولُ الله r: "ما من صاحِب ذَهبٍ ولا فضَّةٍ لا يُؤدي منها حقَّها[[1136]]، إلا إذا كان يومُ القيامةِ صُفِّحَت له صفائحُ من نارٍ، فأحمي عليها في نارِ جهنم، فيُكوى بها جَنبُه وظَهرُه، كُلَّما رُدَّت أعيدَت له في يومٍ كان مِقدارُه خمسين ألفَ سنةٍ، حتى يُقضَى بين العباد، فيرى سبيله: إما إلى الجنَّةِ وإمَّا إلى النارِ"[[1137]].

      وعن أبي ذرٍّ، عن النبي r قال: "ما من رجلٍ يكونُ له إبلٌ أو بقرٌ أو غنَمٌ لا يُؤدي حقَّها[[1138]]؛ إلا أُتِيَ بها يومَ القيامةِ أعظمَ ما يكونُ وأسمنَه، تطوؤه بأخفافِها، وتنطحُه بقرونِها، كلما جازَت أُخراها رُدَّت عليه أُولاها، حتى يُقضى بين الناسِ" متفق عليه.      

      وعن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسولُ الله r: "ما مِن رجلٍ له مالاٌ، لا يُؤدِّي حَقَّ مالِه إلا جُعِلَ له طَوقاً في عُنُقِه؛ شُجاعٌ أقرَعُ، وهو يفرُّ منه، وهو يتبَعُهُ، ثم قرأ مِصداقَهُ مِن كتابِ الله: )وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ([[1139]]آل عمران:180.

      وعن أبي واقد الليثي، قال: كنا نأتي النبيَّ r إذا أُنزِلَ عليه، فيُحدِّثنا، فقال لنا ذات يومٍ: "إنَّ الله U قال: إنَّا أنزلنا المالَ لإقامِ الصلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، ولو كان لابنِ آدمَ وادٍ ـ وفي رواية: من ذَهَبٍ ـ لأحبَّ أن يكون إليه ثَانٍ، ولو كان له واديان لأحبَّ أن يكون إليهما ثالثٌ، ولا يملأ جوفَ ابنَ آدم إلا التُّرابُ، ثم يتوبُ اللهُ على من تاب"[[1140]].

      ـ الحضُّ على الإنفاقِ والتَّصدُّقِ ـ منَ المالِ الذي لا يخضَعُ لِنصابِ الزَّكاةِ وأصنافِه ـ في دروبِ الخير ابتغاء مَرضاة الله[[1141]].

     قال تعالى: )الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ([[1142]]آل عمران:134.

      وقال تعالى: )وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ(الضحى:10.

      عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله r: "ما مِن يومٍ يُصبِحُ العبادُ فيه، إلا مَلَكَان ينزلان، فيقول أحدُهما: اللهمَّ أَعطِ مُنْفِقاً خلَفاً، ويقول الآخر: اللهمَّ أعطِ مُمسِكاً تَلَفاً" متفق عليه.

      وعنه، قال: قال رسولُ الله r: "قالَ اللهُ تعالى: أنفِقْ يا ابنَ آدمَ أُنفِق عليك" متفق عليه.

      وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله r: "لو كان لي مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَباً لَسَرَّني أن لا تمُرَّ عليَّ ثلاثُ ليالٍ وعندي منه شيءٌ؛ إلا شيئاً أرصُدُه لِدَيْنٍ"[[1143]] متفق عليه.

      وعن أبي ذرِّ، عن النبيِّ r قال: "ما أحِبُّ أنَّ أُحُداً ذاكَ عندي ذهَبٌ، أمسَى ثالثةً عندي منه دينارٌ، إلا ديناراً أرصُدُه لِدَيْنٍ، إلا أن أقولَ به في عبادِ الله هكذا ـ حثا بين يدَيه ـ وهكذا عن يمينه، وهكذا عن شمالِه" متفق عليه.

      وعن عبيدِ الله بن عباس، قال: قال لي أبو ذَرٍّ: يا ابنَ أخي كنتُ معَ رسولِ اللهِ آخِذاً بيدِه، فقال: "يا أبا ذَرٍّ! ما أُحِبُّ أنَّ لي أحُدَاً ذهباً وفضَّةً أُنفقه في سبيل الله؛ أموتُ يومَ أموتُ فأدعُ منه قِيراطاً"، قلت: يا رسولَ الله قِنطاراً؟ قال: "يا أبا ذرٍّ! أذهبُ إلى الأقلِّ وتذهبُ إلى الأكثَرِ؟! أريدُ الآخِرةِ وتُريدُ الدُّنيا؟! قيراطاً"، أعادَها عليَّ ثلاثَ مراتٍ[[1144]].

      وعن أسماءِ، قالت: قالَ رسولُ اللهِ r: "أنفِقِي ولا تُحصي فيُحصِيَ اللهُ عليكِ، ولا تُوعِي[[1145]] فيوعِيَ اللهُ عليكِ، أرضِخِي[[1146]] ما استَطَعْتِ" متفق عليه.

      وعن أبي أمامة، قال: قال رسولُ الله r: "يا ابنَ آدمَ إن تَبذُلِ الفضلَ خيرٌ لك، وإن تُمْسِكْهُ شَرٌّ لك، ولا تُلامُ على كفَافٍ[[1147]]، وابدأ بمن تَعُول" مسلم.

      وعن أبي هريرة، قال: قال رجلٌ: يا رسولَ الله أيُّ الصَّدَقةِ أعظم أجراً؟ قال: "أن تَصدَّقَ وأنت صَحيحٌ شَحيحٌ؛ تخشى الفَقْرَ، وتأمَلُ الغِنى، ولا تُمهِل حتى إذا بلَغت الحلقومَ[[1148]]، قلت: لفلانٍ كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان" متفق عليه.

      وعن بسر بن جحاش القرشي، قال: قال رسولُ الله r: "يقولُ الله: يا ابنَ آدمَ أَنَّى تُعجِزُني وقد خَلقتُك من مثلِ هذه، حتى إذا سويتُكَ وعدَّلتُكَ مشيتَ بين بُردتين، وللأرضِ منكَ وئيدٌ ـ يعني شكوى ـ فجمعتَ ومَنعتَ، حتى إذا بَلغَتِ التراقي، قلت: أتصدَّقُ، وأنَّى أوانُ الصَّدَقةِ"[[1149]]. 

      وعن أنس بن مالك، قال: كان أبو طلحةَ أكثرَ الأنصارِ بالمدينةِ مالاً من نخْلٍ، وكان أحبُّ أموالِه إليه بيرُحَاءَ، وكانت مستقبلَةَ المسجدِ، وكان رسولُ الله r يَدخلُها ويَشربُ من ماءٍ فيها طيب. قال أنس: فلما أُنزلت هذه الآية: )لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ(، قامَ أبو طلحة إلى رسولِ الله r فقال: يا رسولَ الله! إن اللهَ تباركَ وتعالى يقول:) لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ(؛ وإنَّ أحبَّ أموالي إلي بيرُحاءَ، وإنها صدقةٌ لله؛ أرجو بِرَّها وذُخرَهَا عند الله، فضَعها يا رسولَ الله حيثُ أراكَ اللهُ. قال: فقال رسولُ الله r: "بَخٍ، ذلك مالٌ رابحٌ، ذلك مالٌ رابحٌ! وقد سمعتُ ما قلتَ، وإني أرى أن تجعلَها في الأقربين"، فقال أبو طلحة: أفعلُ يا رسولَ الله؛ فقسَّمها أبو طلحةَ في أقاربِه وبني عَمِّه. متفق عليه.

      وعن عائشة رضي الله عنها: أنهم ذبحوا شاةً، فقالَ النبيُّ r: "ما بقي منها؟"، قالت: ما بقي منها إلا كَتِفُها. قال: "بقي كلُّها غير كتِفِها"[[1150]]. 

      وعن جابر، قال: قال رسولُ الله r: "اتقوا الظُّلمَ؛ فإنَّ الظلمَ ظُلماتٌ يومَ القيامة، واتَّقُوا الشُّحَّ؛ فإن الشُّحَّ أهلكَ مَن كان قبلَكُم؛ حملهم على أن سفَكُوا دماءَهم، واستحلُّوا محارِمَهم" مسلم.

      وعن أبي ذَرٍّ، قال: انتهيتُ إلى النبيِّ r وهوجالسٌ في ظلِّ الكعبةِ، فلمَّا رآني قال: "هم الأخسرون وربِّ الكعبةِ". فقلت: فداك أبي وأمي، من هم؟ قال: "هم الأكثرون مالاً؛ إلا من قال: هكذا وهكذا وهكذا، من بين يديه ومن خَلفِه وعن يمينه وعن شمالِه، وقليلٌ ما هم" متفق عليه.

      وعن عُقبة بن عامر، قال: قال رسولُ الله r: "إنَّ الصدقةَ لتُطفئ عن أهلها حرَّ القبورِ، وإنما يَستظلُّ المؤمنُ يومَ القيامة في ظلِّ صدَقتِه"[[1151]].

      وعن أبي سعيد الخدري، عن النبي r قال: "صَدَقةُ السرِّ تُطفِئُ غَضَبَ الربِّ"[[1152]].

      وعن أبي هريرة، عن النبيِّ r قال: "سبعةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ يومَ القِيامَةِ في ظِلِّه يومَ لا ظِلَّ إلاَّ ظِلُّه ـ منهم ـ: ورجلٌ تَصدَّقَ بِصَدَقةٍ فأخْفَاها حتَّى لا تَعلَمَ شِمالُهُ ما صَنَعت يمينُه"[[1153]] متفق عليه.

      وعن معاذ بن جبل قال: "كنتُ مع النبيِّ r في سفَرٍ، فقال r: "ألا أدلُّكَ على أبوابِ الخيرِ؟"، قلتُ: بلى يا رسولَ الله، قال: "الصَّومُ جُنَّةٌ، والصَّدقةُ تُطفئُ الخطيئةَ كما تُطفئُ الماءُ النارَ"[[1154]].

      وعن عَدِيِّ بنِ حاتِم قال: سمعتُ النبيَّ r يقول: "مَن استطاعَ منكُم أن يستَتِرَ من النَّارِ ولو بِشِقِّ تمرةٍ، فليفْعَل" مسلم.

      وعن أبي هريرة، أنَّ النبيَّ r دخلَ على بلالٍ، وعنده  صُبرةٌ من تمرٍ، فقال: "ما هذا يا بلالُ؟"، قال: شيءٌ ادَّخَرته لِغَدٍ. فقال: "أمَا تخشى أن ترى له غداً بخاراً في نارِ جهنَّم يومَ القيامة؛ أنفِق بلالُ، ولا تخشى من ذِي العرشِ إقلالاً"[[1155]].

      وعنه، قال: أُتيَ رسولُ الله r بجنازةِ رجلٍ من الأنصار، فصلى عليه، ثمَّ قال: "ما ترَكَ ؟" قالوا: تركَ دينارين أو ثلاثة، قال: "تركَ كَيَّتَيْنِ، أو ثلاثَ كيَّات"[[1156]].

      وعن ابن عمر، عن النبي r قال: "إنَّ لله أقواماً يختصُّهم بالنِّعَمِ لمنافِعِ العبادِ، ويُقِرُّهم فيها ما بذلوها، فإذا منعوها نزعَها منهم، فحوَّلها إلى غيرِهم"[[1157]].

      وعن عبد الله بن عمرو، كتبَ إلى عاملٍ له على أرضٍ له، أن لا تمنعَ فضلَ مائِكَ فإنِّي سمعتُ رسولَ الله r يقول: "مَن منعَ فضلَ مائِه أو فضلَ كَلَئِه منعه اللهُ فضلَهُ يومَ القيامَةِ"[[1158]].

      وعن ابن عباس، قال: قال رسولُ الله r: "المسلمون شُركاءَ في ثلاثٍ: في الماء، والكَلأ، والنار"[[1159]].

      وعن أبي هريرة، أن رسولَ الله r قال: "ثلاثٌ لا يُمْنَعْنَ: الماءُ، والكلأُ، والنَّارُ"[[1160]].

      وعن سعيد بن جبير، قال: قال رسولُ الله r: "لا تَصَدَّقُوا إلا على أهلِ دينِكُم"، فأنزَلَ اللهُ تعالى: )لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ( إلى قولِه: )وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ([[1161]]، قال: قال رسولُ الله: "تصَدَّقوا على أهلِ الأديانِ"[[1162]]. 

      وعن سعد بن أبي وقاص، قال: قال رسولُ الله r: "إن اللهَ كريمٌ يحبُّ الكرماء، جوادٌ يحب الجوَدَة، يحبُّ معالي الأخلاقِ، ويَكره سَفْسَافَها"[[1163]].

      وعن أبي أمامَة، عن رسولِ الله r قال: "دخَلَ رجلٌ الجنَّة فرأى على بابها مكتوباً: الصَّدَقةُ بِعَشْرِ أمثالها، والقَرْضُ بثمانية عَشَر"[[1164]].

      ـ مِن شروطِ صحَّةِ الصَّدقَةِ وقبولِها أن تكونَ مِن كَسْبٍ طيِّبٍ حلالٍ؛ فالله تعالى طيِّبٌ لا يَقبلُ إلا طيِّباً[[1165]].

     قال تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ([[1166]]البقرة:267.

         عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله r: "أيُّها الناسُ إنَّ اللهَ طيِّبٌ لا يَقبلُ إلا طيِّباً، وإن الله امرَ المؤمنين بما أمَرَ به المُرسَلين، فقال: ) يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ(المؤمنون:51. وقال:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ(البقرة:172. ثمَّ ذَكَرَ الرجلَ يُطيلُ السَّفَرَ أشعَثَ أغبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إلى السماءِ: يا رَبِّ، يا رَبِّ! ومَطعَمُهُ حَرامٌ، ومَشْرَبُهُ حرامٌ، ومَلبَسُهُ حرامٌ، وغُذِّيَ بالحَرامِ؛ فأنَّى يُستجَابُ لذلِك" مسلم.

      وعنه، قال: قال رسولُ الله r: "مَن جمَعَ مالاً حراماً ثمَّ تصدَّق به، لم يكن له فيه أجرٌ، وكان إصْرُه عليه"[[1167]].

      وعن أبي الطفيل عامر بن واثلة الكناني، قال: قال رسولُ الله r: "من كسَبَ مالاً من حرامٍ فأعتقَ منه، ووصلَ رحمَهُ؛ كان ذلك إصراً عليه"[[1168]].

      وعن القاسم بن مخيمرة قال: قال رسولُ الله r: "من اكتسَبَ مالاً من مأثَمٍ، فوصَلَ به رَحِمَهُ، أو تَصدَّقَ به، أو أنفقَهُ في سبيلِ الله؛ جُمِعَ ذلك كلُّهُ جميعاً فقُذِفَ به في جهنَّمَ"[[1169]].

      وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله r: "مَن تَصدَّقَ بِعَدْلِ تمرةٍ من كَسْبٍ طيِّبٍ، ولا يَقبلُ اللهُ إلا الطيِّبَ، وإنَّ الله يتقَبَّلُها بيمينه، ثم يُرَبِّيهَا لصاحبِها كما يُربي أحَدُكُم فَلُوَّهُ، حتى تكونَ مِثلَ الجَبَلِ"[[1170]]متفق عليه.

      وعن عوف بن مالك، قال: خَرَج رسولُ الله r وبيدِه عَصَا، وقد علَّقَ رجلٌ قِنْوَ حَشَفٍ، فجعلَ يطعنُ في ذلك القِنْوَ، فقال: "لو شاءَ رَبُّ هذه الصدقةِ تصدَّقَ بأطيبَ من هذا، إنَّ ربَّ هذه الصدقة يأكل حَشَفَاً يومَ القيامة"[[1171]].

         ـ مِنْ حَقِّ المالِ على صاحِبِه أن يكونَ مِن كَسْبٍ حلالٍ مشروعٍ، وأن يبتعدَ صاحِبُه عن مصادر الكسبِ الحرام، ومظانِّها، وما يؤدِّي إليها.

     قال تعالى: ) وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ (الطلاق:2-3.

     قال تعالى: )وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(البقرة:275.

      وقال تعالى: )يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ(البقرة:276.

      وقال تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ([[1172]]المائدة:90.  

      عن النُّعمان بن بشيرٍ قال: سمعتُ رسولَ الله r يقول: "الحلالُ بَيِّنٌ، والحرامُ بَيِّنٌ، وبينهما مُشَبَّهاتٌ لا يعلَمُها كثيرٌ من الناسِ، فمن اتَّقى المشَبَّهاتِ استبرأ لدينِه وعِرضِه، ومن وقَع في الشُّبُهَاتِ[[1173]] كراعٍ يرعى حولَ الحِمَى؛ يُوشِكُ أن يُواقِعَه، ألا وإنَّ لكلِّ مَلِكٍ حمىً؛ ألا إن حِمَى اللهِ في أرضِه محارِمُه" متفق عليه.

      وعن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله r: "يأتي على الناسِ زمانٌ ما يُبالي الرجلُ من أينَ أصابَ المالَ؛ من حلالٍ أو حرامٍ" البخاري.

      وقال رسولُ الله r: "دِرهَمُ رِبَا يأكُلُه الرَّجلُ ـ وهو يَعلَم ـ أشدُّ عند اللهِ من سِتَّةٍ وثَلاثينَ زَنِيَّةٍ"[[1174]].

      وعن عبد الله بن سلاَّم، قال: قال رسولُ الله r: "إنَّ أبوابَ الرِّبا اثنان وسبعون حُوباً[[1175]]، أدناهُ كالذي يأتي أُمَّهُ في الإسلامِ"[[1176]].

      وعن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسولُ الله r: "من غَشَّنا فليس مِنَّا، والمكرُ والخِداع في النَّار"[[1177]].

      وعن ابن عباس: "أنه r نهى عن ثمن الخمرِ، ومهر البغي، وثمن الكلب، وقال: إذا جاءكَ يَطلبُ ثمن الكلب فاملأ كفيه تراباً"[[1178]].

      وعن أبي هريرة، عن النبي r قال: "ثلاثةٌ كلهنَّ سحتٌ: كسبُ الحَجَّامِ، ومهرُ البغي، وثمنُ الكلبِ؛ إلا الكلبَ الضَّاري"[[1179]]. 

      وعن أبي هريرة، أن رسولَ الله r قال: "إنَّ الله حرَّم الخمر وثمنَها، وحرَّم الميتَةَ وثمنَها، وحَرَّم الخنزيرَ وثمَنَهُ"[[1180]].

      وعن أبي هريرة، قال: سمعتُ رسولَ الله r: "نهى عن كَسبِ الزَّمَّارِ"[[1181]]. 

      وعن أبي أمامة، عن رسولِ الله r: "لا تبيعوا القَيْناتِ، ولا تَشتروهنَّ، ولا تُعلِّموهنَّ، ولا خيرَ في تجارةٍ فيهنَّ، وثمنهنَّ حرامٌ، وفي مثل هذا أنزِلَت هذه الآية:) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ(لقمان:6.[[1182]].

         وعن أنس بن مالك، عن النبيِّ r قال: "ليكونَنَّ في هذه الأُمَّةِ خَسْفٌ، وقَذْفٌ، ومَسْخٌ، وذلك إذا شَرِبوا الخمورَ، واتَّخذوا القَيْناتِ، وضَرَبوا بالمعازِفِ"[[1183]].

      وعن أبي مالك الأشعري، أنه سمعَ رسولَ الله r يقول: "يَشرَبُ ناسٌ من أمَّتي الخمرَ؛ يُضرَبُ على رؤوسِهم بالمعازِفِ والقَيْناتِ، يَخْسِفُ اللهُ بهمُ الأرضَ، ويجعلُ اللهُ منهم القِرَدَةَ والخنازيرَ"[[1184]].

      وعن عمران بن حُصين، أنَّ رسولَ الله r قال: "في هذه الأمةِ خسْفٌ ومَسْخٌ وقَذْفٌ"، قال رجلٌ من المسلمين: يا رسولَ الله متى ذلك؟ قال: "إذا ظهَرَت القيانُ والمعازِفُ، وشُربَتِ الخمور"[[1185]].

         وعن رافع بن خديج، قال: سُئلَ رسولُ الله r: "أيُّ الكَسْبِ أطيب؟ قال: "أطيبُ الكسبِ عملُ الرجلِ بيده، وكلُّ بيعٍ مبرورٍ"[[1186]].

      وعن أبي هريرة، أن رسولَ الله r قال: "أربعة يبغضهم الله U ـ منهم ـ: البيَّاعُ الحلاَّفُ ..."[[1187]].

      وعن عبد الرحمن بن شبل، عن النبي r قال: "إنَّ التجَّار هم الفُجَّار"، قيل: يا رسولَ الله أوليسَ قد أحلَّ اللهُ البيعَ؟ قال: "بلى؛ ولكنهم يُحدِّثون فيَكذِبون، ويَحلِفونَ فيأثمون"[[1188]].

      وعن البراء بن عازب، قال: أتانا رسولُ الله r على البقيع، فقال: "يا مَعْشَرَ التجارِ"، حتى إذا اشرَأبُّوا، قال: "إنَّ التجَّارَ يُحشرون يوم القيامةِ فُجَّاراً؛ إلا من اتقى وبَرَّ وصدَقَ"[[1189]].

      وعن أبي سعيد، قال: مرَّ أعرابيٌّ بشاةٍ، فقلتُ: تبيعها بثلاثةِ دراهم؟ فقال: لا والله. ثم باعها، فذكرتُ ذلك لرسولِ الله r، فقال: "باعَ آخِرَتَهُ بدُنياه"[[1190]].

      وعن ابن عمر، قال: قال رسولُ الله r: "التاجرُ الأمينُ الصَّدوقُ المسلمُ: مع النبيين، والصِّديقين، والشُّهداءِ يومَ القيامةِ"[[1191]].

      وعن ابن عمر، قال: "نهى رسولُ الله r أن يبيعَ حاضرٌ لِبادٍ، وكان يقول: لا تَلَقَّوا البيوعَ، ولا يَبِعْ بَعضٌ على بعضٍ ..."[[1192]].

      وعن أبي سعيد الخدري، قال: قالَ رسولُ الله r: "لا صاعَي تمرٍ بصاعٍ، ولا صَاعَي حِنطةٍ بصاعٍ، ولا دِرهمَ بِدرْهَمَيِن"[[1193]] متفق عليه.

      وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله r: "من احتَكَرَ حُكْرَةً يُريدُ أن يُغْلِي بها على المسلمين فهو خاطِئ"[[1194]].

      وعن أبي هريرة، عن النبي r: "مَن باعَ بيعتين في بيعةٍ، فله أوكَسُهُما أو الرِّبا"[[1195]].

      وعن عبد الله بن أنيس، أنه تذاكر هو وعمر بن الخطاب يوماً الصَّدَقةَ، فقالَ عمر: ألم تسمَع رسولَ اللهِ r حين يذكر غلولَ الصّدقة أنه: "من غلَّ منها ـ يعني الصَّدَقة ـ بعيراً أو شاةً أُتيَ به يومَ القيامَةِ يحملُه "؟ قال عبد الله بن أنيس: بلى.[[1196]]. 

      وعن أبي هريرة، عن النبي r قال: "أدِّ الأمانةَ على مَن ائتَمَنَكَ، ولا تَخُنْ من خانَك"[[1197]].

      وعن أبي الخير قال: سمعتُ رسولَ الله r يقول: "إنَّ صاحِبَ المَكْسِ في النَّارِ"[[1198]].

      وعن عبد الله بن عباس، قال: قال رسول الله r: "إنَّ اللهَ إذا حرَّمَ على قومٍ أكلَ شيءٍ، حرَّمَ عليهم ثمَنَهُ"[[1199]].

         وعن أبي حميد الساعدي قال: قال رسولُ الله r: "أجمِلُوا في طلبِ الدنيا؛ فإنَّ كلاًّ مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له"[[1200]].

      وعن جابر، عن النبيِّ r قال: "لو أن ابنَ آدَمَ هَربَ من رِزقِه كما يَهربُ من الموتِ؛ لأدركَهُ رِزْقُه كما يُدركُه الموتُ"[[1201]].

      وعن جابر بن عبد الله، أنَّ رسولَ الله r قال: "لا تستبطئوا الرِّزقَ؛ فإنَّه لم يكن عبدٌ ليموتَ حتَّى يبلُغَ آخِرَ رزقٍ هو له، فأجمِلُوا في الطَّلَبِ؛ أخذِ الحلالِ، وتركِ الحرامِ"[[1202]].

      وعن أبي موسى، عن النبي r قال: "إنَّ هذا الدينارَ والدِّرهمَ أهلكا مَن كان قبلُكُم، وهما مُهلِكاكُم"[[1203]].

      ـ من حقِّ المالِ أن يُصرَف في مصاريفِه المشروعة المباحة، من غير إسرافٍ ولا تبذيرٍ، ولا تَقْطِير.

      قال تعالى: )يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ(الأعراف:31.

      وقال تعالى: )وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً . إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً([[1204]]الإسراء:26-27.

      وقال تعالى: )وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً([[1205]]الإسراء:29.

      وعن أنس بن مالك: "نهى r عن الأكلِ والشِّربِ في آنِيَةِ الذَّهبِ والفِضَّةِ"[[1206]].

      عن أم سلمة، أنَّ رسولَ الله r قال: "إنَّ الذي يَشربُ في إناءِ الفضَّةِ والذَّهبِ؛ إنَّما يجرجِرُ في بطنِه نارَ جهنَّمَ؛ إلا أن يتوب"[[1207]].

      وعن عمرو بن شُعيب عن أبيه، عن جده، قال: "قالَ رسولُ الله r: "كلوا، واشرَبوا، وتصدَّقوا، والبَسوا ما لم يُخالِطْه إسرافٌ أو مَخِيلَ"[[1208]].

      وعن عبادة بن الصَّامتِ، عن رسولِ الله r قال: "والذي نفسي بيده لَيَبِيتَنَّ أُناسٌ من أمَّتي على أشَرٍ وبَطَرٍ، ولَعِبٍ ولهوٍ، فيُصبحوا قِردةً وخنازيرَ باستِحلالهم المحارِمَ، واتخاذِهم القَيْنَاتِ، وشُربِهُمُ الخمرَ، وبأكلِهم الرِّبا، ولبسِهم الحريرَ"[[1209]].

      وعن فاطمة رضي الله عنها قالت: إنَّ رسولَ الله r قال: "إنَّ مِن شِرارِ أُمَّتي الذين غُذُّوا بالنَّعيمِ؛ الذين يطلبونَ ألوانَ الطعامِ، وألوانَ الثِّيابِ، يتَشدَّقونَ بالكلامِ"[[1210]].

      وعن أبي أُمامَة قال: قال رسولُ الله r: "سيكون رجالٌ من أمَّتي يأكلون ألوانَ الطعامِ، ويشربون ألوانَ الشَّراب، ويلبسونَ ألوانَ الثيابِ، ويتشدَّقونَ في الكلامِ؛ فأولئك شِرارُ أمَّتي"[[1211]].

      وعن ابن عبَّاس: "كان r يبيتُ اللياليَ المُتتابِعةَ طاوياً وأهلُهُ؛ لا يجدون عَشَاءً، وكان أكثَرُ خُبزِهمُ الشَّعيرَ"[[1212]].

      ـ مَن حقِّ المالِ أن يُمنَع عن السُّفهاءِ أن يتملكوه، ويتصرفوا به بحرية من غير مراقبة، ولا رعاية، ولا مُساءلة[[1213]].

      قال تعالى: ) وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً (النساء:5.

      وعن أبي موسى الأشعري، قال: قالَ رسولُ الله r: "ثَلاثةٌ يَدعون الله U فلا يُستجابُ لهم: رجلٌ كانت تحته امرأةٌ سَيئةُ الخُلُقِ فلم يُطلِّقْها، ورجلٌ كان له على رجلٍ مالٌ فلم يُشهِدْ عليه، ورجلٌ آتى سَفيهاً مالَه، وقال الله تعالى: )وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُم(  [[1214]].

     ـ القتالُ في سبيلِ الله دون المال، إن أريد أخذه عنوة بغير وجه حق[[1215]].

     قال تعالى: )وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ(الشورى:39.  

      عن أبي هريرة قال: جاء رجلٌ إلى رسولِ الله r، فقال: يا رسولَ الله أرأيتَ إن جاءَ رجلٌ يريدُ أخذَ مالي؟ قال: "لا تُعْطِه مالَك"، قال: أرأيتَ إن قاتلَني؟ قال: "قاتِلْهُ"، قال: أرأيتَ إن قَتلَني؟ قال: "فأنتَ شهيدٌ"، قال: أرأيتَ إنْ قَتَلْتُه؟ قال: "هو في النَّارِ" مسلم.

      وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسولُ الله r: "مَن قُتِلَ دونَ مالِه فهو شَهيدٌ" متفق عليه.

      وعنه، قال: قال رسولُ الله r: "من أُرِيدَ مالُه بغيرِ حَقٍّ فقاتلَ فَقُتِلَ فهو شَهيدٌ"[[1216]].

      قال ابن المبارك: يُقاتِلُ عن مالِه ولو درهمين[[1217]].

     ـ لكن القتالَ آخر ما يُلجَأ إليه كوسيلة لرد المعتدي.

     عن مخارق قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ r، فقال: الرجلُ يأتيني فيريدُ مالي[[1218]]؟ قال: "ذَكِّرهُ بالله"، قال: فإن لم يَذكُر؟ قال: "فاستعِن عليه مَن حولَك من المسلمين"، قال: فإن لم يكن حولي أحدٌ من المسلمين؟ قال: "فاستعن عليه بالسلطان"، قال: فإن نأى[[1219]] السلطانُ عني؟ قال: "قاتِلْ دونَ مالِك؛ حتى تكونَ من شُهداءِ الآخرةِ أو تمنع مالَكَ"[[1220]].

 

      نسألُ اللهَ تعالى أن يَحفظَنا بالحلالِ عن الحرامِ، وأن يُغنينا بحلالِه عن حرامِه، وبفضلِه عمَّن سواه، إنه تعالى سميعٌ قريب، مجيب.

وصلى الله على محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلَّم.

    ـ الطريقُ حقٌّ عامٌّ؛ فهو ليس لأحدٍ دونَ أحد؛ فمن أرادَ أن يجلس في الطرُقاتِ ولا بُدَّ، عليه أن يؤدِّيَ حقَّها[[1221]].

     قال تعالى: )قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ(النور:30.

      وفي الحديث، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي r قال: "إيَّاكُم والجلوس في الطُّرُقاتِ"، قالوا: يا رسولَ الله ما لَنا مِن مجالِسنا بُدٌّ؛ نتَحَدَّث فيها. فقال رسولُ الله r: "فإذا أبيتُم إلا المجلِسَ فأَعطُوا الطريقَ حَقَّهُ"، قالوا: وما حَقُّ الطريقِ يا رسولَ الله؟ قال: "غَضُّ البَصَرِ، وكَفُّ الأذَى، ورَدُّ السَّلامِ، والأمرُ بالمعروفِ والنَّهي عن المنكر" متفق عليه.

      وعن أبي طلحة زيد بن سهل، قال: كنَّا قُعُوداً بالأفنِيَةِ[[1222]] نتحدَّثُ فيها، فجاءَ رسولُ اللهِ r فقامَ علينا، فقال: "ما لَكُم ولِمَجَالِس الصُّعُدات"، فقلنا: إنما قَعَدنا لغيرِ ما بأسٍ؛ قعدنا نتذاكَرُ، ونتحدَّثُ. قال: "إمَّا لا[[1223]] فأدُّوا حقَّها: غضُّ البَصرِ، ورَدُّ السَّلامِ، وحُسنُ الكلام ِ" مسلم.

      وعن عمر، أن رسولَ الله r قال: "إيَّاكُم والجلوس في الصُّعُداتِ ـ وفي روايةٍ: الطرق ـ فإن كنتم لا بُدَّ فاعلين، فأَعطوا الطريقَ حَقَّهُ". قيل: وما حقُّه؟ قال: "غَضُّ البصَرِ، ورَدُّ السَّلامِ، وإرشادُّ الضَّالِّ"[[1224]].

      وعن البراء، قال: مرَّ رسُولُ اللهِ r على مجلسٍ من الأنصارِ، فقال: "إن أبيتُم إلا أن تجلِسُوا فاهْدُوا السَّبيلَ، ورُدُّوا السَّلامَ، وأعينوا المظلومَ"[[1225]].

      ـ إماطَةُ الأذَى عن الطريقِ صَدَقةٌ، وإيمانٌ، وحَقٌّ من حُقُوقِ الطريقِ.

     عن أبي ذَرٍّ قال: قال النبي r: "عُرِضَتْ عليَّ أعمالُ أُمَّتي حَسَنُها وسَيِّئُها، فوجَدْتُ في محاسِنِ أعمالِها الأذى يُماطُ عن الطريقِ، ووجدتُ في مَساوِئ أعمالِها النُّخَاعَةُ تكونُ في المسجدِ لا تُدفَنُ"[[1226]] مسلم.

      وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله r: "تُميطُ الأذَى عن الطَّريقِ صَدَقةٌ" متفق عليه.

      وعن عائشة، قالت: قال رسولُ الله r: "إنه خُلِقَ كلُّ إنسانٍ من بني آدمَ على سِتِّينَ وثلاثمائة مِفْصَلٍ؛ فمَن كبَّرَ اللهَ، وحمَدَ اللهَ، وهلَّلَ، وسَبَّحَ، واستغْفَرَ اللهَ، وعَزَلَ حَجَراً عن طريقِ النَّاسِ، أو شَوكةً أو عظماً عن طريقِ الناس، أو أمرَ بمعروفٍ، أو نهى عن مُنكرٍ عدَدَ الستين والثلاثمائة فإنَّه يمشي يومئذٍ وقد زَحْزَ نَفْسَهُ عن النَّار" مسلم.

      وعن أبي برزة الأسلمي، قال: قلت: يا رسولَ الله مُرْنِي بعملٍ أعمَلُه، قال: "أمِطْ الأذى عن الطَّريق، فإنَّه لك صدقةٌ"[[1227]].

      وعنه، قال: قلتُ يا رسولَ الله دلَّني على عملٍ أنتفِعُ به؟ قال: "نَحِّ الأذَى عن طريقِ المسلمين"[[1228]].

      وعن أبي ذَرٍّ، عن النبي r قال: "تبَسُّمُكَ في وجهِ أخيكَ لَكَ صدقةٌ، وأمرُكَ بالمعروفِ ونهيُكَ عن المنكرِ صدقةٌ، وإرشادُكَ الرجلَ في أرضِ الضَّلالِ لك صَدقةٌ، وبَصَرُكَ الرجلَ الرديءَ البصرِ لك صَدقةٌ، وإماطَتُكَ الحجَرَ والشَّوكَةَ والعظمَ عن الطَّريقِ لك صَدقةٌ، وإفراغُكَ من دَلوِكَ في دَلْوِ أخِيكَ لك صدقة"[[1229]]. 

      وعن أبي هريرة، عن النبي r قال: "لقد رأيتُ رجلاً يَتقلَّبُ في الجنَّةِ في شجرَةٍ قطَعَها من ظَهرِ الطريقِ كانت تُؤذِي المسلمين" مسلم.

      وفي روايةٍ: "مَرَّ رجلٌ بغصنِ شجرةٍ على ظهرِ طريقٍ، فقال: والله لأنحينَّ هذا عن المسلمين لا يُؤذيهم، فأُدخِلَ الجنَّةَ".

      وفي روايةٍ: "بينما رجلٌ يمشي بطريقٍ وجدَ غُصنَ شَوكٍ على الطريقِ فأخَّرَهُ، فشكَرَ اللهُ له، فغُفِرَ له" مسلم.

      وعن أبي الدرداء، عن النبي r: "مَن أَخرَجَ من طريقِ المسلمين شيئاً يؤذيهم، كتَبَ اللهُ له به حسنةً؛ ومن كتبَ له عنده حسنةً، أدخلَه اللهُ بها الجنَّةَ"[[1230]].

      وعن أبي هريرة، عن رسولِ الله r أنه قال: "نَزَعَ رجلٌ ـ لم يعملْ خيراً قطُّ ـ غُصْنَ شوكٍ عن الطريق؛ إمَّا كان في شجرةٍ فقطَعَهُ وألقاهُ، وإمَّا كان موضوعاً فأماطَهُ، فشكَرَ اللهُ له بها فأدخلَه الجنَّة"[[1231]].

      ـ إماطةُ الأذى عن الطريقِ، شُعبةٌ من شُعَبِ الإيمانِ[[1232]]. 

     عن أبي هريرة، عن النبي r: "الإيمانُ بِضْعٌ وسَبعونَ شُعبةً: فأفضَلُها قولُ لا إله إلا الله، وأدناها إِماطَةُ الأذَى عن الطريقِ، والحياءُ شُعبةٌ من الإيمان"[[1233]] متفق عليه.

      ـ فيمَن يَتَغَوَّطُ في طريقِ الناسِ أو ظِلِّهم[[1234]أو يُؤذِيهم في طُرُقِهم بأيِّ نوعٍ من أنواعِ الأذى.

     عن أبي هريرة، أن رسولَ الله r قال: "اتَّقوا اللاَّعِنَينِ[[1235]]"، قالوا: وما اللاَّعِنَيِنِ؟ قال: "الذي يَتخلَّى في طريقِ النَّاسِ أو ظِلِّهم" مسلم.

      وعن معاذ بن جبل، قال: قال رسولُ الله r: "اتَّقُوا الملاعِنَ الثَّلاثَ: البُرَازَ في المواردِ، وقارِعَةِ الطريقِ، والظِّلِّ"[[1236]].

      وعن أبي ذَرٍّ، عن النبيِّ r قال: "مَن آذَى المسلمين في طُرُقِهمْ، وجُبَت عليه لَعْنَتُهُم"[[1237]]. 

      وعن أبي هريرة، قال: سمعتُ رسولَ الله r يقول: "مَنْ سَلَّ سَخِيمَتَهُ على طَريقٍ عامِرٍ من طُرِقِ المسلمين، فعليه لعنةُ اللهِ والملائكةِ والناسِ أجمعين"[[1238]].

      وعن جابر بن عبد الله، عن النبي r قال: "لا تَنزلوا على جَوَادِّ الطُّرُقِ، ولا تَقْضُوا عليها الحاجاتِ"[[1239]].

      وعن معاذ بن أنس الجهني، قال: غزوتُ مع نبيِّ الله r غزوَةَ كَذا وكذا، فضَيَّقَ الناسُ المنازِلَ، وقطعوا الطريقَ، فبعثَ نبيُّ الله r مُنادياً يُنادي في النَّاسِ: "أنَّ مَن ضيَّقَ مَنزِلاً، أو قطَعَ طريقاً، فلا جِهادَ له"[[1240]].

      ـ النهي عن الصلاةِ في قارِعَة الطريق[[1241]].

     وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسولُ الله r: "لا تصلوا على جَوادِّ الطريقِ، ولا تنزلوا عليها ..."[[1242]].

      وعنه، قال: قال رسولُ الله r: "إيَّاكُم والتعْرِيسَ على جوادِّ الطريقِ، والصلاةَ عليها؛ فإنها مأوى الحيَّاتِ والسِّباع، وقضاءَ الحاجةِ عليها؛ فإنَّها الملاعِنُ"[[1243]].

     وعن سَيَّار بن المعرور قال: سمعتُ عمر t يخطبُ ويقول: إن رسولَ اللهِ r بنى هذا المسجدِ ونحنُ معهُ المهاجرونَ والأنصار، فإذا اشتَدَّ الزِّحامُ فليسجُدِ الرجلُ منكم على ظهرِ أخيه، ورأى قوماً يُصلونَ في الطريقِ، فقال: صلُّوا في المسجدِ[[1244]].

      ـ ليس للنساءِ أن يَتَوسَّطْنَ الطريق[[1245]].

      عن أبي هريرة، عن النبي r: "ليسَ للنساءِ وسَطُ الطريقِ"[[1246]].

      وعن أبي أسيد الأنصاري، أنَّه سمعَ رسولَ اللهِ r وهو خارجٌ من المسجِدِ، فاختلَطَ الرِّجالُ مع النِّساء في الطريقِ، فقال رسولُ الله r: "اسْتَأخِرْنَ؛ فإنه ليسَ لكنَّ أن تَحْقُقْنَ الطريقَ؛ عليكُنَّ بِحافَّاتِ الطريقِ". فكانت المرأةُ تَلتَصِقُ بالجدارِ؛ حتى إنَّ ثوبَها ليتعلَّقُ بالجدارِ من لصُوقِها به[[1247]].

      ـ أدَبُ السَّلامِ في الطُّرُقَاتِ.

     عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسولُ الله r: "إذا مرَّ رجالٌ بقومٍ فسَلَّمَ رجلٌ عن الذين مَرُّوا على الجالِسين، ورَدَّ من هؤلاءِ واحدٌ؛ أجزَأ عن هؤلاءِ وعن هؤلاء"[[1248]]. 

      وعن زيد بن أسلم، أنَّ رسولَ اللهِ r قال: "يُسَلِّمُ الراكِبُ على الماشي، وإذا سلَّمَ من القومِ أحدٌ أجزَأ عنهم"[[1249]]. 

      وعن عبد الرحمن بن شبل، قال: سمعتُ النبيَّ r قال: "يُسَلِّمُ الراكِبُ على الراَّجِلِ، والرَّاجِلُ على الجالِسِ، والأقَّلُّ على الأكثرِ، فمن أجابَ السَّلامَ كان له، ومَن لم يُجِبْ فلا شيء عليه"[[1250]].

      وعن أبي هريرة، عن النبي r قال: "يُسلِّمُ الراكِبُ على الماشِي، والماشي على القاعِد، والقليلُ على الكثيرِ"[[1251]] متفق عليه.

      ـ الاعتدالُ في المسيرِ، واجتنابُ السُّرعَةِ.

     عن أبي هريرة، عن النبيِّ r قال: "إذا سمِعْتُم الإقامَةَ فامشُوا إلى الصلاةِ، وعليكُم بالسَّكينَةِ والوَقَار، ولا تُسْرِعُوا، فما أدرَكتُم فصَلُّوا، وما فاتَكُم فأتِمُّوا"[[1252]]متفق عليه.

     ـ كم ينبغي أن تكونَ سِعَةُ الطريقِ[[1253]].

      عن أبي هريرة، أنَّ النبيَّ r قال: "إذا اختلَفْتُمْ في الطريقِ؛ جُعِلَ عَرْضُهُ سَبْعَ أذْرُعٍ" مسلم.

      وعنه، قال: قال رسولُ الله r: "اجعلوا الطَّريقَ سَبعةَ أذْرُعٍ"[[1254]].

      وعن ابن عباس، قال: قال رسولُ الله r: "إذا اختلفتُمْ في الطريقِ فاجعلوه سَبعةَ أذرُعٍ"[[1255]].

      وعنه، قال: قال رسولُ الله r: "من بَنى إلى جَنْبِ الطريقِ فليترُك للطريقِ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ، ومَن بنى بناءً فَلْيَدْعَم على حائط جارِه، ولا تتخالَفُوا، ولا تَناجَشُوا، ولا تَسْتَقْبِلُوا السُّوقَ"[[1256]].

 

     

وصلى الله على محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

 

 

* * * * *

 

 

 

            ـ مِمَّا فطرَ اللهُ عليه الخلقَ في الحياة الدنيا، أنْ جعلَ الناسَ في المعاشِ والرِّزقِ درجاتٍ؛ ليَبْتَلِيَ بعضَهم ببعضٍ، ويَتَّخِذَ بَعضُهم بَعضَاً سُخْرِيَّاً[[1257]].

وقال تعالى: )نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ(الزخرف:32.[[1258]].

وقال تعالى: )وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ(النحل:71.

وقال تعالى: )كَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ(الأنعام:53.[[1259]].   

وقال تعالى: ) وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ (محمد:4.

ـ الأمر بالتواضع والرفق والإحسان إلى الخادم أو العبد المملوك؛ فيُطْعَمُ مما يأكل سيدُه، ويلبس مما يلبِس .. ولا يُكلَّف من الأعمال ما لا يطيق.

قال تعالى: )وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ  مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً(النساء:36.[[1260]].

عن أبي هريرة، عن النبي r قال: "إذا أتى أحدَكُم خادِمُهُ بطعامٍ قد وَلِيَ حَرَّه ومَشَّقَتَه ومؤنَتَهُ، فلْيُجلِسْهُ معه، فإن أبى فليُناولْه أُكْلَةً بيَدِهِ"[[1261]].

        وعنه، عن النبي r قال: "إذا جاءَ خادمُ أحَدِكُم بطعامِه؛ قد كفاهُ حرَّهُ وعملَهُ، فإن لم يُقعِدْه معه لياكُلَ، فليُناوِلْه أُكْلَةً من طعامِه"[[1262]].

        وعنه، قال: قالَ رسولُ الله r: "إذا صَنَعَ لأحدِكُم خادِمُهُ طعامَهُ ثم جاءَهُ به، وقد ولِيَ حَرَّهُ ودُخانَه، فلْيُقْعِدْهُ معهُ فليأكُلْ، فإن كانَ الطعامُ مشْفوهاً قليلاً فليَضَعْ في يَدِهِ منهُ أُكْلَةً أو أكلَتَينِ" قال داود: يعني لُقمَةً أو لُقْمتين.[[1263]]مسلم. 

وعن عبد الله بن مسعود، عن النبي r قال: "إذا جاء خادمُ أحَدِكُم بطعامِه فلْيُقْعِدْهُ معه أو ليُناولْهُ منه؛ فإنَّه هو الذي ولِيَ حرَّهُ ودُخانَهُ"[[1264]].

عن زيد بن جارية، قال: قال النبيُّ r في حجَّة الوداع: "أرِقَّاءَكُم، أرِقَّاءَكُم، أرِقَّاءَكُم؛ أَطعموهم مما تأكلون، وأَكْسُهُم مما تلبِسونَ، فإن جاؤُوا بذَنبٍ لا تُريدونَ أن تَغفِرُوهُ؛ فبيعوا عبادَ الله ولا تُعَذِّبوهُم"[[1265]].

وعن أبي ذر، عن النبي r قال: "مَن لاءَمَكُم من خَدَمِكُم فأطعموهم مِمَّا تأكلون، وألبسوهُم مما تلْبسُونَ، ومن لا يُلائِمُكُم من خدَمِكم فبيعوا، ولا تُعَذِّبوا خَلْقَ اللهِ U ["[[1266]. 

وعن أبي ذر، عن النبيِّ r قال: "إنَّ إخوانَكُم خوَلُكُم، جعلَهُم اللهُ تحتَ أيديكُم؛ فمن كان أخوه تحت يديه فليُطْعِمهُ ممَّا يأكُلُ، وليُلبِسْهُ مما يلبَسُ، ولا تُكلِّفوهُم ما يغْلِبُهُم؛ فإنْ كلَّفتُمُوهم ما يَغلِبُهُم فأعينوهم"[[1267]]متفق عليه.

وعن خادِمٍ للنبي r ـ رَجُلٌ أو امرأةٌ ـ، قال: "كانَ مما يقولُ r للخادِمِ ألكَ حاجَةٌ؟ قال: حتَّى كانَ ذاتَ يومٍ فقال: يا رسولَ اللهِ حاجَتِي؟ قال: "وما حاجَتُك ؟" قال: حاجتي أن تَشْفَعَ لي يومَ القيامة. قال: "ومَن دلَّكَ على هذا؟ قال: ربِّي. قال: "أمَّا لا؛ فأَعِنِّي بكثرةِ السجودِ"[[1268]].

وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله r: "ما استَكْبَرَ مَنْ أكلَ معهُ خادِمُهُ، ورَكِبَ الحِمارَ بالأسواقِ، واعتَقَلَ الشَّاةَ فحَلَبَها"[[1269]].

        وعن أبي هريرة، عن النبي r قال: "المملوكُ أخوكَ؛ فإذا صنَعَ لكَ طعاماً فأجْلِسْهُ معَكَ، فإنْ أبَى فأَطعِمْهُ، ولا تَضرِبوا وجُوهَهُم"[[1270]].

وعن أبي مَحْذُورةٍ قال: "كنتُ جالِساً عند عمر t، إذ جاء صفوان بنُ أُميَّةَ بِجَفْنَةٍ يحمِلُها نفرٌ في عباءَةٍ، فوضعوها بين يدَي عمر، فدعا عمرُ ناساً مساكين وأرِقَّاءَ من أرِقَّاء النَّاس حولَه، فأكلوا معه، ثمَّ قال عندَ ذلك: فعلَ اللهُ بقومٍ ـ أو قال: لحا اللهُ قوماً ـ يرغبون عن أرِقَّائِهم أن يأكلوا معهم.[[1271]].

وعن ابن عباس مرفوعاً: "كان r يجلسُ على الأرضِ، ويَعتَقِلُ الشَّاةَ، ويُجيبُ دعوةَ المملوكِ على خُبزِ الشَّعِيرِ"[[1272]].

وعن المقدام بن معدي كرب مرفوعاً: "ما أَطْعَمْتَ نفسَكَ فهو لك صدقةٌ، وما أطعمتَ ولدَكَ فهو لك صدقةٌ، وما أطعمتَ زوجَكَ فهو لك صدقةٌ، وما أطعمتَ خادِمَكَ فهو لك صدَقةٌ"[[1273]].

وعن أنسٍ قال: قدِمَ رسولُ الله r المدينَةَ ليس له خَادمٌ، فأخذَ أبو طلحَةَ بيدي، فانطلقَ بِي إلى رسولِ الله r فقال: يا رسولَ الله إنَّ أنَسَاً غلامٌ كيِّسٌ فليخْدُمكَ، قال: "فخَدَمتُه في الحَضَرِ والسَّفرِ، فواللهِ ما قال لي لشيءٍ صَنعتُهُ: لِمَ صَنعتَ هذا هكَذا؟ ولا لشيءٍ لم أصنَعْهُ: لِمَ لم تصنَعْ هذا هكذا" متفق عليه.

وعنه، قال: خدَمتُ رسولَ اللهِ عَشْرَ سِنينَ، والله ما قالَ لي أُفَّاً قَطُّ، ولا قالَ لي لشيءٍ: لِمَ فَعَلتَ كذا، وهَلاَّ فَعلْتَ كذا؟" مسلم.

وعن أمِّ سلَمَة، أن رسولَ اللهِ r كانَ يقولُ في مرَضِه: "اتَّقوا الله في الصَّلاةِ، وما مَلَكت أَيْمَانُكُم" وجعلَ يُكرِّرها.[[1274]].

وعن أبي هريرةَ، عن رسولِ الله r أنَّه قالَ: "للمملوكِ طعامُهُ وكُسْوَتُهُ، ولا يُكلَّفُ من العملِ إلا ما يُطيقُ" مسلم.

وعن جابر بن عبد الله قال: كان النبيُّ r يوصي بالمملوكين خيراً، ويقول: "أطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم من لبوسِكم، ولا تُعَذِّبوا خلقَ الله U"[[1275]].

وعن المعرورِ بنِ سُوَيْدٍ قال: مرَرنا بأبي ذرٍّ بالرَّبَذَةِ، وعليه بُردٌ وعلى غُلامِه مثلُهُ، فقلنا: يا أبَا ذَرٍّ لو جمعتَ بينهما كانت حُلَّةً، فقال: إنَّه كان بيني وبين رجلٍ من إخواني كلامٌ، وكانت أُمُّه أعجميَّةً، فعَيَّرْتُهُ بأُمِّه، فشكاني إلى النبيِّ r، فلقيتُ النبيَّ r فقال: "يا أبَا ذَرٍّ إنَّكَ امرؤٌ فيكَ جاهليَّةٌ، هم إخوانُكُم، جعلَهُمُ اللهُ تحتَ أيدِيكُم، فأطعموهُم مِمَّا تأكلُون، وألبِسُوهُم مِمَّا تلْبَسُونَ، ولا تُكَلِّفُوهم ما يَغلِبُهم، فإن كلَّفتُمُوهم فأعينُوهُم" مسلم.

عن عُبادةَ بنِ الوليدِ بنِ عُبادةَ بنُ الصَّامتِ قال: خرجتُ أنا وأبي نَطلُبُ العلمَ في هذا الحيِّ من الأنصارِ، قبل أن يَهلِكُوا، فكان أوَّلُ مَن لَقِينا أبا اليَسَرِ؛ صاحِبَ رسولِ الله r، ومعَهُ غلامٌ له، معهُ ضِمامةٌ من صُحُفٍ، وعلى أبي اليَسَر بُردَةٌ ومَعَافِرِيٌّ، وعلى غُلامِه بُردَةٌ ومعافرِيٌّ، قال: فقلت له: ياعَمِّ لو أنَّكَ أخذتَ بُردَةَ غلامِكَ وأعْطَيتَهُ معَافِرِيَّكَ، وأخذتَ مَعَافرِيَّهُ وأعطيتَهُ بُردَتَكَ، فكانت عليك حُلَّةٌ وعليه حُلَّةٌ، فمسَحَ رأسي وقال: اللهمَّ باركْ فيه، يا ابنَ أخي بَصَرُ عينَيَّ هاتَينِ، وسَمْعُ أُذُنَيَّ هاتَيْنِ، ووعَاهُ قلبي هذا ـ وأشار إلى مَناطِ قلبِه ـ رسولَ الله r وهو يقول: "أطعِمُوهُم مِمَّا تأكلونَ، وألبِسوهُم مِمَّا تَلْبَسُونَ"، وكان أن أعطيتُهُ من متاعِ الدنيا أهونَ عليَّ من أن يأخُذَ من حسَناتي يومَ القيامةِ.مسلم[[1276]].

وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسولُ الله r: "ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه نَشرَ اللهُ عليه كنَفَهُ، وأدخلَهُ الجنَّة: رِفقٌ بالضعيفِ، والشَّفَقَةُ على الوالدين، والإحسانُ على المملوكِ"[[1277]]. 

ـ فيمن يمنع فضلَهُ وخيرَهُ عن خادِمه، أو يظلمه في أجْرِه.

عن معاوية بن حيدَة، عن النبي r قال: "لا يأتي رجلٌ مولاهُ يسألُهُ فضلاً عندَهُ فيمْنعهُ إيَّاه إلا دُعِيَ له يومَ القيامَةِ شُجَاعاً يتلمَّظُ فضلَه الذي منَعَ"[[1278]].

وعن ابن عمر، عن النبيِّ r قال: "إن أعظمَ الذنوبِ عند الله رجلٌ استعملَ رجلاً فذهبَ بأجرته ..."[[1279]].

وعن أبي هريرة، عن النبي r قال: "قالَ اللهُ: ثلاثةٌ أنا خَصمُهُم يومَ القيامة ـ منهم ـ: ورجلٌ استأجرَ أجيراً فاستوفى مِنْهُ ولم يُعْطِهِ أجرَه[[1280]]" البخاري.

ـ الاسم الذي يُنادَى السيِّدُ به خادمَه المملوك .. والاسم الذي يُنادِي به المملوكُ سيدَه.

عن أبي هريرة، عن النبيِّ r قال: "لا يَقولَنَّ أحدُكُم: عَبدِي؛ فكلُّكُم عبيدُ اللهِ، ولكن ليقُلْ: فتاي، ولا يَقل العبدُ: ربِّي، ولكن ليقُلْ: سيدي" مسلم.

        وعنه، عن النبي r قال: "لا يقولَنَّ أحدُكُم: عبدي وأمَتي، ولا يقولَنَّ المملوكُ: ربِّي وربَّتي، وليقُل: فتاي، وفتاتي، وسيدي وسيدتي؛ كلُّكُم مملوكٌ، والربُّ اللهُ عزَّ وجل" متفق عليه.

        وعنه، عن النبي r أنه قال: "لا يَقُلْ أحدُكُم: أطعِمْ ربَّكَ، وضِّئْ ربَّكَ، اسقِ ربَّكَ، وليقُل سيدي مولاي، ولا يقُلْ أحَدُكُم: عبدي أمَتي، وليَقُل: فتَايَ وفتاتي، وغُلامي"[[1281]] متفق عليه.

ـ إمامَةُ العبدِ المملوكِ للحر في الصلاة، وشؤون الحكم، والسياسة، إن ولِّيَ أميراً من قِبَل الخليفةِ أو الحاكِمِ العام.

عن أبي سعيد مولى أبي أُسيد، قال: تزوجتُ وأنا مملوكٌ، فدَعوتُ نفَراً من أصحابِ النبيِّ r فيهم ابن مسعود، وأبو ذر، وحذيفة، قال: وأُقيمَت الصلاة، قال: فذهبَ أبو ذر ليتقدَّم، فقالوا: إليك[[1282]]! قال: أوَكَذلك؟ قالوا: نعم، قال: فتقدَّمتُ بهم وأنا عبدٌ مملوك[[1283]].

وعن أُمِّ الحصين، قالت: قال رسولُ الله r: "إن أُمِّرَ عليكم عبدٌ مُجَدَّعٌ[[1284]] يقودُكم بكتابِ الله، فاسمعوا له وأطيعوا" مسلم.

وعن أنس بن مالك، قال: قال رسولُ الله r: "اسمعُوا وأَطيعُوا، وإن استُعمِلَ عليكم عبدٌ حبَشيٌّ، كأنَّ رأسَهُ زَبيبَةٌ" البخاري.

وعن العِرباض بن سارية قال: صلَّى بنا رسولُ الله r ذاتَ يومٍ، ثم أقبلَ علينا، فوعَظنا موعِظَةً بليغةً، ذرفَت منها العيون، ووَجلَت منها القلوب، فقال قائلٌ: يا رسولَ الله كأن هذه موعِظةُ مُودِّعٍ، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: "أُوصيكُم بتقوى الله، والسَّمْعِ والطَّاعةِ وإن عبداً حبَشيَّاً، فإنَّه مَن يَعِشْ منكم بعدي فسيَرَى اختلافاً كثيراً، فعليكُم بِسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاءِ المهْدِيِّينَ الرَّاشدين؛ تمَسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنَّواجِذِ، وإيَّاكُم ومُحْدَثاتِ الأمورِ فإنَّ كُلَّ مُحْدَثةٍ بِدْعَةٍ، وكُلَّ بدعةٍ ضلالةٌ"[[1285]].

ـ الأمر بعتقِ الرقاب وتحريرها[[1286]].

       قال تعالى: )فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ . فَكُّ رَقَبَةٍ(البلد:11-13.

        وقال تعالى: )لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ(البقرة:177.

وقال تعالى: )إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ([[1287]]التوبة:60.  

وقال تعالى: )وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ(النور: 33.

وعن البراء بن عازب t قال: جاء أعرابي إلى رسولِ الله r فقال: يا رسولَ الله! علِّمني عمَلاً يُدخِلَني الجنَّة. قال: "إن كنت أقصَرتَ الخُطبَة لقد أعرَضتَ المسألة؛ أعتِقِ النَّسمةَ، وفُكَّ الرقَبةَ". قال: أليستا واحدةً؟ قال: "لا؛ عِتقُ النَّسمَةِ أن تَفرَّدَ بعتقِها، وفكُّ الرَّقَبةِ أَن تُعطي في ثَمَنها"[[1288]].

وعن أبي أُمامة، قال: أقبَلَ النبيُّ r معهُ غُلامان، فوهبَ أحدَهُما لعليِّ، وقال: "لا تضْرِبهُ؛ فإنِّي نُهيتُ عن ضربِ أهلِ الصلاةِ، وإنِّي رأيتُهُ يُصلي منذُ أقبلنا". وأعطى أبا ذرٍّ غلاماً، وقال: "استوصِ به معروفاً"، فأعتقَهُ، فقال: "ما فعل؟"، قال: أمرتني أن أستوصي به خيراً؛ فأعتَقتُه.[[1289]]. 

وعن أسماء بنت ابي بكر رضي الله عنها، قالت: "أمَرَ النبيُّ r بالعتَاقَةِ في كُسُوفِ الشمس" البخاري.

وعنها، قالت: "كنَّا نؤمَر عِندَ الخُسُوفِ بالعَتَاقَةِ"[[1290]]البخاري.

وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسولُ الله r: "ما زالَ جبريلُ يُوصيني بالجارِ حتى ظننتُ أنه يُورِّثُه، وما زال يوصيني بالمملوكِ حتى ظننتُ أنه يَضربُ له أجَلاً أو وقتاً إذا بلغَه أُعتِق"[[1291]].

ومما أوصى به عمر t حين طُعِن، وحضرته الوفاة: "كلُّ مملوكٍ لي عَتِيق"[[1292]]. أي هو حر.

ـ فيمن يعتق رقاب العباد كم له من الأجر والثوابٍ.

وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله r: "أيُّما رجلٍ أعتَقَ امرأ مسلماً؛ استنقَذَ اللهُ بكلِّ عُضوٍ منهُ عضواً منه منَ النارِ". قال سعيد بن مُرجانَة: فانطلقتُ به إلى عليِّ بن الحُسين، فعمَدَ عليُّ بنُ الحسين إلى عبدٍ له ـ قد أعطاهُ به عبدُ الله بن جعفر عشرَةَ آلافِ دِرهم أو ألفَ دينارٍ ـ فأَعتَقَه. متفق عليه.

        وعن أبي هريرة، عن النبي r قال: "مَن أعتَقَ رقبةً مُسلمةً؛ أعتَقَ اللهُ بكلِّ عُضْوٍ منه عضواً من النارِ حتى فَرْجَهُ بِفَرْجِه" متفق عليه.

وعن أبي موسى قال: قال رسولُ الله r: مَن كانت له جاريةٌ فَعَالَهَا فأحسَنَ إليها، ثم أعتَقَها وتزوجَها كان له أجران" متفق عليه.

وعن أبي أُمَامَةَ، عن النبيِّ r قال: "أيما امرئٍ مسلم أعتقَ امرأً مسلماً؛ كان فكاكَه من النار؛ يُجزئُ كلُّ عضوٍ منه عُضواً منه. وأيُّما امرئ مسلمٍ أعتقَ امرأتين مُسلمتين كانت فكَاكَهُ من النار؛ يُجزئُ كلُّ عضوٍ منهما عُضواً منه. وأيُما امرأةٍ مُسلمةٍ أعتَقَت امرأةً مسلمةً؛ كانت فَكاكها من النار؛ يُجزئُ كلُّ عضوٍ منها عضواً منها"[[1293]]. 

وعن عقبة بن عامر، قال: قال رسولُ الله r: "مَن أعتَقَ رقبةً مؤمِنةً فهي فَكَاكُه من النارِ"[[1294]].

وعن شُعبة الكوفي قال: كنا عند أبي بردة بن أبي موسى فقال: أي بَنيَّ! ألا أُحدثُكم حديثاً حدَّثني أبي عن رسول الله r؟ قال: "من أعتقَ رقبةً؛ أعتَقَ اللهُ بكلِّ عضوٍ منها عضواً منه من النارِ"[[1295]].

وعن عبد الرحمن بن عوف t قال: قال رسول الله r: "أيُّما امرئٍ مسلمٍ أعتَقَ امرأً مُسلماً، فهو فكاكُه من النَّارِ، يُجزَى بكلِّ عظمٍ منه عظماً منه. وأيَّما امرأةٍ مُسلمةٍ أعتَقَت امرأةً مُسلمةً فهي فكاكُها من النارِ؛ يُجزى بكلِّ عظمٍ منها عظماً منها، وأيَّما امرئٍ مُسلمٍ أعتَقَ امرأتين مُسلمتين فهما فَكاكُهُ من النَّارِ؛ يُجزى بكل عظمين من عِظامها عظماً منه"[[1296]].

وعن أبي نجيح السلمي t قال: "حاصَرنا مع رسولِ الله r الطائفَ، وسمعتُ رسولَ الله r يقول: "أيما رجلٍ مسلمٍ أعتقَ رجلاً مسلماً؛ فإنَّ الله U جاعلٌ وِقاءَ كلِّ عظمٍ من عظامِه عَظْماً من عِظامِ محرَّرِه . وأيما امرأةٍ مسلمة أعتقت امرأةً مسلمةً؛ فإن الله U جاعلٌ وِقاءَ كلِّ عظمٍ من عظامِها عظماً من عظامِ مُحرَّرِتها من النار"[[1297]].

وعنه قال: قال رسولُ الله r: "مَن أعتَقَ رقبةً مؤمنةً؛ كانت فِداءَهُ من النار"[[1298]]

        وعن أبي سعيدٍ الخدري t؛ أنه سمعَ رسولَ الله r يقول: "خمسٌ من عمِلَهُنَّ في يومٍ كَتَبهُ الله من أهل الجنة: من عاد مريضاً، وشهِدَ جنازةً، وصامَ يوماً، وراحَ إلى الجمعَةِ، وأعتَقَ رَقَبةً"[[1299]].

وعن حكيم بنُ حِزامٍ، وكان قد أعتَق في الجاهليَّةِ مائةَ رقَبَة، وحَمَلَ على مائةِ بعيرٍ، فلما أسلم حمَلَ على مائة بعيرٍ، وأعتَقَ مائةَ رقبةٍ، قال: فسألتُ رسولَ الله r، أرأيتَ أشياءَ كنتُ أصنَعُها في الجاهلية، كنتُ أتحَنَّثُ بها؛ يعني أتبرَّرُ بها؟ قال: فقال رسولُ الله r: "أسلمْتَ على ما سَلَفَ من خيرٍ"[[1300]] متفق عليه.

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله r: "لا يجزي ولَدٌ والِدَهُ إلا أن يجِدَه مملوكاً فيشتريَهُ فيُعْتِقَهُ" مسلم.

 

ـ الأمرُ بالصَّبِر على الخادِمِ، والعفوِ عن أخطائهِ وزَلَّاتِه ما أمكن لذلك سبيلاً، ما لم يكن قد أصابَ حَدَّاً من حدودِ الله.

عن العباس بن جُليدٍ الحجري، قال: سمعتُ عبد الله بن عمرو يقول: جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ r فقال: يا رسولَ الله كم نعفو عن الخادِمِ؟ فَصَمَتَ، ثمَّ أعادَ عليه الكلامَ، فصَمَت، فلما كان في الثَّالِثةِ، قال: "اعْفُوا عنه في كُلِّ يومٍ سَبعينَ مرةً"[[1301]].

عن عمرو بن حبيب أنه قال لسعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان: أمَا علِمتَ أنَّ رسولَ اللهِ r قال: "خابَ عبدٌ وخَسِرَ لم يجعَلِ اللهُ تعالى في قلبِهِ رحمةً لِلبَشَرِ"[[1302]].

ـ فيمن يقتل أو يعذِّبُ أو يَضربُ عبداً مملوكاً.

وعن أبي مسعود، قال: كنتُ أضربُ غلاماً لي فسمعتُ من خلفي صوتاً: "اعلَم أبا مسعودٍ للَّهُ أقدَرُ عليك منك عليه"، فالتفَتُّ فإذا هو رسولُ اللهِ r، قلتُ: يا رسولَ الله هو حُرٌّ لوجهِ الله، فقال: "أمَا لو لم تفعَلْ للفَحَتكَ النارُ أو لَمَسَّتْكَ النَّارُ" مسلم.

        وعن زَاذَان أنَّ ابن عُمر دعا بِغُلامٍ له، فرأى بظهره أثَراً، فقال له: أوجعتُكَ؟ قال: لا، قال: فأنتَ عَتِيقٌ. قال: ثُمَّ أخذَ شيئاً من الأرضِ ـ وفي رواية: عوداً ـ، فقال: ما لِي فيه من الأجرِ ما يَزِنُ هذا؛ إنِّي سمعتُ رسولَ الله r يقول: "مَن ضرَبَ غُلاماً له حدَّاً لم يأتِهِ، أو لَطَمَهُ، فإنَّ كفَّارتَهُ أن يُعْتِقَهُ" مسلم.

        وفي رواية عن ابن عمر قال: سمعتُ رسولَ الله r يقول: "مَن لطمَ مملوكَهُ أو ضَرَبَه فكفَّارَتُهُ أن يُعْتِقَهُ"[[1303]].

وعن هِلالِ بن يَسَافٍ، قال: عَجِلَ شيخٌ فلَطَمَ خادِماً له، فقال له سُوَيْدُ بنُ مُقَرِّنٍ: عجَزَ عليكَ إلاَّ حُرُّ وجهها؟! لقد رأيتُني سابِعَ سَبعةٍ من بني مُقَرِّنٍ، ما لَنا خادِمٌ إلا واحدةً لطمَها أصغَرُنا، فأمَرنا رسولُ الله r أن نُعْتِقَها. مسلم.

وعن أبي هريرة قال: قال أبو القاسم r: "مَنْ قَذَفَ مَمْلوكَهُ بالزِّنا، يُقامُ عليه الحدُّ يومَ القيامَةِ؛ إلا أن يكونَ كَما قالَ" مسلم.

وعنه، قال: قال رسولُ الله r: "مَن ضربَ مملوكَهُ ظلماً اقتُصَّ منه يومَ القيامَةِ"[[1304]].

وعن عمَّار بن ياسر قال: لا يضربُ أحدٌ عبداً له، وهو ظالمٌ له، إلا أُقِيدَ منهُ يومَ القيامَةِ"[[1305]].

عن عائشة: أنَّ رجلاً قعد بين يدي رسولِ الله r فقال: يا رسولَ الله إنَّ لي مملوكين؛ يكذبونني، ويخونونني، ويَعصونني، وأشتُمهم وأضربهم، فكيف أنا منهم؟

قال r: "يُحسَبُ ما خانُوكَ وعَصَوكَ وكذَّبُوكُ وعقابُك إيَّاهُم؛ فإن كان إيَّاهم بقَدْرِ ذنوبِهمْ كان كفَافَاً؛ لا لَكَ ولا عليك، وإن كان عِقابُكَ إيَّاهُم دونَ ذُنوبهم كان فَضْلاً لك، وإن كان عِقابُكَ إيَّاهُم فوقَ ذنوبِهم اقتُصَّ لهم مِنك الفِضْلُ".

قال: فتنحَّى الرجلُ فجعلَ يبكي ويهتفُ، فقال رسولُ الله r أما تقرأ كتابَ الله:) وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً(الأنبياء:47.الآية.

فقال الرجلُ: واللهِ يا رسولَ الله ما أجدُ لي ولهم شيئاً خيراً من مُفارقَتِهم؛ أُشهِدُك أنَّهم أحرارٌ كلُّهم[[1306] ].

وعن سَمُرَةَ بن جُندب أنَّ النبيَّ r قال: "مَن قتَلَ عبدَه قتلناهُ، ومَن جدَعَ عبدَهُ جدَعْناهُ، ومَن أخصَى عبدَهُ أخْصيناه"[[1307]].

وعن عبد الله بن عمرو قال: جاء رجلٌ مُستصرِخ إلى النبيِّ r فقال: جاريةٌ له يا رسولَ الله! فقال: "وَيْحَك ما لَك "؟ قال: شرَّاً؛ أبصرَ لسيدِهِ جارية له، فغارَ؛ فجبَّ مذاكيرَهُ، فقال رسولُ الله r: "عليَّ بالرجلِ"، فطُلِبَ فلم يُقدَر عليه، فقال رسولُ الله r: "اذهَبْ فأنتَ حُرٌّ"، فقال: يا رسولَ الله على مَن نُصرَتي؟ قال: "على كلِّ مؤمنٍ" أو قال: "كُلِّ مُسلمٍ"[[1308]].

ـ للخادم المملوك واجبٌ نحو سيدِه[[1309]].

       وعن ابن عمر، عن النبيِّ r أنه قال: "أَلا كلُّكُم راعٍ، وكلُّكُم مسؤولٌ عن رعيَّتِه؛ فالأميرُ الذي على النَّاس راعٍ، وهو مسؤولٌ عن رعيَّتِه، والرجلُ راعٍ على أهلِ بيتِهِ وهو مسؤولٌ عنهم، والمرأةُ راعيةٌ على بيتِ بَعلِها ووَلَدِه، وهي مسؤولةٌ عنهُم، والعَبْدُ راعٍ على مالِ سيِّدِه وهو مسؤولٌ عنه، أَلا فكلُّكُم راعٍ، وكلُّكم مسؤولٌ عن رعِيَّتِهِ" متفق عليه. مسلم.  وفي رواية عند البخاري: "والخادِمُ في مالِ سيِّدِه راعٍ، وهو مَسؤولٌ عن رعيَّتِه"[[1310]].

        وعن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله r قال: "نِعِمَّا لأحَدِهم أن يُطيعَ الله، ويؤدِّي حقَّ سيِّدِه "؛ يعني المملوك[[1311]].

ـ للخادم المملوك أن يتصدَّقَ من مالِ سيده من دون علمه.

عن عُمير مولى آبِي اللَّحمِ، قال: كُنتُ مملوكاً، فسألتُ رسولَ اللهِ r: أَأَتصدَّقُ من مالِ موالِيَّ بشيءٍ؟ قال: "نعم، والأجرُ بينكما" مسلم.

ـ ما للخادِم المملوكِ من أجرٍ إن أدى حقَّ سيدِه عليه.

       وعن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله r: "إذا أدَّى العبدُ حقَّ اللهِ وحقَّ مواليه؛ كانَ له أجران" مسلم.

وعن ابن عمر، أن رسولَ الله r قال: "العبدُ إذا نصحَ سيِّدَهُ، وأحسنَ عبادَة ربهِ، كان له أجرُهُ مرتين" متفق عليه.

        عن أبي هريرةَ قال: قال رسولُ الله r: "للعبد المملوك المُصْلِح أجران"؛ والذي نفسُ أبي هريرة بيده، لولا الجهادُ في سبيلِ الله، والحَجُّ، وبِرُّ أُمي؛ لأحببتُ أن أموتَ وأنا مملوكٌ. متفق عليه.

وعن ابن عمر، أن رسولَ الله r قال: "إنَّ العبدَ إذا نصحَ لسيِّدِه، وأَحْسَنَ عِبادَةَ الله؛ فله أجرُهُ مرتين" متفق عليه.

        وعن أبي هريرة، قال:  قال رسولُ الله r: "إذا أدَّى العبدُ حقَّ اللهِ وحَقَّ موالِيه، كان له أجران" مسلم.

        وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله r: "نِعِمَّا للمَمْلُوكِ أنُ يُتَوفَّى؛ يُحسِنُ عِبادَة الله، وصحَابَةَ سيِّدِهِ، نِعِمَّا له" مسلم.

        وعن أبي موسى الأشعري قال: قال رسولُ الله r: "المملوكُ الذي يُحسِنُ عبادَةَ رَبِّه، ويؤدِّي على سيِّدِه الذي عليه من الحقِّ والنصيحة والطاعة؛ له أجران" البخاري.

وعنه، قال: قال رسولُ الله r: "ثلاثةٌ لهم أجران: رجلٌ من أهلِ الكتابِ آمنَ بنبيِّهِ وآمَنَ بمحمدٍ r، والعبدُ المملوكُ إذا أدَّى حقَّ الله وحقََّ مواليهِ، ورجلٌ كانت له أمَةٌ فأدَّبها فأحسنَ تأديبَها، وعلَّمَها فأحسَنَ تعليمَها، ثمَّ أعتقَها فتزوَّجها؛ فله أجران" متفق عليه.

وعن أبي بكر الصديق t قال: "لا يدخل الجنَّةَ بخيل، ولا خبٌّ، ولا خائنٌ، ولا سيءُ الملكَةِ، وأول من يقرع بابَ الجنةِ المملوكون إذا أحسنوا فيما بينهم وبين الله U، وفيما بينهم وبين مواليهم"[[1312]].

وعن أبي رافع قال: مرَّ بي عمر بن الخطاب وأنا أصوعُ وأقرأ القرآنَ، قال: يا أبا رافعٍ لأنتَ خيرٌ من عمر؛ تؤدي حقَّ الله، وحقَّ مواليك"[[1313]].

وعن أنس بن مالك أن النبيَّ r مرَّ في بعضِ سِككِ المدينة، فرأى رجلاً أسودَ ميتاً قد رموا به في الطريق، فسألَ بعضَ من ثمَّ عنه، فقال: "مملوكُ مَن هذا "؟ قالوا: مملوكٌ لآلِ فلانٍ، فقال: "أكنتم ترونَه يُصلي "؟ قالوا: كنا نراهُ أحياناً يُصلي وأحياناً لا يُصلي، فقال:" قوموا فاغسلوه وكفِّنُوه"، فقاموا فغسَّلُوه وكفَّنوه، وقامَ رسولُ اللهِr  فصلَّى عليه، فلمَّا كبَّر، قال: "سُبحانَ الله، سبحان الله"، فلما قضَى رسولُ الله r صلاتَه قال له أصحابُه: يا رسولَ الله سمعناك لما كبَّرت تقول: "سبحان الله، سبحان الله"، فلِمَ قلتَ سبحان الله سبحان الله؟ قال: "كادَتِ الملائكةُ أن تحولَ بيني وبينَهُ من كثرةِ ما صلُّوا عليه"[[1314]].

ـ في العبدِ الآبقِ والعاقِّ لسيِّدِه.

وعن جرير قال: قال رسولُ الله r: "ايُّما عبدٍ أبَقَ فقد بَرِئَتْ منهُ الذِّمَّةُ" مسلم.

        وعنه، عن النبي r قال: "إذا أبَقَ العبدُ لم تُقبَل له صلاةٌ" وفي رواية: "فقد كفَرَ حتى يَرْجِعَ إليهم"[[1315]] مسلم.

وعن فضالة بن عُبيدٍ، عن النبيِّ r قال: "ثلاثة لا تسأل عنهم ـ منهم ـ: وعبدٌ أَبَقَ من سيِّدِه فماتَ"[[1316]].

وعن ابن عمر قال: قال رسولُ الله r: "اثنانِ لا تُجاوِزُ صلاتُهما رؤوسَهما: عبدٌ أبَقَ من مواليه حتى يرجِعَ، وامرأةٌ عصَت زوجَها حتى تَرْجِعَ"[[1317]].

ـ فيمن يُفسِد ويُخبِّب مملوكاً على سيدِه.

عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله r: "مَن خَبَّبَ زوجةَ امرئٍ، أو مملوكَهُ فليس مِنَّا"[[1318]].

عن بُرَيْدةَ، قال: قال رسولُ الله r: "ليس منَّا من حلَفَ بالأمانةِ، ومَن خَبَّبَ على امرئٍ زوجَتَهُ أو مَمْلُوكَهُ فليس مِنَّا"[[1319]].

 

 

وصلى الله على محمد النبيِّ الأمي، وعلى آله وصحبه وسلَّم.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

 

* * * * *

 

 

 

 

 

 

 

      قال تعالى: ]وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ[الأنعام:152.

وقال تعالى: )وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً(النساء:2.

        وقال تعالى: ]وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لاعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(البقرة:220.

وقال تعالى: )إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً[[1320]](النساء:10.  

وقال تعالى: ]كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ . وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ[الفجر:17- 18.

وقال تعالى: ]فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ . وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ[الضحى:9- 10.

وقال تعالى: ]فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ . وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ[الماعون:2- 3[[1321]].

ـ من الموبِقَاتِ والكبائرِ السَّبعِ أكلُ مالِ اليتيمِ ظلماً وعدواناً.

عن أبي هريرة، عن النبيِّ r قال: "اجتنبوا السَّبعَ الموبِقات". قالوا: يا رسولَ الله، وما هُنَّ؟ قال: "الشِّركُ بالله، والسِّحرُ، وقتلُ النَّفسِ التي حرَّمَ اللهُ إلا بالحقِّ، وأكلُ الرِّبا، وأكلُ مالِ اليَتِيمِ، والتولِّي يومَ الزَّحْفِ، وقَذفُ المُحصَناتِ المؤمناتِ الغافِلات" متفق عليه.

            وفي رواية عند مسلم: "وأكلُ مَالِ اليتيمِ، وأكلُ الرِّبا". فقدَّم أكلَ مالِ اليتيم على أكلِ الرِّبا.

          وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسولُ الله r: أبْشِروا، أبْشِروا؛ إنه مَن صلَّى الصلواتِ الخَمْس، واجتنبَ الكبائرَ، دخلَ من أيِّ أبوابِ الجنَّةِ شاء: عُقوقَ الوالدين، والشِّركَ بالله، وقتلَ النَّفسِ، وقَذفَ المُحصناتِ، وأكلَ مالِ اليتيمِ، والفِرارَ من الزَّحفِ، وأكلَ الرِّبا"[[1322]].

          وعن عُمير بن قتادة الليثي، عن النبي r قال: "الكبائرُ تِسعٌ: أعظمَهنَّ إشراكٌ بالله، وقتلُ النَّفسِ بغيرِ حقٍّ، وأكلُ الرِّبا، وأكلُ مالِ اليتيمِ، وقذفُ المُحصنةِ، والفِرارُ يومَ الزَّحفِ، وعُقوقُ الوالدين، واستحلالُ البيتِ الحرامِ؛ قِبلَتِكُم أحياءً وأمواتاً"[[1323]].

        وعن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله r: "اللَّهُمَّ إنِّي أحَرِّجُ حَقَّ الضَّعِيفَين: اليتيمِ، والمرأةِ"[[1324]].

ـ يُستثنى الكفيلُ الفقير؛ فله أن يأكلَ من مالِ اليتيم الذي يرعاهُ ويُصلِحُه وينميه بقدر ما لَه من أجرٍ بالمعروف.

        عن عروة بن الزبير أنه سمع عائشة رضي اللهُ عنها تقول: )وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ(النساء:6. أُنزِلَت في والي اليتيم الذي يُقيم عليه ويُصلِحُ في مالِه، إن كان فقيراً أكل منه بالمعروف" متفق عليه.

          وفي رواية عند مسلم: "أُنزِلَت في والي مالِ اليتيمِ الذي يَقومُ عليه ويُصْلِحُهُ، إذا كان مُحتَاجاً أن يَأكلَ منه".

وفي رواية: "أن يُصيبَ من مالِه، إذا كان محتاجاً بِقَدْرِ مَا لَهُ بالمعروفِ". 

ـ الحدُّ الذي به يُعرفُ اليتيم، ويُميَّز عن غيره[[1325]].

قال تعالى: )وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ(النساء:6.

عن ذَيَّال بن عبيد، قال: سمعتُ جدِّي حنظلَة يقول: قال رسولُ الله r: "لا يُتْمَ بعدَ احتلامٍ، ولا يُتْمَ على جاريَةٍ إذا هي حاضَت"[[1326]].

وعن علي بن أبي طالب t، عن النبي r قال: "لا يُتمَ بعد احتلامٍ"[[1327]].

وعن ابن عباس قال: "أما الصبي فينقطعُ عنه اليُتْمُ إذا احتلَمَ"[[1328]].

وفي رواية عنه عند مسلم: "لا ينقطعُ عنه اسمُ اليُتمِ حتى يبلُغَ، ويُؤنسَ منه رُشْدٌ". وفي رواية: "إنَّ الرجلَ لتنبتُ لِحيَتُهُ وإنَّهُ لضعيفُ الأخذِ لِنفسِه، ضعيف العطاءِ منها[[1329]]، فإذا أخذَ لنفسِه من صالحِ ما يأخذُ النَّاسُ، فقد ذهبَ عنه اليُتمُ" مسلم.

ـ فيمن يكفلُ يتيماً ويسعى على رعايته وتربيته والنفقة عليه، وما له من أجرٍ وثوابٍ، وفضل.

عن سهل بن سعد السَّاعدي، عن النبيِّ r قال: "أنا وكافِلُ اليتيمِ في الجنَّةِ هكَذا "؛ وأشارَ بالسَّبَّابةِ والوسطى، وفرَّجَ بينهما شيئاً. البخاري.

وعن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله r: "كافِلُ اليتيمِ، له أو لغيره[[1330]]، أنا وهو كهاتينِ في الجنةِ" وأشارَ مالِكٌ بالسَّبَّابةِ والوُسْطَى. مسلم.

وفي رواية عند أحمد: "كافِلُ اليتيمِ، له أو لغيره، أنا وهو كهاتينِ في الجنةِ، إذا اتقى الله".

وعن بِشر بن عقربة، قال: استُشهِدَ أبي مع النبيِّ r في بعضِ غزواتِهِ، فمرَّ بي النبيُّ r وأنا أبكي، فقال لي: "اسكُتْ أما ترضى أن أكونَ أنا أبوكَ، وعائشةُ أمُّكَ"[[1331]].

وعن مالك بن الحارث، أنه سمعَ النبيَّ r يقول: "مَن ضَمَّ يتيماً بين أبوين مسلمين إلى طعامِه وشَرابِه حتى يستغني عنه؛ وجَبَت له الجنَّةُ"[[1332]].

وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله r: "إن هذا المالَ خَضِرٌ حُلوٌ، ونِعمَ صاحِبُ المسلمِ هو لمن أعطَى منه المسكينَ واليتيمَ وابنَ السبيلِ، وإنه من يأخُذُه بغيرِ حقِّهِ كان كالذي يأكُلُ ولا يَشبَعُ، ويكونُ عليهِ شهيداً يومَ القيامةِ" متفق عليه.

وعن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله r: "السَّاعي على الأرملَةِ والمِسْكِينِ كالمجاهدِ في سبيلِ الله، وكالقائمِ لا يَفْتُرُ، وكالصَّائمِ لا يُفْطِرُ" متفق عليه.

وعن أبي بكر بن حَفْص: "أنَّ عبدَ الله ـ أي ابن مسعود ـ كان لا يأكلُ طعاماً إلا وعلى خِوانِه يَتيم"[[1333]].

ـ بالرِّفقِ باليتيمِ، ورحمته، تَلِينُ القلوبُ، وتُدرَكُ الحاجات.

عن أبي هريرة أنَّ رجلاً شكا إلى رسولِ الله r قَسوةَ قلبهِ، فقال له: "إن أرَدْتَ تليينَ قلبِكَ؛ فأطعم المسكيَن، وامسَح رأسَ اليتيم"[[1334]].

وعن أبي الدرداء، عن النبي r قال: "أدنِ اليتيمَ منكَ، وألطفهُ، وامسَحْ برأسِهِ، وأطعمهُ من طعامِكَ، فإنَّ ذلك يلينُ قلبَكَ، ويُدركُ حاجتَكَ"[[1335]].

وفي رواية عنه، عن النبيِّ r قال: "أتحبُّ أن يَلينَ قلبُكَ، وتُدرِكَ حاجَتَكَ؟ ارحم اليتيمَ، وامسَحْ رأسَهُ، وأطعِمْهُ من طعامِكَ، يلِنْ قلبُكَ، وتُدرِك حاجَتَكَ"[[1336]]. قاله لرجلٍ أتاه يشكو إليه قَسوة القلب.

عن أنس بن مالك أن رسولَ الله r قال: "اللهُمَّ أحْينِي مِسكيناً، وأمتني مسكيناً، واحْشُرْني في زُمْرَةِ المساكين يومَ القيامة". قالت عائشةُ: لِمَ يا رسولَ الله؟ قال: "إنهم يدخلون الجنَّةَ قبل أغنيائهم بأربعين خريفاً، يا عائشةُ لا ترُدِّي المِسكينَ ولو بِشقِّ تمرةٍ، يا عائشةُ أحبي المساكينَ وقرِّبيهم فإنَّ اللهَ يُقرِّبُكِ يومَ القيامَةِ"[[1337]].

نسأل الله تعالى أن يملأ قلوبنا بالرحمة والشفقة والرفق على الفقراء والمساكين، والضعفاء، وبخاصة منهم اليتامى .. وأن يعيننا على القيام بما يجب نحوهم .. وأن يجعلنا ممن يحبون المساكين .. وأن يحشرنا يوم القيامة مع المساكين وفي زمرتهم .. إنه تعالى سميع قريب.

وصلى الله على محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم.

 

* * * * *

 

ـ للذِمِّي المعاهد الذي يدخل في ذِمَّةِ وعهدِ وأمان المسلمين أن يُوفَّى له بعهدِه وأمانه، وأن لا يُساءَ إليه في شيء من حرماته وحقوقِه؛ لا في نفسِه، ولا مالِه، ولا عِرضه .. وكذلك من يدخل من المسلمين في عهدهم وأمانهم في بلادهم أن يوفِّي لهم بما عاهدهم وآمنهم عليه، وأن لا يغدر بهم في شيء.

قال تعالى: )وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ(النحل:91.

وقال تعالى: )وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً(الإسراء:34.

وقال تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ(المائدة:1.

وقال تعالى: )وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ([[1339]]الأنفال:72.

وقال تعالى: )وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ(التوبة:6.

وقال تعالى: )الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ . وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ(. إلى قوله تعالى: )أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ(الرعد:20-24.

وقال تعالى: )وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ(المعارج:32.

وقال تعالى: )الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ(البقرة:27.

وقال تعالى: )وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ(الرعد:25.

وفي الحديث، عن أبي رافع قال: بعثَتني قريشٌ إلى رسولِ الله r فلما رأيت رسولَ الله r أُلقِيَ في قلبي الإسلامُ، فقلت يا رسولَ الله إني والله لا أرجعُ إليهم أبداً فقال رسولُ الله r: "إني لا أَخِيسُ بالعَهْدِ ولا أَحبِسُ البُرُدَ، ولكن ارجعْ فإن كان في نفسك الذي في نفسك الآن ـ أي الإسلام ـ فارجِعْ". قال: فذهبت ثم أتيت النبيَّ r فأسلمتُ[[1340]].

وعن حذيفة بن اليمان t قال: ما منعني أن أشهد بدراً إلا أني خرجت أنا وأبي حُسيل ـ والده ـ قال: فأخذَنا كفارُ قريش، قالوا: إنكم تريدونَ محمداً، فقلنا: ما نريدُه، ما نريدُ إلا المدينَةَ، فأخذوا علينا عهدَ اللهِ وميثاقِه لننصرفنَّ إلى المدينة ولا نقاتِلُ معَهُ، فأتينا رسولَ الله r فأخبرناه الخبرَ، فقال: "انصرفا؛ نفي لهم بعهدِهم، ونستعينُ اللهَ عليهم"[[1341]] مسلم.

          وعن عمرو بن عبسةَ السَّلمي قال: سمعتُ رسولَ الله r يقول: "مَن كان بينَهُ وبينَ قومٍ عهدٌ فلا يَشدُّ عُقدةً، ولا يَحُلُّها حتى ينقضِيَ أمَدُها، أو يَنْبِذَ إليهم على سواء"[[1342]].

          وعن أنس بن مالك قال: قال رسولُ اللهِ r: "إن كُنتُم تُحبون أن يُحبَّكُم اللهُ ورسولهُ فحافظوا على ثلاثِ خِصالٍ: صِدقِ الحديثِ، وأداءِ الأمانةِ، وحسنِ الجوارِ"[[1343]].

وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله r: "أدِّ الأمانةَ إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانَك"[[1344]].

وعن أنس بن مالك قال: ما خطَبنا رسولُ الله r إلا قال: "لا إيمانَ لِمَن لا أمانَةَ له، ولا دينَ لمن لا عهدَ له"[[1345]].

عن المقداد بن معد يكرب، عن النبي r قال: "ألا لا يحلُّ ذُو نابٍ من السِّباع، ولا الحمارُ الأهلي، ولا اللقطَةُ من مالِ مُعاهدٍ إلا أن يَستغني عنها"[[1346]].  

وعن سُليمان بن بُرَيدَة، عن أبيه، قال: كان رسولُ الله r إذا أمَّرَ أميراً على جيشٍ أو سريَّةٍ، أوصاهُ في خاصَّتهِ بتقوى الله U ومن معه من المسلمين خيراً، ثم قال: "اغزوا باسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفَرَ بالله، اغزوا ولا تَغُلُّوا، ولا تغدِرُوا، ولا تَمْثُلُوا، ولا تقتلوا وليداً" مسلم.

ـ عواقبُ الغدرِ والخيانة في الدنيا والآخرة.

عن عبد الله بن عمر، عن النبي r قال: "إن الغادر يُنصب له لواءٌ يوم القيامة فيُقال: هذه غدرة فلان بن فلان "متفق عليه.

          وعن عبد الله بن مسعود، قال: قال r: "لكل غادرٍ لواء يوم القيامة يُعرَف به "متفق عليه .

          وعن أبي سعيد الخدري، عن النبي r قال: "لكل غادرٍ لواءٌ عند أسته يوم القيامة" مسلم . وفي رواية: "لكل غادرٍ لواء يوم القيامة يُرفع له بقدر غدره" مسلم.

          وعن ابن عمر، قال: قال رسولُ الله r: "إذا جَمعَ اللهُ الأولين والآخرين يومَ القيامةِ، رُفِعَ لكل غادرٍ لواء، فقيل: هذه غَدْرةُ فلان بن فلان"[[1347]].

          وعن عمرو بن الحمق الخزاعي، عن النبي r قال: "من أمّن رجلاً على دمه فقتله فأنا بريء من القاتل، وإن كان المقتول كافراً"[[1348]]. وفي رواية: "مَن أمَّن رجلاً على دمه فقتله فإنه يحمل لواء غدرٍ يوم القيامة"[[1349]].

          وعنه، عن النبي r قال: "إذا اطمأنَّ الرجلُ إلى الرجلِ ثمَّ قتلَهُ بعد ما اطمأنَّ إليه، نُصِبَ له يومَ القيامةِ لواءُ غدرٍ"[[1350]].

وعن أبي بكرة قال، قال رسول الله r: "من قَتل نفساً معاهدة بغير حِلِّها، حرَّم الله عليه الجنَّة أن يشمَّ ريحها"[[1351]].

          وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله r: "مَن قتلَ قتيلاً من أهل الذمَّة، لم يجد ريحَ الجنَّة، وإن ريحها ليوجدُ من مسيرةِ أربعين عاماً"[[1352]].

وعنه، قال: قال رسولُ الله r: "من قتل معاهداً لم يُرح رائحة الجنة ـ أي لم يشمها ـ وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماً" البخاري.

وفي رواية: "من قتل نفساً معاهداً لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً" البخاري.

وعن أبي بكرة قال: قال رسول الله r: "من قتل مُعاهِداً في غير كُنْهِهِ حرَّم اللهُ عليه الجنَّةَ"[[1353]].

وعن أبي هريرة، عن النبي r قال: "قالَ اللهُ: ثلاثةٌ أنا خَصمُهُم يومَ القيامة: رجلٌ أعطى بيَ ثمَّ غدَر، ورجلٌ باعَ حُرَّاً ثم أكلَ ثمنَه، ورجلٌ استأجرَ أجيراً فاستوفى مِنْهُ ولم يُعْطِهِ أجرَه" البخاري[[1354]].

وعن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، عن النبي r قال: "ما نقضَ قومٌ العهدَ قطُّ؛ إلا كان القتلُ بينهم، وما ظهرت الفاحِشة في قومٍ قطُّ إلا سلَّط اللهُ عليهم الموتَ، ولا منعَ قومٌ الزكاةَ؛ إلا حبسَ اللهُ عنهم القَطرَ"[[1355]].

وعن ابن عباس، عن النبي r قال" ما نقضَ قومٌ العهدَ إلا سُلِّطَ عليهم عدوُّهم"[[1356]].

وعن عبد الله بن عمر، قال: أقبل علينا رسولُ الله r، فقال: "يا معشرَ المهاجرين! خمسٌ إذا ابتُليتُم بهنَّ، وأعوذ بالله أن تُدركوهُنَّ ـ منها ـ: ولم يَنقُضوا عهدَ اللهِ وعهدَ رسولِه، إلا سَلَّطَ اللهُ عليهم عدوَّاً من غيرِهم، فأخَذوا بعضَ ما في أيدِيهم"[[1357]].

وقال r: "لَنْ يَهلكَ الناسُ حتى يَغْدِرُوا"[[1358]].

ـ الغدرُ يُورِث النفاق، وهو خصلة من خصال المنافقين.

قال تعالى: ]الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ[البقرة:27.

          وقال تعالى: ]وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ[الرعد:25.[[1359]].   

           وفي الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي r قال: "أربعٌ من كنَّ فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدَّث كذب، وإذا عاهد غدَر، وإذا خاصمَ فجر" متفق عليه.

وفي رواية عند مسلم: "أربعٌ من كُنَّ فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خِلَّةٌ منهنَّ كانت فيه خِلة من نفاق حتى يدعها: إذا حدَّث كذب، وإذا عاهدَ غدر، وإذا وعَد أخلف، وإذا خاصم فجر"[[1360]].

           ـ التعامل مع من يدخل في ذمة وعهد وأمان المسلمين برفق ورحمة، وعدل، وإحسان، وخُلُقٍ حسن[[1361]].

كما قال تعالى: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ[المائدة:8.

وقال تعالى: )إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(النحل:90.  

وقال تعالى: )وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ(التوبة:6[[1362]].

وفي الحديث، عن أنس بن مالك، عن النبي r قال: "والذي نفْسِي بيده، لا يَضعُ اللهُ رحمتَه إلا على رحيمٍ". قالوا: كُلُّنا يَرْحَمُ. قال: "ليس برحمة أحدِكم صاحبَهُ؛ يرحمُ النَّاسَ كافَّةً"[[1363]].

وعن جرير بن عبد الله، قال: قال رسولُ الله r: "مَن لا يرحم الناسَ، لا يرحمهُ اللهُ"[[1364]].

عن صفوان بن سليم، عن عِدةٍ ـ وقال البيهقي: ثلاثين ـ من أبناء أصحاب رسولِ الله r عن آبائهم عن رسولِ الله r قال: "ألا من ظلمَ معاهداً، او انتقصه، أو كلَّفه فوقَ طاقته، أو أخذ منه شيئاً بغير طيبِ نفسٍ، فأنا حَجِيجُه يومَ القيامة"[[1365]].

          وفي رواية: "ألا مَن ظلَمَ معاهداً، أو انتقصه حقَّه، أو كلَّفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفسٍ منه، فأنا حجيجه يوم القيامة"[[1366]].

وعن العِرباض بن سارِية t: أنَّ صاحبَ خيبرَ جاءَ إلى رسولِ الله r، فشَكا إليه بعض ما يلقون، فأمر الناسَ فاجتمعوا، وخطَبهُم، فقال رسولُ الله r: "وإن الله لم يُحلََّ لكم أن تدخُلوا بيوتَ أهلِ الكتاب إلا بإذنٍ، ولا ضربَ نسائهم، ولا أكل ثمارِهم إذا أعطوكم الذي عليهم"[[1367]].

وعن عروة بن الزبير، أن هشاماً بن حكيم بن حزام، وجدَ رجلاً ـ وهو على حمص ـ يُشمِّسُ ناساً من القِبْطِ في أداء الجزية، فقال: ما هذا؟! سمعتُ رسولَ الله r يقول: "إنَّ اللهَ يُعَذِّبُ الذينَ يُعذِّبون الناسَ في الدُّنيا"[[1368]].

وعن سعيد بن جبير، قال: قال رسولُ الله r: "لا تصَدَّقوا إلا على أهلِ دينِكُم"، فأنزل الله تعالى: )لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ( إلى قوله )وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ(البقرة:272. قال رسولُ الله r: "تصدَّقوا على أهلِ الأديان"[[1369]].

وعن عبد الله بن عمرو، أنه ذُبحت له شاةٌ، فجعل يقول لغلامِه: أهديتَ لجارنا اليهودي؟ أهديتَ لجارنا اليهودي؟ سمعتُ رسولَ الله r يقول: "ما زال جبريلُ يوصيني بالجار حتى ظننتُ أنَّه سيورِّثُه"[[1370]].

وعن أنس t، قال: كان غلامٌ يهوديٌّ يخدمُ رسولَ الله r، فمرض فأتاهُ النبيُّ r يعودُهُ، وقَعدَ عند رأسِهِ، فقال له: "أَسْلِم"، فنظرَ إلى أبيه وهو عندَهُ، فقال: أَطِع أبا القاسِم، فأَسلَمَ، فخرجَ النبيُّ r وهو يقول: "الحمدُ لله الذي أنقَذَهُ من النار"[[1371]]البخاري.

وعن أبي عثمان النهدي، قال: كتبَ أبو موسى إلى رُهبانٍ يُسلِّم عليه في كتابه، فقيل له: أتُسلِّمَ عليه وهو كافر؟ قال: "إنه كتبَ إليَّ فسلَّمَ عليَّ، فرددتُ عليه"[[1372]].

وعن ابن عباس قال: ردُّوا السلامَ على من كان يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً؛ وذلك أن الله يقول: )وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا(النساء:86[[1373]].

وعنه، قال: "لو قال لي فرعون: بارك الله فيك، قلت: وفيك، وفرعون قد مات"[[1374]].

ـ ومن حقوقهم أن لا يُكرهوا على الدخول في الإسلام وترك دينهم، وأن يُقاتَل عنهم، ومِن ورائِهم، ودون حرماتهم، إن كان عهدهم دائماً من جهة الذمة التي من موجبها دفع الجزية للمسلمين.

قال تعالى: )لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ(البقرة:256.

ومن وصَايا النبيِّ r لأمراء الجيوش والجند، كما في حديث بُريدَة المتقدم: "وإذا لقيتَ عدوَّك من المشركين فادعهم إلى ثلاثِ خصالٍ ـ أو خِلالٍ ـ منها: فإن هم أبَوا ـ أي الدخول في الإسلام ـ فسَلْهُم الجزيةَ، فإن هم أجابوكَ فاقبلْ منهم وكُفَّ عنهم، فإن هم أبَوا فاستعن بالله وقاتلهم" مسلم.

 وقال عمر بن الخطاب t في وصيته: "وأُوصي الخليفة بعدي بِذمّة الله، وذِمّةِ رسولِه؛ أن يُوفي لهم بعهدِهم، وأن يُقاتِل مِن ورائِهم، ولا يُكلَّفوا إلا طاقَتهم" البخاري.

        وعن غُرْفَةَ بنِ الحارثِ الكِنديّ t: أنه مرَّ به نصرانيٌّ، فدعاه إلى الإسلام، فتناول النبي r وذكرَهُ، فرفَعَ غُرفَةُ يدَه فدقَّ أنفَه، فرُفِعَ إلى عمرو بن العاص، فقال عمرو: أعطيناهم العهدَ؟ فقال غُرفَةُ: معاذَ اللهِ أن نكونَ أعطيناهم على أن يُظهروا شتمَ النبيِّ r، إنما أعطيناهم على أن نُخلّيَ بينهم وبينَ كنائِسهم يقولون فيها ما بَدا لهم، وأن لا نُحمِّلَهم ما لا يُطيقون، وإن أرادهم عدوٌّ قاتلناهم مِن ورائهم، ونُخلِّي بينهم وبين أحكامِهم، إلا أن يأتونا راضين بأحكامِنا، فنحكم بينهم بحكم الله وحكم رسولِه، وإن غيَّبوا عنّا لم نَعْرِضْ لهم، فقال له عمرو: صدقت، وكان غرفةُ له صحبةٌ[[1375]].

        ـ الوصية بأقباطِ مصر خيراً.

وعن كعب بن مالك، قال: قال رسولُ الله r: "إذا افتتحتم مصرَ فاستوصُوا بالقبطِ خيراً؛ فإنَّ لهم ذِمَّةً ورحماً"[[1376]].

وعن أم سلمة، أن رسولَ الله r أوصى عند وفاته فقال: "الله الله في قِبطِ مصر؛ فإنَّكم ستظهرون عليهم، ويكونون لكم عُدَّةً وأعواناً في سبيلِ الله"[[1377]].

 

 

 

* * * * *

 

 

 

 

 

 

 

      قال تعالى: )وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ(الأنعام:38.

        وقال تعالى: )وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَّاء فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(النور:45.

        وقال تعالى: )وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ(المؤمنون:21.

وقال تعالى: )وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ(النحل:5.

        وقال تعالى: )أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ(الغاشية:17.

        وقال تعالى: )وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ(النحل:8.

وقال تعالى: )أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ(النور:41.

وقال تعالى: )أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ(الملك:19.

وقال تعالى: )حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ(النمل:18.

وقال تعالى: )وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ(النحل:68.

وقال تعالى: )وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ * أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ(النمل:20-26.[[1379]].

وقال تعالى: )وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ(الكهف:18.[[1380]].

ـ فيمن يَرحم الحيوانات، ويُحسِن إليها.

عن شَدَّاد بن أوسٍ، قال: ثنتان حفظتُهما عن رسولِ الله r ، قال: "إن الله كتبَ الإحسانَ على كل شيءٍ؛ فإذا قتلتُم فأحسِنوا القِتلَةَ، وإذا ذبحتُم فأحسِنوا الذَّبحَ، وليُحِدَّ أحدُكم شفرَتَهُ، فلْيُرِحْ ذبيحتَه" مسلم.

        وعن عبد الله بن عمر، أنَّ رسولَ الله r أمرَ بحدِّ الشِّفَار، وأن تُوارى عن البهائم، وإذا ذبحَ أحدُكم فليُجْهِز"[[1381]].

عن أبي أمامة، عن النبي r قال: "من رَحِمَ ولو ذبيحةَ عصفورٍ رَحِمه الله يومَ القيامة"[[1382]].

عن معاوية بن قرّة، عن أبيه، قال: قال رجلٌ: يا رسولَ الله! إنِّي لأَذبَحُ الشاةَ فأرحمها. قال: "والشَّاةَ إن رحمتَهَا رحِمَكَ اللهُ"[[1383]].

عن أنس بن مالك، أن رسول الله r قال: "إذا أخصبَت الأرض فانزلوا عن ظهركم، وأعطوه حقَّه من الكَلأ، وإذا أجدبت الأرض فامضوا عليها، وعليكم بالدلجة؛ فإن الأرض تُطوى بالليل"[[1384]].

وعنه، أن رسولَ الله r قال: "إذا سرتم في أرض خصبةٍ، فأعطوا الدواب حقَّها أو حظَّها، وإذا سرتم في أرضٍ جدبة فانجوا عليها، وعليكم بالدُّلجة؛ فإن الأرض تُطوى بالليل، وإذا عرَّستم، فلا تُعرِّسوا على قارعة الطريق فإنها مأوى كل دابة"[[1385]].

وعن أبي هريرة، أن رسول الله r قال: "إذا سافرتم في الخصبِ فأعطوا الإبل حقَّها، وإذا سافرتم في الجدب فأسرعوا السَّيرَ، فإذا أردتم التَّعريس فتنكبوا عن الطريق"[[1386]].

عن سراقة بن مالك، قال: أتيت رسولَ الله r بالجعرانة فلم أدرِ ما أسأله عنه، فقلت: يا رسولَ الله! إني أملأ حوضي انتظر ظهري يرد علي، فتجيء البهيمة فتشرب، فهل في ذلك من أجر؟ فقال رسولُ الله r: "لك في كلِّ كَبدٍ حَرَّى أَجرٌ"[[1387]].

وعن أبي هريرة، عن النبي r قال: "بينما رجلٌ يمشي بطريق؛ إذا اشتدَّ عليه العطَشُ، فوجد بئراً، فنزلَ فيها فشرب ثم خرج، فإذا كلبٌ يلهَثُ يأكل الثَّرَى من العطش، فقال الرجلُ: لقد بلغَ هذا الكلبَ من العطَشِ مِثلُ الذي كان بلغَ بي، فنزل البئرَ، فمَلأ خُفَّهُ، ثم أمسكَهُ بفِيه حتى رَقِيَ فسقى الكلبَ، فشكرَ اللهُ له، فغفرَ له". قالوا: يا رسولَ الله! وإنّ لنا في البهائِم لأجراً؟ فقال: "في كل ذاتِ كَبِدٍ رطَبَةٍ أجرٌ"[[1388]] متفق عليه.

وعن أبي هريرة، عن النبي r قال: "بينما كَلبٌ يُطِيفُ بِرَكيّةٍ قد كادَ يقتلُه العطَشُ؛ إذْ رأته بغيٌّ من بغَايا بني إسرائيل، فنَزَعت مُوقَها، فاستقت له به فسقته إياه، فغُفِرَ لها به" متفق عليه[[1389]].

عن المنهال بن عمرو عن يعلى بن مرة، عن أبيه، قال: سافرتُ مع رسولِ الله r فرأيتُ منه شيئاً عجباً، أتاه بعير فقام بين يديه، فرأى عينيه تدمُعان، فبعث إلى أصحابه، فقال: "ما لبعيركم هذا يشكوكم؟" فقالوا: كنا نعملُ عليه، فلما كبر وذهبَ عملُه، تواعدنا لننحره غداً. فقال رسولُ الله r: "لا تنحروه، واجعلوه في الإبل يكون معها"[[1390]].

عن يحيى بن سعيد: أن رسولَ الله r رُؤي وهو يمسح وجه فرسه بردائِه، فسُئِل عن ذلك؟ فقال: "إني عُوتِبتُ الليلةَ في الخيل"[[1391]].

ـ النهي عن تعذيبِ الحيوانات والدواب، وتكليفها ما لا تُطيق، أو استخدامها بطريقة خاطئة، أو قتلها عبَثاً من غير سببٍ يستدعي قتلها.

عن أبي هريرة، عن النبي r قال: "أخِّروا الأحمالَ على الإبل؛ فإن اليدَ معلَّقةٌ والرِجلَ موثَقَةٌ"[[1392]]. 

وعن أنس بن مالك قال: "كنَّا إذا نزلنا منزلاً، لا نُسبِّح حتى نَحُلَّ الرِّحال"[[1393]].

وعن جابر: أنَّ النبي r مُرَّ عليه بحمار قد وُسِمَ في وجهه، فقال: "أما بلَغَكُم أني قد لعنتُ من وسَمَ البهيمةَ في وجهها، أو ضربها في وجهها؟" فنهى عن ذلك[[1394]].

وعن ابن عمر، أن رسولَ الله r: "أمر بحدِّ الشِّفار، وأن تُوارى عن البهائم، وإذا ذبح أحدكم؛ فليُجهِز"[[1395]].

وعن أنس، عن النبي r قال: "اركبوا هذه الدَّوابَ سالمةً، وايتدِعوها سالمةً، ولا تتخذوها كراسِيَّ"[[1396]].

وعن أبي هريرة، عن النبي r قال: "إيَّاكم أن تتخذوا ظهورَ دوابِّكم منابِرَ؛ فإن اللهَ إنما سخَّرها لكم لتبلغكم إلى بلدٍ لم تكونوا بالغيه إلا بِشِقِّ الأنفُسِ، وجعل لكم الأرضَ؛ فعليها فاقضوا حاجاتكم"[[1397]]. 

وعن سهل بن الحنظليَّة، قال: مرَّ رسولُ الله r ببعيرٍ قد لحقَ ظهرَه ببطنِه، فقال: "اتقوا الله في هذه البهائم المُعجمَة؛ فاركبوها صالحةً، وكلوها صالحةً"[[1398]].

عن عبد الله بن جعفر، قال: دخل النبيُّ r حائطاً لرجلٍ من الأنصار، فإذا جمل، فلما رأى النبيَّ r؛ حَنَّ وذرفت عيناه، فأتاه النبيُّ r، فمسَحَ ذَفرَاه، فسكَتَ، فقال: "من ربُّ هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟!"، فجاء فتى من الأنصار، فقال: لي يا رسولَ الله! فقال: "أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملَّكَكَ اللهُ إيَّاها، فإنه شكا إليَّ أنك تُجيعهُ وتُدئِبه"[[1399]].

عن ابن عباس، قال: مرَّ رسولُ الله r على رجل واضعٌ رجلَه على صَفحَةِ شاة، وهو يحدُّ شفرَته، وهي تلحظُ إليه ببصرها، فقال: "أفلا قبلَ هذا؟! أتُريد أن تُميتها موتتين؟!"[[1400]].

وفي رواية: "أتريدُ أن تُميتَها موتات؟! هلاَّ حدَدتَ شفرَتَك قبلَ أن تَضجَعها ؟!"[[1401]].

وعن عبد الله بن عمر، عن النبي r قال: "عُذِّبت امرأةٌ في هرَّةٍ سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار؛ لا هي أطعمتها ولا سقتها إذْ حبستها، ولا هي تركتها تأكلُ من خشَاشِ الأرض[[1402]]" متفق عليه.

وعن أسماء بنت أبي بكر: أنََّ النبيَّ صلَّى صلاةَ الكُسوف، فقال: "دنَت منِّي النارُ، حتى قلت: أي رَبِّ وأنا معهم، فإذا امرأةٌ تخدشُها هِرَّةٌ، فقال: ما شأنُ هذه؟ قالوا: حبَسَتْها حتى ماتتْ جُوعاً؛ لا أطعَمَتها ولا أرسَلَتْها تأكُلُ من خَشَاشِ الأرض" البخاري.

عن أبي الدرداء، عن النبي r: "لو غُفِر لكم ما تأتون إلى البهائم لغُفِر لكم كثيراً"[[1403]]. 

عن سوادة بن الربيع، قال: أتيت النبي r، وأمر لي بذَود، قال لي: "مُرْ بنيك أن يقصوا أظافِرَهم عن ضروعِ إبلهم ومواشِيهم"، وقل لهم: "فليحتلبوا عليها سِخَالها، لا تدركها السَّنَةُ وهي عِجَافٌ"[[1404]].

عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله r: "إذا باع أحدُكم الشاةَ واللِّقحة؛ فلا يُحفِّلها"[[1405]].

وعن عبد الله بن مسعود: أنَّ النَّبي r نزل منزلاً فأخذ رجلٌ بيضَ حُمَّرة، فجاءت تَرِفُّ على رأسِ رسول الله r، فقال: "أيُّكم فَجَعَ هذه بيضتها؟" فقال رجل: يا رسولَ الله أنا أخذتُ بيضتها، فقال النبيُّ r: "اردُدْهُ؛ رحمةً لها"[[1406]].

وفي رواية عنه، قال: كنا مع رسولِ الله r في سفرٍ، فانطلَقَ لحاجته، فرأينا حُمَّرةً معها فرخان، فأخذنا فرخَيها، فجاءت الحمَّرة فجعلت تَفرشُ، فجاء النبيُّ r فقال: "مَن فجعَ هذه بولدها؟ رُدُّوا ولَدَها إليها"، ورأى قرية نملٍ قد حرقناها، فقال: "من حرَقَ هذه؟"، قلنا: نحنُ، قال: "إنه لا ينبغي أن يُعذِّبَ بالنارِ إلا ربُّ النار"[[1407]].

وعن أبي هريرة، عن رسول الله r: "أنَّ نملةً قرصَت نبياً من الأنبياء، فأمرَ بقريَّة النَّملِ فأُحرِقَت، فأوحى الله U إليه: أفي أنْ قَرصَتْكَ نملةٌ، أهلكتَ أمَّةً من الأممِ تُسَبِّحُ" متفق عليه.

وعنه، أن النبيَّ r قال: "نزلَ نبيٌّ من الأنبياء تحتَ شجرةٍ، فلدَغَتْهُ نملةٌ، فأمرَ بجهازه، فأُخرِجَ مِن تحتِها، ثم أمرَ بها فأُحرِقت، فأوحى اللهُ إليه: فهَلاَّ نملةً واحدةً [[1408]]" مسلم.

وفي رواية، عن الحسن: "نزل نبي من الأنبياء تحت شجرةٍ، فلدغته نملةٌ، فأمرَ ببيتهنَّ فحُرق على ما فيها، فأوحى الله إليه: فهَلاَّ نملةً واحدةً"[[1409]].

وعن عبد الله بن عباس، قال: "إنَّ النبيَّ r نهى عن قتل أربعٍ من الدواب: النَّملةُ، والنَّحْلةُ، والهُدهُد، والصُّرَد"[[1410]].

وعن أبي هريرة قال: "نهى رسولُ الله r عن قتلِ الصُّرَدِ، والضُّفدَعِ، والنملَةِ، والهُدهد"[[1411]].

وعن هشام بن زيدٍ قال: دخلتُ مع أنسٍ على الحَكَم بن أيوب، فرأى غلماناً أو فتياناً نصبوا دجاجةً يرمونَها، فقال أنَس: "نهى النبيُّ أن تُصْبَرَ البهائمُ"[[1412]] متفق عليه.

وعن ابن عمر، عن النبي r قال: "إن أعظمَ الذنوبِ عند الله رجلٌ تزوَّجَ امرأةً، فلمَّا قضى حاجتَه منها طلَّقها وذَهبَ بمهرها، ورجلٌ استعملَ رجلاً فذهبَ بأجرته، وآخَرُ يقتلُ دابَّةً عَبَثاً"[[1413]].

وعن عبد الله بن عمر أنه دخلَ على يحيى بن سعيد، وغلامٌ من بني يحيى رابطٌ دجاجةً يرميها، فمشى إليها ابن عمرَ حتَّى حلَّها، ثم أقبلَ وبالغلام معهُ فقال: ازجروا غلامَكُم عن أن يَصْبِرَ هذا الطيرَ للقتلِ، فإني سمعتُ النبيَّ r: "نهى أن تُصبَرَ بهيمةٌ أو غيرُها للقتل [[1414]]" متفق عليه.

وعن سعيد بن جُبير، قال: كنتُ عند ابن عمرَ، فمرُّوا بِفتيةٍ أو نفرٍ، نصبوا دجاجةً يرمونَها، فلما رأَوا ابن عمر تفرَّقوا عنها. وقال ابن عمر: "من فعلَ هذا؟! إنَّ النبيَّ r لعَنَ مَن فعلَ هذا" متفق عليه.

وفي رواية عنه: "لعنَ النبيُّ r مَن مثَّلَ بالحيوان" متفق عليه.

وعن عبد الله بن جعفر قال: مرَّ رسولُ الله r على أناسٍ وهم يرمون كَبشَاً بالنبلِ، فكره ذلك، وقال: "لا تُمثِّلوا بالبهائمِ"[[1415]].

وفي الأثر، عن المسيب بن دار، قال: رأيتُ عمرَ بن الخطاب t ضرَبَ جمَّالاً، وقال: لِمَ تحملُ على بعيرك مالا يُطيق؟!

        وعن عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب: أن رجلاً حدَّ شفرة، وأخذ شاةً ليذبحها، فضربَهُ عمرُ بالدُّرَّةِ وقال: أتعذِّبُ الروحَ، ألا فعلتَ هذا قبل أن تأخذَها؟!

        وعن محمد بن سيرين أن عمرَ t رأى رجلاً يجرُّ شاةً ليذبحها فضربه بالدُّرَّةِ وقال: سقها ـ لا أمَّ لك ـ إلى الموتِ سَوقاً جميلاً.

        وعن وهب بن كيسان أن ابن عمر رأى غنماً في مكانٍ قبيح، وقد رأى ابن عمر مكاناً أمثلَ منه، فقال ابن عمر: ويحكَ يا راعي حوِّلها، فإني سمعت النبيَّ r يقول: "كلُّ راعٍ مسؤولٌ عن رعيته".

        وعن معاوية بن قرة قال: كان لأبي الدرداء جمل يُقال له" دمون"، فكان إذا استعاروه منه قال: لا تحملوا عليه إلا كذا وكذا؛ فإنه لا يطيق أكثر من ذلك، فلما حضرته الوفاة قال: يا دمون لا تخاصمني غداً عند ربي، فإني لم أكن أحمل عليك إلا ما تُطيق!

        وعن أبي عثمان الثقفي قال: كان لعمر بن عبد العزيز t غلام يعمل على بغلٍ له يأتيه بدرهم كل يوم، فجاء يوماً بدرهم ونصف، فقال: أما بَدا لك؟ قال: نفقت السوق، قال: لا ولكنك أتعبت البغل؛ أجمّه ثلاثةَ أيام![[1416]].

ـ النهي عن لعن الحيوانات.

عن عمران بنُ حُصَين، قال: بينما رسولُ اللهِ r في بعضِ أسفاره، وامرأةٌ من الأنصار على ناقةٍ، فضَجِرت فلعَنَتْها، فسمعَ ذلك رسولُ اللهِ r فقال: "خُذوا ما عليها ودَعُوها؛ فإنها ملعونةٌ". قال عمران: فكأنِّي أراها الآنَ تمشي في النَّاسِ، ما يَعرِضُ لها أحدٌ.  مسلم.

وفي رواية عن أبي بَرْزَةَ الأسلمي، قال: بينما جاريةٌ على ناقةٍ، عليها بعضُ متاعِ القومِ إذْ بَصُرَت بالنبيِّ r، وتَضايقَ بهم الجبلُ، فقالت: حَلْ[[1417]] اللهمَّ العنها، قال النبيُّ r: "لا تُصاحِبُنَا ناقةٌ عليها لَعنةٌ" مسلم. 

ـ النَّهي عن التحريشِ بين الحيوانات، أو إخصائها[[1418]].

عن ابن عمر: "أنه كره أن يُحرَّش بين البهائم"[[1419]].

وعن ابن عباس، عن النبي r: "نهى عن صبر الروحِ، وخِصاء البهائم"[[1420]].

وعن ابن عمر، عن النبي r: "نهى عن خِصاء الخيل، والبهائم"[[1421]].

وعن ابن عباس: "أن رسولَ الله r نهى عن صبرِ ذِي الروح، وعن إخصاء البهائم نهياً شديداً"[[1422]].

ـ أثرُ ذنوبِ ومعاصي ابن آدم سَلْباً على الحيوانات[[1423]].

عن ابن عمر، عن النبي r قال: "لم يمنَعْ قومٌ زكاةَ أموالهم إلا مُنِعُوا القَطْرَ من السَّماء، ولولا البهائم لم يُمطَروا"[[1424]].

وعن أبي الأحوص، قال: قرأ ابن مسعود: )وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ(الآية. فاطر:45. فقال: كادَ الجُعَلُ يُعَذَّبُ في جُحْرِهِ بذنبِ ابنِ آدَمَ[[1425]].

ـ دعاءُ الحيتان والنمل وجميع البهائم والدواب للعالِم؛ الذي يُعلِّمُ الناسَ الخيرَ[[1426]].

عن أبي الدرداء، قال: سمعتُ رسولَ الله r يقول: "إن العالِمَ ليستغفرُ له مَن في السماواتِ ومَن في الأرض، حتى الحِيتان في الماءِ"[[1427]].

وعن جابر قال: قال رسولُ الله r: "مُعَلِّمُ الخيرِ يَسْتَغْفِرُ له كُلُّ شيءٍ حتى الحيتانُ في البحارِ"[[1428]]. 

وعن أبي أمامة الباهِلي، قال: قال رسول الله r: "إنَّ اللهَ وملائكتَهُ وأهلَ السماوات والأرض حتى النَّملَة في جُحرها، وحتى الحوتَ، ليصلون على معلِّمي الناسِ الخيرَ"[[1429]].

ـ فضل الخيلِ، والترغيب باقتنائها، ومشروعية السباق بها.

قال تعالى: )وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحاً * فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحاً * فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً * فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً (العاديات:1-5[[1430]].

عن أنس بن مالك، عن النبي r قال: "الخيلُ معقودٌ في نواصيها الخيرُ" متفق عليه.

وعن ابن عمر، أن رسولَ الله r قال: "الخيلُ في نواصيها الخيرُ إلى يوم القيامة"[[1431]]متفق عليه.

وعن عروة البارقي، عن النبي r قال: "الإبلُ عِزَُ لأهلها، والغنمُ بَركةٌ، والخيرُ معقودٌ في نواصي الخيلِ إلى يومِ القيامة"[[1432]].

وعنه، عن النبيِّ r قال: "الخيلُ مَعقُودٌ في نواصيها الخيرُ إلى يومِ القيامةِ: الأجرُ، والمَغْنَمُ" متفق عليه. 

وعن أبي هريرة، عن النبي r قال: "الخيلُ لثلاثةٍ: لرجلٍ أجرٌ، ولرجلٍ سِترٌ، وعلى رجلٍ وزرٌ؛ فأما الذي له أجرٌ فرجلٌ ربطَها في سبيلِ الله، فأطالَ لها مَرْجٍ أو روضةٍ، وما أصابت في طِيَلِهَا من المرجِ أو الروضةِ كانت له حسنات، ولو أنَّها قطَعَت طِيَلَهَا فاستَنَّتْ شَرَفاً أو شَرَفين، كانت آثارُها وأوراثُها حسنات له، ولو أنها مَرَّت بنَهَرٍ فشَرِبَت ولم يُرِد أن يسقيَها، كان ذلك له حسناتٍ. ورجلٌ ربطَها تغنيَّاً وسِتراً وتعَفُّفَاً، ولم ينسَ حقَّ اللهِ في رقابِها وظهورِها فهي له كذلك سِترٌ، ورجلٌ ربطَها فخراً ورياءً ونِوَاءً لأهلِ الإسلامِ فهي وِزْرٌ"[[1433]] متفق عليه.

        وعن ابن عمر: "أنَّ نبيَّ اللهِ r، كان يُضمِّرُ الخيلَ يُسابقُ بها"[[1434]].

وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله r: "لا سبَقَ إلا في خُفٍّ أو حافِرٍ أو نَصْلٍ"[[1435]].

وعن ابن عمر: "أنَّ النبيَّ r سبَّقَ بين الخيلِ، وأعطى السَّابق"[[1436]].

وعن أنسٍ قال: كانت ناقةٌ لرسولِ الله r تُسَمَّى العضباء؛ وكانت لا تُسْبَقُ، فجاء أعرابيٌّ على قُعُودٍ له فسبَقَها، فاشتدَّ ذلك على المسلمين، وقالوا: سُبِقَت العَضْبَاءُ! فقال رسولُ الله r: "إنَّ حقَّاً على اللهِ أن لا يَرفَعَ شيئاً من الدُّنيا إلا وضَعَهُ"[[1437]]البخاري.

ـ النهي عن المراهنة والمقامرة على سباقِ الخيل.

عن عبد الله بن مسعود، عن النبيِّ r قال: "الخيلُ ثلاثةٌ: فَرَسٌ للرحمن، وفرسٌ للإنسانِ، وفرسٌ للشيطان؛ فأما فرسُ الرحمن؛ فالذي يُربَط في سبيلِ الله، فعلفه و روثُه وبولُه ـ و ذكر ما شاء الله ـ أجر، وأما فرسُ الإنسانِ؛ فالفرسُ يرتبطها يلتمسُ بطنَها، فهي سِترٌ من فقر، و أما فرسُ الشيطان؛ فالذي يُقامَر و يُرهَن عليه"[[1438] ].

ـ النهي عن إرهاق الخيل في السباق، وتكليفه فوق طاقته[[1439]].

عن عبد الله بن عمر: "أنَّ رسولَ الله r سابقَ بين الخيل التي أُضمِرَت من الحَفْيَاء، وأمَدُها ثنيَّة الوداع، وسابَقَ بين الخيل التي لم تُضمَّر من الثنيَّة إلى مسجدِ بني زُرَيق، وأنَّ عبد الله بن عمر كان فيمن سابقَ بها" متفق عليه.

وفي رواية عند الترمذي: "أنَّ رسولَ الله r أجرى المضَمَّرَ من الخيل من الحَفْياء إلى ثنيَّة الوداع، وبينهما ستَّةَ أميالٍ، وما لم يُضمَّر من الخيل من ثنيَّة الوداع إلى مسجدِ بني زريق؛ وبينهما ميلٌ .."[[1440]].

وعن ابن عباس، عن النبي r قال: "من جَلَبَ على الخَيْلِ يومِ الرِّهانِ، فليسَ منَّا"[[1441]].

ـ فضل النفقة على الخيل المعدَّة للجهادِ في سبيل الله.

عن أبي هريرة، عن النبيِّ r قال: "الخيرُ معقودٌ بنواصي الخيلِ إلى يوم القيامةِ، والمنفقُ على الخيلِ كالباسِطِ كفَّهُ بالنفقةِ لا يقبضُها"[[1442]].

وعن سهل بن الحنظليَّة، عن النبيِّ r قال: "إن المنفِقَ على الخيلِ في سبيلِ الله، كالباسِطِ يدَيهِ بالصدَقَةِ لا يقبِضُها"[[1443]].

وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله r: "الخيلُ لثلاثةٍ: هي لِرجُلٍ أجرٌ، وهي لرجلٍ سِترٌ، وهي على رجلٍ وزرٌ، فأما الذي هي له أجرٌ؛ فالذي يتخِذُها في سبيلِ الله، فيُعِدُّها له، هي له أجرٌ لا يُغيِّبُ في بطونها شيئاً إلا كتَبَ اللهُ له أجراً"[[1444]].

ـ النهي عن حملِ الحمير على الخيل[[1445]].

عن علي ابن أبي طالب، قال: أُهديَت لرسولِ اللهِ بغلةٌ فركبها، فقال علي: لو حملنا الحميرَ على الخيلِ، فكانت لنا مثلَ هذه، قال رسولُ الله r: "إنَّما يفعلُ ذلك الذين لا يعلمون"[[1446]].

وعن عبد الله بن عُبَيد الله بن عباس، قال: كنا جلوساً إلى عبدِ اللهِ بنِ عباس، فقال: والله ما خصَّنا رسولُ الله بشيء دون الناسِ، إلا بثلاثةِ أشياءٍ: "فإنه أمرَنا أن نسبغَ الوضوء، ولا نأكلَ الصَّدقَةَ، ولا نُنْزي الحمُر على الخيل"[[1447]].

ـ النهي عن قصِّ نواصي الخيل، ومعارِفها، وأذنابها.

عن عتبة بن عبد السلمي، أنه سمع رسولَ اللهِ r يقول: "لا تَقُصُّوا نواصِيَ الخيلِ، ولا معارِفَها، ولا أذنابَها؛ فإن أذنابَها مذَابُّها، ومعارِفَها دِفاؤها، ونواصيها معقودٌ فيها الخير"[[1448]].

وعن أبي وهب الجشمي، قال: قال رسولُ الله r: "ارتبطُوا الخيلَ، وامسحوا بنواصيها وأعجازِها ـ أو قال أكفالها ـ وقلِّدُوها، ولا تقلِّدُوها الأوتار"[[1449]].

ـ الخيلُ العربي في كل يوم يتودّد إلى صاحبِه، وصاحبُه غافل عنه.

عن أبي ذرٍّ قال: قال رسولُ الله r: "ما مِن فرَسٍ عربيٍّ إلا يُؤذَنُ له عندَ كل سحرٍ بكلمات يدعو بهنَّ: اللهمَّ خوَّلْتني من خوَّلتني من بني آدم، وجعلتني له، فاجعلني أحبَّ أهلِهِ ومالِه، أو من أحبِّ أهلِهِ ومالِه إلِيه"[[1450]].

ـ في اقتِناءِ الكِلاب.

        عن أبي طلحة الأنصاري، قال: سمعتُ رسولَ الله r يقول: "لا تدخُلُ الملائكَةُ بيتاً فيه كلبٌ ولا صورةُ تماثِيل" متفق عليه.

ـ الرخصةُ في اقتناء الكلابِ للأغراض التالية: الرعي، والصيد، والحرث أو الزرع، والحراسة.

       عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسولُ الله r: "من اقتنى كلباً؛ إلا كلباً ضارياً لصيدٍ، أو كلبَ ماشيةٍ، فإنه ينقص من أجرهِ كل يومٍ قيراطان"[[1451]] متفق عليه.

        وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله r: "من أمسَكَ كلباً يَنقصُ من عملِه كلَّ يومٍ قيراطٌ، إلا كلبَ حَرْثٍ أو كلبَ ماشيةٍ" متفق عليه.

        وفي رواية: "إلا كلبَ غنمٍ، أو حَرْثٍ، أو صيدٍ" متفق عليه.

        وعن سفيان بن أبي زُهير الشَّنئيَّ، أنه سمع رسولَ الله r يقول: "من اقتنى كلباً، لا يُغني عنه زَرْعاً ولا ضَرْعاً، نَقَصَ من عَملهِ كلَّ يومٍ قِيراطٌ"[[1452]] متفق عليه.

        وفي رواية عند ابن ماجه، عن عبد الله بن مُغَفَّل: "ثم رخَّص لهم في كلب الزرعِ وكلبِ العِينِ". قال بِندار: العِينُ حِيطانُ المدينة[[1453]].

        وعن أبي هريرة، أن رسولَ الله r قال: "إذا شَرِبَ الكلبُ في إِناء أحَدِكُم، فليغسِلْهُ سبعَ مراتٍ" متفق عليه.

        وعن عبد الله بن المُغَفَّل، أن رسولَ الله r قال: "إذا ولَغَ الكلبُ في الإناءِ، فاغسلوه سَبْعَ مَرَّاتٍ، وعَفِّروهُ الثامِنَةَ في التُّرابِ" مسلم.

ـ في اقتِناء القِطَط، أو الهِرَّة.

عن داود بن صالح بن دينار التمار، عن أمه: أن مولاتها أرسلتها بهريسةٍ إلى عائشة فوجدتها تُصلي، فأشارت إلى أن ضعيها، فجاءت هِرَّةٌ فأكلت منها، فلما انصرفَت أكلت من حيثُ أكلت الهرّة، فقالت: إن رسولَ الله r قال: "إنها ليسَتْ بنجَسٍ؛ إنما هي من الطوَّافينَ عليكُم"، وقد رأيتُ رسولَ الله r يتوضَّأ بفضلها[[1454]].

وعن كبْشَةَ بنتِ كعبٍ بن مالك ـ وكانت تحت ابن أبي قَتادة ـ :أن أبا قَتَادَةَ دخل، فسكَبَت له وضوءاً، فجاءت هِرَّةٌ فشَرِبت منه، فأصغى لها الإناءَ حتى شربت. قالت كبشَةُ: فرآني أنظرُ إليه، فقال: أتعجبين با ابنة أخي؟ فقلتُ: نعم، فقال: إن رسولَ الله r قال: "إنها ليسَتْ بِنَجَسٍ؛ إنها من الطَوَّافينَ عليكم والطوَّافات"[[1455]].

وعن عائشة، قالت: كنتُ أتوضَّأ أنا ورسولُ الله r من إناءٍ واحدٍ، قد أصابت منه الهرَّة قبل ذلك [[1456]].

ـ يومٌ يَسودُ فيه السَّلام؛ حتى أنَّ الحيوانات المفترسة تُسالِمُ الحيوانات الأليفة، فلا يضر بعضها بعضاً، فهنيئاً لأهل ذلك اليوم.

عن أبي هريرة، عن النبي r قال: "الأنبياءُ إخوة لِعَلاَّتٍ؛ أمهاتُهُم شتَّى، ودينُهم واحدٌ، وأنا أولى الناس بعيسى ابن مريم، ليس بيني وبينَه نبيٌّ، وإنَّه نازلٌ، فإذا رأيتموه فاعرفوه: رجلٌ مربوعٌ،  إلى الحُمْرَةِ والبيَاضِ، بين ممصَّرَتين[[1457]]، كأن رأسَه يَقطُرُ، وإنْ لم يُصبه بلَلٌ، فيقاتلِ الناسَ على الإسلام، فيَدُقُّ الصليبَ، ويَقتُلُ الخنزيرَ، ويضعُ الجزية[[1458]]، ويُهلِكُ الله في زمانِه المِلَلَ كلَّها إلا الإسلامَ، ويُهلِكُ المسيحَ الدَّجالَ، وتَقَعُ الأمَنَةُ في الأرضِ حتى تَرتَعُ الأسودُ مع الإبلِ، والنِّمارُ مع البقَرِ، والذِّئابُ مع الغنمِ، ويلعَبُ الصبيانُ بالحيَّاتِ فلا تَضُرُّهم، فيمكُثُ في الأرضِ أربعين سنةً، ثم يُتوَفَّى، فيُصلي عليه المسلمون"[[1459]]. 

 

وصلى الله على محمد النبيِّ الأمي، وعلى آله وصحبه وسلَّم.

 

 

 

 

* * * * *

 

 

 

 

 

 

 

       

 

 

 

ـ من الجنِّ مَن أسلَمَ، وآمن وصَدَّق واتَّبعَ المرسلين، وهؤلاء أخوةٌ لنا في الدين، لهم حقٌّ علينا.

قال تعالى: )وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ(الذاريات:56.

وقال تعالى: )وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ(الأحقاف:29.

وقال تعالى: )قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً . يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً(الجن:1-2.

وفي الحديث، عن عبد الله بن مسعود، في قوله U:)أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ(الإسراء:57. قال: "كان نفرٌ من الجِنِّ أسلموا، وكانوا يُعبَدون، فبقي الذين كانوا يَعبدون على عبادتهم، وقد أسلمَ النَّفرُ من الجِنِّ" مسلم.

وفي رواية عنه:كان نفرٌ من الإنسِ يَعبدون نفراً من الجِنِّ، فأسلَمَ النَّفرُ من الجِنِّ، واستمسَكَ الإنسُ بعبادتهم، فنزلت:) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ([[1460]]مسلم.

عن جابر، قال: خرَجَ رسولُ الله r على أصحابه فقرأ عليهم" سورة الرحمن" من أوَّلها إلى آخرِها، فسكتوا، فقال: "لقد قرأتُها ـ سورة الرحمن ـ على الجِنِّ ليلَةَ الجِنِّ، فكانوا أحسَنَ مردوداً منكم، كنت إذا أتيتُ على قوله:) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ(، قالوا: لا بشيءٍ من نعمِكَ ربنا نُكذِّبُ، فلك الحمد"[[1461]].

ـ من حقِّهم أن لا يُساء إلى طعامِهم، ولا إلى مساكِنهم.

عن أبي هريرة، أنه كان يَحملُ معَ النبيِّ r إداوةً لوضوئِه وحاجَتِه، فبينما هو يتبعه بها، فقال: "من هذا "؟ فقال: أنا أبو هريرة، فقال: "ابغِني أحجاراً أستَنفِض بها، ولا تأتِني بعَظمٍ ولا بِرَوثَةٍ". فأتيتُه بأحجارٍ أحمِلُها في طرفِ ثوبي، حتى وضعتها إلى جنبِه، ثم انصرَفتُ، حتى إذا فرَغَ مشيتُ، فقلتُ: ما بالُ العظمِ والرَّوثَةِ؟ قال: "هما من طعامِ الجِنِّ، وإنَّه أتاني وفدُ جِنِّ نَصِيبِين، ونِعْمَ الجِنُّ، فسألوني الزَّادَ، فدعوتُ اللهَ لهم أن لا يَمُرُّوا بعَظمٍ ولا بروثةٍ إلا وجَدُوا عليها طعاماً"[[1462]]البخاري.

وعن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسولُ الله r: "أتاني داعِي الجِنِّ، فذهبتُ معَهُ، فقرأتُ عليهمُ القرآنَ". وسألوه الزَّاد، فقال: "لكُم كلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسمُ الله عليه يقَعُ في أيديكُم أوفَرَ لحماً[[1463]]، وكُلَّ بَعْرَةٍ عَلَفٌ لِدوابِّكم". فقال رسولُ الله r: "لا تَستَنجُوا بهما؛ فإنَّهما طعامُ إخوانِكُم" مسلم.

وعنه، قال: قال رسولُ الله r: "لا تَسْتَنْجُوا بالرَّوثِ ولا بالعِظامِ؛ فإنه زادُ إخوانِكُم من الجِنِّ"[[1464]].

وعن قتادة، عن عبد الله بن سرجس، أنَّ النبيَّ r قال: "لا يبولَنَّ أحدُكم في الجُّحْرِ". قالوا: لقتادة ما يُكرَه من البول في الجحرِ؟ قال: يُقال إنها مساكِنُ الجِنِّ [[1465]].

ـ النهي عن قتلِ أحدِهم إلا بعد أن يُستأذَن ثلاثَ مرَّاتٍ في ثلاثَةِ أيَّامٍ.

عن أبي ثعلبَةَ الخُشَني، عن النبيِّ r قال: "الجِنُّ ثلاثَةُ أصنافٍ: فصِنفٌ لهم أجنحةٌ يطيرون بها في الهواء، وصِنفٌ حيَّاتٌ وكِلابٌ، وصِنفٌ يحِلُّون ويَظعَنون"[[1466]].

وعن أبي سعيد الخدري، عن النبي r قال: "إنَّ بالمدينةِ جِنَّاً قد أسلَمُوا، فإذا رأيتم منهم شيئاً فآذِنُوهُ ثلاثةَ أيَّامٍ، فإن بدا لكُم بعدَ ذلك فاقتلوه؛ فإنما هو شيطانٌ[[1467]]" مسلم.

وفي رواية عنه، عن النبي r قال: "إنَّ لهذه البيوت عَوامِرَ، فإذا رأيتم شيئاً منها فحَرِّجوا عليها ثلاثاً؛ فإن ذهَبَ، وإلا فاقتلوه؛ فإنه كافر" مسلم.

وفي رواية: "إنَّ بالمدينة نفراً من الجِنِّ قد أسلموا، فمن رأى شيئاً من هذه العوامِرِ فليؤْذِنْه ثلاثاً، فإن بدا له بعدُ، فليقْتُلْهُ؛ فإنَّه شيطانٌ" مسلم.

وفي رواية عند أبي داود: "فإن رأيتم أحداً منهم، فحذِّروه ثلاثَ مرَّاتٍ، ثم إن بدا لكم بعدُ أن تقتلوه، فاقتلوه بعد الثلاث"[[1468]].

ـ الذي يَسترُ الإنسانَ عن أعينِ الجِنِّ إذا ما وضَعَ ثوبَه.

عن علي بن أبي طالب، أن رسولَ الله r قال: "سَتْرُ ما بينَ أعيُنِ الجِنِّ، وعوراتِ بني آدَمَ، إذا دخلَ أحَدُهُم الخلاءَ، أن يقولَ: بِسْمِ الله"[[1469]].

وعن أنس بن مالك، عن النبي r قال: "سَتْرُ ما بين أعيُنِ الجِنِّ وعوراتِ بني آدمَ إذا وضَعَ أحدُهم ثوبَهُ أن يقول: بِسْمِ الله"[[1470]].

وبالانتهاء من الحديث عن هذا الحق، تنتهي ـ بفضل الله تعالى ومنته ـ جميع الحقوق التي أردنا ذكرها في هذا الكتاب.

اللهُمَّ إنِّا نسألُكَ من الخيرِ كُلِّهِ عَاجِلِه وآجِلِهِ، ما عَلِمْنا مِنْهُ وما لم نعلَم، ونعوذُ بكَ من الشَّرِّ كُلِّه عاجِلِه وآجِلِهِ ما عَلِمْنا منه ومَا لَم نعلَم.

اللهُمَّ إنِّا نسألُكَ مِن خيرِ ما سألَكَ به عبدُكَ ونبيُّك محمدٌ r، ونعوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ ما تعوَّذ مِنْهُ عبدُكَ ونَبيُّكَ محمد r.

اللهمَّ إنِّا نسألُكَ الجنَّةَ وما قَرَّبَ إليها من قَولٍ أو عَملٍ، ونَعُوذُ بِكَ من النَّارِ وما قَرَّبَ إليها من قَولٍ أو عَمَلٍ، ونسألُكَ أن تجعَلَ كُلَّ قضاءٍ قَضيتَهُ لنا خيراً، وعاقِبَتَهُ رُشْداً. 

 

وصلى الله على محمد النبيِّ الأمي، وعلى آله وصحبه وسلَّم.

 

* * * * *

 

 

          هذه الحقوق جاء بها الإسلام قبل أكثر من ألفٍ وأربعمائة عام؛ يوم أن كانت الأرض غابةً مليئة بالوحوش الآدمية يأكل ويستعبد فيها القوي الضعيف .. لا حقوق ولا حرمة للضعفاء من بني البشر أمام سطوة وشهوة ورغبات القوي .. ولا قانون ولا قيم ولا مبادئ تنظم حياتهم .. ويرجعون إليها .. سوى قيمة الشهوة .. وكيف يلبون نداءاتها وطغيانها .. وأنَّى لها أن ترتوي مع غياب القيم الأخلاقية التي تُبصّر الإنسان بعيوبه، وعيوب ما يصنع! 

        جاء الإسلام بهذه الحقوق والقيم .. يوم أن كانت الوثنية ـ بكل ما تعني الوثنية من معنى ـ هي الضاربة والمتمكنة في الأرض .. الخروج عليها .. وإنكارها .. كان بمثابة ضرب من الجنون والتهور .. والخروج عن المألوف والقانون الذي أجمع عليه الوثنيون المشركون!

        جاء الإسلام بهذه الحقوق والقيم .. يوم أن كان الحديث ـ مجرد الحديث ـ عن الحقوق وقيم العدل .. والحق .. والرحمة .. عُرضة للتهكم والسخرية والاستهزاء .. ومدعاة لاستعداء الطواغيت الظالمين المتنفذين في الأرض!

        جاء الإسلام بهذه الحقوق والقيم .. فكانت بمثابة الروح التي أحيت في الإنسان معاني الخير، والحق، والعدل، والرحمة فطهرته من أدران الشرِّ والكفر والفجور، والظلم .. كما يُطهر ويغسل ماء المطر الدَّرَنَ من على وجه الأرض فأعادته إلى فطرته السليمة التي فُطر عليها .. وذكرته بمكامن الخير في نفسه .. وبالغاية من وجوده في هذه الحياة.

والبشرية المعاصرة رغم كل ما تدَّعيه من تطور وصلت إليه في مجال العلوم الإنسانية .. وحقوق الإنسان .. فهي لا تزال ـ ولن تزال ـ تقتات وتغترف من تلك الحقوق والقيم التي جاء بها الإسلام ـ قبل أكثر من ألف وأربعمائة عام ـ سواء اعترفت بذلك أم لم تعترف .. وسواء ردت الفضل في ذلك إلى الإسلام أم لم ترد .. والمنكرون الجاحدون لهذه الحقيقة الساطعة هم الأكثرية ـ وللأسف ـ من أولئك الباحثين الحقوقيين المتحاملين!

والسؤال الكبير الذي يطرح نفسه .. والذي ينبغي أن يقف عنده بتأمل وإجلال وإكبار كل منصف وعاقل .. أليس كل هذا الذي تقدم ذكره يدل على أن النبي الأمي محمد r ـ الذي لا يعرف القراءة ولا الكتابة ـ الذي جاء بهذه الحقوق والقيم النبيلة .. هو رسولُ الله .. وأن ما جاء به إنما هو وحي من عند الله تعالى .. وليس من عند نفسه؟!

البشرية المعاصرة بكل مؤسساتها الأممية والمحلية .. وما أوتيت من قوة نفوذ ووسائل .. لكي تعمم أو تفرض حقاً من الحقوق .. أو قانوناً من القوانين الإنسانية .. فهي تحتاج إلى عشرات السنين .. لكي تُقنع به الناس .. أو تفرضه على الناس .. إضافة إلى ذلك فهي تحتاج إلى زرع آلاف الكاميرات الخفية منها والمعلنة في كل مدخل ومخرَج، وكل زاوية من زوايا الطرق والأزقة .. لتراقب مدى التزام الناس بهذه القيم أو القوانين الأخلاقية .. ومع ذلك تجد غير الملتزمين بتلك القوانين أو القيم، والمتفلِّتين منها ـ رغم رسميتها واعتمادها لدى الهيئات والمنظمات الرسمية العالمية ـ أكثر بكثير ممن يلتزمون بها .. بينما النبي محمد r .. وهو النبي الأمي الذي لا يعرف القراءة ولا الكتابة .. ولا يملك شيئاً من تلك الوسائل التي تملكها الهيئات والمؤسسات الإنسانية المعاصرة .. استطاع ـ بإذن الله ـ خلال ثلاثة وعشرين عاماً أن يُغير مجرى الإنسانية والتاريخ من على وجه الأرض في مجال الحقوق بعامة، وحقوق الإنسان بخاصة .. وفي مجال الالتزام بتلك الحقوق والقيم .. وأن يجعل مئات الملايين من البشر يلتزمون في أنفسهم وضمائرهم تلك القيم والحقوق .. قبل أن يلتزموها في واقع حياتهم .. وفي حياتهم العملية!

ألا يدل ذلك ـ عندك أيها القارئ المنصف ـ على أن هذا النبي الأمِّي .. هو رسول الله بحق .. وأن ما صنعه للبشرية على مستوى الحقوق والقيم الإنسانية النبيلة .. في تلك الفترة الوجيزة من السنوات .. لا يمكن أن يحصل إلا من نبيٍّ مُوفَّق ومسدَّدٍ بوحي من الله تعالى؟!

وإلى هؤلاء الذين لا يزالون يعيشون الشَّكَّ والتَّرددَ ـ من الأُمم الأوربية ـ بصدقِ نبوَّةِ محمدٍ r .. على الأقل .. ألا يستحق منكم هذا النبي العظيم .. الاحترام والتقدير والإجلال ـ لما قدَّمه لكم وللإنسانية جمعاء من قيم أخلاقية حضارية راقية .. كنتم وغيركم غافلين عنها دهراً طويلاً .. وإلى الساعة لا تزال البشرية تقتات منها وتغترف ـ وأن تقولوا لسفهائكم المستهزئين .. كُفُّوا استهزاءَكم وسفَهَكُم .. وجهلَكُم .. أنتم مُخطئون، بل ومجرمون باستهزائكم من هذا الإنسان العظيم؟!

صدق الله العظيم:) فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ(الحج:46.

 

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

وصلى الله على محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم.

كان الانتهاء من مراجعة هذا الكتاب، وإضافة ما لزم إضافته على النسخة الأولى، صباح يوم الاثنين بتاريخ 25/2/1429 هجري، الموافق 3/3/2008 ميلادي، والحمد لله الذي تتم بفضله ومَنِّه ورحمته الطيبات الصالحات.

الفقير إلى عفو ربه ورحمته

عبد المنعم مصطفى حليمة

غفرَ اللهُ له، ولوالديه، ولأهلِ بيته، ولجميع المسلمين

 

أَمُوتُ ويَبقَى كُلُّ ما كَتَبْتُهُ ... فيا لَيْتَ مَنْ يَقرَأ كِتابيَ دعا لِيَ

لَعـلَّ إلهيَ أن يَمُنَّ بِلُطْفِهِ ... ويَرْحَم تَقصِيري وسُوءَ فِعـَالِيَ

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

 

الموضــوع....................................................................................................................... الصفحـة

إهــداء.............................................................................................. 3

مقدمـة............................................................................................................................................. 4

1- حقُّ الله تعالى على العِباد..................................................................... 6

2- حقُّ النبيِّ محمد r على الناس............................................................ 16

3- حقُّ الصَّحابةِ رضي اللهُ تعالى عنهم أجمعين............................................... 27

4ـ حقُّ الوالِدين على الولَدِ...................................................................... 56

5- حَقُّ الأبناءِ على آبائِهم...................................................................... 70

6- حَقُّ الزَّوجِ على زَوجَتِه...................................................................... 81

7- حقُّ المرأةِ على زوجِها...................................................................... 92

8- حَقُّ المسلِمِ على أخِيه المسلم............................................................. 101

9- حَقُّ المجاهدِ في سبيلِ اللهِ................................................................. 118

10- حَقُّ الجارِ على جارِه..................................................................... 126

11- حَقُّ الحاكِمِ المسلمِ على رعيَّتِه.......................................................... 132

12- حَقُّ الرعيَّةِ على الحاكِم................................................................. 147

13- حَقُّ العالِم، وما يجبُ عليه.............................................................. 155

14- حَقُّ الضَّيفِ على مُضِيفِه................................................................ 170

15- حَقُّ النَّفْسِ على النَّفْس.................................................................. 181

16- حَقُّ المالِ على صَاحبِه................................................................... 193

17- حَقُّ الطَّرِيقِ.............................................................................. 210

18- حَقُّ الخادِمِ أو العَبْدِ المملوكِ على مستَخْدِمِه أو مَوْلاه................................. 216

19- حَقُّ اليَتِيمِ................................................................................. 230

20- حَقُّ الذِّميِّ المعاهِدِ على المسلمين...................................................... 234

21- حُقوق الحيوانات......................................................................... 243

22- حَقُّ الجِنِّ................................................................................. 258

ـ خاتمة ـ....................................................................................... 261

تعريف مختصر بالكتاب باللغة الإنكليزية............................................................................... 263

الفهرس........................................................................................ 267

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

 

 



[1] اعلم أن أوكد الحقوق على العباد هو حق الله تعالى عليهم، فلأجله خلق الله الإنس والجان، وخلق السماوات والأرض، وهو الغاية من الوجود كل الوجود، لذا كان التفريط بهذا الحق تفريط بالغاية من الوجود، وهو أشد أنواع الظلم، وصاحبه يستحق أشد أنواع العذاب، كما قال تعالى: )إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (لقمان:13. وقال تعالى: )إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ(النساء:48. ومن ضروب الشرك الأكبر، والعبودية لغير الله تعالى – وما أكثر الواقعين  فيه – شرك الطاعة، والاتباع، والتحاكم، كما قال تعالى:) وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ(الأنعام:121. أي إن أطعتموهم في تحليل ما حرم الله، أو تحريم ما أحل الله )إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ(؛ أي لعابدون لهم من دون الله. وقال تعالى:) وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً(الكهف:26. وقال تعالى:) إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ(يوسف:40.  

    لذا كان الرضى بحكم غير الله قرينة دالة على النفاق وانتفاء مطلق الإيمان من القلب، مهما زعم صاحبه ـ بلسانه ـ خلاف ذلك، كما قال تعالى: )فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً(النساء:65. وقال تعالى: )أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ(النساء:60. وكل حكم غير حكم الله فهو طاغوت، وكل شرع غير شرع الله فهو طاغوت، وكل حاكم يستحسن الحكم بغير ما أنزل الله فهو طاغوت، وكل مطاع لذاته من دون الله ـ وهو راضٍ بذلك ـ فهو طاغوت؛ حيث أن المطاع لذاته هو الله تعالى وحده؛ وما سواه تكون طاعتهم من طاعة الله واستجابة لأمره I .. فتنبه لدينك ونفسك ـ يا عبد الله ـ  فإن الأمر جد خطير. 

[2] نفي بعده أداة استثناء تفيد الحصر والقصر؛ أي لم يخلق الله الجن والإنس لشيءٍ " إلا " لغاية واحدة فقط؛ وهي أن يعبدوه ولا يُشركوا به شيئاً .. والمراد من العبادة هنا العبادة الشاملة لجميع ما يحبه الله تعالى ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة .. والشاملة لجميع المساحة الزمنية التي يعيشها الإنسان، من المهد إلى اللحد، كما قال تعالى:) قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ(الأنعام:162-163.

[3] يُقال في هذه الآية كذلك ما قيل في الآية التي قبلها؛ أي أن الله تعالى لم يأمر العباد بشيء، ولم يلزمهم بشيء، ولا يريد منهم شيئاً إلا شيئاً واحداً فقط، وهو أن يعبدوه سبحانه ولا يشركوا به شيئاً .. طلبٌ سهل لمن سهله الله له .. ومع ذلك فالأقل هم الذين يؤدونه .. ولا حول ولا قوة إلا بالله.

[4] الاستخلاف في الأرض، والتمكين بعد ضعف، واستبدال الخوف بالأمن والأمان .. كل هذا الخير والعطاء والمَن مقابل )يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً( ... وعليه فقد خاب وخسر من يطلب النصر والتمكين للأمة عن غير طريق تحقيق التوحيد، والالتزام بالتوحيد .. وما أكثر التجارب المعاصرة التي باءت بالفشل لتنكبها هذا الطريق، وعدم اكتراثها به.

[5] ومن لا يعذبه يُدخله جنَّته؛ فالمنازل يوم القيامة منزلان لا ثالث لهما: إما عذاب وجحيم، وإما نعيم وجنان.

[6] أي توجبان على صاحبهما ما يستحق من وعد أو وعيد.

[7] أي مثيلاً ونظيراً؛ ومن صور ذلك أن تصف مخلوقاً ـ أياً كان شأن هذا المخلوق ـ بصفة هي من صفات وخصوصيات الله تعالى وحده؛ كأن تجعل أمر التشريع والتحليل والتحريم حقاً خالصاً لشخص معين، أو هيئة، أو مجلس .. من دون الله عز وجل .. أو أن تجعل إنساناً معيناً فوق المساءلة والمعاتبة فيما يفعل ويصدر عنه .. بينما الذي لا يُسأل عما يفعل هو الله تعالى وحده .. أو أن تعتقد في مخلوق معين أنه يعلم الغيب .. أو أنه يكشفُ الضر ويجلب النفع من دون الله .. بينما الذي يعلم الغيب .. ويكشف الضر ويجلب النفع هو الله تعالى وحده، كما قال تعالى:) وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ(الأنعام:59. وقال تعالى:) فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ(يونس:20. وقال تعالى:) قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ(النمل:65.    

[8] أي زوجة جارك.

[9] من مستلزمات الصدق أن لا يأتي بما ينافي شهادة التوحيد وينقضها بقولٍ أو فعلٍ أو اعتقاد.

[10] أي يتكلوا على شهادة التوحيد، ويتركوا العمل؛ فيهلكوا ..!

[11] أي خشية أن يقع في إثم كتمان العلم، والحديث متفق عليه.

[12] أي على ما أسلف من عمل؛ ما لم يكن هذا العمل ـ فعله أو تركه ـ كفراً وشركاً، والحديث متفق عليه.

[13] أي تمحو الخطيئة، وتزيل آثارها، كما يفعل الماء بالنار.

[14] وبناء بلا عمود و أساس لا يقوم ولا يتماسك؛ لذلك فقد صح عن النبي r أن تارك الصلاة كافر.

[15] أي احفظ عليك لسانك من أن ينطق إلا بحق أو صدق، وجنبه قول الزور، والغيبة والنميمة.

[16] رواه أحمد و الترمذي،  و ابن ماجه، مشكاة المصابيح: 29.

[17] فيه جواز خلة الأدنى للأعلى، بينما خلة الأعلى للأدنى فهي ممتنعة ومنتفية إلا بنص كثبوت خلة الله تعالى لنبييه إبراهيم ومحمد عليهما وعلى جميع الأنبياء والرسل أفضل الصلاة والسلام، وعليه يجوز للعبد أن يقول: محمد r خليلي .. لكن لا يجوز أن يقول أنا خليل محمد r؛ فالخلة من الصحابة للنبي r ثابتة، بينما خلة النبي r لأصحابه ولمن هم دونهم من المؤمنين منتفية، وإنما الثابت الصحبة والمحبة والأخوة والموالاة، فقد صح عن النبي r أنه قال: "ولو كنت متخذاً خليلاً من أمتي لاتخذت أبا بكرٍ، ولكن أخوة الإسلام ومودته "البخاري.

[18] فيه أن الأخذ بالعزيمة أولى من الأخذ بالرخصة، إذا كان الإكراه على الكفر والشرك.   

[19] رواه ابن ماجه، والبيهقي، صحيح الترغيب والترهيب: 566.

[20] أخرجه الطبراني وغيره، صحيح الجامع الصغير: 2539.

[21] هذا محمول على الموافاة؛ أي إن مات على الشرك والكفر؛ أما إن تاب من الشرك والكفر قبل أن يموت فتوبته تُقبل وتنفعه، وتجب ما كان قبلها بما في ذلك الشرك.

[22] أي الأمير المسلم، أو من يُولى ـ من المسلمين ـ على شؤون المسلمين؛ فهذا تجب طاعته مادام يأمر بالمعروف، أما إذا أمر بأمرٍ فيه معصية لله تعالى فلا طاعة له؛ فلا طاعة لمخلوقٍ ـ أياً كان ـ في معصية الخالق I.  

[23] رواه الطبراني، والحاكم، صحيح الجامع الصغير: 4330.

[24] أي على ما كان منك من تقصير، وعملٍ غير صالح.    

[25] رواه الطبراني، صحيح الجامع الصغير: 4341.

[26] هي الشاة التي ليس لها قرون. وقد سُئلت عن النملة التي تبغي على أختها، هل ستُحاسَب يوم القيامة؟ أقول: نعم ستُحاسَب هي وغيرها من الدواب مهما صغُرت أو كبرت .. فيُنتصف للمظلوم منها من الظالم .. هذا الذي دلت عليه أدلة الكتاب والسنة .. وهذا الذي يقتضيه العدل الإلهي المطلق، وتقتضيه أسماء الله الحسنى، وصفاته العليا سبحانه وتعالى.

[27] أخرجه ابن وهب في الجامع، السلسلة الصحيحة: 1050. قلت: دل الحديث على استحالة اجتماع الإيمان النافع ـ الذي ينفع صاحبه يوم القيامة ـ والكفر في قلب امرئٍ واحد، فالقول بإمكانية اجتماعهما في قلب واحد كالقول بإمكانية اجتماع الشيء وضده في آنٍ معاً، وهذا مخالف للنقل والعقل، وعليه فإن وجود الإيمان النافع في القلب يلزم منه بالضرورة انتفاء الكفر، والعكس كذلك؛ إذا حلَّ الكفر في القلب انتفى الإيمان مباشرة، فوجود أحدهما يلزم منه انتفاء الآخر ولا بد .. لكن الذي يمكن قوله هنا: أن الإيمان النافع يمكن أن يجتمع مع الشرك الأصغر أو الكفر الأصغر أو الكفر دون كفر في قلب واحد، ومثاله المؤمنون الموحدون العصاة الذي يقترفون بعض الذنوب والكبائر التي هي دون الكفر أو الشرك الأكبر .. فأمثال هؤلاء إيمانهم ينفعهم يوم القيامة، بالنص والإجماع، ولم يشذ عن هذا الإجماع إلا الخوارج الذين يكفِّرون بكبائر الذنوب التي هي دون الكفر الأكبر .. وشذوذهم هذا باطل لا يؤبه له، ولا يُلتفت إليه، لمخالفته للنص والإجماع.

    فإن قيل: كيف نوفق بين ما تقدم تقريره بعدم إمكانية اجتماع الإيمان والكفر في قلبٍ واحد، وبين قوله تعالى:) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ(يوسف:106. فظاهر الآية أنهم آمنوا بالله وهم مشركون، فاجتمع في قلب أحدهم إيمانٌ وشِرك ..؟

    أقول: هؤلاء آمنوا أو صدقوا بالربوبية وأشركوا بالألوهية؛ آمنوا بأن الله تعالى هو الخالق، لكن لم يؤمنوا بأن الله تعالى هو المعبود بحق في الأرض وفي السماء، لا شريك له في ألوهيته، كما قال تعالى: )وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُون(العنكبوت:61. وقال تعالى:) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ(لقمان:25. فهؤلاء آمنوا بأن الله هو الخالق، لكنهم في العبادة عبدوا آلهة أخرى أو أشركوها في العبادة مع الله .. وقالوا:) مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى(الزمر:3. لذلك لما أرادوا أن يجمعوا بين النقيضين؛ بين الإيمان بالربوبية والشرك في الألوهية في آن واحد، قال تعالى عنهم:) فَأَنَّى يُؤْفَكُون (. )بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ(. إذ كيف يؤمنون بالربوبية ثم يُشركون في الألوهية فهذا صنيع وخلق المكذبين الذين لا يعلمون أن الإيمان بالربوبية من لوازمه الإيمان بالألوهية. وإيمان كهذا الإيمان لا ينفع صاحبه يوم القيامة، كما لا يجوز أن يُسمى صاحبه مؤمناً؛ لأن الشرك في الألوهية وفي العبادة يُحبطه ويُبطله .. ويبطل غيره من الأعمال .. ونحن حديثنا أعلاه عن استحالة اجتماع الإيمان النافع ـ الذي يُسمى صاحبه مؤمناً ـ مع الكفر الأكبر أو الشرك الأكبر في قلب امرئٍ واحد، فتنبه لهذا!

[28] حتى وإن كان من ذوي الذنوب والمعاصي وممن اقترفوا في حياتهم الكبائر، شريطة أن لا ترقى هذه الكبائر درجة الكفر أو الشرك. كما قال تعالى:) إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً(النساء:48.  

[29] أخرجه ابن أبي عاصم في السنة، وصححه الشيخ ناصر في التخريج: 803.

[30] الراجح أن المراد هو أبو طالب عم النبي r، لورود النصوص الصحيحة أن أبا طالب هو أهون أهل النار عذاباً يوم القيامة، كما في صحيح مسلم: "أهون أهل النار عذاباً أبو طالب، وهو منتعل بنعلين من نارٍ يغلي منهما دماغه". وفيه أن الله لا يعذب أحداً من عباده إلا بعد قيام الحجة عليهم من جهة الأنبياء والرسل، كما قال تعالى:) وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً(الإسراء:15. وإذا كان أهون أهل النار عذاباً ـ وهو أبو طالب ـ قد قامت عليه الحجة النبوية؛ وقد أقامها عليه شخص النبي r، فمن باب أولى أن من كان أشد منه عذاباً يوم القيامة أن تكون حجة الرسل قد بلغته وقامت عليه، والمسألة قد أوفيتها بحثاً في كتابي " العذر بالجهل وقيام الحُجَّة " فليراجعه من شاء.

[31] ترْبَعُ؛ أي تأخذ ربع الغنيمة، يُقال ربَعْتَ القومَ أربَعُهُم. يريد ألم أجعلك رئيساً مُطاعاً؛ لأن الملِك كان يأخذُ الرُّبعَ من الغنيمة في الجاهلية دُون أصحابه." النهاية".

[32] في معنى الطاغوت وما يدخل فيه، قال ابن القيم رحمه الله في كتابه أعلام الموقعين 1/50: الطاغوت كل ماتجاوز به العبد حده من معبود او متبوع أو مطاع؛ فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله، فهذه طواغيت العالم إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم عدلوا من عبادة الله إلى عبادة الطاغوت، وعن التحاكم إلى الله وإلى الرسول إلى التحاكم إلى الطاغوت، وعن طاعته ومتابعة رسوله إلى طاعة الطاغوت ومتابعته ا- هـ.

    وصفة الكفر بالطاغوت تكون: بالقول، والاعتقاد، والعمل معاً، لا يُجزئ شيء من ذلك عن الآخر؛ فمن كفر بالطاغوت بلسانه، ولم يُضمر ـ في قلبه ـ له ولدينه وجنده العداوة والبغضاء والكره، لا ينفعه كفر اللسان، ومن كفر بالطاغوت في لسانه، وقلبه، لكنه لم يعتزله، ولم يعتزل العمل معه، والقتال معه ودونه ضد الإسلام والمسلمين .. فهذا أيضاً لا يكون قد حقق الكفر بالطاغوت؛ إذ لا بد أن يكون الكفر بالطاغوت كما تقدم: بالقول، والاعتقاد، والعمل .. وما أقل من يفعل ذلك في زماننا! 

[33]  كرائم أموالهم؛ أي أفضلها وأنفسها وأحبها إلى نفوسهم. ومما أفاده الحديث ضرورة ترتيب الأولويات في العملية الدعوية، وإعطاء التوحيد الأولوية وتقديمه عما سواه، سواء كان ذلك في الدعوة والتبليغ أو في الطلب والتعلّم.

[34] مفهوم الحديث أن من قال: لا إله إلا الله، لكنه لم يكفر بالطاغوت وعبادته من دون الله لا يكون معصوم المال والدم.

[35] العمل الصالح هو العمل الموافق للسنة.

[36] هو إخلاص العمل والعبادة لله U وحده. ومنه قال أهل العلم ـ وقولهم حق ـ : أن أي عبادة أو عمل يُتعبد به إلى الله تعالى، يجب أن يُتوفر فيه شرطان لينال القبول عند الله، أولهما: أن يكون موافقاً للسنة، والثاني: أن يكون خالصاً لله تعالى وحده؛ فإن اختل شرط منهما بطُل العمل، ورُدّ على صاحبه. 

[37] أي السمعة والشهرة، وأن يتكلم عنه الناس. 

[38] رواه أبو داود، والنسائي، صحيح سنن النسائي: 2943.

[39]  رواه أحمد، وغيره، صحيح الترغيب والترهيب: 29.

[40]  رواه ابن ماجه وغيره، صحيح الترغيب: 31.

[41]  رواه الترمذي، وابن ماجه، وابن حبان، صحيح الترغيب: 30.

[42]  السلسلة الصحيحة: 2764.

[43]  رواه أحمد، والطبراني، صحيح الترغيب: 33.

[44] الاحتكام إلى النبي r بعد وفاته، يكون بالاحتكام إلى سنته الثابتة الصحيحة؛ وهي كل ما صح عنه من قول، أو فعل، أو  إقرار. وبالتالي فإن التعقيب على سنته r وردها يكون كمن يرد سنَّته ويُعقِّب عليه في حياته وحضرته.

[45] أفادت الآية أموراً، منها: وجوب طاعة الله ورسوله r، وأن طاعة النبي r من طاعة الله U، ومنها: أن الرد إلى الله ورسوله يكون بالرد إلى كتاب الله تعالى وسنة نبيه r بعد وفاة النبي r، ومنها: أن السنة محفوظة، وهي من الذكر المحفوظ والمعني في قوله تعالى:) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ(الحجر:9. إذ يستحيل أن يأمر الله تعالى بالرد إلى شيء ثم يكون هذا الشيء غير محفوظ ولا ثابت ولا بيِّن، ومنها: أن الكتاب والسنة فيهما حل لكل نزاع ـ علم ذلك من علم وجهل ذلك من جهل ـ  فحاشى الخالق I أن يأمر برد النزاع إلى شيء ثم لا يكون في هذا الشيء حل لذلك النزاع، ومنها: أن من لوازم وشروط صحة الإيمان رد النزاعات إلى الكتاب والسنة، فمن انتفى عنه رد التنازع إلى الكتاب والسنة، وردها إلى ما سواهما، انتفى عنه مطلق الإيمان.      

[46] أي شرك، قال  الإمام أحمد: "نظرت في المصحف فوجدت طاعة الرسول r في ثلاثة وثلاثين موضعاً، ثم جعل يتلو: )فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ(. وجعل يكررها، ويقول: وما الفتنة؟ الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيزيغ قلبه فيهلكه.

   وقيل له: إن قوماً يدعون الحديث، ويذهبون إلى رأي سفيان! فقال: أعجب لقوم سمعوا الحديث وعرفوا الإسناد وصحته يدعونه ويذهبون إلى رأي سفيان وغيره! قال الله تعالى: )فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ( وتدري ما الفتنة ؟ الكفر. قال الله تعالى:) وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ(البقرة:217. فيدعون الحديث عن رسول الله r، وتغلبهم أهواؤهم إلى الرأي..؟!" ا- هـ.        

  [47]قال ابن القيم في تفسير الآية: "أقسم سبحانه بنفسه المقدسة قسماً مؤكداً النفي قبله، عدم إيمان الخلق حتى يحكموا رسوله في كل ما شجر بينهم من الأصول والفروع، وأحكام الشرع، وأحكام المعاد وسائر الصفات وغيرها، ولم يثبت لهم الإيمان بمجرد هذا التحكيم حتى ينتفي عنهم الحرج؛ وهو ضيق الصدر، وتنشرح صدورهم لحكمه كل الإنشراح وتنفسح له كل الانفساح، وتقبله كل القبول. ولم يثبت لهم الإيمان بذلك أيضاً حتى ينضاف إليه مقابلة حكمه بالرضى والتسليم وعدم المنازعة، وانتفاء المعارضة والاعتراض "ا- هـ. عن كتاب التبيان في أقسام القرآن: 270.

[48] قال ابن تيمية في تفسير الآية: "أي حذَر أن تحبط أعمالكم، أو خشية أن تحبط أعمالكم، أو كراهة أن تحبط أعمالكم، ولا يحبط الأعمال غير الكفر؛ لأن من مات على الإيمان فإنه لا بد أن يدخل الجنة ويخرج من النار إن دخلها، ولو حبط عمله كله لم يدخل الجنة قط، ولأن الأعمال إنما يحبطها ما ينافيها، ولا ينافي الأعمال مطلقاً إلا الكفر..

    فإذا ثبت أن رفع الصوت فوق صوت النبي والجهر له بالقول يُخافُ منه أن يكفر صاحبه وهو لا يشعر، ويحبَط عمله بذلك، وأنه مظنة لذلك وسبب فيه، فمن المعلوم أن ذلك لما ينبغي له من التعزير والتوقير والتشريف والتعظيم والإكرام والإجلال، ولِما أن رفع الصوت قد يشتمل على أذى له واستخفاف به، وإن لم  يقصد الرافع ذلك، فإن كان الأذى والاستخفاف الذي يحصل في سوء الأدب من غير قصد صاحبه، يكون كفراً، فالأذى والاستخفاف المقصود المتعمد، كفر بطريق الأولى "ا- هـ. عن كتاب الصارم: 55. 

[49] السماع المقصود في الحديث والذي تقوم به الحجة على السامع: هو السماع الذي يدفع الجهل عند السامع، ويحقق عنده العلم بحقيقة النبي r وحقيقة دعوته، ويكفيه من ذلك أن يسمع بلغة يفهمها العبارة التالية: "أن محمداً رسولُ الله تعالى إلى العالمين، وهو خاتم الأنبياء والرسل، أرسله الله تعالى بشهادة التوحيد لا إله إلا الله، مبشراً بالوعد والجنان والجزاء الحسن لمن يؤمن ويدخل في الطاعة لله ولرسوله r، ومنذراً بالوعيد الأليم لمن يكذب ويعرض ويكفر .. فمن بلغته هذه العبارة أو نحوها بلغة يفهمها فقد قامت عليه الحجة من جهة نذارة الرسل، التي يُعذب ويُحاسب جاحدها ومنكرها يوم القيامة.

    أما ترغيب الآخرين بالإسلام من خلال شرح مبادئه وعقائده .. وغير ذلك مما يبذله الدعاة في سبيل إقناع الآخرين .. فهذا أمر جيد ومحمود .. لكن لا يعتبر شرطاً لقيام الحجة من جهة نذارة الرسل.

[50] رواه الترمذي، وابن ماجه، قال الشيخ ناصر: سنده صحيح، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، المشكاة: 104. 

[51] صحيح سنن ابن ماجه: 12. أفاد الحديث أموراً منها: أن الأحكام الشرعية ـ من تحليل وتحريم، وتحسين وتقبيح، وبيان ما هو واجب وما هو مندوب ـ كما أنها تؤخذ من كتاب الله تعالى، كذلك فهي تؤخذ من سنة النبي المصطفى r، فكما أن القرآن حجة، كذلك السنة فهي حجة، من ردها فقد رد حجة القرآن ولا بد، كما قال تعالى:) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ(آل عمران:32. وقال تعالى:) وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا(الحشر:7. وفي الحديث فقد صح عن النبي r أنه قال: "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله " البخاري. فرد السنة لازم لرد القرآن، كما أن رد القرآن لازم لرد السنة والعياذ بالله.

    ومنها: أن الحديث فيه رد على فرقة القرآنيين الذين فشى شرهم في هذا الزمان؛ الذين ينكرون السنة ويبطلون العمل بها، ويزعمون أنهم لا يؤمنون ولا يعملون إلا بالقرآن ونصوص القرآن فقط .. وهؤلاء كذابون ومتناقضون إذ أن الإيمان بالقرآن يؤدي بالضرورة إلى الإيمان بالسنة .. وأن من يكذب بالسنة وينكرها يلزمه بالضرورة أن يكذب بالقرآن وينكره .. ومن كان هذا قوله واعتقاده لا شك في كفره وزندقته وخروجه من الإسلام .. فهؤلاء ـ إن أصروا على قولهم واعتقادهم الفاسد هذا ـ ليسوا بمسلمين ولا مؤمنين.

[52] صحيح سنن ابن ماجه: 16.

[53] صحيح سنن ابن ماجه: 20. أقول: كثر ـ في هذا الزمان ـ الذين يتعصبون لأقوال علماء مذهبهم، وأحزابهم وتجمعاتهم من دون قول الرسول r؛ فتقول لهم: قال الرسول r، فيجيبونك وبكل جرأة ووقاحة: ولكن قال فلان وفلان ..!!

[54] أي من الغضب؛ وذلك لأن الأمر له علاقة بالعقيدة والتوحيد، وبالتلقي والاتباع، وممن يؤخذ الدين .. وتؤخذ الأحكام والقيم والمبادئ؟ فإن كانت من عند غير الله، فالجواب واضح:) وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ(.

    وحتى يتفادى المرء الوقوع في الشرك لا بد له من أن يتوجه بكليته إلى ذاك النبع المعين الصافي ليتلقى منه الدين والمبادئ، ويتعرف على قيم الحق والباطل سواء؛ وهو دين الله الإسلام الذي أوحاه الله تعالى إلى نبيه محمد r. وإذا كان الأمر بهذه الخطورة وهذا الجد، فكيف بنا بكثير من شباب هذا الزمان الذين ينكبُّون على دراسة الكتب الماركسية، واللينينية، والأفلاطونية وغيرها من المذاهب الوضعية الكافرة، قبل أن يتفقهوا في دينهم أو يعرفوا شيئاً عن إسلامهم؟!

[55] هذا فيمن يتبع نبي الله موسى ويترك محمداً صلوات ربي وسلامه عليه، فكيف بمن يترك النبي r وتعاليمه .. ويتبع حزب البعث .. أو الحزب الشيوعي .. أو الحزب الناصري .. أو غيرها من الأحزاب الاشتراكية والديمقراطية والعلمانية السائدة في بلاد المسلمين .. فهذا لا شك أنه ليس له حظاً في الإسلام، مهما زعم بلسانه أنه من المسلمين.

[56] رواه الدارمي، مشكاة المصابيح: 194، وانظر صحيح الجامع الصغير: 5308.

[57] فعل ذلك لشدة حرصه t على امتثال أمر الرسول r بأسرع ما يمكن؛ حيث وافق أمر النبي r لحظة دخوله باب المسجد، وفي الحديث دلالة على مدى قدسية أمر الرسول r في نفوس أصحابه، وشدة انقيادهم له.

[58] صحيح سنن أبي داود: 966.

[59]  أي الآن عرفت الحق فنطقت به.   

[60] قال ابن تيميه في الفتاوى 1/226: فهذا كله نقله القاضي عياض، من كتب أصحاب مالك المعروفة ا- هـ.

[61] أي لا تغالوا في مدحي، كما غالت النصارى في عيسى ابن مريم، وادعت له الألوهية.

[62]  لأن علم ما في غدٍ من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، كما قال تعالى:) وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ(الأعراف188.

[63]  فتقولون ما لا ينبغي قوله.

[64] رواه أحمد، والنسائي، وصححه الشيخ ناصر، إصلاح المساجد: 102.

[65]  صحيح سنن أبي داود: 4021.

[66] رواه مسلم، والترمذي، وأبو داود، صحيح سنن أبي داود: 3906. والتوفيق بين هذا الحديث، ونحوه من الأحاديث كقوله r: "لا تفضلوني على يونس بن متى"، وكذلك قوله  r: "لا تفضلوني على موسى " ـ على نبينا وجميع الأنبياء أفضل الصلاة والسلام ـ وبين قوله r: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر". أن المفاضلة بين أعيان الأنبياء يستشف منها انتقاص من قدر النبي المفضول، بينما هذا المحظور لا يحصل جراء التفضيل العام، لذا نجد أن السنة نهت عن المفاضلة بين أعيان الأنبياء، كما في الحديث: "لا تَخَيَّروا بين الأنبياء " البخاري. وفي رواية: "لا تخيَّروني من بين الأنبياء " البخاري. وأثبتت الفضل العام لنبينا r على سائر الخلق، تجنباً للوقوع في المحظور الآنف الذكر.

     وقيل: إن نهي النبي r عن تفضيله على أعيان الانبياء بأسمائهم، هو لتواضعه وعظمه أخلاقه .. وهذا الاحتمال لا يعارض التفسير السابق إذ كلاهما ممكنان وموافقان لسمو الأخلاق العظيمة التي عُرف بها نبينا r.

[67]  رواه أحمد، وابن ماجه، والبيهقي، والطبراني في الكبير، السلسلة الصحيحة: 139.

[68]  رواه ابن ماجه، والحاكم في المستدرك، صحيح الجامع الصغير: 7052". والقديد: هو اللحم المملوح المجفف في الشمس. قاله ابن الأثير في النهاية.

[69]  شاتم النبي r يُقتل حداً وكفراً، فإن تاب وصدق في توبته نفعته توبته، وسقط عنه حكم الكفر، وبقي الحد قصاصاً وحداً من حدود الله ـ لا بد منه ـ حصانة للنبي r ولحرماته، وحقاً من حقوقه .. وهذا الحد حق لكل نبي من أنبياء الله تعالى؛ فمن تَعرَّض لنبي من أنبياء الله تعالى بالطعن والسب أو الاستهزاء فحكمه كحم من يتعرض لنبينا صلوات الله وسلامه عليه بشيءٍ من ذلك.

    قال ابن تيمية في الصارم: "والحكم في سبِّ سائرِ الأنبياء كالحكم في سبِّ نبينا؛ فمن سبَّ نبياً مُسمَّى باسمه من الأنبياء المعروفين المذكورين في القرآن أو موصوفاً بالنبوة، مثل أن يُذكر في حديث أن نبياً فعل كذا أو قال كذا، فيسب ذلك القائل أو الفاعل، مع العلم بأنه نبي، وإن لم يعلم من هو، أو يسب نوع الأنبياء على الإطلاق، فالحكم في هذا كما تقدم؛ لأن الإيمان بهم واجبٌ عموماً، وواجبٌ الإيمان خصوصاً بمن قصَّه اللهُ علينا في كتابه، وسبهم كفر وردة إن كان من مسلم، ومحاربة إن كان من ذِمِّي " ا- هـ.

    فإن قيل: قد صح أن هناك من شتم النبي r في حياته، وتعرض له بأنواع من الأذى .. فعفا عن بعضهم وقتل البعض الآخر، فإذا كان القتل حداً من حدود الله فكيف يعفو عنهم؟

    فالجواب: أن للرسول r الحق في أن يتنازل عن حق من حقوقه الخاصة فيعفو عمن يشاء ممن قد تاب وكان صادقاً في توبته، أو لعلمه بسلامة باطنه وقصده، أو لمصلحة راجحة يراها r .. ولا يعفو عمَّن يشاء .. لكن بعد وفاته r من مخول من الأمة أن يعفو عن حق هو خاص بالنبي r؟! قطعاً لا أحد يجرؤ أن يدعي هذا الحق، لذلك كان الصحابة والسلف رضوان الله عليهم لا يرون للمسيء بحق النبي المتطاول عليه وعلى عِرضه سوى القتل، حتى وإن تاب. والمسألة قد أوفيتها بحثاً بشيء من التفصيل في كتابي " تنبيه الغافلين إلى حكم شاتم الله والدين"، فليراجعه من شاء. 

[70] قال ابن تيمية في كتابه العظيم " الصارم المسلول على شاتم الرسول ": هذا نصٌ في أن الاستهزاء بالله، وبآياته وبرسوله كفر، فالسبُّ المقصود بطريق الأولى، وقد دلت هذه الآية على أن كل من تنقَّص رسولَ الله r، جاداً أو هازلاً فقد كفر ا- هـ.

[71] رواه أبو داود، والنسائي، صحيح سنن أبي داود: 3665. " دمها هدر"؛ أي لا قِود ولا قصاص، ولا ديّة على قاتلها.

[72]  صحيح سنن النسائي: 3790. وقوله " بعد الرسولِ r"؛ أي من غير الأنبياء.

[73] أخرجه أحمد، السلسلة الصحيحة: 1618.

[74] أخرجه أحمد، السلسلة الصحيحة: 1753. قلت: من صور الكذب على النبي r أن يتعمد المرء تحميل قوله r مالا يحتمل من المعاني والدلالات؛ فيقوِّله بذلك ما لم يقل، وكذلك أن يفتي في مسألة من المسائل وينسب فتواه من غير علم إلى النبي r، وما أكثر من يفعل ذلك في زماننا!!

[75]صلاة الله على عبده ونبيه محمد تكون بثنائه عليه، ورفع مقامه وذِكره، في الأرض وفي السماء .. وصلاتنا والملائكة عليه r ثناء عليه، وإظهار لفضله وشرفه، ولعظيم حقه علينا .. ودعاء بأن يثني الله عليه .. ويُعلي من ذكره ومقامه r. نُقل هذا المعنى عن البخاري في صحيحه .. وهو الذي رجَّحه ابن القيم في كتابه " جلاء الفهام". 

[76] السلسلة الصحيحة: 2337.

[77] صحيح الجامع الصغير: 4523. قلت: كم يحزنني أولئك الذين يقنتون في صلاتهم فيطيلون الدعاء .. ثم لا يختمون دعاءهم بالصلاة على النبي r .. وإني أرى من فطانة الداعي أن يبتدئ دعاءه ويختمه بالصلاة على النبي r .. ويجعل حاجته ومسألته في الوسط بين أول دعائه وآخره؛ فهذا أحرى بالقبول؛ فالله تعالى أكرم من أن يقبل أول الدعاء وآخره، ثم يرد وسطه، والله تعالى أعلم.

[78] رواه الترمذي، صحيح الترغيب: 1676.

[79] رواه الترمذي، صحيح الجامع الصغير: 6246.

[80] رواه أحمد والنسائي، والحاكم، صحيح الجامع الصغير: 6359.

[81] رواه النسائي وغيره، صحيح الترغيب: 1659.

[82] رواه الطبراني، صحيح الترغيب: 1662. قلت: لا يعلم كم عدد الملائكة إلا الله؛ وإذا كان كل ملك يُصلي على من صلى على النبي محمد r عشر مرات، فهذا يعني أن من صلى على النبي r مرةً يُصلَّى عليه مئات الملايين من المرات من قبل ملائكة الله تعالى .. وعلى قدِّ عددهم .. هذا غير صلاة الرب I على عبده .. وصلاته I تكفي وزيادة .. فأين المغترفون؟!!

[83] رواه الترمذي وقال: حديث حسن، رياض الصالحين.

[84] أي من دعائي.

[85] أخرجه أحمد، والترمذي، والحاكم، صحيح الترغيب: 1670.

[86] أخرجه ابن ماجة، صحيح الترغيب: 1672.

[87] رغِمَ: أي لصق بالتراب؛ كناية عن الذل والإرغام. والحديث رواه الترمذي، وقال: حديث حسن، رياض الصالحين.

[88] رواه الترمذي، وقال: حديث حسن، رياض الصالحين.

[89] رواه أحمد والبخاري، وأصحاب السنن، صحيح الجامع الصغير: 6423. " الوسيلة"؛ هي منزلة في الجنة لا تُعطى إلا لعبد واحدٍ، كما ورد ذلك في الحديث الذي رواه مسلم: "سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبدٍ من عباد الله تعالى، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة حَلَّت له شفاعتي". " والمقام المحمود"؛ هو الشفاعة الأولى التي يُعطاها النبي r، ويعتذر منها الأنبياء، ويقول كل منهم: أنا لست لها .. إلا نبينا صلوات الله وسلامه عليه، فيقول: "أنا لها، أنا لها"، فيحمده الناس على ذلك؛ أن أراحهم الله تعالى ـ بشفاعة نبيه ـ من شدة ذلك اليوم، وما هم فيه من موقف عصيب .. فيؤذن بعدها بالقضاء والحساب.

[90] رواه الطبراني، صحيح الجامع الصغير: 75. قلت: هذا الحديث من جملة الأدلة التي تُفيد وجوب الصلاة على النبي r على من يُذكر عنده. 

[91] صحيح الأدب المفرد: 500.

[92] رواه الطبراني، صحيح الترغيب: 1665. 

[93] رواه البزار، صحيح الترغيب: 1667.

[94] رواه الديلمي في مسنده، صحيح الجامع الصغير: 1207. قلت: إذا أردت ـ يا عبد الله ـ أن يتعرَّف عليك النبي r باسمك واسم أبيك .. وأنت لا تزال في حياتك الدنيا ـ وما أجمل ذلك! ـ فأكثر من الصلاة عليه!

[95] هذا نص صريح قد دلَّ أن الله تعالى قد رضي عن الصحابة من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان واقتدى بهداهم، وسار على طريقتهم ممن جاءوا بعدهم، والشيعة الروافض؛ ليسوا ممن اتبعوا الصحابة بإحسان لأنهم يصرحون بكفرهم وشتمهم، وتضليلهم .. ويُضمرون في صدورهم عليهم وعلى من اتبعهم بإحسان الحقد والغيظَ  والكراهية ما لا يضمرونه على أحدٍ من العالمين .. ويجعلون ذلك ديناً يُتَديَّن به .. بل من أعظم ما يتدينون ويتقربون به .. فدينهم قائم على الطَّعنِ، والكَذِب، والتَّكذيبِ، وتصديقِ الكذب .. ومعاداة صفوة الخلق بعد الأنبياء والرسل .. وهؤلاء ليسوا بمسلمين؛ لأنهم مكذبون للقرآن الكريم، ورادون لحكمه وشهادته.

    قال ابن كثير في التفسير: فقد أخبر الله العظيم أنه قد رضي عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، فيا ويل من أبغضهم أو سبهم أو أبغض أو سب بعضهم، ولا سيما سيد الصحابة بعد الرسول وخيرهم وأفضلهم أعني الصديق الأكبر والخليفة الأعظم أبا بكر بن أبي قحافة t فإن الطائفة المخذولة من الرافضة يعادون أفضل الصحابة ويبغضونهم ويسبونهم، عياذاً بالله من ذلك، وهذا يدل على أن عقولهم معكوسة وقلوبهم منكوسة، فأين هؤلاء من الإيمان بالقرآن إذ يسبون من رضي الله عنهم؟! ا- هـ.

[96] والذين بايعوا تحت الشجرة كانوا ألفاً وأربعمائة صحابي، كما في الحديث، عن جابر، قال: كنَّا يومَ الحديبية ألفاً وأربعمائة. قال لنا النبيُّ r: "أنتم خيرُ أهلِ الأرضِ" متفق عليه. وهؤلاء بنص القرآن الكريم قد رضي الله عنهم، والله تعالى إذ يرضى عن أناسٍ فإنه يرضى عنهم لسلامة دينهم ومنهجهم، واعتقادهم، وبالتالي فإن من يطعن بالصحابة، أو يجرح بعدالتهم، فإنه يطعن بشهادة الله تعالى، وشهادة رسوله r، ويُكذّب القرآن والسنة .. ومن كذَّب القرآن والسنة، أو طعن بشهادة الله تعالى وشهادة رسوله r في الصحابة الكرام، فهو زنديق كافر؛ ليس بمسلم.

[97] والذين مع النبي r هم الصحابة رضي الله عنهم أجمعين .. وقوله )لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّار(؛ فيه أن الصحابة لا يغتاظ منهم ولا يبغضهم إلا كافر، قال ابن كثير في التفسير: من هذه الآية انتزع الإمام مالك رحمة الله عليه ـ في رواية عنه ـ بتكفير الروافض الذين يبغضون الصحابة رضي الله عنهم، قال: لأنهم يغيظونهم ومن غاظ الصحابة رضي الله عنهم فهو كافر لهذه الآية، ووافقه طائفة من العلماء رضي الله عنهم على ذلك ا- هـ. قلت: قوله " ومَن غَاظَ الصحابَةَ " كما ورد في الأصل؛ معناه أنه هو الذي أغاظَ الصحابة، وهذا المعنى  لا يستقيم، ولعلَّ الصواب " ومَن غاظَهُ الصحابَةُ أو ومن غاظَ من الصحابةِ"، لموافقته لمعنى الآية والمراد منها، والله تعالى أعلم. وشَطْء الزرع؛ أي فراخه وأولاده؛ وهي بمثابة النباتات الصغيرة التي تنبت حول ـ وقريبة من ـ النبتة الأصل والأم الكبيرة.   

[98] هؤلاء النفر كفروا بعد إيمانهم لطعنهم واستهزائهم بالصحابة رضي الله عنهم أجمعين، فعُد طعنهم واستهزاؤهم بالصحابة بمثابة من يستهزئ بالله تعالى الذي رضي عنهم وأثنى عليهم خيراً .. وبمثابة من يستهزئ بالآيات القرآنية التي تتضمن ذِكر رضى الله تعالى عنهم .. وبمثابة من يستهزئ بالرسول r الذي رضي عن أصحابه وأثنى عليهم خيراً .. وبلّغ الآيات عن ربه U التي تتضمن الثناء الحسن على الصحابة رضي الله عنهم أجمعين؛ لذا فإن من يطعن أو يستهزئ بالصحابة فهو في حقيقته يطعن ويستهزئ بالله تعالى، وبآياته، وبرسوله r .. فالحذر الحذر! 

[99] رواه النسائي، وأحمد، والحاكم، وصححه الشيخ ناصر في تحقيقه لمشكاة المصابيح: 6003.

[100] قوله " فيُفتح لهم به"؛ أي فيُفتح لهم به ببركة وسبب وجوده معهم، ودعائه لهم، وما للصحابي من كرامة عند الله تعالى. و " الفئام"؛ الجماعة، أو الجماعة الكثيرة من الناس. 

[101] " أمنَةٌ"؛ أي أمنٌ، فإذا ذهب؛ ذهب الأمنُ معه، ونزل فيمن افتقده من البلاء والفتن، والبدَع، والشدة ما شاء الله .. كالحِمى التي تتعرض للسطو والعدوان والانتهاكات بفقدانها الحارس الذي يحرسها ويحميها .. ومما يدل على هذا المعنى الأحاديث الدالة على أن موت العالم ثَلمةٌ في الإسلام لا تُسد، ومصيبة لا تُجبر؛ وذلك لما يتسبب وفاته من فراغ واضطراب في حياة الناس، وفتنة وفساد وشر لمن تركهم بعده، وبخاصة إن لم يوجد من يخلفه في العلم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. فقد صحَّ عن النبي r أنه قال: "إن الله لا يقبض العلمَ انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلمَ بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما، اتخذ الناسُ رؤوساً جُهَّالاً، فسُئِلوا فأفتوا بغير علم، فضلُّوا وأضَلُّوا" متفق عليه. فالعالِم عنصر أمنٍ في الوجود، وحيثما يحل ويُقيم .. ولكن ليس على طريقة عناصر الأمن التي تحمي وتحرس الطواغيت الظالمين .. فما قولكم إذا كان هذا العالِم المتوفى صحابي من أصحابِ رسولِ الله r!

    قال النووي في الشرح 16/83: "فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يُوعدون"؛ معناه من ظهور البدع، والحوادث في الدين، والفتن فيه، وطلوع قرن الشيطان، وظهور الروم وغيرهم، وانتهاك المدينة ومكة وغير ذلك، وهذه كلها من معجزاته r ا- هـ.

[102] رواه الطبراني، السلسلة الصحيحة: 34. وقوله " r: "إذا ذُكِرَ أصحابي فأمسِكُوا"؛ أي إما أن تذكروهم بالخير أو تُمسِكوا .. ولو ذكرتموهم فلا تتوسعوا؛ فتخوضون فيهم فيما لا ينبغي ولا يجوز .. فتقعون في المحظور، وفي هذا الحديث إنكار على من يرتضي لنفسه أن يناظر الروافض الأشرار حول عدالة الصحابة .. وما يتخلل تلك المناظرات من تجريح واستخفاف، وعبارات نابية بحق الصحابة الأخيار رضي الله عنهم أجمعين .. وكأن عدالة الصحابة قابلة للطعن والنظر، ومن ثم للنقاش والمجادلات!!

[103] المُد؛ مكيال يسع لربع صاع؛ والصاع أربعة أمداد؛ والمد حُفنة واحدة بكفَّي الرجل المعتدل الكفين. ونصيفه؛ أي نصفه. 

[104] تضمنت هذه الرواية زيادة عن الرواية التي قبلها؛ وهي النهي عن سب آحاد أو فرد واحد من الصحابة، فكما أن النبيَّ r نهى عن سبِّ مطلق الصحابة، كذلك فقد نهى عن سب آحادهم أو أحدٍ منهم.

[105] رواه الطبراني وغيره، السلسلة الصحيحة: 2340.

[106] أخرجه الحاكم في المستدرك 3/632، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي. والصرف؛ النافلة، والعدل؛ الفرض؛ أي لا يُقبَل منهم عمل، سواء كان نافلة أم فرضاً. 

[107] فإن قيل: ما نوع هذه الحرب التي توعَّد الله بها من يُعادي له ولياً من أوليائه ..؟ أقول: الله تعالى أعلم بماهيتها وحجمها .. فقد يسلط الله عليهم بلاءً كونياً؛ كالزلازل، والأوجاع، والأمراض، والفقر، والقحط وغير ذلك .. وقد يسلط عليهم عباده المؤمنين المجاهدين فيقتصون منهم لأولياء الله الصالحين .. أو عدواً لهم من غير المسلمين .. وقد يفتن بعضهم ببعض؛ فيقتلون ويُحاربون بعضهم بعضاً .. فلا يجعلهم يهنؤون بعيش، ولا حياة .. فكل هذه المعاني تدخل في معنى الحرب المشار إليها في الحديث أعلاه .. وقد حصل كل ذلك ـ في زماننا المعاصر ـ للروافض الأشرار في العراق الذين يُجاهرون بمعاداة وشتم صفوة أولياء الله تعالى من الصحابة الأخيار بعد الأنبياء والرسل .. ولا يلوموا إلا أنفسهم، لو كانوا يعلمون .. هذا غير الوعيد الشديد الذي ينتظرهم يوم القيامة .. ومن أصدق من الله قيلاً وعهداً؟!    

[108] صحيح سنن ابن ماجه: 133. وقوله " فلَمَقامُ أحَدهِهم ساعَةً"؛ أي مع النبيِّ r .. وابن عمر يقول ذلك للتابعين ممن عاصروه، فماذا تُراه يَقول لأهل زماننا، وبخاصة لمن أفلتوا ألسنتهم، فلم يُراعوا حدود الأدب مع أصحاب رسولِ الله r؟!

[109] رواه أحمد في المسند " 3600"، وقال الشيخ شاكر في التخريج: إسناده صحيح.

[110] هذه الآية الكريمة من جملة الآيات التي تدل على رضى الخالق I عن الصحابة من المهاجرين والأنصار، وعمّن اتبع طريقهم وسلك منهجهم واقتدى بهم ممن جاء ويجيء بعدهم، وإلى يوم القيامة .. من كذَّب بذلك لزمه ولا بد تكذيب صريح القرآن الكريم، وهو عين الكفر البواح!

[111] الحديث أفاد معانٍ عظيمة عدة، منها فضل من سبق في الإسلام، والنصرة، والجهاد على المتأخر بعده، فعمر الفاروق الذي هو هو .. ومع ذلك يقول له النبي r ولغيره من الأصحاب: "فهل أنتم تارِكُوا لي صاحبي " .. وذلك أن الصديق أبا بكرٍ  t كان الأسبق إلى التصديق، والنصرة، والجهاد!  

[112] أخرجه أحمد، السلسلة الصحيحة: 1923. قلت: يقول النبي r  في خالد t: "خالدٌ سيف من سيوف الله U، نِعم فتى العشيرة " السلسلة الصحيحة:1826. ومع ذلك لما حصل خلاف بينه وبين عبد الرحمن بن عوف t يُنكر النبيُّ r على خالد، ويقول له ولغيره ممن تأخر إسلامهم وتأخرت نصرتهم للإسلام عن عبد الرحمن بن عوف: "دَعُوا لي أصحابي، فوالذي نفسي بيدِه لو أنفَقْتُم مِثْلَ أُحدٍ أو مِثْلَ الجبالِ ذَهباً ما بلَغْتُم أعمالَهُم "!

    أقول: هذا التفضيل ينبغي أن يُراعى عند عملية التلقي والاستدلال؛ فيُقدم قول وفهم واجتهاد السابق من الصحابة على اللاحق المتأخر منهم .. فمراعاة فهم واجتهاد السابق على اللاحق من الصحابة عامل من عوامل الترجيح عند حصول الاختلاف .. للأدلة الواردة أعلاه وغيرها .. وما أقلَّ من يتنبه لهذا المنهج!

[113] مما يُستفاد من هذا الحديث ـ والذي قبله والذي بعده ـ  التوسع في التأويل، وإقالة العثرات لمن كان له سابقة جهاد وبلاء في الإسلام .. فعِظم الحسنات ليست مانعاً من موانع التكفير، إذا وقع المرء في الكفر البواح، لكنها تُلزم بتحسين الظن بصاحبها، عند حصول الكبوات، أو مورد الكفر المتشابه .. هذا فقه ينبغي أن يتنبه له من يُحاسب، بل ويُكفِّر على الهفوات!

[114] أخرجه أحمد وغيره، السلسلة الصحيحة: 2160. أفاد هذا الحديث وغيره أن عدد المبشرين بالجنة من أصحاب النبيِّ r بأعيانهم بالمئات إن لم يكن بالآلاف .. وليس فقط العشرة المبشرين كما يظن البعض!

[115] المهاجرون وكذلك الأنصار هم الأصل، وأيما حديث أو نص يتكلم عن فضل الصحابة فهو يعنيهم ويشملهم بالدرجة الأولى، ولكن لما وردت نصوص تخصهم أو تخص بعضهم بالذكر .. أحببنا أن نفرد لهم أبواباً وعناوين خاصة بهم وبأسمائهم .. وهذا ملاحظ في الصحيحين، وغيرهما من كتب السنن .. فلنا ـ ولله الحمد ـ سلف صالح فيما نقوم به.

[116] فمن قال: هم الكاذبون، أو الظالمون أو الكافرون، كما يفعل الروافض الأشرار، يكفر ويخرج من ملة الإسلام؛ لأنه بقوله هذا يكذِّب القرآن، ويرد قولَ الله تعالى وشهادته في المهاجرين من الصحابة بأنهم صادقون!

[117] أخرجه الحاكم، السلسلة الصحيحة: 853.

[118] أخرجه الحاكم في المستدرك 2/72، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي. وقوله " تُتَّقَى بهم المكَارِه"؛ أي يُحتمَى بهم إذا ما اشتد وطيس القتال، أو إذا ما داهم المسلمين خطبٌ أو خطَر.

[119] أخرجه ابن حبّان وغيره، السلسلة الصحيحة: 3584. وقوله " قد أَمِنُوا من الفَزَعِ"؛ شامل لكل ما يُفزَع منه يوم القيامة.

[120] ساعة العُسرة؛ هي غزوة تبوك، فقد اجتمع فيها العسر كله: عسر الظهر ـ الثلاثة على بعير واحد ـ وعسر الزاد، وعسر الماء، وقد خرج في هذه الغزوة مع النبي r ما يزيد عن ثلاثين ألفاً من أصحابه. قال ابن كثير في التفسير: قال مجاهد وغير واحد: نزلت هذه الآية في غزوة تبوك، وذلك أنهم خرجوا إليها في شدة من الأمر؛ في سنة مجدبة، وحر شديد، وعسر من الزاد والماء، قال قتادة: خرجوا إلى الشام عام تبوك في لهبان الحر على ما يعلم الله من الجهد، أصابهم فيها جهد شديد حتى لقد ذكر لنا أن الرجلين كانا يشقان التمرة بينهما، وكان النفر يتداولون التمرة بينهم يمصها هذا ثم يشرب عليها ثم يمصها هذا ثم يشرب عليها ا- هـ.

    وقوله )مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ(؛ أي فيعودون، ويتركون الغزو مع النبي r لشدة ما واجههم من عسرٍ في تلك الغزوة .. فيميلون إلى السكون والراحة .. هذا هو معنى الزيغ .. لكن الله تعالى ثبتهم وقوّاهم وأعانهم على إتمام المسير والغزو مع النبي r في تلك الغزوة الشاقة التي لم تُماثلها غزوة في شدتها وقسوتها وعسرها .. وهذا الزيغ الذي حصل لبعضهم لم يتعدّ حديث القلب أو النفس، تحت ضغط تلك الظروف الشاقة؛ أي أنه لم يُترجَم على أرض الواقع إلى فعل أو حركة .. فالله تعالى ـ بفضله ورحمته ـ قد ثبتهم، وتاب عليهم. قال البغوي في التفسير: قال ابن عباس: من تاب الله عليه لم يعذبه أبدا ا- هـ.

    والشاهد مما تقدم: أن هذه الغزوة قد ضمت أكبر عددٍ من أصحاب النبي r، وكان تعدادهم يزيد عن ثلاثين ألفاً .. وهؤلاء كلهم يعنيهم الرب I بقوله:) لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ(. ومن تاب الرب I عليه موعده الجنة .. ولم يعذبه أبداً.

    والسؤال الذي يطرح نفسه: أين الروافض الأشرار أعداء الصحابة الأخيار من هذه الآية الكريمة .. وكيف تراهم يؤولونها ويُحرفونها!

[121] قوله " آية الإيمان .. وآية النفاق"؛ أي العلامة الدالة على الإيمان، أو على النفاق .. وبالتالي من يظهر لنا بغض الأنصار رضي الله عنهم، عرفنا نفاقه، وحكمنا عليه بالنفاق .. هذا فيمن يبغض الأنصار فقط .. فما يكون القول فيمن يبغض مع الأنصار المهاجرين وغيرهم من أصحاب النبيِّ r .. فهذا لا شكّ بنفاقه وكفره، وزندقته.

[122] نفي الإيمان الوارد في الحديث أعلاه؛ المراد منه نفي مطلق الإيمان؛ لأن الذي يبغض الأنصار؛ إنما يبغضهم لدينهم واستقامتهم، ولنصرتهم لدين الله، ولرسول الله r .. ولا يُمكن أن يُقال غير ذلك .. ومن كان كذلك لا شك بكفره ونفاقه ومروقه من الدين .. وكذلك يُقال في النفاق؛ فمن أبغضهم يُحمل عليه النفاق الأكبر المخرج لصاحبه من الملة.

[123] أخرجه أحمد، والطبراني، السلسلة الصحيحة: 1672.

[124] فقام مُمْثِلاً؛ أي قام منتصباً قائماً.

[125] أخرجه ابن حبان، والحاكم، وأحمد، السلسلة الصحيحة: 3434. الحديث فيه إشارة صريحة إلى عِظَم الأمانة التي كان يتحلى بها الأنصار، فكما أن المرأة تكون آمنة بين أبويها كذلك لو نزلت بمفردها بين دارين للأنصار فهي آمنة بينهم ومعهم، وتشعر بالأمان كما لو كانت مع أبويها، وفي بيتهما.

[126] قولهم " ذكَرنا مجلِسَ النبِّي r مِنَّا"؛ أرادوا موته r وما يُخشى أن يفقدوه بعد موته مما كانوا يجدونه من رحمة وإحسان ورفق في مجالسهم مع النبي r، وأن يأتي بعده من لا يعرف فضلهم كما كان النبي r يعرف فضلهم .. هذا المعنى توضحه رواية أخرى صحيحة: "أُتي النبي r فقيل له: هذه الأنصار رجالها ونساؤها في المسجد يبكون! قال r: وما يُبكيهم؟! قال: يخافون أن تموت ...".

    وقوله " فإنهم كَرِشِي وعَيْبَتي"؛ أي فإنهم بطانتي، وخاصّتي. وقوله " وقد قَضَوا الذي عليهم، وبَقِي الذي لهم"؛ أي قاموا بما يجب عليهم من نصرة وجهاد وتضحية، وبقي الذي عليكم نحوهم؛ فتشكرونهم وتعرفون لهم فضلهم، ومن شكرهم ومقابلة صنيعهم الجميل: أن تقبلوا من محسنهم إحسانه، وتتجاوزوا عن المسيء منهم إساءته. ومن فوائد الحديث: أن من عُرف بسابقة بلاء وجهاد في الله ينبغي أن يُتوسع له في التأويل، وتُقال عثراته ما أمكن لذلك سبيلاً.

[127] قوله عن الأنصار أنهم سيقلون؛ فيه أنهم مادة الجهاد، والتضحية والاستشهاد .. يُتقى بهم من العدو، وإذا ما اشتدت المخاطر .. ومن كان كذلك لا شك أن نهايته إلى قِل رضي الله عنهم أجمعين.

[128] أخرجه الحاكم، وأحمد، السلسلة الصحيحة: 917. " أنتم الشِّعار، والناس الدثار"؛ أي أنتم الخاصة والبطانة، والناس العامة، والدثار: الثوب الذي فوق الشِّعار " النهاية". وقيل: الشِّعار؛ ما ولي الجسد من الثياب، والدثار، ما يُلبس من الثياب فوق الشعار.

[129] أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط، السلسلة الصحيحة: 3560. ضيعتي؛ أي عيالي وخاصتي .. وقوله " فاحفظُوني فيهم ؛ أي فاحفظوا حقي عليكم بحفظكم لحق الأنصار عليكم، وأداء ما لهم من حق عليكم .. فمن ضيَّع حق الأنصار عليه، ضيع حقي عليه.  

[130] صحيح سنن الترمذي: 3068.

[131] صحيح الأدب المفرد: 387. درجة العادة إن كان للمرء حاجة عند أحدٍ آخر، تراه يُناديه ويُخاطبه بأحب الأسماء والألقاب إليه، قبل أن يطرح على مسامعه مسألته أو حاجته، أملاً في أن يُجيبه إلى حاجته أو مسألته .. وهذه المرأة الأنصارية لعلمها بمكانة الأنصار في نفس النبي r .. وأن حبَّ النبي r للأنصار يأباه إن سمع كلمة الأنصار إلا أن يقف، ويلتفت ليتحرى حاجة السائل ... فأول ما ابتدرته .. وقبل أن تُعْرِب عن حاجتها ومسألتها: "إني لمن الأنصار ....... وإنّ أبي لمن الأنصار ........" ثم قدمت هذا التعريف عن نفسها ـ أنعم به وأكرم من تعريف ـ باليمين المغلظ " أنها من الأنصار " .. بعد هذا التعريف .. والتأكيد على هذا التعريف باليمين المغلَّظ .. عرضت مسألتها وحاجتها " فادْعُ اللهَ لي كما دَعَوْتَ للأنصار "!

    فما كان من النبي r إلا أن وقف ليجيبها إلى مسألتها؛ فأكرمها بخيارين عظيمين، أحدهما أن لها الجنة إن صبرت على مرضها.

    ومعنى " ابْعَثْنِي إلى آثَرِ أهلِكَ عندَكَ"؛ أي إلى خُلَّص وخاصة وأحب أهلك عندك .. لأن الحمى بلاء يطهر صاحبه من الذنوب والخطايا إن صبر واحتسب، كما يطهر الكير الحديد من خبثه، كما في الحديث، عن جابر بن عبد الله أن رسولَ الله r دخل على أمِّ المُسَيَّبِ، فقال: مالكِ يا أمَّ المُسيب تُزَفْزِفِينَ ؟" قالت: الحُمَّى، لا بارَك اللهُ فيها، فقال: "لا تَسُبِّي الحمَّى؛ فإنها تُذهِبُ خَطايا بني آدم، كما يُذهِبُ الكِيرُ خَبَثَ الحديدِ " مسلم.

    وقولها " ولا أجعَلُ الجنَّةَ خَطَراً"؛  أي لا أخاطر فأراهن على الجنة، فلا أعلم هل أنا من أهلها أم لا إن طلبت منك الدعاء لي بالعافية، بل أصبر وأضمن بصبري الجنة.

[132] لُقِّبَ بالصِّدِّيق؛ لسرعة إيمانه وتصديقه للنبي صلى الله عليه وسلم في كل ما يُخبر به عن ربه يوم أن كذبته قريش. وبالعَتِيق؛ لعِتقه من النار.

[133] قوله تعالى:)ثَانِيَ اثْنَيْنِ(؛ هما بالإجماع واتفاق جميع المفسرين: محمد رسول الله r، وأبو بكر الصِّدِّيق t .. وبالتالي فمن يطعن بعدالة الصِّدّيق وحسن صحبته لرسولِ الله r .. فهو يطعن ويرد هذه الآية الكريمة .. ومن يطعن بآيات الله تعالى، ويردها .. أو يكذب بها .. فهو كافر مرتد.

[134] أخرجه الترمذي، وقال: هذا حديث حَسَنٌ غَريبٌ صحيح. ومعنى الحديث: أي كما أنك صاحبي في الغار فأنت يوم القيامة صاحبي على الحوض.

[135] الخلَّة: أعلى درجات المحبة وأكملها؛ وهي مقطوعة من الأعلى نحو الأدنى إلا بنص، فخلة الله لعباده مقطوعة إلا لعبدين من عباده: إبراهيم، ومحمد عليهما الصلاة والسلام، لورود النص، وكذلك خلة النبيّ لأصحابه مقطوعة بالنص كما تقدم أعلاه، وهذا بخلاف خلة الأدنى للأعلى فمسموح بها، كخلة الصحابة وغيرهم من المسلمين لمحمد r، فالمسلم له أن يقول محمد r خليلي، ولكن ليس له أن يقول: أنا خليل محمد r.

    ومن الأخطاء الشائعة على ألسنة بعض الخطباء المعاصرين أنه يُخاطب المصلين أمامه ـ وفيهم من لا يُصلي إلا الجمعة فقط ـ بعبارة: يا أحباب محمد r .. وكأنه اطَّلع الغيب وعلم أن محمداً r يحبه، ويحب من أمامه من المصلين .. فضمان مثل هذا النوع من المحبة لأعيانٍ من الناس كالقطع لهم بالجنة .. وضمانها لهم .. وهذا لا يجوز؛ لأنه من التألِّي بغير علم.

[136] أخرجه ابن راهويه في المسند، وغيره، السلسلة الصحيحة: 2717.

[137] أخرجه الطبراني، وغيره، السلسلة الصحيحة: 2214.

[138] صحيح سنن الترمذي: 2894. أقول: بذل القليل في سبيل الله في وقت العسر والشدة والحاجة، يوازي ـ من حيث الأجر ـ بذل الكثير الكثير في وقت السِّعة والرخاء والاستغناء، ومنه تعلم معنى حديث النبي r: "سَبَقَ دِرْهَمٌ مائةَ ألفِ دِرهم " صحيح سنن النسائي: 2367.

[139] صحيح سنن الترمذي: 2905.

[140] صحيح سنن الترمذي: 2902.

[141] رد المرأة إلى أبي بكرٍ لينظر في أمرها وحاجتها بعد وفاة النبيِّ r .. وكذلك أمر النبي r لأبي بكر ـ دون غيره ـ بأن يصلي بالناس من بعده .. إمارة على الاستخلاف، وارتضائه خليفة لرسول الله r .. فالصلاة أعظم ركن في الدين بعد التوحيد .. فمن يستخلفه النبي r على دين الناس من باب أولى أن يستخلفه ويرتضيه خليفة لهم في شؤون دنياهم .. وهذا المعنى سيأتي تأكيده في عبارات ترقى إلى درجة التصريح، كما هو مبين في الأحاديث التالية أعلاه.

[142] مما حمل أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها على أن تعتذر وتتعلل لأبي بكر، إضافة إلى شدة بكائه الذي قد يمنعه من أن يسمع صوته لمن خلفه من المصلين .. أن تدفع الحرج عن أبيها؛ لأن الصحابة لم يعتادوا على أن يروا إماماً لهم في مسجد رسول الله r غير رسولِ الله r .. فالموقف شديد عليهم وعلى الإمام معاً .. لذا قد ثبت أن النبي r كان أحياناً في مرضه الأخير يُصلي بجوار أبي بكر وهو كإمامٍ للناس .. وعندما يريد أبو بكر أن يتأخر إلى الوراء يشير إليه النبي r أن مكانك .. ليقرر إمامته من بعده .. وأنه الإمام المرتضى .. وليهوِّن على نفوس أصحابه رضي الله عنهم أجمعين رؤية إمامٍ لهم غير النبي r .. والقبول به كإمام لهم من بعده.

[143] صحيح سنن أبي داود: 3895. وقوله " استُعِزَّ"؛ أي اشتدَّ به المرض، وأشرَف على الموت " النهاية". وقوله " مجهَّراً"؛ أي جهورياً فيُسمَع صوته عن بُعد. قلت: وإعادة الصحابة للصلاة ثانية .. لغياب أبي بكر عن الإمامة .. دلّ على بطلان الأولى؛ لأن الفرض لا يُعاد مرتين .. كما دل على تأكيد خلافة أبي بكر t لرسول الله r في الإمامة الخاصة والعامة سواء.

[144] صحيح سنن أبي داود: 3896.

[145] أخرجه أحمد، السلسلة الصحيحة: 690. هذا الحديث والأحاديث التي قبله ذات العلاقة بموضوع الاستخلاف والإمامة، تحملنا على القول: بأن خلافة أبي بكرٍ الصديق t كانت بالنص، وبأمرٍ صريح من النبيِّ r .. يعلو درجة التلميح أو الإشارة كما يقول بذلك بعض الكتاب!

[146] صحيح سنن الترمذي: 2907.

[147] أخرجه ابن حبان، السلسة الصحيحة: 3225.

[148] صحيح سنن الترمذي: 2909. ولكن لا نبي بعد النبي محمد r .. ومن يزعم لنفسه النبوة بعد محمد r .. وكذلك من يقره على زعمه، فهو كافر مُكَذِّب لما جاء به محمد r.

[149] صحيح سنن الترمذي: 2908.

[150] قوله" وَافَقَني رَبِّي في ثلاثٍ"؛ لا يلزم منه انتفاء الموافقة فيما هو أكثر من ثلاث، لحصول الموافقة له t فيما هو أكثر مما ذُكر؛ كما في موقفه من الصلاة على المنافقين، والاستغفار لهم، فأنزل الله موافقاً له: )وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ(التوبة:84. وكذلك موقفه من أسرى المشركين في بدر، فأنزل الله تعالى موافقاً لقول عمر: )مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(الأنفال:67.

[151] مُحَدَّثُون؛ أي مُلهَمُون، مُسَدَّدون، موفَّقون، مُفَهَّمُون للحق .. فكل ذلك يدخل في معنى " مُحَدَّثُون".  

[152] صحيح سنن الترمذي: 2914. وقوله " فجَّاً"؛ أي طريقاً.

[153] صحيح سنن الترمذي: 2913.

[154] القَلِيب؛ البئر من الماء. ذنوباً؛ أي دلواً مملوءاً. " استحالت غرباً"؛ أي صار الدلو كبيراً وعظيماً. والعبقري؛ السيد القوي الذي يسود على الأشياء، فلا يُباريه ولا يفوقه شيء. والعطن؛ مبرك الإبل حول الماء؛ فلم يستقي الناس وحسب مما ينتزعه عمر من الماء، بل رووا إبلهم وصنعوا لها عطَنا حوله لتوفر الماء على مدار الوقت، وهذا كناية لشدة ما استفاد الناس في عهد عمر من ولايته وخلافته، وعدله.

    وفي تأويل هذا الحديث، قال النووي في الشرح 15/161: قال العلماء: هذا المنام مثال واضح لما جرى لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما في خلافتهما وحسن سيرتهما وظهور آثارهما وانتفاع الناس بهما وكل ذلك مأخوذ من النبي r ومن بركته وآثار صحبته فكان النبي r هو صاحب الأمر فقام به أكمل قيام وقرر قواعد الإسلام ومهد أموره وأوضح أصوله وفروعه ودخل الناس في دين الله أفواجاً وأنزل الله تعالى:) الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ(، ثم توفي r فخلفه أبو بكر t سنتين وأشهراً وهو المراد بقوله r: "ذنوباً أو ذنوبين"، وحصل في خلافته قتال أهل الردة وقطع دابرهم واتساع الإسلام، ثم توفي فخلفه عمر t فاتسع الإسلام في زمنه وتقرر لهم من أحكامه ما لم يقع مثله فعبَّر بالقليب عن أمر المسلمين لما فيها من الماء الذي به حياتهم وصلاحهم وشبه أميرهم بالمستقي لهم وسقيه هو قيامه بمصالحهم وتدبير أمورهم، وأما قوله r في أبي بكر t وفي نزعه ضعف فليس فيه حط من فضيلة أبي بكر ولا إثبات فضيلة لعمر عليه وإنما هو إخبار عن مدة ولايتهما وكثرة انتفاع الناس في ولاية عمر لطولها ولاتساع الإسلام وبلاده والأموال وغيرها من الغنائم والفتوحات، ومصَّر الأمصار ودون الدواوين، وأما قوله r: "والله يغفر له"؛ فليس فيه تنقيص له ولا إشارة إلى ذنب وإنما هي كلمة كان المسلمون يدعمون بها كلامهم ونعمت الدعامة وقد سبق في الحديث في صحيح مسلم أنها كلمة كان المسلمون يقولونها افعل كذا والله يغفر لك، قال العلماء: وفي كل هذا إعلام بخلافة أبي بكر وعمر وصحة ولايتهما، وبيان صفتها وانتفاع المسلمين بها ا- هـ.   

[155] قوله " يفري فريه"؛ أي يعمل عمَله، ويتقن إتقانه.

[156] صحيح سنن الترمذي: 2897.

[157] صحيح سنن ابن ماجه: 78.

[158] صحيح سنن الترمذي: 2899. قلت: والمراد أن مكانتهما وأهميتهما في دين الله، وفي أمة الإسلام، كأهمية ومكانة السمع والبصر بالنسبة للإنسان، يوضح هذا المعنى الحديث الذي يليه.

[159] أخرجه الطبراني، والخطيب في تاريخ بغداد، السلسلة الصحيحة: 815.

[160] صحيح سنن ابن ماجه: 79.

[161] " وما هُمَا ثَمَّ"؛ أي ليسا في المجلس مع الناس، يسمعون حديث النبيِّ r. قال البغوي في شرح السنة 14/98: قال ابن الأعرابي في قوله " فَمَنْ لَها يَومَ السَّبْعِ"؛ بسكون الباء، يعني يوم القيامة. السَّبْعُ الموضع الذي عنده الحشر، والسَّبع الذُّعرُ أيضاً، يُقال: سبعْتَ الأسدَ؛ إذا ذَعَرْتَه، وهو على هذا التفسير، يوم الفزَع ا- هـ.

    وقوله " فإنِّي أُوْمِنُ بهذا أنا وأبو بكرٍ وعُمَرُ"؛ فيه دلالة إلى علو درجة التصديق عند أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وإلى علو درجة اليقين بصدق كل ما يُخبر به النبي r من دون إبداء أدنى تعجّب، أو استغراب .. واستغراب أو تعجب الصحابة مما سمعوه من النبي r لا يفيد عدم إيمانهم أو تصديقهم لما سمعوه من النبي r .. فحاشاهم ذلك .. بدلالة لفظ الحديث كما في أحد رواياته: "فقالوا مَن حوله: آمنَّا بما آمَنَ به رسولُ الله r".  

[162] " فتَكَنَّفَهُ النَّاسُ"؛ أي أحاطوا به من كل الجوانب والجهات. وفي الحديث دلالة على مدى إعجاب علي بن أبي طالب t بالفاروق عمر بن الخطاب t، وحبه له، وحرصه على أن يلقى الله تعالى على مثل عمل عمر رضي الله عنهما .. وليس كما يصور دعاة الفتنة والشقاق والنفاق من الشيعة الروافض أن بينهما من العداوة والبغضاء ما بينهما .. حاشاهما من هذه الفرية العظيمة.

[163] رواه ابن ماجه والترمذي، صحيح سنن الترمذي: 2895. هذا الحديث وما في معناه يحملنا على ترجيح قولي أبي بكر وعمر ـ أو قول أحدهما ـ على قول من سواهما من الصحابة مهما كثر عددهم .. في حال استوى الاستدلال أو غاب الدليل المرَجِّح ـ لأحد القولين ـ من الكتاب والسنة .. ونقول كذلك: لو اختلف أبو بكر وعمر في مسألة من مسائل الاجتهاد .. مع غياب النص المُرَجِّح .. فالقول المتبع حينئذٍ هو قول أبي بكر الصديق t .. هذا ما يقتضيه العمل بتوجيهات النصوص الشرعية .. وهكذا نفهم وينبغي أن نفهم السَّلفية .. وهذه أصول ينبغي أن تُراعى عند الإفتاء، وعند من يتصدر الإفتاء!

[164] صحيح سنن الترمذي: 2896.

[165] هذه شهادة علي بن أبي طالب في الشيخين أبي بكر وعمر، أنعم بها من شهادة .. وقوله " مَا أنا إلا رَجُلٌ مِنَ المُسلِمينَ " هو من قبيل التواضع الجم، وهضم النفس وحظوظها .. علماً أن مكانة علي t في الإسلام معلومة للقاصي والداني .. لا ينكرها إلا ظالم .. وسيأتي الحديث عنها إن شاء الله .. كما أن في قوله دلالة على مدى زهده بالرياسة والإمارة .. وهو بخلاف ما يصوره الشيعة الروافض .. على أنه الخليفة الأول .. وأنه كان حريصاً على الخلافة والإمارة .. وقد اغتصبها منه عنوة من سبقه من الخلفاء الراشدين .. ولا يزالون إلى الساعة يُشاغبون، ويفرقون الأمة، ويوغرون الأحقاد بين المسلمين، ويعتدون على حرماتهم، ويسفكون الدم الحرام، تحت هذا العنوان المزعوم: "أحقية علي بالخلافة، وأن من سبقه من الخلفاء قد اغتصبوا الخلافة منه ظلماً" )كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً(. وفي زعمهم هذا ظلم لعلي t، وطعن به، قبل أن يكون ظلماً لغيره من الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم أجمعين، وظلماً للحقيقة ذاتها. 

[166] صحيح سنن ابن ماجه: 86. هذا هو حكم علي t، وهذه هي شهادته بالشيخين رضي الله عنهما، أنعم بها من شهادة.

[167] أخرجه أحمد في المسند، وصححه الشيخ أحمد شاكر في التخريج: 1054. قلت: لم يُذكر الحديث الذي عناه بقوله "فذكر الحديث"، لكن لعل معناه متعلق بالمفاضلة بين الصحابة، لمناسبة المعنى لسؤال الصحابي أبي جُحَيْفَة t، وما تضمنه جواب علي t عن السؤال.

[168] صحيح سنن الترمذي: 2958.

[169] صحيح سنن الترمذي: 2959.

[170] صحيح سنن الترمذي: 2920.

[171] رواه ابن عساكر، السلسلة الصحيحة: 1435.

[172] فلم تَهْتَشَّ له؛ أي فلم تتحرك فتسوي ثيابك لأجله. " ولم تُبالِهِ"؛ أي لم تكترث له، وتحتفي لدخوله.

[173] صحيح سنن ابن ماجه: 89. قوله " فقَرَّبها"؛ أي قرَّب أجلها وحصولها. " مُقنَّعٌ رأسُه"؛ أي في ثوبٍ. والضُّبْعُ؛ بسكون الباء، وسط العَضُد، وقِيل هو ما تحتَ الإبْطِ " النهاية". والفتنة المشار إليها في الحديث؛ المراد منها منازعة خوارج الأمصار لعثمانٍ t على الخلافة .. وفي هذا الحديث والذي يليه دلالة على استخلاف عثمان على المسلمين، وأن خلافته كانت خلافة راشدة مرضية .. وأن الحق معه في خلافه مع مناوئيه .. وأن من خرج عليه كانوا أصحاب فتنة، وعلى ضلال عظيم .. لا تزال الأمة إلى الساعة تكتوي من شر وأذى فتنتهم!     

[174] صحيح سنن الترمذي: 2923. المراد بالقميص؛ الخلافة التي آلت إلى عثمان t، وفي الحديث أمر من النبي r لعثمان بأن لا يخلع الخلافة، ويتنازل عنها للخوارج المناوئين الذين أرادوا أن يخلعوه عن الخلافة، وينزعوا عنه القميص الذي قمَّصَه الله إياه .. هذا المعنى تؤكده رواية ابن ماجة التالية.

[175] صحيح سنن ابن ماجه: 90.

[176] صحيح سنن ابن ماجه: 91.

[177] صحيح سنن الترمذي: 2928. قوله " يومَ الدَّارِ"؛ أي يوم أن حاصره الخوارج في داره، وأرادوا قتله ظلماً وعدواناً. وقوله " عَهِدَ إليَّ عّهداً"؛ أي بما سيُصيبه يوم الدار من بلاء على يد الخوارج .. وأنه سُيقتل شهيداً .. لذا قال عثمان t: "وأنا صابر عليه".

[178] صحيح سنن الترمذي: 2925. صدق رسول الله r، فقد قُتِل عثمان رحمه الله مظلوماً، شهيداً، وهو يتلو كتابَ الله تعالى .. وعن عمرٍ يُناهز الواحد والثمانين عاماً!

[179] الصِّدِّيق؛ أبو بكر t. والشَّهيدان؛ هما عمر وعثمان رضي الله عنهما.

[180] أقول: ومن السنة والاتباع والسلامة أن لا نتوسع في المفاضلة فيما بين الصحابة رضي الله عنهم، أكثر مما دلَّ عليه النص؛ وأكثر من القدْر الذي خاض به الصحابة على مسمعٍ وإقرارٍ من النبيِّ r .. فنثبت ما أثبتوه، ونُمسك عما أمسكوا عنه .. من غير زيادة ولا نقصان، ونترضى على الجميع. 

[181] صحيح سنن أبي داود: 3871.

[182] الحائط؛ البستان. وقوله " على بلْوَى سَتُصِيبُهُ"؛ هو ما أصابه ونزل به يوم الدار، يوم أن تَسَوَّر عليه الخوارج ـ ومن وراءهم من أتباع ابن سبأ ـ الدارَ، فقتلوه!

[183] قال البغوي في شرح السُّنّة 14/ 113: هذا مثَلٌ ضربَه عليه السلام لعليٍّ t حين استَخلفه على أهله حالة غيبته، كما استخلف موسى أخاه هارون حين خرج على الطُّور، فكانت تلك الخلافة في حياته في وقتٍ خاصٍّ ا- هـ.

[184] يدوكون؛ أي يخوضون ويتحدثون.

[185] النَّسمة؛ كل ذات روح ونفْس، وقوله: "وبَرَأَ النَّسْمَةَ " أي وخلق كل ذات روح.

[186] رواه المخلص في الفوائد المنتقاة، السلسلة الصحيحة: 1299.

[187] أخرجه النسائي، والحاكم، وأحمد، السلسلة الصحيحة: 1750.

[188] صحيح سنن ابن ماجه: 94.

[189] صحيح سنن الترمذي: 2929.

[190] صحيح سنن الترمذي: 2931. قوله " ولا يُؤدِّي عنِّي إلا أنا أو عَليٌّ"؛ أي لا يؤدي عني في إبرام العقود والعهود وإنهائها والتحلل منها مع الآخرين، " إلا أنا أو عَليٌّ"؛ لأنه قد مضى العرف عند العرب أن من أبرم عقداً لا يحله أو يوقف العمل به إلا صاحبه، أو من ينوب عنه من أقاربه، والنبي r قد أقر هذا العرف، وحتى لا يقول من العرب قائل، لما أرسل الرسولُ r أبا بكر إلى مكة يوم الحج ليقرأ على الناس سورة براءة التي تحدد موقف الإسلام والمسلمين ممن له مع المسلمين عهد أو عقد .. أردفه بعليٍّ على ناقته القصواء ليكون هو الذي يقرأ براءة، ويُبلِّغ الناس نيابة عنه.

[191] رواه البخاري في التاريخ، وأحمد، وابن حبان، السلسلة الصحيحة: 2295.

[192] أخرجه ابن إسحاق في السيرة، السلسلة الصحيحة: 2479.

[193] أخرجه النسائي، وابن حبان، والحاكم وأحمد، السلسلة الصحيحة: 2487. وقوله " يَخْصِفُها"؛ أي يخْرِزُها بالمخراز ليُصلِحها. والقتال على تنزيل القرآن؛ هو قتال من يجحد وينكر القرآن الكريم بأنه كلام الله تعالى وأنه منزل من عند الله تعالى على عبده ونبيه محمد r، فيكون قتالهم لحملهم على الإيمان بالقرآن، والإيمان بالرسول r الذي أنزل عليه القرآن.

    أم القتال على تأويل القرآن؛ فهو قتال أناس ينتسبون إلى القبلة .. لا ينكرون القرآن جملة .. ولكن يتأولونه التأويل الفاسد الذي به يستحلون الحرمات .. فكان ممن تأول القرآن هذا التأويل الفاسد الخوارج كلاب أهل النار؛ فانطلقوا إلى آياتٍ قيلت في الكافرين المجرمين فحملوها على المسلمين المؤمنين .. فانتهكوا الحرمات .. وسفكوا الدم الحرام .. وقطعوا السبيل .. وكان أول من قاتلهم على تأويلهم الفاسد هذا علي بن أبي طالب t .. كما أخبر بذلك النبي r. 

[194] صحيح سنن الترمذي: 2935. وقوله: "أول من صلى"؛ أي من الصحابة. قال أبو عيسى " الترمذي ": قال بعض أهل العلم: أول من أسلم من الرجال أبو بكرٍ الصديق، وأسلم علي وهو غُلام ابن ثمان سنين، وأول من أسلم من النساء خديجة ا- هـ.

[195] حِراء؛ جبل من جبال مكة المكرمة.

[196] صحيح سنن ابن ماجه: 125.

[197] صحيح سنن ابن ماجه: 110.

[198] أخرجه يعقوب الفسوي في المعرفة، وابن عساكر في التاريخ، السلسلة الصحيحة: 2319. وقوله " القائم بعدي"؛ أي الخليفة القائم بأمر المسلمين ورعايتهم بعدي. 

[199] صحيح سنن ابن ماجه: 40-41.

[200] صحيح سنن أبي داود: 3851. الخلفاء الراشدون باتفاق جميع أهل العلم، هم: أبو بكرٍ، وعمرُ، وعثمانُ، وعليّ، رضي الله عنهم أجمعين. والحديث أفاد معانٍ عدة منها: أن الالتزام بسنة الخلفاء الراشدين منجاة من الضلال، والوقوع في البدع والأمور المحدثة في الدين. ومنها: أن قول أو فعل الواحد من الخلفاء الراشدين الأربعة ـ فيما ليس فيه نص من كتاب ولا سنة، وفيما لا يُخالف نصاً من كتاب أو سنة ـ هو حجة يُلزم الأخذ به .. وعدم الالتفات إلى ما سواه عند مورد الخلاف!

    فإن قيل: إن حصل خلاف فيما بين الخلفاء الأربعة، في بعض أقوالهم أو اجتهاداتهم ـ فيما ليس فيه نص، يرجح قولاً على آخر ـ فقول مَن يُقدّم، وقول من يؤخر ..؟

    أقول: في حال حصول التعارض، وعدم إمكانية التوفيق بين أقوالهم ـ وانتفاء النص من الكتاب أو السنة الذي يرجح قولاً على آخر ـ  فيُقدّم قولهم بحسب ترتيب خلافتهم: قول أبي بكر أولاً ، ثم قول عمر، ثم عثمان، ثم علي رضي الله عنهم أجمعين؛ فقول أبي بكر يُقدم على قول عمر وعثمان وعلي. وقول عمر يُقدَّم على قول عثمان وعلي. وقول عثمان يُقدَّم على قول علي رضي الله عنهم أجمعين .. فمراعاة هذا الترتيب من عوامل الترجيح التي ينبغي للعالم أن يتنبه لها، ويأخذ بها عند الإفتاء أو عند ترجيح قول على قول. 

[201] أخرجه البخاري في الأدب المفرد، وأحمد، والحاكم، السلسلة الصحيحة: 2807. ولكاع؛ الصغير في السن الذي لا يدري من شؤون الدنيا شيئاً، قال ابن الأثير في النهاية: فإن أُطلق على الكبير أُريد به الصغير العلم والعقل ا- هـ.

[202] صحيح سنن الترمذي: 2965.

[203] صحيح سنن الترمذي: 2970. وقوله " سِبْطٌ مِنَ الأَسْبَاطِ"؛ أي أُمَّةٌ من أُمم الخير، والأسباطُ في أولاد إسحاق بن إبراهيم الخليل بمنزلة القبائل في ولدِ إسماعيل، واحدهم سِبْط، فهو واقعٌ على الأمة، والأمة واقعة عليه. " النهاية".

[204] أخرجه أحمد، والحاكم، والبزّار، السلسلة الصحيحة: 2895. وقوله " يلثم"؛ أي يُغطي.

[205] أخرجه أبو نعيم في الحلية، وغيره، السلسلة الصحيحة: 4002.

[206] صحيح سنن الترمذي: 2965.

[207] أخرجه الطيالسي في مسنده، وغيره، السلسلة الصحيحة: 3319.

[208] أخرجه أبو يعلى في مسنده، السلسلة الصحيحة: 4003.

[209] هاتان الفئتان العظيمتان من المسلمين، هما فئة معاوية t ومن معه من الصحابة، وفئة علي t ومن معه من الصحابة .. وما دار بينهما من خلاف ونزاع معلوم، ومعلومة أسبابه .. فالحسن t يُصلح الله به بين هاتين الفئتين العظيمتين .. ويكون سبباً في إنهاء النزاع بينهما، بمبايعة الحسن معاويةَ رضي الله عنهما كخليفة للمسلمين.

     والحديث أفاد معانٍ عدة: منها: أن الفئتين ـ بشهادة النبي r ـ على ما حصل بينهما من نزاع وقتال .. فهما مسلمتان، وبالتالي لا يجوز الخوض في التشكيك بإسلام أو عدالة أحدٍ من الصحابة ممن شاركوا في هذا النزاع .. لشهادة النبي r للفئتين بأنهما مسلمتان.

    ومنها: أن الصلح الذي حصل بين الحسن ومعاوية، وما آلت إليه من نتائج .. بما في ذلك استخلاف معاوية على المسلمين .. هو صلح مبارك .. قد باركه النبي r وأقره، وارتضاه لأمته.

    ولأن الحسن ـ كما أخبر النبي r ـ سيد يُصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين .. وقد بايع معاوية كخليفة على المسلمين .. وأنهى بذلك ما بين المسلمين من نزاع وتقاتل .. واتحد الصف والتأم الشمل أمام العدو والتحديات الخارجية .. فإن الشيعة الروافض قد انتقموا من الحسن t .. فهم رغم اعترافهم بأنه من جملة أئمتهم الإثنى عشر المعصومين .. إلا أنهم عاقبوه .. فحرموا ذريته وأبناءه من الإمامة والولاية .. وحصروا الإمامة والأئمة الإثنى عشر في ذرية الحسين t فقط .. وهم إضافة إلى ذلك تراهم في مناسباتهم الدينية الوثنية .. وحسينياتهم وما يفعلون فيها من نياحة ولطم، وشقٍّ للجيوب، وضرب للرؤوس بالخناجر والفؤوس  .. لا يذكرون الحسن ولا أحداً من أبنائه .. لا يذكرون إلا الحسين وأحفاده .. ولو سُئلوا عن الدليل الذي يحملهم على صنيعهم هذا .. وعلى التفريق بين الحسن والحسين، وبين ذريتهما .. لما وجدت عندهم نقلاً صحيحاً ولا عقلاً سليماً .. وإنما تجد الكذب .. والتكذيب .. وتصديق الكذب .. والحقد على الإسلام .. وتاريخ الإسلام والمسلمين!

[210] أخرجه أحمد وغيره، السلسلة الصحيحة: 1171.

[211] أي إذا أصاب ثوباً .. فهل هو نجس أم لا؟! وقوله " رَيْحَانَتَايَ"؛ أي ولداي اللَّذَين أرتاح وأسر لرؤيتهما .. فهما قرة العين؛ برؤيتهما وملاعبتهما .. أُرَوِّح عن نفسي .. وتستريح نفسي. 

    وفي جواب ابن عمر للعراقي فوائد عدة، منها: النهي عن التنطع والتكلف .. وفيما لا ينفع ولا يترتب عليه وعد ولا وعيد .. والتحري عن الصغائر مع ارتكاب الكبائر .. ومن الأمثلة التي تُذكر في هذا الصدد، أن من الناس تراه لا يُصلي، ولا يعرف عن التوحيد شيئاً سوى أنه يتلفظ بشهادة التوحيد لو طُلبت منه .. وحياته كلها حرام بحرام .. ثم هو مع ذلك تراه يتحر أشد التحري عند كل بائع .. ويكثر عليه عشرات الأسئلة .. عن محتوى بضاعته .. هل تتخللها مواد محرمة أم لا .. هل فيها جيلاتين حيواني أم لا .. وإن كان نعم، فما نوع واسم هذا الحيوان .. هل هذا الطعام حلال أم لا .. وكأنه لم يبق من دينه سوى أن يتحرى عن هذه الصغائر والمسائل التي تُعد من فضول المسائل .. ومن التكلف الذي نُهينا عنه .. وما أكثر من يفعل ذلك!

[212] أخرجه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وقال الشيخ ناصر في السلسلة الصحيحة " 2550 ": وهو كما قالا.

    قلت: هذا المعنى الذي أشار إليه علي بن الحسين رضي الله عنهما هام جداً؛ إذ ليس من الحب الشرعي لآل بيت رسول الله الغلو في حبهم وإطرائهم .. ورفعهم إلى مقام النبوة أو الربوبية والألوهية كما يفعل الشيعة الروافض بزعم الموالاة لأهل البيت .. وكما فعل النصارى بعيسى عليه السلام .. فرفعوه إلى مقام الربوبية والألوهية .. وهو من ذلك الغلو براء .. فهذا منافٍ للحب الشرعي الذي أمرنا الله تعالى، ورسولُه r به. وقوله " أحبونا حُب الإسلام"؛ أي الحب الذي يوجبه الإسلام ويرتضيه الإسلام أن يكون بين المسلمين المؤمنين؛ حُب يعرف للمحبوب حقه وقدره، ومكانته الشرعية من غير غلوٍّ ولا جفاء، ومن غير زيادة ولا نقصان .. فالحمد لله الذي هدانا لحب آل بيت النبيِّ r .. وحب أصحابه .. حُب الإسلام الذي يعرف لهم حقهم وقدرهم، ومكانتهم .. من غير غلو ولا جفاء!

[213] هذه الآيات نزلت في براءة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها من حادثة الإفك الأثيم، الذي تولى إشاعته المنافقون، وسمع لهم بعض المسلمين، ورغم قوله تعالى:) يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا(،فإن الشيعة الروافض يعودون ـ من قبيل المشاققة والمعاندة والحقد، ورغبة منهم في التكذيب وهدم أركان الدين ـ لمثله، ولما هو أعظم منه .. ثم هم بعد ذلك يزعمون زوراً أنهم مسلمون!

[214] الثريد: طعام من لحم ومَرَق.

[215] المرط: الكساء واللحاف. وقولها " لا أُكَلِّمُهُ فيها أبَدَاً"؛ أي لا أراجعه في أمرٍ يُسيء لعائشة أبداً.  

[216] أخرجه ابن حبان، والحاكم، السلسلة الصحيحة: 3011.

[217] رواه الحُسين المروزي في زوائد الزهد، السلسلة الصحيحة: 2867.

[218] صحيح سنن الترمذي: 3041.

[219] السَّحْر: الرئة، وقيل السَّحْر ما لَصِقَ بالحُلقوم من أعلى البطن؛ أي أنه مات وقد ضمَّته بيديها إلى نحرها وصدرها " النهاية".

[220] صحيح سنن الترمذي: 3044. قلت: فيه أن الرجال يطلبون العلم الشرعي من المرأة، إن كان عندها من العلم ما ليس عندهم.

[221] أخرجه الحاكم، السلسلة الصحيحة: 1594.

[222] أخرجه البزار وغيره، السلسلة الصحيحة: 1845. والخيرية الواردة في الحديث يُراد منها مطلق الخير المادي منه والمعنوي، والذي منه موالاتهم، والترضي عليهم، وأن لا يُذكروا إلا بالخير .. ولا شك أن من أكثر الناس دخولاًً في معنى " أهل بيت النبيِّ r " نساؤه؛ أمهات المؤمنين رضي الله عنهنَّ أجمعين.

[223] أخرجه البزار في مسنده، السلسلة الصحيحة: 2254.

[224] قوله " خَيرُ أُمَتِي قَرْني، ثُمَّ الذِينَ يَلونَهُم، ثُمَّ الذينَ يَلونَهُم"؛ أي خير أمتي الصحابة، ثم التابعين لهم، ثم تابعي التابعين. والخيرية يُراد منها خيرية الدين، والعلم، والفهم، والاستقامة. والقَرْن يُطلق على كل مائة عام، وقيل هو الذي يشمل عمر جيل من الأجيال. وقوله " يَشهَدُونَ وَلا يُستَشهَدونَ"؛ أي يُعطون الشهادة لخفة ذمتهم وقلة أمانتهم من دون أن تُطلب منهم، ومن دون أن يتحروا المواضع التي ينبغي أن تُعطى فيها الشهادة، من المواضع التي ينبغي أن يُمسك فيها عن الشهادة! وقوله: "ويَظهَرُ فيِهم السِّمَنُ"؛ أي يطلبون أنواع وألوان الأطعمة، فتظهر فيهم السُّمنَةُ والبدانة.

[225] قوله " تَسبِقُ شِهَادَةُ أَحَدِهِم يَمينَهُ، ويَمِينُهُ شَهَادَتَهُ"؛ أي لخفة ورقة دينه لا يُبالي أن يُسرع في إعطاء الأيمان قبلاً أم الشهادة قبل الأيمان .. وبحسب ما يُطلب منه .. ويُدفَع له .. حيث أننا في زمان يوجد فيه من يحترف ويعمل على أبواب المحاكم الوضعية كشاهد زور .. يبيع شهادته لمن يطلبها ويحتاجها .. ومن لوازم الشهادة ـ كما هو معلوم ـ أن يُقسم بالأيمان المغلظة بعد أن يضع يده على القرآن الكريم أنه فيما يقول لمن الصادقين العارفين .. ويكون الثمن أو الأجر بحسب نوع وأهمية وخطورة القضية التي سيشهد عليها .. وهذا كله يأتي مصداقاً لقوله r أعلاه.

[226] أخرجه البزار في " البحر الزخار"، السلسلة الصحيحة: 3431. وقوله " ولهم لَغَطٌ في أسواقِهم"؛ أي لهم صخَبٌ، فأصواتهم مختلطة ومرتفعة في أسواقهم، بحيث لا يُفهم معناها. 

[227] أخرجه ابن ماجه وغيره، السلسلة الصحيحة: 1116. الجابية: موضع؛ وهو الحوض الذي يُجبى فيه الماء. وقوله " احفظُوني في أصحابي"؛ أي احفظوا وأدوا واعرفوا حقي عليكم، بمراعاة حق أصحابي عليكم، فمن راعى وأدى حقهم عليه، فقد حفظ حقي عليه، ومن فرَّط بحق أصحابي عليه فقد فرَّط بحقي ولم يحفظ حقي عليه .. ثم تكون هذه المراعاة بالترتيب للذين يلون الصحابة من التابعين .. ثم الذين يلون التابعين من تابعي التابعين .. ثم بعد ذلك يفشو الكذب .. والغدر .. وتُفقد الأمانة .. حتى يُقال في بني فلان رجل أمين!

    وقوله " ويَحْلِفَ وما يُسْتَحْلَفُ"؛ أي يُسرع في حلف الأيمان المغلَّظة كاذباً من دون أن يُطلب منه أن يحلف ليُصدَّق فيما يزعم ويقول!     

[228] رواه النسائي، وأحمد، والحاكم، وصححه الشيخ ناصر في تحقيقه لمشكاة المصابيح: 6003.

[229] أخرجه الحاكم، السلسلة الصحيحة: 1254.

[230] أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في المصنف، السلسلة الصحيحة: 3283. قوله " لا تَزالُونَ بخيرٍ"؛ أي في دينكم .. لوجود العلماء القريبين من عهد النبوة الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر .. ويُصلحون إذا ما فسد الناس .. ثم بعد القرن الثالث؛ وهو قرن تابعي التابعين .. يفشو الكذب .. وتفشو البدع والأهواء .. لغياب من يقوم بواجب الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من العلماء كما كان في القرون الثلاثة الأولى المشهود لها بالخير.

    قلت: مجموع هذه الأحاديث وغيرها هي التي تُلزمنا بأن نقول: بأن السلف الصالح هم الأحكم والأسلم علماً وفهماً ومنهجاً واعتقاداً من الخلَف .. وليس كما يقول بعض أهل الرأي والبدع بأن السلف أسلم لكن الخلَف أحكم .. ساء ما يقولون.

    كما أن هذه الأحاديث تُلزمنا بأن نقدم فهم وقول السلف الصالح بحسب ترتيب تواجدهم في القرون الثلاثة الأولى؛ فنقدم فهم وقول من عاش من العلماء في القرن الأول على فهم وقول من عاش في القرن الثاني، ومن عاش في القرن الثاني على من عاش في القرن الثالث، ومن عاش في القرن الثالث على من جاء بعدهم من الخلف والمتأخرين .. وهذا كله في حال غياب النص من الكتاب أو السنة الذي يمكننا من ترجيح قول أو فهم على آخر .. أما في حال وجود النص الصحيح الصريح .. حينئذٍ لا يجوز الالتفات أو العدول عنه إلى قولٍ آخر أياً كان صاحب هذا القول .. وكانت مكانته .. سواء كان من السلف أم من الخلف.

[231] صحيح سنن أبي داود: 3107. قلت: دلَّ هذا الحديث على جملة من المعاني والدلالات، منها: أن العلم يُؤخذ بالسند، وبالسند الصحيح المتصل بالنبي r. ومنها: أن السند يثبت بالسمع المباشر من المتحدَّثِ إليه إلى المتحدِّث. ومنها: أنَّ الصحابة رضي الله عنهم هم حلقة الوصل الأولى بين النبي r وبين الأجيال التالية بعدهم؛ فإذا فُقدت هذه الحلقة أو تم تجريحها وإسقاطها ـ كما يفعل دعاة الهدم من الشيعة الروافض ـ فقدت الأمة صلتها بالنبي r، وصلتها بالعلم الصحيح. ومنها: ثبوت عدالة الصحابة والتابعين لهم من القرن أو الجيل الثاني ممن عاصر الصحابة ولم ير النبيَّ r، بشهادة النبي r لهم بأنهم يَسمعون، ويُسمِعون من بعدهم .. فهذه الشهادة بمثابة إجازة من النبي r لهم بأن ينقلوا العلم لمن بعدهم، وأنهم أمناء وعدول فيما ينقلونه بالسند عن نبيهم صلوات الله وسلامه عليه.

[232] فإذا كان لا يجوز للمرء أن يقول لأبويه )أُفٍّ(؛ وهي أقل العبارات التي تنمُّ التضجر والامتعاض، والكراهية، فكيف بمن يتجرأ على ضربهما وسبهما لأتفه الأسباب .. فهذا لا يسأل عن سوء عاقبته .. والهلكة التي وقع فيها .. في دنياه قبل آخرته؟!

    وفي الآونة الأخيرة، انتقلت إلينا عادة سيئة من الغرب الصليبي؛ وهي وضع الوالدين عند الكبر في مراكز العناية بالعجزة بعيداً عن أبنائهما وأحفادهما، هرباً من القيام بواجب الخدمة والرعاية نحوهما، هذا إذا لم يكن طاعة وامتثالاً لأوامر المرأة المدللة!

[233] قرن الله تعالى الأمر بالإحسان إلى الوالدين بالأمر بعبادته وتوحيده؛ وهذا لعِظم فضلهما وحقهما على أبنائهما.

[234] في الآية دلالة على أنه ليس للوالدين ـ على عظم حقهما على الولد ـ أن يأمراه بما فيه معصية لله تعالى، فإن فعَلا فليس عليه أن يطيعهما؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في  معصية الخالق.

    وكذلك لو أمراه بأن لا يقوم بالواجبات والفرائض الشرعية، كما يفعل كثيرُ من الآباء في هذا الزمان خشية على أبنائهم، وربما لأسباب أخرى واهية ومردودة .. يطلبون منهم عدم حضور الجمعة والجماعات في المساجد .. ولا أن يشهدوا مجالس العلماء ليطلبوا منهم العلم .. فهذا أيضاً لا يجوز له أن يطيعهما في ذلك، وإن غضبا؛ فمراعاة غضب الله أولى .. وتقديم طاعة الله أولى.

[235] رواه أحمد، وأبو داود، والحاكم، صحيح الجامع الصغير: 892. في الحديث: أن الجهاد إذا كان فرضاً كفائياً، قُدِّم بر الوالدين على الجهاد؛ لأن برهما فرض عين، والفرض العين يقدم على الفرض الكفائي، أما إذا تعين الجهاد ووجب النفير، قُدم الجهاد ولا بد. وفيه كذلك، أن الوالدين يُستأذنا في الجهاد التطوعي الكفائي، بخلاف ما إذا كان فرضاً فحينئذٍ لا يشترط إذنهما، والله تعالى أعلم.

[236] صحيح سنن النسائي: 3881. والحديث يُحمل في حال كانت الهجرة مندوبة، وكان المرء يقدر على إظهار دينه في بلد إقامته، أما إذا تعينت الهجرة، فحينئذٍ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

[237] هذا الحديث وأمثاله ينبغي أن يُحمل عندما تكون الهجرة، وكذلك الجهاد فرضاً كفائياً أو سُنة يُندب لها .. أما إذا تعينت الهجرة أو الجهاد في سبيل الله فالفرض المتعلق بحق الخالق I مقدم على الفرض المتعلق بحق المخلوق.

[238] أي لصق أنفه في الأرض، كناية عن الذل.

[239] أي لم يدخل الجنة بخدمتهما وبرهما والإحسان إليهما .. مستغلاً فرصة وجودهما أو وجود أحدهما عنده!

[240]  أي أنه لم يحسن استغلال وجودهما عنده بالإحسان إليهما وبرهما، فيدخل بذلك الجنة، فهي فرصة قد فوتها .. ولا يفوتها إلا كل غبي خاسر!

[241] أخرجه الطبرانين صحيح الترغيب: 2491. قلت: قد خاب وخسر من اجتمع عليه دعاء جبريل ومحمد r.

[242] أخرجه ابن حبان، صحيح الترغيب والترهيب: 2492. 

[243] أخرجه الطبراني، صحيح الترغيب: 2495.

[244] أخرجه الترمذي وغيره، صحيح الترغيب: 2501. قلت: لفظ الوالد هنا يُحمَل على الوالدين معاً؛ فكل منهما والد باعتباره. ودلَّ الحديث أن مرضاة الوالدين سبب ومدعاة لمرضاة الربِّ I، وأن سخط

الوالدين سبب ومدعاة لسخط الرب U. 

[245] أخرجه البزار، صحيح الترغيب: 2503. قلت: هذه الرواية تقوي المعنى المشار إليه آنفاً في الرواية السابقة؛ من أن كلمة الوالد، تُطلق أحياناً ويُراد منها الوالدان معاً.

[246] مَن شدة الجوع، يسألونه أن يسقيهم فلا يفعل إيثاراً لوالديه.

[247] صحيح الأدب المفرد: 32.

[248] أخرجله الطبراني، السلسلة الصحيحة: 3556. قلت: لعل الحكمة من منع الرجل أن يجلس بين الرجل وابنه في المجلس؛ احتمال حاجة الوالد ولدَهُ في شيء، فيكون جلوس الرجل بينهما حائل يمنع من إيصال حاجة الوالد إلى ولده بسهولة ومن دون نوع حرج. ويُقال كذلك: أن جلوس الولد بجوار والده أطيب واحب إلى نفس الوالد .. والنبي r أراد أن يُراعي ذلك، والله تعالى أعلم.

[249] رواه أحمد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، صحيح الجامع الصغير: 1525. " أهل ودّه"؛ أي أخلاؤه وأصحابه. وقوله " بعد أن يُولِّي"؛ أي بعد أن يموت.  

[250] رواه ابن حبان في صحيحه، صحيح الترغيب: 2506.

[251] رواه الطبراني في الأوسط، صحيح الجامع الصغير: 5901.

[252] رواه ابن حبان في صحيحه، وصححه الحاكم في المستدرك: 4/155، ووافقه الذهبي.

[253]  صحيح الأدب المفرد: 27.

[254] صحيح الأدب المفرد: 30. قلت: ينفعها لأنه من كسبها وسعيها، وآثارها .. ومثل هذا لا يُقال للبعيد أو الغريب، أنك لو تصدقت عن ميت فصدقتك تصله، لقوله تعالى: )كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ(المدثر:38. وقال تعالى: )الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ(غافر:17. وقال تعالى: )وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى(النجم:39. إلا إذا كان هذا البعيد أثر من آثار الميت، كمن يكون سبباً في هداية الناس، فيلحقه أجرهم، وأجر أعمالهم بعد موته، سواء خصوه بالذكر أو لم يخصوه، كما في الحديث: "من أحيا سنةً من سنتي فعَمِل بها الناسُ كان له مثل أجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم شيئاً "[ صحيح سنن ابن ماجه: 173]. وقال r: "مَن دعا إلى هُدى كان له من الأجرِ مِثلُ أجورِ من اتَّبَعَهُ لا يَنقُصُ ذلك من أجورِهم شيئاً " مسلم.

[255] رواه أحمد، وأصحاب السنن، صحيح الجامع الصغير: 7655.

[256] رواه ابن ماجه، والنسائي، صحيح سنن النسائي: 4144.

[257] صحيح سنن  أبي داود: 3014.

[258] رواه ابن ماجه، وأبو داود، صحيح سنن أبي داود: 3015.

[259] أخرجه الحاكم وغيره، السلسة الصحيحة: 2564. قلت: الحديث أفاد زيادة طيبة؛ وهي أن مال البنت كمال الولد لا فرق، فكما أن الولد وماله من كسب أبويه ولهما أن يأخذا من ماله إذا كانا بحاجة إليه، كذلك البنت فهي ومالها من كسبهما .. ولهما الحق في مالها ـ إن كانت من ذوي المال ـ كما لهما الحق في مال الولد .. وهذا بخلاف الخطأ السائد عند كثير من الناس من أن الولد فقط ـ دون البنت! ـ هو من كسب أبيه، وللوالد الحق في أن يأخذ من ماله ـ دون البنت! ـ إن كان بحاجة إليه!

    قال الشيخ ناصر الدين الألباني رحمه الله: في الحديث فائدة فقهية هامة قد لا تجدها في غيره؛ وهي أنه يبين أن الحديث المشهور: "أنت ومالك لأبيك " ليس على إطلاقه؛ بحيث أن الأب يأخذ من مال ابنه ما يشاء، كلا؛ وإنما يأخذ ما هو بحاجة إليه ا- هـ.

[260] أخرجه البزار، والطبراني، والبيهقي، السلسلة الصحيحة: 3248.

[261] أي طامعة بما عندي من المال، وهي تريد شيئاً منه.

[262] كان المشركون ينسبون النبيَّ r إلى أبي كبشة، وهو رجل من خُزاعة خالف قريشاً في عبادة الأوثان، وعبد الشِّعْرَى العَبورَ، فلما خالفهم النبي r في عبادة الأوثان شبهوه به، وقيل: إنه كان جدُّ النبي r من قِبل أمه، فأرادوا أنه نزَع في الشبه إليه. النهاية.

[263] أخرج ابن حبان في صحيحه وغيره، السلسلة الصحيحة: 3223.

[264] رواه أحمد، والنسائي، والبيهقي في شعب الإيمان، قال الشيخ ناصر: إسناده جيد، مشكاة المصابيح:4939. والمراد بقوله: "إن الجنة عند رجلها، أو تحت أقدامها"؛ أي بتذللك، وتواضعك، وخدمتك لها، تنال رضاها، فتدخل بذلك الجنة .. وهذا الحديث وأمثاله ـ كما تقدم ـ ينبغي أن يُحمل على الجهاد الكفائي التطوعي الذي يُندب له .. بخلاف الجهاد الواجب المتعيِّن.

[265] صحيح الجامع الصغير: 1249.

[266] رواه ابن ماجه، صحيح الجامع الصغير: 1248. معنى الحديث: حيث تلزم رضاها وخدمتها، وتتواضع لها تجد الجنة بذلك.

[267] رواه الطبراني، صحيح الترغيب: 2485.

[268] رواه أحمد، والترمذي، والحاكم، صحيح الجامع الصغير: 6412. فيه: أن الأم هي الأحق بحضانة وليدها، لو حصل فراق بينها وبين زوجها.

[269] رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والحكام، صحيح الجامع: 1399.

[270] فيه أن حق الأخت أوكد من حق الأخ وهي مقدمة عليه .. قلت: المرأة في الإسلام معزَّزة مكرَّمة مقدَّمة وهي بنت، وأخت، وزوجة، وأمٍّ .. وهي في جميع أطوار حياتها .. ومع ذلك قليل من النساء من يشكرن هذا المعروف، وهذا الإحسان .. فتراهنَّ يعرضن عما قسمه الله لهن من حق .. ويلتمسن حقوقهن المزيفة عند الذئاب والوحوش الآدمية .. دعاة حقوق وحرية المرأة، زعموا! 

[271] رواه الطبراني، والحاكم، صحيح الجامع: 1400.

[272] صحيح الأدب المفرد: 44.

[273] أي إن اضطرب بعيرها ونفر، وهاج مذعوراً؛ وهو يريد أن يقول: أنه مركوب سهل لأمه لا يزعجها في شيء كما يمكن للبعير أن يُزعج راكبه.

[274] صحيح الأدب المفرد: 8. وقوله " ولا بزفرة واحدة"؛ أي لا، ولا بطلقة واحدة من طلقاتها وهي تلدك!

[275] صحيح الأدب المفرد: 11.

[276] وأقرب الرحم إلى الرجل بالتسلسل: والداه، ثم بناته وأبناؤه، ثم أخواته وإخوانه، ثم أقرباؤه من جهة الأب، ثم الأقارب من جهة الأم. 

[277] رواه الترمذي، والحاكم، صحيح الجامع الصغير: 7687.

[278] أي يؤخر له في أجله وعمره.

  [279]صحيح سنن أبي داود: 1485.

[280] رواه أحمد، صحيح الترغيب: 2488.

[281] رواه الطبراني، صحيح الجامع الصغير: 5705. هذه الأحاديث قد تُشكِل على البعض، فيقول قائل: كيف يوفق بين أن عمر الإنسان مكتوب قبل أن يخلق، وأن أجله لا يتقدم ولا يتأخر وبين كونه يزداد بالبر وصلة الأرحام؟

   الجواب: أنه لا تعارض بين الأمرين؛ فإن الذي يصل رحمه يكون في علم الله قبل أن يُخلَق أنه سيصل رحمه، فيُقدر الله له زيادة في العمر قبل أن يُخلَق .. هذه الزيادة ما كانت ستكون لولا أنه سيكون ممن يصلون الرحم.  

[282] صححه الحاكم في المستدرك: 4/154، ووافقه الذهبي. وقوله " منسأةٌ في الأثَرِ"؛ أي يُطيل في عمر الإنسان وأجله، وأثره في الحياة. وقوله " تعلموا من أنسابِكُم ما تصلونَ به أرحامَكُم"؛ لأن الجهل بالنسب .. مؤداه إلى الجهل بالرحم والأقارب الذين لهم حق الوصل، والإحسان .. فتُقطع بسبب ذلك الأرحام .. وما أكثر الذين يقطعون أرحامهم في هذا الزمان لهذا السبب .. حيث بتنا نعيش زماناً لا يعرف المرء من نسبه إلا أمه وأبيه، وأخته وأخيه .. وفي كثير من الأحيان لو سُئل عن اسم جده أو جد أبيه .. أو أحفاد أعمامه وعماته .. تراه لا يعرفهم .. ولا يعرف أسماءهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

[283] أخرجه الترمذي، صحيح الترغيب: 2520.

[284] أخرجه الطبراني وغيره، صحيح الترغيب: 2525.

[285] أي ليس الواصل من يصل من وصله؛ فيقابل وصله بوصل، وإنما الواصل من يصل من قطعه!

[286] أخرجه الطبراني وغيره، صحيح الترغيب: 2535. والرحم الكاشح: هو الرحم اللئيم الحقود الذي يُضمر العداوة في القلب، وكون الصدقة عليه من أفضل الصدقات؛ لأن في التصدق عليه وصل للرحم من جهة، ومن جهة أخرى فيه معالجة لمرض قلبه وحقده؛ إذ الصدقات في الغالب تذهب ما في قلب المتصدق عليه من العداوة والبغضاء، فيتحقق بهذا الوصل حسنتان: حسنة الوصل، وحسنة مداوات وعلاج الموصول من مرضه.

[287] أخرجه أحمد وغيره، صحيح الترغيب: 2536.

[288] صحيح الأدب المفرد: 54.

[289] أخرجه وكيع في الزهد، السلسلة الصحيحة: 1777. قلت: أقل معاني الوصل السلام، وهو متيسر لمن شاء مهما كان مسكنه بعيداً عن رحمه؛ فلا عُذر لقاطع الرحم مع توفر وسائل الاتصالات الكثيرة والمتنوعة والسهلة .. والتي تُقرب البعيد ـ في لحظات ـ مهما كان بعيداً!

[290] أخرجه الطبراني، السلسلة الصحيحة: 2548.

[291] أخرجه الترمذي وغيره، صحيح الترعيب: 2504.

[292] صحيح الأدب المفرد: 4.

[293] صحيح الأدب المفرد: 6.  قوله " وإلحاد في المسجد"؛ أي بغي وظلم يُمارس في المسجد، وهذا بخلاف ما وجدت له، وهو عبادة الله تعالى. ومن الإلحاد في المساجد أن يُدعى فيها للطواغيت الظالمين، ويُعلن فيها عن الرايات والدعوات العصبية الجاهلية، والشركية، كرايات الوطنية، والقومية، والديمقراطية، والعلمانية وغيرها من الرايات الباطلة. قال ابن الأثير في النهاية: أصل الإلحاد الميل والعدول عن الشيء. ومنه حديث: "ولا يُلحَدُ في الحياة"؛ أي لا يجري منكم ميلٌ عن الحق ما دمتم أحياءا- هـ.

[294] يقال عق والده يعقه عقوقاً فهو عاق، إذا آذاه وعصاه وخرج عليه، وهو ضد البر به، وأصله من العَقِّ: الشق والقطع، عن النهاية.

[295] أخرجه أحمد وغيره، صحيح الترغيب: 2530. 

[296] أخرجه أحمد وغيره، صحيح الترغيب: 2532. " شُجْنَةً من الرحمن"؛ أي قرابة مشتبكةٌ كاشتباك العُروق، شبهه بذلك مجازاً واتساعاً. ومنه " الحديث ذو شُجون"؛ أي ذو شُعَب وامتساكٍ بعضه ببعض. " النهاية".

[297] صحيح سنن النسائي: 5241.

  [298]بتتُّه؛ أي قطعته. والحديث رواه أبو داود، صحيح سنن أبي داود: 1486.

[299] أخرجه أحمد، صحيح الترغيب: 2538.

[300] قال ابن الأثير في النهاية: خصَّ الأمهات وإن كان عقوق الآباء وغيرهم من ذوي الحقوق عظيماً، فلعقوق الأمهات مزيَّةٌ في القبح.

[301] صحيح سنن النسائي: 2402. " والديّوث"؛ هو الذي لا يغار على عِرضه وأهله. ومن صور الدياثة أن تخرج المرأة من البيت ولا يعرف وليها إلى أين خرجت، أو أن تُرسَل للعمل مع الرجال في أجواء الاختلاط، والابتذال، والخضوع من أجل أن تأتيه بالمال .. أو أن تُجبر على خلع حجابها أو التخفيف منه، وإبداء بعض زينتها من أجل أن تجد لنفسها وظيفة بين الرجال .. وما أكثر من يفعل ذلك في زماننا!

[302] رواه الترمذي، والحاكم، صحيح الجامع الصغير: 3506.

[303] رواه الطبراني، صحيح الجامع: 3507.

[304] اللعن: هو الطرد من رحمة الله تعالى، وقد خاب وخسر من يُطرد من رحمة الله .. ومن صور لعن الولد لأبيه، أن يتسبب ـ بغير حق ـ باللعن لأبيه؛ كأن يلعن أبا الرجل، فيلعن الآخر أباه .. أو أن يتسبب في أذى الناس وظلمهم .. فيلعنه الناسُ ويلعنوا أباه معه، ونحو ذلك!

[305] رواه احمد، صحيح الجامع الصغير: 5891.

[306]  رواه ابن ماجه، صحيح الجامع: 1066.

[307] أخرجه أحمد وغيره، صحيح الترغيب: 2515.

[308] رواه الطبراني، صحيح الجامع: 5705.

[309] صحيح الجامع الصغير: 6475.

[310] رواه الحاكم في صحيحه، السلسلة الصحيحة: 1120.

[311] صحيح الأدب المفرد: 24. فاحرص يا عبد الله على أن يكون دعاء الوالدين لك لا عليك، فكم من ولدٍ انقلبت عليه دنياه العامرة إلى دمار وخراب وزوال ونكد بسبب دعاء الوالدين أو أحدهما عليه .. فدعاء الوالدين على ولديهما يمحق الأعمار، ويزيل الأرزاق .. ويُخرِّب الديار .. فالحذر الحذر يا من تُطاوعه نفسه على العقوق!

[312] أخرجه البيهقي وغيره، السلسلة الصحيحة: 978. وقوله: "تدَعُ الديارَ بلاقِعَ"؛ البلاقع جمع بَلْقَعَ وبلْقَعةَ؛ وهي الأرض القفْرُ التي لا شيء بها؛ يُريد أن الحالف بها يفتقر ويذهبُ ما في بيته من الرزق، وقيل هو أن يفرقَ اللهُ شملَه، ويُغيِّر عليه ما أولاه من نعمة. "النهاية". 

[313] فيه أن تلبية نداء الأم ـ وهو فرض ـ مقدم على صلاة التنفل، ولا يُقدَّم فرض الصلاة على فرض تلبية نداء الأم إلا إذا خيف فوات وقت الفرض.

[314] رواه الأصبهاني، وقال: حدَّث به أبو العباس الأصم إملاءً بنيسابور بمشهد من الحفَّاظ فلم ينكروه، صحيح الترغيب: 2517.

[315] رواه أبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.

[316] رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح . قلت: فيه أن كلمة " الوالد " الواردة في الحديث تُطلق وتُحمل على الوالدين معاً، الوالد والوالدة.

[317] رواه أحمد، والطبراني، صحيح الترغيب: 569.

[318] رواه الطبراني، صحيح الترغيب: 570.

[319] قد يحصل نوع تفريق في العطاء بين الأولاد بسبب اختلاف حاجياتهم؛ فهذا لا حرج فيه إن شاء الله، أما عطاء الهبة؛ فيجب التسوية فيه بين الأبناء والبنات، فإن عجز عن إهداء الجميع، ورغب في إهداء أحدهم أوبعضهم دون البعض الآخر؛ فلا بد له من أن يستأذن ويستسمح ممن حرمهم، والله تعالى أعلم.

[320] المراد من الرعاية هنا الرعاية العامة الشاملة للجانب المادي والمعنوي سواء؛ والذي منه التربية والتعليم، وحسن التأديب.

[321] أي من يُعيل من الأهل والأولاد .. ومن الضياع الذي يشمله الحديث إلى جانب ضياع المؤنة والإنفاق: أن يضيَّعهم في دينهم وأخلاقهم؛ فلا يؤدبهم ولا يفقههم في الدين، ولا يهتم لحالهم سواء عبدوا الله تعالى أم عبدوا الطاغوت!!

[322] رواه أحمد، وأبو داود، والحاكم، صحيح الجامع: 273.

[323] كم من أبٍ عاش أمل أن يربي أولاده التربية الإسلامية الصالحة، فخاب أملُه لسوء اختياره للزوجة! 

[324] أي فقرت يداك إن لم تظفر بذات الدين.

[325] رواه ابن ماجه، والحاكم، والبيهقي، صحيح الجامع: 2928.

[326] صحيح سنن ابن ماجه: 1505.

[327] الولد من كسب أبيه، وثمرة من ثماره؛ فإن أراد أن يُبارك الله بولده فاليجنبه المال الحرام، ولا يغذه إلا من مال حلال، سواء وهو في بطن أمه، أم بعد الولادة .. فالجسد الذي ينمو بالحرام لا يُبارك الله فيه.

[328] أخرجه أحمد، والدارمي، والبيهقي في شعب الإيمان، مشكاة المصابيح: 2772. والسحت: هو كل كسب أو مال حرام.

[329] دل الحديث أن من موانع قبول الدعاء أن يكون مطعم المرء، ومشربه، وملبسه من حرام، أو أن يكون جسده قد غُذِّي من سحت أو حرام .. وما أكثر  الذين لا يُراعون ذلك في أنفسهم وكسبهم .. ثم تراه يسأل: قد دعوت الله .. ثم لم يُستَجب لي .. لماذا؟!

[330] العقيقة؛ هي الذبيحة التي تُذبح عن المولود؛ فإن كان غلاماً؛ يُذبح عنه شاتان متقاربتان، وإن كان جارية يُذبح عنها شاة ٌواحدة.

[331] رواه الترمذي، وأبو داود، صحيح سنن أبي داود: 4258.

[332] أي بالتمر. والحديث: رواه مسلم، وأبو داود، صحيح سنن أبي داود: 4259.

[333] يكون ذلك بحلق شعر رأسه، ويُسن أن يُتصدق بوزنه فضة.

[334] رواه البخاري، وأبو داود، وابن ماجه، صحيح الجامع: 5877.

[335]  قالوا في تأويل الرهينة : أن الولدَ يُمنع من الشفاعة لأبيه يوم القيامة، ويحتمل أن يكون المراد أوسع من ذلك .. وهذا الحديث من جملة الأدلة الدالة على وجوب العقيقة، والله تعالى أعلم. 

[336]  صحيح سنن أبي داود: 2463.

[337] صحيح سنن أبي داود: 2458.

[338] أخرجه الترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: حديث حسن، صحيح الترغيب: 1981.

[339] صحيح الأدب المفرد: 623. أقول: ينبغي أن يُراعى في انتقاء أسماء الأبناء جملة من الأمور: أن لا يفيد الاسم التزكية، وأن لا يدل على معصية أو شرك، وأن يكون جميلاً من حيث دلالته ومعناه .. هذه جملة من الضوابط والشروط لا بد للوالدين من مراعاتها عند انتقاء أسماء أبنائهم.

[340] أخرجه الترمذي، صحيح الترغيب: 1980.

[341] حتى لا يتشبه بكنية النبي المصطفى r؛ فقد أذن النبيُّ r بأن يُتسمَّى باسمه، ونهى عن أن يُتكنى بكنيته " أبو القاسم".

[342] أخرجه البخاري في الأدب المفرد، والترمذي، وابن حبان، وأحمد وغيرهم، السلسلة الصحيحة: 2946.

[343] أقصد بتعليمه: التعليم الديني الشرعي؛ قال الله، قال رسول الله r، قال السلف. أما التعليم الدنيوي، فالآباء لا يحتاجون إلى توصية أو تذكير في هذا الجانب..!!

[344] صحيح سنن أبي داود: 508.

[345] أي في النوم والفراش، وهذا يُحمل على الذكور والإناث، فتفصل الإناث عن الإناث في النوم، كما تُفصل الذكور عن الذكور.

[346] رواه أحمد، وأبو داود، والحاكم، صحيح الجامع: 586.

[347] أي صفة أكلي وتناولي للطعام.

[348] فيه أن أول ما ينبغي على الآباء أن يعلموه أولادهم؛ الإيمان والتوحيد لأهميته وفضله على سائر فروع العلم، ولأن الطفل لو أدركه البلوغ وجُرَّ عليه القلم، وهو لا يعي من أمر التوحيد شيئاً، لا تُقبل منه بقية الطاعات لو أتى بها .. ويُجرى عليه القلم وهو قائم على الشرك!

    وفيه كذلك؛ أن الإيمانَ يزداد وينقص؛ يزداد بالطاعات وطلب العلم النافع، وينقص بضد ذلك.

[349] صحيح سنن ابن ماجه: 52.

[350] حِفظُكَ لله؛ يكون بحفظ حدوده وأحكامه، وإتيانك بما أمر، وانتهائك عما نهى وزجر.

[351] أي أن كل شيء كائن إلى يوم القيامة، قد كتب ودون في اللوح المحفوظ، وأن كل شيء مُنتهٍ ومُسيرٌ وميسَّر لما قد قُدِّر له .. وما قد رُقِم.

[352] رواه ابن أبي عاصم في السنة، وصححه الشيخ ناصر في التخريج: 316.

[353] أول ساعة من الليل بعد غروب الشمس.

[354] رواه أبو داود، صحيح الجامع: 4492.

[355] رواه البيهقي في شُعَب الإيمان، مشكاة المصابيح: 3138. قلت: نعيش زماناً فيه من الآباء من لا يعضلون بناتهم عن الزواج وحسب، بل يعضلون أبناءهم الذكور كذلك ليستثمروهم .. ويستثمروا دخلهم .. أكبر قدر ممكن قبل أن يتزوجوا وقبل أن تكثر عليهم المسؤوليات والنفقات .. ويكون ذلك في الغالِب على حساب دين وأخلاق الشاب ـ وبخاصة في هذا الزمان الذي انتشر فيه الفساد في البر والبحر والجو! ـ وهذا ظلم سيُسأل عنه الآباء .. كما لا طاعة لهم فيه، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

[356] لأن الشَّرع قد ضمن حق الوارث فلا يُخشى عليه، وإن كانت الوصية ولا بد فتكون لغير الورثة ..  كما أن الوصية للأبناء ـ وبخاصة إن كانت جائرة أو آلت إلى جور ـ تُفضي إلى الفرقة والضغينة والتنافر بين الأخوة والأقارب بعد وفاة المورِّث.

[357]  أي عطية؛ وهي غلام كما في بعض الروايات.

[358]  صحيح سنن أبي داود: 3026.

[359]  رواه مسلم، وأبو داود، صحيح سنن أبي داود: 3029.

[360]  أخرجه الطبراني، صحيح الجامع: 1046.

[361] صحيح سنن أبي داود: 2494.

[362] أخرجه الطحاوي في شرح المعاني، وغيره، السلسلة الصحيحة: 3098. وقوله r: "فهلاَّ عدَلْتَ بينهما؟!"؛ أي بين الابن والبنت؛ فأجلست البنت على فخذك الآخر وقبلتها، كما فعلت ذلك بولدك .. فالوالد مطالب بأن يعدل بين أبنائه ـ الذكور والإناث ـ حتى في التقبيل والعطف؛ فلا يفرق أحداً عن الآخر!

[363] رواه أحمد وأبو علي، والبزار، سلسلة الأحاديث الصحيحة: 2492.

[364] أي بنتين، حتى يبلغا سن المحيض.

 [365]رواه مسلم، والترمذي، صحيح الجامع: 6391.

[366] صحيح الأدب المفرد: 57.

[367] قال ابن حجر في الفتح 5/253: أخرجه سعيد بن منصور، والبيهقي من طريقه، وإسناده حسن. قلت: والحديث من جملة الأدلة الدالة على وجوب التسوية في العطاء والهبة بين الذكور والإناث؛ بخلاف الإرث:) لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ(.

[368] أخرجه أحمد وغيره، السلسلة الصحيحة: 3206. قلت: هذا الترغيب والتعزيز لأهمية الإحسان إلى البنات كان له الدور الأكبر والأساس في نقل المرأة من ثقافة الوأد التي كانت سائدة في الجاهلية إلى ثقافة ومرتبة السيدة الكريمة العزيزة المحبوبة التي يُتقرَّب إلى الله تعالى برعايتها وخدمتها وحبها .. في جميع مراحل وأطوار حياتها .. ومع ذلك فقليل منهنَّ من يشكرن المعروف .. ويعرفن للنبيِّ محمد r حقَّه وفضله .. وأكثرهن كفرن النعمة والإحسان، حيث تراهن يلهثن وراء ثقافة الطواغيت والثعالب والذئاب في الشرق أو الغرب .. يستجدين حقوهن من جديد .. كمن يجري وراء سرابٍ يحسبه الظمآن ماءً!

[369] حيث أن كثيراً من الآباء يؤاثرون جانب الثراء والمال على جانب الدين والخلق، ظناً منهم أن في ذلك تكمن مصلحة ابنتهم؛ فتأتي النتائج ـ عكس ما ظنوا ـ على حساب دين ابنتهم، وراحتها، وإسلام ودين ذريتها.

[370] صحيح سنن ابن ماجه: 1601. قلت: هذا الفساد العريض ـ والذي منه تفشي ظاهرة العنوسية عند الرجال والنساء سواء ـ  الذي نراه ضارباً في مجتمعات المسلمين .. من أسبابه عدم العمل بمقتضى هذا الحديث النبوي الشريف.

[371] أي من الأول؛ وهو الغني .. لأن موازين الحق لا تقوم على أساس النظر إلى الجانب المادي وحسب .. وإنما الجانب المعنوي الأخلاقي الإيماني .. له الاعتبار الأكبر في ميزان الإسلام .. والذي على أساسه يُقبل الرجل أو يُرَد. والحديث: متفق عليه.

[372] صحيح سنن أبي داود: 1859. قلت: ومن اليسر والتيسير عدم غلاء المهور.

[373] أي من ذوي الدين والخلق، والمروءة.

[374] سبق تخريج الحديث.

[375] صحيح سنن أبي داود: 1356.

[376] من صور القتل الخفي منع الحمل وإسقاطه خشية الفقر، وبحجة أن مستوى دخل العائلة لا يكفي لمولودٍ جديد .. وما أكثر من يفعل ذلك!

[377] صحيح الأدب المفرد: 60.

[378]  أي ماذا أملك لك.

[379] صحيح سنن أبي داود: 4347.

[380] صحيح سنن أبي داود: 4351.

[381]  أي يُسرع في مدِّ يده إليه.

[382] السلسلة الصحيحة: 70.

[383] يُمازحه، والنُّغير طائر كان يلعب به أبو عُمير!

[384] أخرجه أبو الشيخ في أخلاق النبي r، السلسلة الصحيحة: 2089.

[385] رواه ابن عساكر، السلسلة الصحيحة: 1278.

[386] صحيح سنن أبي داود: 981.

[387] صحيح سنن النسائي: 1340. قلت: تأمَّل لو فعل خطيب من خطباء الجمعة في زماننا مع أطفاله ما فعله النبيُّ r مع الحسن والحسين .. فماذا ترى ردة فعل الناس واعتراضاتهم، وصياحاتهم ..؟!! 

[388] صحيح سنن النسائي: 1093. قولهم " حتى ظننَّا أنه قد حدَث أمرٌ"؛ يريدون أنه r قد قُبِض!

[389] صحيح الأدب المفرد: 63.

[390] صحيح الأدب المفرد: 279. قال الشيخ ناصر ـ رحمه الله ـ في التعليق: "سبط من الأسباط"؛ أي أمة من الأمم في الخير، والأسباط في أولاد إبراهيم u بمنزلة القبائل في ولد إسماعيل، واحدهم سبط.

[391] أخرجه الحاكم وغيره، السلسلة الصحيحة: 3325. قلت: أين كثيرٌ من مسلمي هذا العصر من هذه الأخلاق العظيمة لنبينا صلوات ربي وسلامه عليه في تعاملهم مع الأطفال؛ حيث ما إن يروا طفلاً يمرح قليلاً في المسجد إلا وتراهم يصرخون في وجهه، ويُطالبونه بالخروج من المسجد هو ومن أتى به .. حتى تكاد ترى كثيراً من مساجد المسلمين ـ وبخاصة منها بعض مساجد الأعاجم كالباكستانيين وغيرهم ـ تخلو من وجود الأولاد، والأطفال .. وذلك بسبب شدة وغلظة القائمين عليها في تعاملهم مع الأطفال .. فيُنشَّأ الطفل بعيداً عن محضن وثقافة وقيم المسجد .. ليشب على الإنحراف، وقيم وثقافة الشوارع الفاسدة .. فيحصل المحظور، ويقع الندم ولات حين مندم!

[392] صحيح الأدب المفرد: 282.

[393] أخرجه أحمد، والنسائي، وابن حبان في صحيحه، صحيح الترغيب: 2007.

[394] من أسباب قوامة الرجل على المرأة النفقة، فإذا أصبحت المرأة هي التي تعمل وتُطالَب بالنفقة على البيت، والزوج، والأبناء ـ كما هو حاصل في هذا الزمان ـ فإن قوامة الرجل ستنقص، وسيجد صعوبة ومشاكل كثيرة عندما يمارسها على أهله أو يُطالِب بها ..!

[395] صحيح الجامع: 4565.

[396] فيه أن على المرأة خدمة زوجها وولده وبيته، وليس كما يقول بعضهم: أن ذلك ليس من الواجب عليها .. لكن هذا كله ضمن حدود الطاقة والمقدور عليه.

[397] أي صلوات الخمس المكتوبة، وأدتها بشروطها وأركانها. " وصامت شهرها"؛ أي شهر رمضان.

[398] رواه ابن حبان في صحيحه، صحيح الجامع: 660.

[399] رواه أحمد، والنسائي ، والحاكم، صحيح الجامع: 3298.

  [400]أي سريعة الرضى، فتعود لارضاء زوجها.

[401] أي لا تذوق نوماً ولا راحة.

[402] رواه الطبراني، صحيح الجامع: 2604.

[403] أخرجه الطبراني وغيره، السلسلة الصحيحة: 3380. " لا أكتحل بغمضٍ"؛ أي لا أستريح ولا أريح عيني بنومٍ حتى ترضى.

[404] أي الموافقة المطيعة له في المعروف التي لا تُكثر من مجادلته ومخالفته .. ولأتفه سبب!

[405] أخرجه البيهقي في السنن، السلسلة الصحيحة: 1849. والغراب الأعصم؛ هو الغراب أحمر المنقار والرجلين، وهو قليل ونادر بين الغربان، وفي ذلك كناية على قلة من يدخل الجنة من النساء ممن يتصفن بما تقدم ذكره عن شرار نساء المسلمين! 

[406] التنور: هو الفرن الذي يخبز عليه.

[407] رواه النسائي، والترمذي، صحيح الجامع: 534.

[408] رواه الطبراني، صحيحالجامع: 5259.

[409] المراد هنا بيان فضل الزوج وعظم حقه .. لا الفعل ذاته؛ لأنه فوق المقدور عليه؛ والإسلام لا يُكلف نفساً مالا تُطيق ولا تقدر عليه.

[410] رواه الحاكم، صحيح الجامع: 3148.

[411] أي تنفجر بالقيح.

[412] رغم كل ذلك يأتي من يقول: ليس من حق الزوج على زوجته أن تخدمه ..!!

[413] رواه أحمد، والنسائي، صحيح الجامع: 7725.

[414] أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، السلسلة الصحيحة: 3366. وقوله " على قتب"؛ أي على ظهر بعير، قال ابن الأثير في النهاية: "ومعناه الحث لهن على مطاوعة أزواجهنَّ، وأنه لا يسعهن الامتناع في هذه الحال، فكيف في غيرها " ا- هـ. 

[415] أخرجه الحاكم، صحيح الترغيب والترهيب: 1938.

[416] رواه أحمد، وابن ماجه، وابن حبان في صحيحه، صحيح الجامع: 5295.

[417] أي هل عندك زوج؟

[418] أي لا أقصر في خدمته وطاعته، إلا ما ضعفت عنه فلا أستطيع القيام به.

[419] أي برضاه عليك تنالين الجنة، وبغضبه وسخطه عليك تدخلين نار جهنم، فاحرصي على رضاه!

[420] رواه الطبراني في الأوسط، والحاكم، صحيح الجامع: 1509. وهو مخرج في آداب الزفاف للشيخ ناصر.

[421] رواه البزار، وابن حبان، صحيح الترغيب والترهيب: 1934. كما ذكرنا من قبل: المراد هنا بيان فضل وعِظَم حق الزوج .. ليس الفعل ذاته؛ أي أن المرأة مهما حرصت لا تستطيع أن تؤديه حقه، فكما أن هي لا تستطيع أن تلحس لو كان به قرحة ... فكذلك هي لا تستطيع أن توفي حقَّه لعِظم حقه عليها. وقوله "لا تُنكِحوهنَّ إلا بإذنهنَّ"؛ فيه أن إذن ورضى المرأة شرط لصحة عقد النكاح.

[422] العشير؛ أي الزوج.

[423] أي ينكرن المعروف، وإحسان الزوج لهن.

[424] تكرهه ولا ترضاه.

[425] رواه البخاري. وفي الحديث: أن الكفر نوعان: منه ما يخرج صاحبه من الملة، ومنه ما لا يخرج من الملة؛ وهو كفر النعمة والإحسان.

[426] أخرجه البخاري في الأدب المفرد،  السلسلة الصحيحة: 823. وقوله " تطولُ أيمَتُها"؛ أي يطول فراقها للحياة الزوجية بسبب وفاة زوجها، أو الطلاق منه، فالمرأة الأيم هي المرأة المطلقة، أو الأرملة التي مات زوجها. وقولها " في جَوارٍ أترابٍ لي"؛ أي أعمارهن من عمري.

[427] أي فضله وإحسانه عليها.

[428] رواه النسائي، السلسلة الصحيحة: 289.

[429] أي تأبى عليه من غير عذر معتبر؛ كالمرض ونحوه كأن تكون حائضاً أو نافساً.

[430] الضمير هنا عائد إلى الزوج، والحديث: رواه مسلم. وقوله: "كان الذي في السماء ساخطاً عليها"؛ فيه أن الله في السماء مستوٍ على عرشه، بائنٌ عن خلقه، وليس كما يقول ناكري صفة العلو والإستواء على العرش: إن الله في كل مكان!! تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.

[431] التنور: هو الفرن الذي يُخبز فيه. والحديث: أخرجه النسائي، والترمذي، صحيح الجامع: 534.

[432] رواه الحاكم في المستدرك، صيح الجامع: 136.

[433] أي لبست الثياب الفاضحة الكاشفة لعوراتها، وأظهرت نفسها للأجانب عليها. وإذا كان هذا حال من تتبرج في غياب زوجها، فما يكون القول فيمن تتبرج وتتزين للناس في حضور زوجها؟!

[434] أي لا تسأل عن درجة هلكتهم .. وكم لهم من العذاب يوم القيامة.

[435] رواه الطبراني والحاكم، صحيح الجامع: 3058.

[436] بالشتم والسب والكلام البذيء!

[437] رواه الحاكم، صحيح الجامع: 3056.

[438] أي هو بمثابة الضيف النزيل عندك، فسرعان ما سيفارقك إلينا.

[439] رواه أحمد والترمذي، صحيح الجامع: 7192.

[440] رواه الترمذي، صحيح الجامع: 3057.

[441] أي من غير ضرورة أو سبب يستدعي طلب الطلاق.

[442] لما في طلب الطلاق من غير سبب يستدعي ذلك من أذى وضرر للزوج. والحديث: رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، صحيح الجامع: 2706.

[443] يُراد بوضع الثياب هنا؛ كل وضعٍ يؤدي إلى كشف مالا يجوز للمرأة أن تكشفه للرجال أو النساء سواء؛ من ذلك ـ كما هو شائع ـ أن تضع ثيابها في المحلات التجارية المخصصة لبيع الأزياء النسائية، لغرض قياس ما تريد شراءه من الثياب، وبخاصة أن هذه المحلات مليئة بالكاميرات الخفية ـ وهي أصغر من زر القميص ـ التي تصور كل حركة في المحل .. وكل شيء .. ويطلع عليها الرجال من وراء مقاعدهم بحجة مراقبة الزبائن ومنعهم من السرقة .. فعلى النساء أن ينتبهن لأنفسهن ولا يغرهن قول الآخرين لهن بأن هذه الغرف مخصصة لتغيير الثياب وهي خاصة بالنساء .. وعورة المرأة على الرجال الأجانب كل بدنها عدا وجهها وكفيها، وعورة المرأة على المرأة وعلى محارمها من الذكور كل بدنها عدا مواضع الزينة المعروفة عند العرب والمسلمين، كما قال تعالى: )وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(النور:31. وقوله " هتكت سِترَ ما بينها وبين الله"؛ أي كشفت حجابها، ونقضت ستر الله لها .. ولو تعرضت للأذى بعد ذلك فلا تلومَنَّ إلا نفسها.

[444] رواه أحمد، وابن ماجه، والحاكم في المستدرك، صحيح الجامع: 2710.

[445] أي أفسد امرأةً على زوجها، وحرَّضها على التمرد والعصيان عليه .. كما يفعل دعاة حقوق المرأة وحريتها ـ زعموا! ـ، ولو سموا أنفسَهم بدعاة تخريب بيت المرأة وتدميره لكان أدق وأصوب!

[446] صحيح سنن أبي داود: 1906.

 [447]أخرجه مسلم وأحمد، السلسلة الصحيحة:3261.

[448] صحيح سنن النسائي: 3518.

[449] صحيح سنن النسائي: 3517.

[450] السلسلة الصحيحة: 775. قلت: يظهر لي أن الوالدين مستثنيان من هذا الاستئذان، لما تقدم أن من حقهما أخذ ما يحتاجانه من مالها ـ لا من مال زوجها ـ من دون علمها ولا استئذانها، والله تعالى أعلم.

[451] أي هل عليها من حرج، لو أظهرت لضرتها كذباً بأن زوجها يعطيها وينفق عليها أكثر منها .. ولا شك أن مثل هذا التصرف ـ إضافة إلى كونه كذباً ـ مؤاده إلى الفتنة وإنزال الأذى والضرر في الزوج، لأن الأخرى ستطالب زوجها بما أعطاه لضرتها، وهذا لا يجوز.

    وقوله r " المتشبِّع بما لم يُعطَ"؛ أي الذي يتظاهر بما ليس فيه ولا عنده .. وهذا الحديث يُحمل على كل من يتصف بهذه الصفة المذمومة .. فيحب أن يُحمد بما ليس فيه!

[452] وذلك أن طاعته واستجابته إلى حاجته واجب، بينما التنفّل مندوب دون الواجب، والواجب ـ عند التزاحم والتعارض ـ مقدم على المندوب أو التنفل.

[453] أي عن الجماع. وقوله " لا تصومُ المرأة إلا بإذن زوجها"؛ محمول على صوم التطوع والنافلة، أما صيام الفرض؛ كشهر رمضان فلا إذن للزوج ولا لغيره في صيامه.

[454] رواه أبو داود، وابن ماجه، وصححه الشيخ ناصر في المشكاة: 3269.

[455] أي لا تُدخل بيته أحداً ـ أيَّاً كان ـ وهو حاضر موجود إلا بإذنه وعلمه .. وهذا من حقِّ الزوج على زوجته .. وخلاف ذلك لا شك أنه مدعاة للخصومة والتنازع، والتناحر، وربما الفراق .. وتدمير البيوت، وخرابها!

[456] السلسلة الصحيحة: 652. قلت: خلاف ذلك قد يُدخل الريب والشقاق بين الزوجين.

[457] أي على جنب. وقوله " وهم أهل وثَنٍ"؛ أي وهم على الشرك، وعبدة الأوثان قبل مجيء الإسلام إليهم، ودخولهم فيه.

[458] أي ظهرَ وعُرِف خلافهما.

[459] صحيح سنن أبي داود: 896.

[460] قال ابن الأثير في النهاية: كنَّ برحله عن زوجته، أراد به غشيانها في قبلها من جهة ظهرها، لأن المجامع يعلو المرأة ويركبها مما يلي وجهها، فحيث ركبها من جهة ظهرها كنى عنه بتحويل رحله ا- هـ. 

[461] رواه النسائي، والترمذي، وقال عنه حديث حسن. والحديث مخرج في كتاب "الزفاف " للشيخ ناصر.

[462] رواه أحمد، والترمذي، وصححه الشيخ ناصر في المشكاة: 3192.

[463] رواه أحمد، وأبو داود، صحيح الجامع: 5889.

[464] رواه الأربعة إلا النسائي، وصحَّحه الشيخ ناصر في "آداب الزفاف".

[465] أخرجه ابن ماجه، والبيهقي، صحيح الترغيب والترهيب: 2431.

[466] أخرجه الطبراني، صحيح الترغيب: 2429.

[467] أخرجه النسائي، السلسلة الصحيحة: 873.

[468] رواه النسائي، وصححه الشيخ ناصر، "آداب الزفاف". قوله " هذا يسألُني عن الكُفر"؛ لا يُراد به الكفر الأكبر الذي يُخرج صاحبه من الملة، وإنما أراد بالكفر كفر النِّعمة؛ حيث استبدل الخبيثَ النجس بالطيب الطاهر، وزَهِد بنعمة الطيب الطاهر وكفَرَ بها، والله تعالى أعلم.

[469] رواه أصحاب السنن، والطبراني، وصححه الشيخ ناصر،"آداب الزفاف". قلت: فإن أتاها وهي في أول حيضتها فكفارته دينار من ذهب، وإن أتاها وهي في آخر حيضتها قريبة من طهرها فكفارته أن يتصدق بنصف دينار من ذهب، والله تعالى أعلم. 

[470] صحيح سنن أبي داود: 231. وقوله " واصنعوا كل شيءٍ غير النِّكاح"؛ محمول على من يجد في نفسه القدرة على أن يملك نفسه وأن لا يقع في المحظور .. أما من لا يجد في نفسه القدرة على ذلك، فالنصيحة له أن لا يتوسَّع، حتى لا يقع في المحظور .. ويجد نفسه ـ في النهاية ـ مُلزماً بأن يتصدق بدينار أو نصف دينار من ذَهَب!  

[471] قال ابن الأثير في النهاية: من حديث عائشة " كان أملَكَكُم لأرَبِه"؛ أي لحاجته، تعني أنه كان غالباً لهواه. وأكثر المحدثين يروونه بفتح الهمزة والراء؛ يعنون الحاجة، وبعضهم يرويه بكسر الهمزة وسكونِ الراء، وله تأويلان: أحدهما أنه الحاجة، يُقال فيها الأرَبُ، والإرْبُ، والإِرْبَةُ، والمأرَبَةُ. والثاني: أرادت به العُضو، وعنَت به من الأعضاء الذَّكَرَ خاصَّةً ا- هـ.

[472] صحيح سنن أبي داود: 239.

[473] نؤكد على هذا المعنى ونكرره لأن من الرجال من يستغل الحق الذي أعطاه إياه الشرع استغلالاً خاطئاً؛ مما يحمله على الظلم والطغيان، ومطالبة زوجه أن تُتابعه وتُطيعه في الحرام، وفيما فيه معصية لله U .. وهذا ليس له ولا لغيره؛ إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

[474] صححه الشيخ ناصر في المشكاة: 3696.

[475]  ثياب يمنية فيها بياض، وسواد يصبغ غزلها ثم ينسج، منار السبيل:2/285. وقوله " كُسْتِ أظفارٍ"؛ هما نوعان من أنواع البخور لهما رائحة جيدة ـ ليسا من جِنس الطِيب ـ تتبع بهما المرأة أثر الدَّم وموضعه لتزيل رائحته الكريهة. أقول: ويقوم مقامهما ـ في زماننا ـ "الشامبوا" أو الصابون الذي تُخالطه رائحة جيدة، والله تعالى أعلم.

[476] أخرجه الطبراني، السلسلة الصحيحة: 608. وقوله r: "إن هذا لا يَصلُحُ"؛ يعني اشتراطها لزوجها أن لا تتزوج بعده؛ لأنه مخالف لعشرات النصوص الشرعية التي تحض على التزاوج، والتكاثر، والتناسل .. كما لا يجوز أن يُعطى هذا الشرط من الزوج لزوجته تحت عنوان الوفاء ـ كما هو دارج في هذا الزمان زمن الحب الأعوج! ـ فالوفاء لا يكون في مثل هذه المواضع، وفيما أحلَّ الله، وبخاصة إن كان سيترتب عن هذا الوفاء معصية، واستشراف للحرام، ولقوله r: "ما بالُ رجالٍ يشترطون شروطاً ليست في كتابِ الله، مَن اشترَطَ شَرْطاً ليسَ في كتابِ الله فهو باطلٌ، شَرْطُ الله أحَقُّ وأوثَق" متفق عليه. 

 

[477] أي العدل القلبي، والميل القلبي، فهذا نوع من العدل مهما حرص الإنسان عليه فلا يستطيع القيام به، لأنه خارج عن إستطاعته وقدرته، وهو معذور لذلك. لكن هذا لا ييستلزم منه أن يميل كل الميل فيأتي بأفعال وأمور ـ تنافي العدل والإنصاف بين النساء ـ يستطيع اجتنابها، فهذا ليس كالأول ولا يشمله العذر، ومن كان يقدر لا يستوي في الحكم مع العاجز الذي لا يقدر. وقوله: "فتذروها كالمعلقة"؛ أي لا هي زوجة بحق لها حقوق الزوجة، ولا هي أيم من حقها أن تطلب الزواج.

[478] أي لا تقل: قبحك الله.

[479] رواه أبو داود، والطبراني، والحاكم، صحيح الجامع: 3149.

[480] أخرجه أبو داود، واحمد، السلسلة الصحيحة: 687.

[481] أخرجه أبو داود والنسائي والحاكم، صحيح الترغيب والترهيب: 1965. قلت: ومن الضياع الذي يشمله الحديث، إهمال حقّهم عليه في التعليم والتربية، وتوجيههم التوجيه الحسَن.

[482] أي ألحق الحرج؛ وهو الإثم بمن ضيع حقهما، وأحذر من ذلك تحذيراً بليغاً وازجر عنه زجراً أكيداً. قاله النووي: رياض الصالحين، ص 146، ط المكتب الإسلامي.

[483] رواه الحاكم والنسائي، صحيح الجامع: 2447.

[484] أي أسيرات؛ شبه رسول الله r المرأة في دخولها تحت حكم الزوج بالأسير. قاله النووي في" رياض الصالحين".

[485] أي غير الاستمتاع وحفظ الزوج في نفسها وماله، وما يجب عليها من خدمته، قاله الشيخ ناصر: "رياض الصالحين". قلت: وبالتالي ليس من حق الزوج أن يُطالب زوجته بالعمل أو الوظيفة، ومن ثم الإنفاق عليه، وعلى بيته، وأبنائه .. كما يفعل كثير من رجالات هذا الزمان!

[486] قال النووي: أي لا تطلبوا طريقاً تحتجون به عليهنَّ وتؤذونهنَّ به.

[487] رواه الترمذي، وقال حديث حسن صحيح، رياض الصالحين: 281.

[488] أخرجه ابن حبان، صحيح الترغيب والترهيب: 1966.

[489] رواه الطبراني في الصغير، والأوسط، صحيح الترغيب والترهيب: 1807.

[490] فيه أن المهر المؤخر يجب أن يدفع كالمقدم ومن دون أن يقع الطلاق، والحديث متفق عليه.

[491] متفق عليه. قلت ورد النهي عن هذا النوع من النكاح لما فيه من ظلم لحقوق الزوجة .. والحديث فيه أن المهر شرط لصحة عقد النكاح.

 [492]أخرجه الحاكم، السلسلة الصحيحة: 999.

[493] أخرجه النسائي، وأحمد،  السلسلة الصحيحة: 1711.

[494] أخرجه الطبراني، السلسلة الصحيحة: 2871. قلت: وفي الحديث دلالة على إنصاف الحق، والثناء عليه خيراً .. والترغيب به .. ولو كان صاحب هذا الحق كافراً .. وعادة تمسك الرجل من أهل الكتاب بزوجته عادة حسنة قديمة .. أما اليوم ـ وبخاصة في بلاد الغرب ـ فأحدهم لا يُبالي أن يتزوج اليوم، ويُطلِّق غداً .. هذا غير الخليلات اللاتي يُشركهن في الفراش مع زوجته في الحرام .. يُمارس ذلك على أعلى مستويات طبقات المجتمع!

    وقولُه " وما يعلُقُ يَداها الخيطَ"؛ قال في النهاية: "كناية عن صغر سنّها وفقرها "ا- هـ. قلت: ولا يُستبعد أن يكون كناية عن قلة الصداق والمهر الذي يعطيه الرجل منهم للمرأة.

[495] أي لا يبغضها إلى حد الطلاق.

[496] كسرها: طلاقها، وفيه دلالة على الرفق واجتناب العنف والشدة عند تقويمها وترشيدها للصواب.

[497] رواه أحمد، وابن حبان، والحاكم، صحيح الجامع: 1944.

[498] أخرجه مسلم، وابن حبان، وأحمد، السلسلة الصحيحة: 3517.

[499] رواه أحمد، صحيح الجامع: 1983. هكذا ينبغي أن تكون العلاقة بين الزوجين " شقائق"؛ ومن دون ظلم أو استعلاء طرف على آخر!

[500] ذئِرن: أي اجترأن على الرجال وتطاولن عليهم .. وأساؤوا فهم نهي النبي r عن ضربهن!

[501] رواه أبو داود، وابن ماجه، والحاكم، صحيح الجامع: 5137. وانظر صحيح سنن أبي داود: 1879. وقوله " ليس أولئكَ بخياركم"؛ أي ليس أولئك الذين يضربون نساءهم ويُسيئون معاملتهنَّ من خيار المسلمين، وهؤلاء كذلك قد أساؤوا فهم ترخيص النبي r بضرب النساء الناشزات اللاتي ذئرن على أزواجهنَّ ضرباً غير مبرِّحٍ .. لذا لا بد للمرء أن يكون فقيهاً؛ متى يستخدم الشدة، ومتى يدع، وما هو القدر النافع من الشدة وما هو القدر الضار منها .. فإن لم يكن فقيهاً في ذلك كله؛ فنصوص الشريعة تُلزمه حينئذٍ بأن يأخذ بخيار الرفق .. فهو الأسلم والأنفع له؛ لأن يُخطئ في الرفق خير له ألف مرة من أن يُخطئ في استخدام العنف والشدة.

[502] أي جلداً مبرحاً كما يجلد العبد .. وهذا لا يجوز ولا يليق .. ولا ينبغي أن يكون بين الأزواج، والنبي r ذكر ذلك على وجه الكراهة والاستقباح!

[503] أخرجه الدارمي، السلسلة الصحيحة: 394.

[504] رواه الترمذي، والحاكم، صحيح الجامع: 761. وقوله " وشِقُّهُ ساقِطٌ"؛ أي ونصفه ساقط مائل، فكما أنه مال في الحياة الدنيا إلى إحدى زوجاته دون الأخرى، يُعاقب يوم القيامة على رؤوس الأشهاد ـ ليُعرف ظلمه ـ بسقوط نصفه وميله؛ إذ العقوبة من جنس العمل!

[505] رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، صحيح الجامع: 6515. وقوله " فمالَ إلى إحداهما"؛ أي على حساب حق الأخرى .. فيما يملكه ويقدر عليه.  

 [506]أخرجه البيهقي وغيره،  السلسلة الصحيحة:1271.

[507] على أن يُسبق بنيه الإخلاص لله تعالى، وأنه عمل لوجه الله تعالى. والحديث رواه أحمد، والطبراني، صحيح الجامع: 5535.

[508] رواه أحمد، صحيح الجامع: 5540.

[509] أي ما تجعل في فمها من طعام وشراب، والحديث: متفق عليه.

[510] رواه ابن ماجه، صحيح الجامع: 3265. والحديث أفاد معنى جميلاً، حيث حدد مقياساً لمعرفة خيرية الرجل وفضله؛ وذلك من خلال ظهور وانعكاس خيره على أهله ونسائه؛ فعلى قدر خيريته لنسائه على قدر ما يكون من الخيار والفضلاء .. ويُتوقع منه الخير للآخرين .. وعلى قدر ما يقل خيره على نسائه على قدر ما تقل درجته بين الخيار والفضلاء .. ويُتوقع منه الشحَّ وقلة الخير على الآخرين!

[511]  أي في فك رقبة؛ وهو عتق العبد المملوك.

[512] أخرجه البخاري في التاريخ الكبير، والطبراني، السلسلة الصحيحة: 2736. قلت: وأنا بدوري لما انتهيت من كتابة هذا الحديث قمت فسقيت زوجتي كوباً من الماء المصفَّى البارد، وأخبرتها ما قرأت وكتبت عن رسول الله r .. فالعلم للعمل!

     ومما يُستفاد من الحديث كذلك أن الخدمة تكون من الطرفين للطرفين، وليس لزاماً أن تكون من طرف المرأة نحو زوجها وحسب!

[513] رواه الترمذي، صحيح الجامع: 3314. والمعنى: أن من كان فيه أو عنده خير فليُظهره أولاً على نسائه وأزواجه؛ فإن لم يُظهره على نسائه وأزواجه لا خير فيه لمن سواهنَّ .. فإن زعم بلسانه خلاف ذلك فقد كذب، وصدق رسول الله r!

[514] رواه الحاكم في المستدرك، صحيح الجامع: 3316.

[515] رواه أحمد في مسنده، وصححه الشيخ شاكر في التخريج: 7396.

[516] أي من يعيل من النساء والأبناء، وغيرهم ممن يدخل في رعايته ومسؤوليته، والحديث: رواه أحمد، وأبو داود والحاكم، صحيح الجامع: 4481.

[517] قلت: ومع ذلك يوجد ـ وللأسف ـ من الرجال من يعتبر العمل في البيت لخدمة أهله منقصة، وتتنافى مع الرجولة ووظائفها .. ينتظرون حتى تسود هذه العادة في بلاد الغرب، ليعتبروها أولاً ظاهرة حضارية .. ومن ثم يقومون بها .. إذا جاءهم الفعل من قبل النبيِّ r أنفوه وترفَّعوا عنه .. بينما إذا جاءهم نفس الفعل من نصارى الغرب .. قبِلوه .. واستحسنوه .. وعدوه ظاهرة صحية وحضارية!!

[518] ومن أمر الأهل بالصلاة .. تعليمهنَّ الصلاة، وكل ما يتعلق بها من شروط، وأركانٍ، وواجبات، وآدابٍ، ومستحبات.

[519] صحيح الجامع: 6517.

[520] رواه الحاكم موقوفاً، وقال: صحيح على شرطهما، صحيح الترغيب: 115.

[521] لغرض الصلاة، ومشاهدة حلقات العلم التي تُعقد في المساجد، فطلب العلم فرض على كل مسلم ومسلمة، والجنة والنار للرجال والنساء سواء .. وليس لأحدهما دون الآخر!

    ومن صور منع النساء من المساجد أن يُشدد عليها في عدم إحضار أطفالها معها إلى المسجد .. فالمرأة عندما توضع بين خيارين: إما المسجد من دون الأطفال، أو الأطفال في البيت من دون المسجد .. ستختار مرغمة البقاء مع أطفالها في البيت خشية عليهم من الضياع أو أن يصيبهم نوع أذى!

[522] أي ونحن شباب متقاربون في العمر.

[523] السلسلة الصحيحة: 1190. والعمل الكيِّس: هو كل عمل شرعي مباح يرغب المرأة بزوجها ويشوقها إليه.

[524] أي السفر، فلا يفاجئ أهله بقدومه ليلاً من دون علم مسبق، وقبل أن ترتب نفسها؛ فيرى منها ـ من قبح المنظر ـ ما لا يسر العين، ومثل هذا الأمر فيه أذى للزوجة الصالحة التي تحرص أن لا يرى زوجها منها إلا الشيء الحسن والجميل.

[525] أقول: العلة في النهي هنا ليس بالقدوم عليهن ليلاً، وإنما بمفاجئتهن قبل علم مسبق ولو كان ذلك نهاراً، يدل على ذلك قوله r: "أمهلوا حتى ندخل ليلاً"، لأن دخولهم المدينة قبل حلول الليل يتحقق منه المكروه، وتحصل المفاجأة، ثم أن النهي هنا ليس للتحريم، وإنما هو أدب من آداب النبوة ندب إلى فعله.

[526] أي ذات الشعر المنبوش المتفرق، حتى تمتشط وتزين نفسها لزوجها.

[527] أي حتى تتمكن المرأة التي غاب عنها زوجها زمناً طويلاً، من إزالة عانتها.

[528] الكَيْس: العقل، كما في النهاية، والمراد: إذا قدمت للجماع، فالزم العقل واستعمله، احذر أن تقع في المحظور والمكروه، بسبب طول عزوبتك. والحديث: رواه مسلم.

[529] أي لا يُفاجئهم بمجيئه من دون أن يُشعرهم به قبلاً.

[530] السلسلة الصحيحة: 3085. وقوله " ولا تغتروهُنَّ"؛ أي لا تدخلوا عليهن فجأة على حين غرّة؛ فترون منهن ما لا يسركم، وهو كذلك يؤذي المرأة الصالحة التي  لا تحب أن يرى منها زوجها ما يُسيئها ويُسيئه من كآبة المنظر، وعدم التزين والتجمل، والظهور بالمظهر الجميل اللائق. 

[531] أخرجه النسائي وغيره، السلسلة الصحيحة: 3277. وقوله " يا حميراء"؛ تصغير الحمراء، يريد البيضاء، كما في النهاية. 

[532] أخرجه النسائي في " عشرة النساء"، وأحمد، والطبراني، وغيرهم، وصححه الشيخ ناصر في " آداب الزفاف".

[533] أي مشيه بين موضع الرماية ليأخذ سهامه ثانية، وبين الموضع أو المكان الذي يرمي من عنده .. هذا الذي يظهر لي، والله تعالى أعلم.

[534] أخرجه النسائي في كتاب " عشرة النساء"، والطبراني، السلسلة الصحيحة: 315.

[535] أي يقول له: "يرحمك الله"، بعد أن يقول العاطس: "الحمد لله"، فإذا لم يحمد الله، لا يشمت، كما سيرد معنا في الحديث.

[536] أي يشهد الصلاة عليه، ويشهد جنازته ودفنه.

[537] إلى طعام أو وليمة عرس أو عقيقة، ونحو ذلك. 

[538] المراد بالنصح هنا: إرادة الخير له، وإعانته عليه، ودفع الأذى والضرر عنه، في غيبته وحضرته سواء، وقوله: "يعوده"؛ أي يزوره.

[539] رواه مسلم، والنسائي، وأبو داود.

[540] متفق عليه. وقوله " وإبرارِ القسَمِ أو المُقْسِمِ"؛ أي يبر قسم أخيه المسلم ما استطاع ولا يجعله يحنث في يمنه، ما كان قسمه على الخير. وقوله " وإجابةِ الدَّاعي"؛ أي إذا دعاه إلى وليمة وطعام. 

[541] أي وهو غائب. وقوله: "ذب " أي دفع ورد. فإن قيل لماذا في الغيبَة؟ أقول: لأن رد المسلم عن عِرض أخيه في الغيبة دليل على صدق محبته لأخيه .. وعلى صدق مراعاته لحقه عليه .. وعلى صدق إخلاصه فيما يقوم به لله تعالى وحده .. لأن الانتصار لحرمات الأخ المسلم في غيبته لا مطمع دنيوي من ورائه .. ولأن المسلم عندما تُنتهك حرماته في غيبته .. يكون بحاجة ماسة لمن يذود عنه وعن حرماته .. بخلاف ما إذا كان حاضراً أو شاهداً فإنه قد يذود عن حرماته بنفسه .. وتقل الحاجة للمساعدة! 

[542] رواه أحمد، والطبراني، صحيح الجامع: 6240.

[543] رواه أحمد، والترمذي، صحيح الجامع: 6262.

[544] أي معاشه، كما في "النهاية"، والمراد: أنه يمنع عن أخيه تلف معاشه وسبب رزقه.

[545] أي يحفظه في أهله ونفسه وماله عند غيابه.

[546] صحيح سنن أبي داود: 4110.

[547] صحيح الأدب المفرد: 177.

[548] النصيحة لله تكون: بعبادته وتوحيده وطاعته ظاهراً وباطناً، وأن لا تشرك به شيئاً.

[549] والنصيحة لكتاب الله تعالى تكون: بالإيمان به، وبتلاوته وتدبره، والعمل بما جاء فيه، والانتهاء عما نهى عنه. 

[550] والنصيحة لرسوله r تكون: بطاعته، واتباعه، والإحتكام إليه، ومحبته، وتوقيره وذبِّ الأذى عن عِرضه، وعن سنته r. 

[551] النصيحة لأئمة المؤمنين وعامتهم، تكون: بمحبتهم وأن لا يضمر لهم إلا خيراً، وأن لا يرشدهم ويدلهم إلا إلى الخير، وأن يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن يذود عنهم وعن حرماتهم وأعراضهم بنفسه وماله، وأن يطيع الأئمة المسلمين في المعروف، وما لم يأمروه بمعصية الله؛ فإن أمروه بمعصية الله فلا طاعة لهم عليه.  

[552] رواه مسلم، والنسائي، وأبو داود، صحيح سنن أبي داود: 4135. أقول: من لوازم النصح، وحتى تؤتي النصيحة ثمارها وأُكلها يجب أن تُحاط النصيحة بالعلم بالمنصوح وبما يُنصَح به، وبالتقوى، والعدل الذي يُلزم صاحبه بإنصاف المنصوح من غير توسع ولا غلو أو جفاء .. وكذلك أن تُحاط النصيحة بالإخلاص، والأدب .. بعيداً عن التجريح الشخصي ما أمكن .. فإن ذلك أدعى لقبول النصيحة عند المنصوح .. وأن يُراعى فيها الوقت والمكان المناسبين لإسدال النصيحة .. إذ كثيرون هم الذين لا يُراعون هذه الضوابط والآداب فيُسيئون أكثر مما يُحسنون .. باسم النصيحة والتناصح .. ثم يحسبون أنفسهم أنهم ممن يُحسنون صنعاً!

[553] أقول: أما أن تنصر أخاك في الباطل كما تنصره في الحق، كما هو شأن التحزبات والعصبيات الجاهلية المعاصرة، فهذا ما لا يقره الإسلام ولا يرضاه.

[554] أي تتساوى في الحرمة والقصاص.

[555] يحمى ويضم إليه ويجير من كان دمه هدراً بسبب كفره وحربه، أقول: مالم يكن المجار قد أحدث حدثاً يستلزم عليه القصاص والحد، فحينها لا تجوز إجارته، وحمايته من حدود الله، لقوله r: "من آوى محدثاً فعليه لعنة الله والناس أجمعين". ولأنه من التعاون على الإثم والعدوان.

[556] أي قويهم.

[557] وفي رواية: "ومتسريهم"، وهو المجاهد الذي يجاهد في سبيل الله.

[558] صحيح سنن أبي داود: 2391.

[559] رواه أحمد، وأبو داود، صحيح الجامع: 5690.

[560] وقوله: "لا يؤمن"؛ أي لا يكتمل إيمانه، وفي الحديث دلالة على أن الإيمان يزداد بالطاعات، وينقص بالذنوب والمعاصي.

[561] رواه البيهقي في الشعب، وغيره، السلسلة الصحيحة: 1217.

[562] رواه البخاري، وأبو داود، صحيح سنن أبي داود: 4209.

[563] رواه أحمد، صحيح الجامع: 6659.

[564] مفعول به لفاعل مستتر تقديره هو، وتقدير الكلام: إذا اشتكى الجسدُ عضواً.

[565] أقول: لو طبق المسلمون هذا الحديث فقط في واقعهم وحياتهم العملية، لتغير حالهم المشين إلى أعز وأحسن حال.

[566] رواه أحمد ومسلم، صحيح الجامع: 6668. وقوله " المؤمنون"؛ أي كل المؤمنين اياً كانت جنسياتهم وأوطانهم ولغاتهم، وألوانهم .. لا يُمكن إلا أن يكونوا في تكافلهم وتعاونهم وتعاضدهم كرجلٍ واحد.

[567] رواه مسلم، والترمذي، وأبو داود، وابن ماجه، صحيح سنن أبي داود: 4137.

[568] أي لا يتخلى عنه ولا يتركه للظلم والقهر، والفقر والجوع .. ولعدوان المعتدين. 

[569] أي من سعى في قضاء حاجة أخيه المسلم، قضى له حاجته؛ فالجزاء من جنس العمل.

[570] أي أنفعهم لنفسه وأهله وعامة المسلمين، والناس أجمعين .. فبذلك يتفاضل الناس ويتمايزوا .. وليس

بجنسياتهم، ولا لغاتهم، ولا قومياتهم، ولا أحسابهم ولا نسبهم .. فنسب المرء الذي ينفعه ويرفعه ـ في الدنيا والآخرة ـ عمله.

[571] رواه الطبراني، صحيح الجامع: 176.

[572] صحيح الجامع: 1096.    

[573] أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، السلسلة الصحيحة: 2291.

[574] قوله " استطعمتك .. استسقيتك"؛ أي سألتك الطعام والسقاء.

[575] أي من توسط له ـ عند الجهات المختصة المسؤولة ونحوها ـ لقضاء حاجة، أو حل مشكلة، أو تفريج كرب .. ثم هو قَبِلَ منه هديته كنوع مقابلة لشفاعته وموقفه معه فقد أتى باباً عظيماً من أبواب الربا .. وفي الحديث دلالة على خطورة مهنة المحاماة؛ حيث أن المحامي ـ غير أنه في الغالب قد يضطر للتحاكم إلى شريعة الطاغوت!!ـ لا يتشفع لحل أي مشكلة من مشاكل الناس عند القضاء ـ مهما كان صاحب المشكلة محتاجاً أو مكروباً أو فقيراً ـ إلا بعد أن يشترط لنفسه المبلغ الذي يريد .. ولا شك أن من كان هذا وصفه وحاله فهو أشد جرماً ممن أهدي له ـ كنوع مقابلة لشفاعته ـ من دون أن يطلب، وقد صح عن النبيr ، أنه قال: "سيكون قوم يأكلون بألسنتهم، كما تأكل البقرة من الأرض".

[576] رواه أحمد، وأبو داود، صحيح سنن أبي داود: 3025.

[577] رواه ابن أبي الدنيا والطبراني، صحيح الترغيب: 2617.

[578] رواه الطبراني، صحيح الترغيب: 2619. وقوله " تبرَّم"؛ أي أعرَض ونأى بجانبه عن مساعدتهم.

[579] صحيح الأدب المفرد: 438. وقوله" فلم يكن اثنان يَهلَكان من الطعامِ على ما يُقيمُ الواحد"؛ أي لا يهلك اثنان بسبب الجوع وقِلَّة الطعام إذا تقاسما فيما بينهما الطعام الذي يُقيم ويكفي الشخص الواحد منهما، فطعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة.

[580] وإن كانت العادة في هذا الزمان أن تكون غالب زيارات الناس بعضهم لبعض، لغايات ومصالح دنيوية، ومآرب شخصية .. ولا حول ولا قوة إلا بالله!!

[581] رواه الترمذي، وابن ماجه، صحيح الجامع: 6387.

[582] أي صباحاً.

[583] رواه الترمذي، صحيح الجامع: 5767. وقوله: "خريف في الجنة"؛ أي حائط من نخل في الجنة، كما في "النهاية".

[584] صحيح الأدب المفرد: 407.

[585] أي هل لك عليه من دين أو مالٍ تريد أن تستوفيه وتسترده منه، أو نعمة تسعى في صلاحها؟

[586] جناها؛ أي ثمارها ونعيمها.

[587] أخرجه أبو داود، والترمذي، والحاكم، صحيح الأدب المفرد: 421.

[588] رواه الترمذي، وأبو داود، صحيح سنن أبي داود: 4273. قلت: لأن إخباره وإعلامه مما يزيد المحبة بين الأخوين، ويقويها .. وهو المراد.

[589] رواه عبد الرزاق في المصنف وغيره، السلسلة الصحيحة: 3253. وقوله " ولك ما احتسَبتَ"؛ أي من أجر مبادأتك له بالإخبار والإعلام.

[590] صحيح الأدب المفرد: 423.

[591] أخرجه الطبراني، السلسلة الصحيحة: 3273.

[592] أخرجه أحمد، السلسلة الصحيحة: 1256.

[593] صحيح الأدب المفرد: 424. وقوله " فلا تُمارِه"؛ أي فلا تُجادله الجدال الذي مؤداه للخصومة وإغارة الصدور. وقوله " ولا تُشارِه"؛ والمشاراة من اللجاجة؛ أي لا تكن لجوجاً ولحوحاً في مراجعتك له إن كان لك عليه حقاً، أو لك عنده حاجة .. والأثر شمل على جملة من آداب الصحبة حري بكل صديقين متحابين في الله أن يراعياها فيما بينهما، إن أرادا لصحبتهما الدوام.  

[594] صحيح الأدب المفرد: 460. وقوله " القذاة"؛ أي الشيء الدقيق الذي يقع في العين، من قشٍّ صغير، أو غبار، أو طينٍ ونحو ذلك. والجِذل؛ أي الخشبة الكبيرة المرتفعة. وهذا الأثر يُضرَب كمثل فيمن ينشغل بعيوب إخوانه على دقتها وصغرها، وينسى عيوب نفسه على ضخامتها وعِظَمِها!

[595]  صحيح الأدب المفرد: 197.

[596] رواه أبو داود وغيره، صحيح الترغيب والترهيب: 2703.

[597] صحيح سُنن أبي داود: 4332.

[598] رواه الطبراني، صحيح الترغيب والترهيب: 2706.

[599] رواه الطبراني، صحيح الترغيب: 2702. وقوله: "أما تَرى ما يصيبُ القومُ عليكَ من الفضل؟"؛ أي بسبب أنهم يُبادرونك السلام قبل أن تُبادرهم؛ فيكونون بذلك لهم زيادة فضل عليك .. فاحرص أن لا يسبقك إلى السلام أحد!

[600] صحيح الأدب المفرد: 753. قلت: كثير من مشاكل المسلمين في هذا الزمان وللأسف ـ وكثير من الدعاة ليسوا بمنأى عن ذلك ـ سببها لماذا فلان لا يبدأني السلام أولاً .. لماذا يريدني أو ينتظرني أن أبدأه السلام .. لماذا لا يبدأ هو .. قد بدأته بالسلام قبل سنة وهو لم يردها عليَّ فلم يبدأني بالسلام .. وهكذا يتسع الخرق .. ويحصل الشقاق والفراق .. وكأن الذي يبدأ أخاه بالسلام منقَصَة بحقه ومَصْغَرَة له، ولا يدرون أن البادئ يكون هو الأفضل عند الله تعالى، وهو الأحب إليه .. ويكون هو الأولى بالاقتداء بسنة النبي r وسُنة وأخلاق أصحابه .. ولا حول ولا قوة إلا بالله!!

[601] صحيح الأدب المفرد: 770. 

[602] صحيح سنن أبي داود: 4343.

[603] السلسلة الصحيحة: 2004.

[604] صحيح الأدب المفرد: 745.

[605] السلسلة الصحيحة: 2485. وهذا من تمام وكمال تواضعه r .. ولما في إطالة المصافحة من فضل وأجرٍ.

[606] رواه الطبراني، السلسلة الصحيحة: 2647.

[607] صحيح الأدب المفرد: 462.

[608] صحيح الأدب المفرد: 463. أي تباذلوا فيما بينكم بالعطايا والهدايا؛ فإن ذلك مما يزيد الود بينكم ويُحافظ عليه.

[609] صحيح الأدب المفرد: 81.  قلت: هذا في زمن ابن عمر t .. فكيف في زماننا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

[610] صحيح الأدب المفرد: 486.

[611] رواه الترمذي وغيره، صحيح الترغيب والترهيب: 2685.

[612] رواه أبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسنٌ صحيح، صحيح الترغيب والترهيب: 2687.

[613] رواه الطبراني، صحيح الترغيب: 2583. قال ابن الأثير في النهاية: الغِبُّ من أوراد الإبل؛ أن ترِدَ الماء يوماً وتدعَهُ يوماً ثم تعود، فنقلَه إلى الزيارة وإن جاء بعد أيامٍ، يُقال: غَبَّ الرجلُ إذا جاء زائراً بعد أيام. وقال الحسن: في كل أسبوع ا- هـ.

[614] السلسلة الصحيحة: 1199.

[615] رواه ابن حبان وغيره، صحيح الترغيب والترهيب: 3019. وقوله " حقت"؛ أي وجبت.

[616] رواه الطبراني، صحيح الترغيب والترهيب: 9022.

[617] رواه الطبراني، صحيح الترغيب والترهيب: 3025. قوله " من قبائل شتَّى، وبلادٍ شتَّى يجتمعون"؛ أي الذي جمعهم ليس الانتماء إلى القبيلة أو الوطن، أو الدولة التي ينتمون إليها، فكل منهم من قبيلة مختلفة ومن وطن مختلف، وربما له لغة مختلفة .. وإنما الذي جمعهم الإيمان والإسلام، وحبُّ الطاعة لله U.

[618] أخرجه الحاكم في المستدرك، السلسلة الصحيحة: 3464. وقوله " من أفناء الناس"؛ أي أنهم متباعدون في مساكنهم وقبائلهم، وأوطانهم، وبلدانهم .. وانتماءاتهم الأرضية .. إلا أن بعدهم هذا لم يمنعهم من التحاب والتصادق في الله .. والاجتماع والاتحاد على طاعته وعبادته .. فأين دعاة الوطن والوطنية، والقومية، من هذا الحديث ومعانيه؟!

    أصارحكم القول: أنني عندما يضمني اجتماع في غرفة متواضعة مع أخوة عِدة متحابين في الله .. كل واحدٍ منهم ينتمي إلى وطنٍ، وبلد، ولغة، ولون مختلف عن الآخر .. ما جمعهم إلا الحب في الله، والعمل على طاعته .. أدرك تفاهة وضيق النزعات العصبية الجاهلية؛ كالوطنية، والقومية، والقبلية .. التي يتقاتل على أساسها كثير من الناس .. ويعقدون فيها وعلى أساسها الولاء والبراء!!

[619]  وذلك يوم حجة الوداع.

[620] لا يُراد من الكفر هنا الكفر بالله، وإنما أريد منه كفر نعمة أخوة الإسلام؛ أي لا تكفروا هذه النعمة التي منَّ الله بها عليكم؛ فآلف بين قلوبكم، وجعلكم أخوة متحابين فيه .. فتكفرون هذه النعمة .. فتستحلون حرماتكم بغير وجه حق .. وتضربون رقاب بعضكم بعضاً!

[621] رواه أحمد، والطحاوي، وابن حبان، والبيهقي، وصححه الشيخ ناصر، إرواء الغليل: 1459. 

[622] إن سبَّه وقاتله لدينه الإسلام، ففسوقه يُحمَل على الفسق الأكبر المخرج لصاحبه من الملة، وكذلك الكفر .. وإن سبّه وقاتله لأمور دنيوية، ومن أجل حظوظ النفس ففسوقه يُحمل على الفسق الأصغر؛ فسق دون فسق لا يخرج صاحبه من الملة، وكذلك الكفر، يُحمل على الكفر دون كفر.

[623] رواه أحمد، وأبو داود، صحيح الجامع: 6378. فلا يغتر المجاهد بجهاده، ولينظر أين هو من إخوانه المسلمين؛ فأدنى إساءة لهم قد تبطل أجر جهاده وهو لا يعلم .. فالحذر الحذر ..فالمجاهد إذ يُجاهد يُجاهد ليدفع الأذى والضرر عن المسلمين وعن حرماتهم وأعراضهم .. لا لكي يؤذيهم أو ليجلب لهم الضرر والأذى .. كما أن في الحديث ـ وغيره من الأحاديث التي ذُكرت أعلاه ذات العلاقة بحرمة المسلم ـ عِظة وعبرة لأولئك الذين يستهينون بحرمات ودماء المسلمين لأتفه الأسباب، ومن أجل صعلوك أو بضعة صعاليك من صعاليك الكفر ـ لا يقدمون ولا يؤخرون، قتلهم موطن اختلاف وتشابه ـ قد يُزيلون ويفجرون عمارة بكاملها على من فيها من المسلمين وغيرهم من ذوي الأنفس البريئة المعصومة شرعاً!   

[624] السلسلة الصحيحة: 3973. وقوله " حتى يَشيمَهُ عنه"، أي حتى يرفعَه عنه، ويجعل سلاحه في غمده.

[625] رواه أحمد، ومسلم، والترمذي، صحيح الجامع: 1957.

[626] أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، السلسلة الصحيحة: 3420.

[627] رواه أحمد، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه، صحيح الجامع: 6076. من هذا الحديث وغيره ـ مما تقدم أعلاه ـ نستفيد حرمة اعتداء المسلم على مال أخيه المسلم تحت أي ذريعة كانت .. بما في ذلك ذريعة الجهاد .. وجمع المال من أجل الجهاد وأغراضه .. كما يفعل ويزعم البعض .. فهذا لا يجوز!

[628] رواه مسلم. وقوله: "لا يسم"، من المساومة التي تحصل بين البائع والمشتري.

[629] رواه أحمد، وابن ماجه، والحاكم، صحيح الجامع: 6705.

[630] بعينه حسداً، لأن العين حق كما في الحديث.

[631] رواه النسائي، وابن ماجه، صحيح الجامع: 4020.

[632] رواه الطبراني، صحيح الجامع: 3596. قد وردني سؤال مفاده: أن جماعة جهادية تحتاج إلى المال .. فهل يجوز لها لكي تسد نفقات وتكاليف الجهاد .. أن تسطو على أموال المسلمين وتأخذها منهم بالقوة؟!

   أقول: لا؛ لا يجوز .. فحرمة مال المسلم ـ بنص الحديث ـ كحرمة دمه .. فكما أنه لا يجوز سفك دم المسلم بالحرام تحت أي ذريعة كانت .. كذلك لا يجوز السطو على ماله بالحرام وأخذه منه بالقوة من غير طيب نفس منه.

   ثم أن الجهاد في عهد النبي r ـ على أهميته الشديدة ـ قد مر بمراحل شدة وعسر وحاجة كما في غزوة العسرة وغيرها .. ومع ذلك لم  يُعرف عن النبي r أنه كان يأخذ من المسلمين أموالهم بالقوة لأغراض الجهاد .. وإنما كان يكتفي ـ صلوات ربي وسلامه عليه ـ بأن يرغبهم في الإنفاق في سبيل الله.

[633] صحيح الجامع: 3586.

[634] أي عادت مقولته ـ التكفير ـ عليه. والحديث: رواه مسلم.

[635] رواه مسلم. وقوله" حار عليه"؛ أي عاد عليه الكفر.

[636] رواه أحمد، وأبو داود، والحاكم، السلسلة الصحيحة: 437.

[637] رواه أحمد، والبخاري، صحيح الجامع: 710.

[638] رواه الترمذي، وأبو داود، صحيح سنن أبي داود: 4079. 

[639]  صحيح سنن أبي داود: 4081.

[640] صحيح الأدب المفرد: 565.

[641] أخرجه الطبراني، السلسلة الصحيحة: 2649.

[642] صحيح سنن أبي داود: 4105. قلت: فيه أن ما زاد عن ثلاث مرار لا يجب على المرء .. وبالثلاث يبرأ من الإثم .. فإن زاد عليها فله أجر .. ويكون قد جاء بالمستحب، لكن لا تجب، والله تعالى أعلم.

[643] صحيح الأدب المفرد: 311. وقوله " أولهما فيئاً"؛ أي عودة ورجعة، فبدأ صاحبه بالسلام.

[644] صحيح سنن أبي داود: 4106.

[645] صحيح الأدب المفرد: 313. وانظر صحيح سنن أبي داود: 4105.

[646] أخرجه البزار في مسنده، السلسلة الصحيحة: 3294. قلت: وهذا من أشد ما قيل في عواقب هجر المسلم لأخيه المسلم، نسأل الله تعالى السلامة والعفو والعافية. 

[647] صحيح سنن أبي داود: 4104.

[648] رواه مسلم، والترمذي، وأبو داود، صحيح سنن أبي داود: 4108.

[649] لا بد من التنبيه هنا أنه أحياناً تستلزم الضرورة الشرعية، مقاطعة أهل الأهواء والبدع، وبالقدر الذي يردعهم عن غيهم وضلالهم وتتحقق منه المصلحة الشرعية .. فمثل هذه المقاطعة لا تندرج تحت هذه الأحاديث، كما أنها لا يجوز أن تكون ذريعة لمقاطعة من لا يستحق المقاطعة شرعاً.

[650] رواه أبو داود، وابن ماجه، صحيح الجامع: 789.

[651] التجسس نوعان: نوع مُكفر يُخرج صاحبه من الملة؛ وصفته أن يتجسس المرء على عورات المسلمين وبخاصة منهم المجاهدين ومواطن ضعفهم أو قوتهم لصالح أعدائهم من الكفار والمشركين؛ فينصر بذلك الكافرين على المسلمين، وهذا مما يدخل في الموالاة الكبرى، كما قال تعالى: )وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(المائدة: 51.

    ونوع لا يُكفِّر صاحبه، ولا يخرجه من الملة، لكنه يُعد من كبائر وعظائم الذنوب؛ وصفته أن يتجسس المرء على عورات المسلمين ليكون ما يتحصل عليه من معلومات عنهم مادة للحديث في المجالس التي تسودها الغيبة والنميمة، والفكاهة والسخرية!

[652] صحيح سنن أبي داود: 4083.

[653] أي تقبيحه، والإساءة إليه به.

[654] صحيح سنن أبي داود: 4086.

[655] صحيح الأدب المفرد: 179. و السلسلة الصحيحة: 934. والحديث فيه أن العقوبة من جنس العمل. فإن قيل: كيف تكون صفة أكله بالمسلم أكلة ..؟ أقول: مثاله الذي يتجسس على عورات المسلمين، ثم يكتب حصيلة تجسسه في تقارير ليرفعها إلى الطاغوت وجنده .. فيُعطَى على ذلك مالاً مقابل كل تقرير يكتبه .. فيأكل به، ويشتري به .. الطعام .. واللباس!

[656] أخرجه البخاري في الأدب المفرد، وأحمد، وغيرهما، السلسلة الصحيحة: 612.

[657] قلت هذا فيمن يحمله الفضول على حب الاطلاع على عورات المسلمين في بيوتهم بغير إذنهم، فكيف بمن يقتحم البيوت من كلاب الظلام، كلاب الطواغيت الظالمين ليروع الآمنين وينتهك حرماتهم وأعراضهم وهم في بيوتهم .. لا شك أن هذا يكون دفعه ورده وجهاده من باب أولى، والله تعالى أعلم.

[658] رواه البخاري، والنسائي، صحيح سنن النسائي: 3172. قلت: في الحديث مَثلان عظيمان: مَثَلٌ أعلى في الأخوة والإيثار، ومَثلٌ أعلى في العِفَّةِ، والتَّعفُّفِ عمَّا في أيدي الناس .. إنَّهم تلاميذ محمد r .. أنْعِم بهم وأكْرِم من تلاميذ!

[659] كل ما قيل في حق المسلم على أخيه المسلم، يُقال في المجاهد، ويُصرف للمجاهد، وللمجاهد مثله؛ لكن لما كان للمجاهد مزية فضل على من سواه من المسلمين ممن لا يُجاهدون، فإن له حقاً زائداً، وحقَّه يتغلَّظ ويتضاعف عمن سواه من غير المجاهدين .. لذا تعين إفراد الحديث عن حقه بشكلٍ مستقل.

[660] قبل أن نتكلم عن فضل المجاهد وحقه .. ينبغي أن يُعرف مَن مِن المجاهدين الذي يستحق هذا الفضل، وهذا الحق، وعلى من تُحمل النصوص التالية التي سنأتي على ذكرها ـ إن شاء الله ـ أعلاه .. إذ لقب ومصطلح المجاهد يُطلق ويُصرف في زماننا ـ في كثير من الأحيان ـ على من يُجاهد في سبيل الشيطان والطاغوت .. ثم يحسب المجاهد في سبيل الطاغوت أنه ممن يُحسنون صنعاً .. وأنه من المجاهدين .. وأن النصوص التي قيلت في فضل الجهاد والمجاهد تُحمل عليه!

    وعليه فأقول: المجاهد المحمود المشكور هو المجاهد الذي يُجاهد في سبيل الله؛ والمجاهد في سبيل الله هو الذي يُجاهد لكي تكون كلمة الله هي العليا، ولكي يكون جهاد المجاهد حتى تكون كلمة الله هي العليا، وحكم الله تعالى هو الأعلى والمُطبَّق،  يجب أن يتصف جهاده بصفتين أو شرطين: أحدهما أن يكون في جهاده خالصاً لوجه الله تعالى، طالباً لمرضاته وثوابه، مطيعاً لأمره، لا يبغي من جهاده سمعة ولا رياء، ولم يكن الباعث لجهاده الحمية أو العصبية لباطل، فالإخلاص شرط لقبول أي عمل تعبدي بما في ذلك الجهاد في سبيل الله.

    ثانياً؛ أن يكون الأمر الذي يُجاهد دونه مشروعاً قد أذن الله به وشرعه وحكم به لعباده، كالقتال دون أو دفاعاً عن الدين، أو دون العِرض، أو المال، أو الأرض ودولة الإسلام، أو الأنفس المؤمنة المستضعفة المضطهدة، أو أي قضية فيها رد عدوان وظلم وانتصاف لمظلوم .. لا يتحقق إلا بنوع جهاد وقتال .. فهذا كله مما أذن الله في القتال دونه والدفاع عنه .. وهو ـ مع شرط الإخلاص ـ يستحق صفة وحكم الجهاد في سبيل الله.

    قال تعالى: )أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ(الحج:39. فهذا قتال في سبيل الله لدفع الظلم. وقال تعالى: )وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ(الشورى:39. أي ينتصرون لحقوقهم ومظالمهم، وهو ـ مع توفر الإخلاص ـ من الجهاد في سبيل الله. وقال تعالى: )وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً( النساء:75. فهذا قتال في سبيل الله، الغرض منه إنقاذ المستضعفين من الرجال والنساء والولدان من ظلم وعدوان الكافرين. وقال تعالى:) فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ(الحجرات:9. فهذا قتال في سبيل الله، الغرض منه رد الباغي عن بغيه وعدوانه، وإنصاف الطائفة المُعتدى عليها.

فالقصد واحد ـ وهو مرضاة الله تعالى، وطلب ما عنده من أجر وثواب ـ  والأغراض متعددة ومتنوعة؛ لكن شرطها أن تكون مشروعة قد أذن الله تعالى بها، وهي من كلماته وحكمه؛ إذ لا يجوز الجهاد في أمر لا يجوز الجهاد دونه؛ كالجهاد من أجل إحقاق باطل، أو إبطال حق، أو الانتصار لظالم على مظلوم، ولو كان الظالم من ذوي القربى!

    وفي الحديث فقد صح عن النبي r أنه قال: "مَن قُتِلَ دون ماله فهو شهيد، ومَن قُتِلَ دون دمِه فهو شهيد، ومن قُتل دون دينه فهو شهيد، ومن قُتل دون أهله فهو شهيد "[ أخرجه أحمد وغيره، صحيح الجامع:6445 ]. وقال r: "مَن قُتل دون مَظلمته فهو شهيد "[ أخرجه النسائي وغيره، صحيح الجامع: 6447 ]. وقوله " دون"؛ أي دفاعاً عن مظلمته أو دينه أو ماله أو أهله ... وهو التعبير الشرعي الصحيح؛ فيقال: نقاتل في سبيل الله دفاعاً عن الأرض، والعِرض، والأهل، والمال، والمظالم ... الخ، لأنها من كلماته وحكمه، ومما أذن في الدفاع عنه. ولا يُقال: نُقاتل في سبيل الأرض، أو العِرض، أو الأهل، أو المال .. فهذا تعبير شركي خاطئ .. وهو الذي يقع فيه عامة الناس، وكثير من خواصهم .. لذا لزم التنبيه، وهذا المعنى لنا معه عودة ـ بإذن الله ـ بشيء من التفصيل عند الحديث عن مفهوم ومصطلح " الجهاد " في كتابنا " مصطلحات ومفاهيم شرعية، علاها غبار تأويلات وتحريفات المُبطلين"، فراجعه هناك إن شئت.

[661] يُقاتل للمغنَم؛ أي من أجلِ تحصيل الغنائم. ويُقاتل ليُذكَر؛ أي ليُذكر بالشجاعة والبطولة بين الناس. ويُقاتل ليُرَى مكانُه؛ أي لكي تكون له مكانة ومرتبة خاصة بين الناس، فيتخير بجهاده المجالس. ويُقاتل حميَّة؛ أي عصبية وولاء لقوم أو قبيلة أو عشيرة أو عائلة، وفي الحقِّ والباطل سواء .. وهذا كله مما يؤثر على الإخلاص، والأجر، وربما يُبطل جهاد المجاهد وأجره كلياً.

    وكلمة الله؛ هي حكمه وأمره وشرعه .. فكل ما أمر به وشرَعَه لعباده .. وأذن بالقتال من أجله؛ كالذود عن الحرمات، والحقوق، والمستضعفين .. ورد عدوان المعتدين .. وإنصاف المظلوم من الظالم .. وكذلك القتال دون أوطان المسلمين ودفع العدو الصائل عنها .. فالقتال دون هذه المعاني كلها .. هو من القتال لكي تكون كلمة الله هي العليا.

[662] صحيح سنن النسائي: 2943. وقوله " يَلتمسُ الأجرَ والذِّكر"؛ أي خلَط الإخلاص؛ وهو طلب الأجر والثواب من الله تعالى، مع نية أخرى فيها رياء؛ وهو طلب الثناء والمديح على جهاده من الناس فهذا أيضاً مما يُفسد العمل؛ لأن الله تعالى لا يقبل إلا ما كان خالصاً لوجهه الكريم.

[663] لأن تحصيل الغنائم يُؤثر سلباً على قوة ودرجة الإخلاص، واحتساب الأجر عند الله تعالى، لذا يُحرم الغانِم من الجهاد ثلثي الأجر يوم الآخرة .. وإنه لقدر كبير!

[664] صحيح سنن النسائي: 2941. والعِقال؛ الحبل الذي يُعقَل به البعير ونحوه من الدواب.

[665] قولُه " والله أعلمُ بمن يُجاهِدُ في سبيله"؛ لأن جانباً من الجهاد ـ كما تقدم ـ متعلق بالقلب والإخلاص والنية .. وهو الجانب الأهم من عملية الجهاد .. وهو لا يعلمه إلا الله .. فالجهاد له ظاهر وباطن؛ الظاهر يجب أن يكون موافقاً للشريعة وأحكامها. أما الباطن فيجب أن يكون موافقاً ومحققاً للإخلاص، وصدق النية .. وهذا لا يعلمه إلا الله تعالى. وقوله " يُكلَمُ"؛ أي يُجرَح.  

[666] رواه العقيلي في الضعفاء، والخطيب في التاريخ، السلسلة الصحيحة: 1901. أفضل من عبادة ستين سنة لا جهاد فيها.

[667] رواه الحاكم، وقال: صحيح على شرط البخاري، صحيح الترغيب: 1303.

[668] رواه ابن حبان، والحافظ ابن عساكر في " أربعين الجهاد"، السلسلة الصحيحة: 1068.  

[669] أخرجه مالك في الموطأ، وغيره، السلسلة الصحيحة: 2896.

[670] أخرجه الحاكم، وغيره، السلسلة الصحيحة: 2811. وحارسُ الحرَس؛ هو الذي يحرس مَن وراءه من الجند والحرس، وفي الخطوط الأمامية المتاخمة لمواقع العدو .. وهذا لا شك أنه موقف أكثر خطورة وخوفاً .. يستدعي مزيداً من اليقظة والترقب .. أكثر ممن يحرس في الخطوط الخلفية البعيدة عن مواقع العدو .. كما دل على ذلك لفظ الحديث " في أرض خوف"؛ وهذا لا يكون إلا في الخطوط الأمامية المتاخمة لمواقع العدو .. لذا فهو استحق هذا الأجر العظيم، فهنيئاً له. 

[671] قال الترمذي في الترغيب والترهيب 2/202: رواه الطبراني في الأوسط، بإسنادٍ جيد. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 5/289: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات. وكون له أجر من خلفه ممن صلى وصام؛ لأنه سبب فيما ينعمون به من أمنٍ وأمانٍ، يمكنهم من فعل الطاعات؛ لذا فهو شريك لهم في أجر وثواب ما يقومون به من طاعات.

[672] رواه ابن ماجه، صحيح الترغيب والترهيب: 1224.

[673] رواه الحاكم في المستدرك 2/81، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.

[674] أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، السلسلة الصحيحة: 3333.

[675] رواه النسائي، وابن حبان، صحيح الترغيب والترهيب: 1287.

[676] رواه أحمد، صحيح الترغيب والترهيب: 1321. قوله " لو طُوِِّقْتيِهِ"؛ أي لو كان لك القدرة والطاقة على فعل ذلك. والعُشر؛ الواحد من عشرة.

[677] صحيح سنن النسائي: 2930.

[678] رواه أحمد والبزَّار والطبراني، صحيح الترغيب والترهيب: 1322. وقوله " حتى يرجع"؛ أي حتى يرجع من جهاده وغزوه إلى منزله ومسكنه مقر إقامته، مهما تأخر رجوعه.

[679] صحيح سنن النسائي: 2409.

[680] أخرجه الطبراني في الأوسط، السلسلة الصحيحة: 2558. وقوله " يتلبَّطون في الغُرف"؛ أي يتقلَّبون ويتمرغون في نعيم الجنان.

[681] أخرجه أحمد، السلسلة الصحيحة: 552.

[682] صحيح سنن ابن ماجه: 2257. والفزع الأكبر؛ يوم بعث الناس من القبور للحساب. وقيل: يوم يُعرض الناس على النار، ويُذبح الموت وينادى يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت.

[683] صحيح سنن ابن ماجه: 2229. وقوله " من غير أن ينقصَ من أجرِ الغازي شيئاً"؛ أي له أجر الغازي كاملاً، من دون أن ينقص من أجر الغازي شيئاً.

[684] أخرجه الطبراني، السلسلة الصحيحة: 2690.

[685] رواه أبو داود، والطحاوي في المُشكل، وأحمد، السلسلة الصحيحة: 2153. والجاعل؛ هو الذي يجهز الغازي للغزو والجهاد. فهذا له أجر صدقته ونفقته، ومعه إضافة إلى أجره أجر الغازي ذاته. وبالتالي لا ينبغي لذوي السعة والغنى أن يمسكوا أموالهم عن المجاهدين، أو أن يستخفوا بدور وأجر الإنفاق في سبيل الله!

[686] أخرجه أبو داود وغيره، السلسلة الصحيحة: 2561. أفاد الحديث أن المسلم ليس له إلا خيار من ثلاث: إما أن يغزو بنفسه، وإما أن يُجهز غازياً، وإما أن يخلف غازياً في أهله بالخير .. فإن لم يفعل شيئاً من ذلك، فلينتظر حينئذٍ قارعةً تنزل بساحته ـ قبل موته ـ الله تعالى أعلم بحجمها وأثرها ونوعها .. ولا يَلومَنَّ حينئذٍ إلا نفسه. 

[687] أخرجه الحاكم في المستدرك 2/89، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي. وقوله " حتى يستقِلَّ بجهازِه"؛ أي حتى يستغني فيقدر على أن يجهِّز نفسه بنفسه.

[688] صحيح سنن ابن ماجه: 2267.

[689] قوله " فيأخُذُ من عمَلِهِ ما شاء"؛ أي من حسناته؛ فالحقوق تؤدَّى يوم القيامة حسنات وسيئات؛ فالمظلوم ينتصف لمظلمته من ظالمه فيأخذ من حسناته على قدر مظلمته وما يستحق، فإن نفدت حسناته أخذ الظالم من سيئات المظلوم لتُضاف إلى سيئاته، فيهلك!

    قلت: قد بلغ ظلم الطواغيت وجندهم ـ الذين ابتليت بهم الأمة ـ مبلغاً أنهم يؤذون المجاهدين في نسائهم وأبنائهم، ولقمة عيشهم، ويمنعون أيادي الخير والإحسان من أن تصل إليهم بشيء .. ومن يُحاول من المحسنين أن يخترق حصارهم وأسوار ظلمهم .. سرعان ما يجرِّمونه، ويُعاقبونه، ويرمونه بالموبقات .. وأنه يدعم عائلات الإرهابيين زعموا .. وهؤلاء لا تسأل عن درجة هلكتهم، وما لهم من عقاب أليم يوم القيامة!

[690] صحيح سنن أبي داود: 2180.

[691] صحيح سنن النسائي: 2989-2990.

[692] القريب الملاصق ونحوه. 

[693] البعيد نسبياً؛ وقيل حدوده أربعون بيتاً من الجهات الأربع، والله تعالى أعلم. 

[694] أي يجعله من جملة الورثة لعظم حقه على جاره، والحديث: متفق عليه.

[695] رواه الترمذي، وأبو داود، صحيح سنن أبي داود: 4291. هذا الحديث وغيره من الأحاديث والنصوص التي تتضمن الإحسان على غير المسلمين والرفق بهم، ينبغي أن تُحمل على ساحات العهد والأمان والذمة .. إذ لهذه الساحات أحكامها، ولساحات الحرب والقتال أحكامها الأخرى والمختلفة، ولكل ساحة من هاتين الساحتين النصوص الشرعية والأحكام المتعلقة والخاصة بها، لا يجوز الخلط بينهما، ولا حمل إحداها على الأخرى. 

[696] رواه الطبراني، صحيح الترغيب: 2573.

[697] رواه أحمد، والترمذي، وابن حبان، صحيح الجامع: 100. وقوله " فإنَّ كثرة الضحك تُميتُ القلبَ"؛ فيه دلالة على علاقة الظاهر بالباطن، وتأثر كل منهما بالآخر!

[698] رواه أحمد، والترمذي، والحاكم ، صحيح الجامع: 4557.

[699] رواه الترمذي، صحيح الجامع: 7634. وقوله " لا يحقرنَّ أحدُكُم شيئاً من المعروف"؛ أي مهما كان المعروف ضئيلاً فلا تزهدن به، ولا تستقله، ومهما كان ضئيلاً فلا تتردد من تقديمه لجارك، أو لمن يستحقه من الفقراء.

[700] صحيح الأدب المفرد: 83.

[701] رواه الترمذي، والدارمي، وصححه الشيخ ناصر: مشكاة المصابيح: 4987.

[702] رواه البيهقي في شعب الإيمان، وحسنه الشيخ ناصر في المشكاة.

[703] هو عظم قليل اللحم، والذي للشاة هو الظلف، "النهاية".

[704] أي ليس من صفات المؤمن، الكامل الإيمان. ولا يستفاد من الحديث انتفاء مطلق الإيمان. 

[705] رواه الطبراني، والحاكم، والبيهقي، صحيح الجامع: 5382.

[706] رواه البزار، والطبراني، صحيح الجامع: 5505. مما يُستفاد من الحديث ضرورة أن يتحرى الجار أخبار وأحوال جاره؛ إن كان من ذوي الحاجة أو لا؛ إذ ليس من وفاء وإخلاص الجار لجاره أن ينتظر الجارُ جارَه ليُخبره عن حاجته.

[707] صحيح الأدب المفرد: 81.

[708] أخرجه أحمد، السلسلة الصحيحة: 519.

[709] رواه البخاري، وأبو داود. أقول: من فساد هذا الزمان أن الجار لا يعرف شيئاً عن جاره، وإذا نزل بالجار بلاء أو أمر يستلزم الغوث والمعونة، آخر من يعرف عنه جاره، بل آخر من يغيثه جاره .. والأعجب من ذلك أنهم يسمون ذلك تحضراً ورقياً، تأثراً بعادات النصارى في الغرب .. الذي لا يعرف أحدهم عن جاره شيئاً!

   والحديث فيه: أن الجار كلما اقترب بابه منك كلما كان حقه عليك أوكد وأغلظ.  

[710] صحيح الأدب المفرد: 80.

[711] صحيح الأدب المفرد: 95. من هذا الحديث وغيره ندرك أن الجار إذا أطلق لفظه في النصوص الشرعية يُراد به مطلق الجار؛ الجار المسلم والكافر سواء، ما لم يرد نص على تخصيص أحدهما دون الآخر.

[712] رواه ابن ماجه، وصححه الشيخ ناصر في المشكاة: 4988.

[713] فلينظر كل امرئ لنفسه أين هو من جيرانه، وما رأيهم فيه؛ فإن شهادتهم معتبرة عند الله U .. وهي من جملة القرائن التي تُعتبر بشرى خير أو سوء لصاحبها يوم القيامة. 

[714] رواه أحمد، وابن حبان، والحاكم، والطبراني، صحيح الجامع: 277.

[715] أي لو أراد البيع.

[716] رواه الترمذي، وأبو داود، صحيح سنن أبي داود: 3003.

[717] السقب: القرب والمجاورة؛ والمراد أنه أحق من غيره بما عند جاره مما يريد بيعه.

[718] رواه البخاري، وأبو داود، صحيح سنن أبي داود: 3002.

[719]  أي ما زاد عن حاجته مما يريد بيعه.

[720] رواه ابن ماجه، وأبو داود، صحيح سنن أبي داود: 3004.

[721] القائل هو أبو هريرة. وقوله " فنكَّسوا"؛ أي نكَّسوا رؤوسهم!

[722] أخرجه ابن ماجه وغيره، السلسلة الصحيحة: 2947.

[723]  أي شره وأذاه. والحديث : رواه مسلم.

[724] أخرجه أحمد وغيره، السلسلة الصحيحة: 2841. والحديث فيه دلالة على القاعدة السُّنية الدالة على علاقة الظاهر بالباطن وتأثر كل منهما بالآخر ضعفاً وقوة. 

[725]  أي شره.

[726] رواه الحاكم، السلسلة الصحيحة: 2181.

[727] رواه الطيبراني، صحيح الجامع: 5380.

[728] رواه أحمد، والبخاري، صحيح الجامع: 7102.

[729] رواه أحمد، والطبراني، صحيح الجامع: 8043. مما يُستفاد من الحديث أن حرمة الجار مغلظة أكثر من حرمة غيره لكونه جاراً، ووزر الإساءة إليه أضعاف أضعاف وزر الإساءة إلى ما سواه ممن لا يشتركون معه بصفة الجوار.

[730] رواه الخلعي في الفوائد، وغيره،  السلسلة الصحيحة: 2998.

[731] هو لبن مجفف يابس مستحجر يطبخ به، "النهاية". وهو ما يسميه أهل الأردن "بالجميد".

[732] رواه أحمد، والبيهقي، في شعب الإيمان، المشكاة: 4992.

[733] يلعنون جاره الذي اضطره إلى طرح متاعه في الطريق.

[734] وذلك من شدة ما سمع من كلام الناس فيه.

[735] صحيح سنن أبي داود: 4292.

[736] أخرجه أحمد وغيره، صحيح الترغيب: 2557.

[737] صحيح الأدب المفرد: 94.

[738] أخرجه أحمد والطبراني، صحيح الترغيب: 2569.

[739] صحيح الأدب المفرد: 87.

[740] رواه الحاكم، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في شعب الإيمان، صحيح الجامع: 887.

[741] صحيح الأدب المفرد: 86. جار السوء في دار المُقام؛ كأن يبتلى المرء يوم الحشر، أو في جهنَّم، بطاغوت ظالم بجواره فيُعذَّب بعذابه، ولا يملك القدرة على التحول أو الابتعاد عن مجاورته!

 

[742] أي صريحاً واضحاً غير متشابه لا يحتمل صرفاً ولا تأويلاً، وقد نص عليه القرآن أو السنة أنه كفر يُخرج صاحبه من الملة.

[743] أي من كان من ملتكم، ويدين بدينكم، ويعتقد عقيدتكم، أما من كان غير ذلك فلا طاعة له، كما جاء ذلك صريحاً في الآيات التي بعدها. وقوله:)وَأُولِي الْأَمْرِ(؛ هم العلماء والأمراء.

[744] أي سلطاناً وسيادة تمكنهم من إذلال المسلمين واستئصالهم، ومفهوم الآية أنه لا يجوز للمؤمنين، أن يعترفوا طواعية للكافر بالسيادة والرياسة عليهم، وفي الحديث فقد صح عن النبي r: "لا تقولوا للمنافق سيدنا فإنه إن يكُ سيدكم فقد أسخطتم ربكم عز وجل "[ السلسلة الصحيحة:371 ]. هذا إذا كان منافقاً؛ فكيف إذا كان كافراً مظهراً لكفره، وكان هذا الكافر حاكماً على الإسلام والمسلمين .. لا شكَّ أنه أولى وأدعى لسخط الرب U. 

   قال ابن كثير في التفسير: "وقد استدل كثير من العلماء بهذا الآية الكريمة على أصح قولي العلماء، وهو المنع من بيع العبد المسلم للكافر، لما في صحة ابتياعه من التسليط له عليه والإذلال "ا- هـ.  

  فإن قيل: كيف يوفق بين النص، وبين واقع المسلمين في هذا الزمان، الدال على أن للكافرين على المؤمنين سبيلاً؟

   أقول: لا يوجد تعارض ولله الحمد؛ إنما تحقيق وعد الله تعالى بأن لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلاً، مشروط بشروط وضحتها وبينتها نصوص أخرى؛ وهي أن ينصروا دين الله، ويعتصموا بحبل الله جميعاً، ويجاهدوا في سبيل الله، وأن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً. فإن توفرت فيهم هذه الشروط وحققوها في أنفسهم وواقعهم، تحقق وعد الله لهم، وجاءهم النصر. كما قال تعالى: )إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ(محمد:7. مفهوم الآية إن لم تنصروا الله ، لا ينصركم الله ولا يثبت أقدامكم. ونحو ذلك قوله تعالى: )وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ(  الحج:40. وقوله تعالى: )وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً(  النور:55.

   وفي الحديث فقد صح عن النبي r أنه قال: "إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم".

   ويُقال كذلك: إن حصل نوع ظفر للكافرين على المؤمنين فإن العاقبة للمتقين ولو بعد حين، كما في قوله تعالى: ) فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (هود:49. 

[745] وذلك بطاعتهم في تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله؛ فالمطيع لهم بهذا الوصف مشرك عابد لغير الله، والمطاع الراضي فقد جعل من نفسه نداً للخالق I في الألوهية والربوبية.

[746] أي مقطوع الأطراف.

[747] أي السامع المطيع في المعروف قد أُعذر وقام بالواجب، فلا إثم عليه. أما السامع العاصي فلا عذر له يعتذر به يوم القيامة، يبرر ذنبه وعصيانه، والحجة قائمة عليه. والحديث رواه أحمد، وابن أبي عاصم في

السنة، وصححه الشيخ ناصر في التخريج: 1056. 

[748] أي مات ميتة شبيهة بميتة الجاهلية، حيث أنهم كانوا يموتون وليس عليهم إمام مطاع .. وليس المراد أنه يموت كافراً كما يظن البعض!

[749] هو الأمر العمي الذي لا يتبين وجهته؛ وهو كل راية غير الإسلام كالراية القبلية، أو القومية، أو الوطنية، والإنسانية وغيرها من الرايات والروابط المرفوعة في هذا الزمن التي يُقاتل في سبيلها، والتي تُغيِّب عقيدة الولاء والبراء في الله .. وعقيدة في سبيل الله!

[750] أي قتلته شبيهة بقتلة الجاهليين، الذين يقاتلون ويُقتلون لعصبية وليس ولاء لله، وفي سبيل الله.

[751] أي لا يفرق في بطشه بين الصالح والطالح؛ كما هو حال سلاطين الجور والطغيان في هذا الزمان .. بل سلاطين وطواغيت هذا الزمان قد فاقوا هذا الوصف؛ حيث يسلم من بطشهم الطالحون المفسدون .. ويقتصر بطشهم وظلمهم واضطهادهم على الصالحين المؤمنين، ولا حول ولا قوة إلا بالله!

[752] أي لا يتورع من أن ينزل ظلمه وجوره بالمؤمنين من أبناء الأمة.

[753] رواه أحمد، وابن ماجه، وابن حبان، السلسلة الصحيحة: 2324.

[754] صححه الشيخ ناصر في المشكاة: 3696.

[755] السلسلة الصحيحة: 752.

[756] اعلم أن جميع النصوص ذات العلاقة بطاعة الحاكم، والذود عنه؛ إنما يُراد منها طاعة الحاكم المسلم العدل ـ وفي المعروف ـ الذي يحكم البلاد والعباد ـ وعلى جميع المستويات والسياسات الداخلية والخارجية ـ بالإسلام، ويسوس الدنيا بدين الله تعالى .. أي لا ينبغي لك أيها القارئ أن تحمل هذه النصوص على طواغيت الحكم والكفر والفجور والظلم الذين لا يحكمون بما أنزل الله .. وجعلوا من أنفسهم أنداداً لله U .. ودخلوا في موالاة أعداء الأمة على الأمة ودينها .. ولا يعرفون من شؤون الحكم سوى سلامة عروشهم .. وكيف ينهبون شعوبهم ويُشبعون شهواتهم ونزواتهم الخاصة!

[757] أي يُنازعه ـ من غير مبررٍ شرعي يستدعي المنازعة ـ على الحكم والإمارة والخلافة.

[758] أي ستكون شرور وفساد .. وشدائد وأمور عظيمة. النهاية.

[759] أي مجتمعة على رجلٍ واحد.

[760] وذلك إن لم يتوقف عن قتاله وفتنته إلا بالقتال والقتل .. ولأن في قتله أهون الشرين.

[761] أي من غدر بأمير عامة، وهو الخليفة الحاكم العام للمسلمين. .. وغدره له يكون بالخروج عن الطاعة .. ونقض البيعة بغير موجب شرعي يستدعي ذلك.

[762] المراد بالصبر؛ الصبر الإيجابي وهو عدم الخروج عن الطاعة في المعروف، وهذا لا يتعارض مع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يجب أن تقوم به الرعية وبخاصة العلماء منهم نحو السلطان أو الحاكم المسلم الذي تبدر منه بعض المظالم والمخالفات.

[763] أراد أنه يستأثر عليكم، فيفضل غيركم في نصيبه من الفيء."النهاية".

[764] أموراً تخالف ما تعرفونه من دينكم.

[765] أي لا تقابلوا ظلمهم بظلم، ولا السيئة بالسيئة؛ فإن ظلموكم في حقوقكم عليهم فلا تظلموهم في حقوقهم عليكم .. وهذا لا يعني مطلقاً عدم إنكار المنكر والظلم.

[766] رواه البخاري. قال ابن حجر في "الفتح": وفي هذا الحديث وجوب طاعة الإمام الذي انعقدت له البيعة، والمنع من الخروج عليه ولو جارَ في حكمه، وأنه لا ينخلع بالفسق ا- هـ.

[767] أي فاسمع وأطع السمع والطاعة اللتين تمنعانك من الخروج عن الطاعة العامة .. ومفارقة الجماعة .. ولكن لا تمنعانك من السعي لدفع الظلم عنك .. أو لتحصيل حقوقك .. هذا الفهم للنص هو ما يقتضيه النظر إلى مجموع النصوص ذات العلاقة بالموضوع.

[768]  لما رأى من إعراض النبي r؛ خشية أن يكون في السؤال ما يكرهه النبي r.

[769] أي من واجبات ومسؤوليات ومهام .. وكل منكما ـ الراعي والرعية ـ سيسأل يوم القيامة عما استرعاه الله واستأمنه عليه ..  هل أدى الأمانة وما يجب عليه على الوجه المطلوب شرعاً أم لا؟

[770] المراد بالمعصية هنا؛ المعصية التي هي دون الكفر البواح.

[771] أي على فساد واختلاف، تشبيهاً بدخان الحطب الرَّطْب لما بينهم من الفساد الباطن تحت الصلاح الظاهر، وجاء تفسيره في الحديث أنه لا ترجعُ قلوب قومٍ على ما كانت عليه؛ أي لا يصفو بعضها لبعض ولا يَنصَعُ حبها . " النهاية".

[772] أي الزم طاعته الطاعة العامة، وفي المعروف، وفيما قد أصاب فيه .. بحيث لا تخرج من مطلق الطاعة العامة .. وإن نهك جسمك ضرباً وأخذ مالك ظلماً لرجحان المصلحة في ذلك .. لكن هذا لا يمنعك شرعاً من أن تسعى في رفع الظلم عنك وفي تحصيل حقوقك بالوسائل التي لا تؤدي بك إلى الخروج عن الجماعة وعن مطلق الطاعة .. فهي طاعة إيجابية مرشَّدة .. وكذلك هي معارضة إيجابية عزيزة واعية.

[773] أي لأن تهرب في الأرض، وتموت غريباً وأنت عاضٌّ بجذل شجرة خير لك من أن تكثر سواد الفرق والجماعات الضالة المبتدعة وما أكثرها في زماننا .. وهذا الهروب والاعتزال ـ هو الخيار الأخير ـ ينبغي أن يُحمل في حال انعدمت جميع السبل التي تمكن من الإصلاح واستئناف حياة إسلامية .. أو حال حصول عجز المرء عن القيام بواجب الإصلاح وواجب الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. أو أن يُكثر سواد الطائفة المنصورة المجاهدة الظاهرة بالحق .. هذا ما يقتضيه مبدأ العمل بمجموع النصوص ذات العلاقة بالموضوع والتوفيق فيما بينها.

[774] رواه أبو دود، وأحمد، السلسلة الصحيحة: 791.

[775] أي كما تُطيعه وأنت في نشاطك وقوتك، وعلو همتك، تُطيعه كذلك وأنت في فتورك وكسلك، وخمولك وميلك للدعة والاسترخاء والسكون .. وقوله: "وأثرة عليك"؛ أي في حال حرمك ما تستحق من العطايا والمنح، وخص بذلك غيرك ممن لا يستحقون ذلك.

[776] رواه أحمد، وابن حبان، وابن أبي عاصم في السنة، وصححه الشيخ ناصر في التخريج: 1026.

[777] أي يتوجه نحو الشام؛ الأرض المقدسة المباركة، وذلك لكثرة ما أثنى النبي r على الشام وأهله، وشجع الهجرة إليها، والشام تشمل كل من سورية وفلسطين والأردن، ولبنان.

[778] رواه أحمد، وابن حبان، وابن أبي عاصم في السنة، وصححه الشيخ ناصر في التخريج: 1074.

[779] قلت: هذا الصبر المشار إليه في الأحاديث أعلاه لا يتعارض ولا يمنع من القيام بواجب نصح السلاطين، وبالصدع بالحق عند الظالمين منهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر .. فهذا شيء وهو أمر محمود شرعاً .. والخروج عن الجماعة والطاعة العامة شيء آخر وهو أمر مذموم ومنهي عنه .. كما بيناه وسنبينه لاحقاً إن شاء الله.

[780] الذي يستلزم الخروج على الحاكم الكافر دون الحاكم المسلم الظالم الفاسق؛ أن الخروج على الحاكم المسلم الفاسق أشد فتنة وضرراً على الأمة من فتنة بقائه حاكماً وهو لا يزال على فسقه وظلمه، إلا إذا قَدِرت الأمة على إقالته بأساليب أقل فتنة وضرر على الأمة .. بينما الخروج على الحاكم الكافر المرتد مهما ترتب عليه من ضرر وقتل وقتال فهو أقل ضرر وخسارة من فتنة الرضى بالكافر حاكماً على الأمة .. كما قال تعالى: )وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ( البقرة:191. وقال:) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ( لأنفال: 39. هذا إذا علمنا أن الحاكم إذا ارتد لا يهنأ له بال إلا بعد أن يأطر من يحكمهم إلى ساحته؛ ساحة الكفر والردة، والطغيان والفجور .. ليشاركوه فيما هو فيه .. ويُوافقوه على ما هو عليه .. وليسهل عليه قيادتهم وحكمهم .. وما أكثر الشواهد الدالة على ذلك من واقعنا المعاصر!

[781] أي لا يقتضي الخروج عليه إلا في حالة تلبسه بالكفر البواح الذي عندكم من كتاب الله فيه دليل وبرهان .. وطواغيت العصر لا ينقمون من التكفير والتكفيريين ـ كما يسمونهم! ـ سوى خشية أن تعمل الأمة بمقتضيات هذا الحديث المتفق عليه، والمجمع على وجوب العمل بمقتضاه.

[782] أي أن الذنب والوزر يكون على من يرضى بحالهم، ويتابعهم على باطلهم وظلمهم. وهذا دليل على أن عدم الخروج على الحاكم المسلم الفاسق لا يستلزم الرضى بحاله ومتابعته على باطله وظلمه، فالخروج عن الطاعة العامة ووبالسيف شئ، وعدم المتابعة في الباطل شيء آخر.

[783] أي مهما اشتد فسقهم ـ مالم يأتوا بالكفر البواح ـ فإن قيامهم بالصلاة، وأمرهم بها لمن تحتهم من الرعايا، يعتبر مانعاً يمنع من الخروج عليهم بالسيف. والحديث فيه أن الحاكم الذي يترك الصلاة ويترك الأمر بها كافر مرتد يجب الخروج عليه كما يجب الخروج عليه لو ظهر منه الكفر البواح من غير جهة ترك الصلاة، والله تعالى أعلم.

[784] أي تترحمون عليهم وتدعون لهم.

[785] دل الحديث على أن عدم الخروج عليهم بالسيف، وعدم نزع اليد من مطلق الطاعة .. لا يمنع من لعنهم وبغضهم إذا وجد فيهم شرعاً ما يستدعي لعنهم وبغضهم.

[786] رواه أحمد، وابن أبي عاصم في السنة، وصححه ناصر في التخريج: 1077. وقوله: "ما أقاموا الصلاة"؛ أي ما أقاموا في أنفسهم وفيكم الصلاة .. وما لم يظهر منهم الكفر البواح من جهة أخرى غير جهة

ترك الصلاة .. هذا ما يقتضيه العمل بمجموع النصوص ذات العلاقة بالمسألة.

[787] النصيحة لولاة الأمر تكون بأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، ونصرتهم في الحق، ومنعهم عن الظلم، وإضمار الخير لهم .. وتوقيرهم من غير غلو ولا تملق .. وطاعتهم في المعروف .. وإعانتهم على ما فيه خيري الدنيا والآخرة .. وتعريفهم بموارد الهلكة والنجاة .. وعدم غشهم والكذب عليهم بتزيين الباطل أو تقبيح الحق والفضيلة في أعينهم .. كل هذه المعاني تدخل في معنى مناصحة ولاة الأمر.

[788] رواه ابن أبي عاصم في السنة، وصححه الشيخ ناصر في التخريج: 1085.

[789] رواه ابن أبي عاصم في السنة، وصححه الشيخ ناصر في التخريج: 1086.

[790] أي ذكَّره بما يجب عليه مما قد نسيه، فإن ذكرَ الوالي ما يجب عليه القيام به نحو رعيته وبلده .. أعانه هذا الوزير على ذلك؛ أي أن مهمة الوزير غير مقصورة على التذكير وحسب؛ بل على تذكير الوالي بالخير وعلى إعانته على فعله والقيام به أحسن قيام.

[791] صحيح سنن النسائي: 3920.

[792] الخبال هو الفساد؛ أي لا تُقصر ولا توفر جهداً في إفساده، وإفساد الحكم عليه .. وما أكثر هؤلاء في زماننا!

[793] رواه أحمد، والنسائي، السلسلة الصحيحة : 2270.

[794] صحيح سنن أبي داود: 2544.

[795] قلت: كما هو شأن الأنظمة السياسية الوضعية الحاكمة في زماننا فعلاقة المعارضة، والأحزاب، والهيئات، والجمعيات، والعشائر والقبائل مع هذه الأنظمة .. قائمة على مبدأ المساومة والابتزاز، كم يمنحهم النظام الحاكم .. من الحصص والخصائص، والوظائف، والعطايا .. يكون موقفهم من الحاكم ونظامه سخطاً ورضاً، ولاءً وجفاءً، قرباً وبعداً .. لكن هؤلاء ـ في ميزان النظام الإسلامي الرباني قد عدهم ـ من المنافقين؛ الذين لا يُكلمهم الله يومَ القيامةِ، ولا ينظرُ إليهم، ولا يُزكيهم، ولهم عذابٌ أليم.

[796] قلت: كما هو شأن كثير من شيوخ ودعاة هذا العصر؛ إذ تراهم يحرصون أشد الحرص على مخالطة الحكام والسلاطين بحجة أنهم يريدون أن ينصحوهم، ويأمروهم بالمعروف، وينهوهم عن المنكر .. فيدخلون عليهم فيزينون لهم باطلهم وظلمهم .. ويأمرونهم بالمنكر وينهونهم عن المعروف .. فيدخلون عليهم بدين، ويخرجون من عندهم بوجه أو دِينٍ آخر!

[797] أخرجه مسلم، والحاكم، وأحمد، صحيح الأدب المفرد: 258. قلت: الحديث ينبغي أن يُحمل على من يمتهن مدح السلاطين والحكام والأمراء، وذوي الجاه والشرف، فيقتات ويعتاش بمدحه لهم؛ لذا جاء لفظ الحديث بصيغة المبالغة " المدَّاحين"؛ أي كثيري المدح .. وما أكثر هذا الصنف من المداحين في زماننا .. وهذا يعني أنه لا يجوز أن يُحمل الحديث على من يثني على أخيه المسلم خيراً وبما يعلم فيه، فتنبه. 

[798] فهو أدعى للإخلاص، ولأن ينال النصحُ القبولَ عند الحاكم .. إلا إذا كان خطأ الحاكم عامَّاً يتعدى إلى من يحكمهم، وليس متعلقاً بشخصه وحسب .. يُجاهر به على الملأ .. ويدعو إليه .. ويُعاقب مخالفه .. فحينئذٍ لا بد من أن يأخذ النصح طريقه للعلن والماكشفة على الملأ .. إذ لا موضع للنصح سراً مع  مثل هذا الخطأ المعلَن، ومع هذا النوع من الحكام المخطئين .. خلاصة القول: إن كان خطأ الحاكم سرياً بينه وبين نفسه، ومقصوراً على شخصه .. ثم عُرف عنه بطريقة من الطرق .. وكان الاختلاء به ممكناً، فحينئذٍ يكون الأولى أن يُنصح سراً؛ لا تتعدى النصيحة إلاه والناصح، أما إن كان خطؤه معلَناً .. يجاهر به على الملأ، وكان عامَّاً يتعدى شخصه ليشمل عامة الناس ممن يحكمهم .. ويدعو إليه، ويُعاقب مخالفه .. فحينئذٍ لا بد من أن يكون الإنكار والنصح على الملأ .. تحذيراً لعامة الناس من مغبة متابعة الحاكم على خطئه أو طاعته فيما قد أخطأ فيه .. هذا ما يقتضيه العمل بمبدأ الأخذ بمجموع النصوص ذات العلاقة بالمسألة.

[799] لأنه أدعى للرياء، ولما في العلانية من تشهير وتنقيصٍ للحاكم، وهو في حينها على الغالب لا يقبل النصح، ولا ينصت إليه .. ثم هذا الخلق ـ المناصحة السرية ـ ينبغي مراعاته والعمل به مع من هم دون الحاكم أو السلطان .. فيكون مع الحاكم والسلطان المسلم من باب أولى.

[800] رواه أحمد، وابن أبي عاصم في السنة، وصححه الشيخ ناصر في التخريج: 1096.

[801] رواه احمد، وابن أبي عاصم في السنة، وصححه الشيخ ناصر في التخريج: 1098.  

[802] صحيح سنن أبي داود: 3650. قلت: وكلمة العدل أو الحق هذه قد تُقال للسلطان الجائر سراً أو علانية بحسب المصلحة الشرعية .. والتفصيل الآنف الذكر.

[803] صحيح سنن الترمذي: 1766.

[804] أخرجه الحاكم، السلسلة الصحيحة: 491.

[805] أخرجه أحمد وغيره، صحيح الجامع: 168.

[806] صحيح سنن أبي داود: 3646.

[807] صحيح موارد الظمآن: 1298. وقوله: "لا إيمانَ بعدَه"؛ لأنه ليس بعد إنكار القلب ومجاهدته للباطل والطغيان والظلم سوى الإقرار والرضى؛ والرضى بالكفر كفر ينفي مطلق الإيمان من القلب. 

[808] رواه ابن أبي عاصم في السنة، وصححه الشيخ ناصر في التخريج: 1015.

[809] رواه الترمذي، وابن أبي عاصم في السنة، وحسنه الشيخ ناصر في التخريج: 1018. قلت: هذا الحديث ومثيله من الأحاديث التي تدعو إلى توقير واحترام السلطان .. ينبغي أن تُحمل على السلطان المسلم العدل الذي يحكم البلاد والعباد بما أنزل الله .. الذي يتقي الله في رعيته، ويسهر على حراسة وحماية الحدود والحرمات .. والذي بذلك استحق أن يوصف بأنه سلطان الله في الأرض .. هذا ما يقتضيه معنى " سلطان الله"، وهذا ما يقتضيه مبدأ التوفيق بين مجموع النصوص ذات العلاقة بالمسألة.

[810] رواه الطبراني وغيره، صحيح الجامع الصغير: 5951.

[811] رواه أحمد، وابن أبي عاصم في السنة، وصححه الشيخ ناصر في التخريج: 1021. وقوله: "كان

ضامناً على الله"؛ أي أن الله تعالى قد ضمن وكفل له بأن يدخله الجنة .. ويجزيه عن فعله أحسن الجزاء .. وأي ضامنٍ وكفيل أوفى بعهده من الله تعالى ..؟! لا أحد .. لا أحد .. لا أحد!

[812] صحيح سنن أبي داود: 4053. وقوله: "وإكرامَ ذي السُّلطانِ المُقْسِط"؛ أي العادل الذي يحكم بالعدل .. مفهوم الحديث أن السلطان الظالم الذي يحكم بالبطش، والظلم والجور .. لا ينبغي إكرامه ولا توقيره .. هذا إذا كان السلطان الظالم مسلماً .. فكيف إذا ضمّ إلى ظلمه ظلمَ الكفر والردة؟!

[813] الخزيرة: لحم يقطع صغاراً ويصب عليه ماءٌ كثير، فإذا نضج ذر عليه الدقيق، فإن لم يكن فيها لحم فهي عصيدة "النهاية".

[814] رواه أحمد، وابن أبي الدنيا في الورع، السلسلة الصحيحة: 362. قلت: تأمل أهكذا هم طواغيت العرب الجاثمين على مقدرات وثروات البلاد والعباد .. والذين تُقدر ملكية وأموال الواحد منهم بما يوازي ميزانية دولة بكاملها وأكثر، ينفقها على أهوائه وشهواته، وتثبيت ملكه وعرشه!

[815] من الغلول؛ أي معتدٍ وسارق.

[816] رواه أبو داود، وصححه الشيخ ناصر في المشاكاة: 3751.

[817] أي يتصرفون في الأموال العامة.

[818] هؤلاء أمراء مسلمون، إلا إنهم يتصفون بهاتين الصفتين: تأخير الصلاة عن مواقيتها وتقريبهم لشرار الناس؛ كمستشارين ووزراء لهم يولونهم شؤون البلاد والعباد .. ومع ذلك أمر الشارع باعتزال وظائفهم والعمل عندهم، لما في ذلك من تقوية لهم على باطلهم وفسقهم وظلمهم للعباد .. وإذا كان هذا هو الواجب مع هؤلاء الأمراء، فيكون من الأوجب والأوكد مفاصلة واعتزال العمل عند حكام كفرة مرتدين كفرهم بواح بدين الله U .. ولا تعارض هنا بين الأحاديث التي تأمر بالسمع والطاعة للأمير، وبين الأحاديث التي تأمر بالمفاصلة والاعتزال، وبيان ذلك أن الأحاديث التي تأمر بالطاعة للأمير المسلم مشروطة بأن تكون في المعروف، فإذا تبين أن طاعته سوف تؤدي إلى نصرته على الباطل والظلم، أو تقويته على الفساد ومعصية الله، فإنه يتعين حينئذٍ مخالفته وعدم طاعته؛ لأن الثابت المحكم من ديننا أنه لا تجوز طاعة المخلوق في معصية الخالق I .. وأن التعاون يكون على البر والتقوى، وليس على الإثم والعدوان.

    لأجل ذلك نجد كثيراً من السلف وعلماء الأمة رضوان الله عليهم، كانوا يجتنبون العمل عند سلاطين الجور ويفرون من وظائفهم فرار السليم المعافى من الأجرب العليل، وفي المقابل كانوا يعترفون لهم بالخلافة والإمارة على المسلمين، وبوجوب طاعتهم في المعروف.

[819] العرِّيف: هو القيِّم بأمور القبيلة أو الجماعة من الناس يلي أمورهم، ويتعرف الأمير منه أحوالهم " النهاية". والجابي: هو الذي يقوم بمهمة جباية وتحصيل الأموال والضرائب من الناس لصالح خزانة الدولة. والخازن: هو الذي يقوم بمهمة حراسة ورعاية خزانة الدولة المالية، وإحصاء ما يدخل إليها وما يخرج منها، ويمثل في زماننا وزير المالية.

[820]  رواه ابن حبان، السلسلة الصحيحة: 360.

[821]  أهلَكوا غيرهم من عامة الناس، لأنهم يكونون السبب في إضلالهم نحو حقيقة أولئك الحكام، فيرونهم باطلَ وظلمَ هؤلاء الحكام حقاً وعدلاً .. لأن المسلم وبخاصة إن كان عالماً فإن مجالسته للحاكم الفاسق الظالم تعتبر شهادة حسن سلوك لهذا الحاكم في أعين الناس!

[822]  رواه الطبراني، السلسلة الصحيحة: 457.

[823]  أي ما تنكرون من الباطل الذي يخالف دينكم.

[824]  من الحق الذي يوافق دينكم.

[825]  رواه الحاكم، السلسلة الصحيحة: 590.

[826]  رواه أحمد، وابن ماجه، والطبراني، السلسلة الصحيحة: 590.

[827]  صحيح سنن الترمذي: 1843.

[828] أي طاوعهم ووافقهم.

[829] أخرجه أحمد، صحيح الترغيب: 2244.

[830] تكرار الأمر بالسماع من قبل النبي r يأتي لشد مزيد من الانتباه، لكي يُفقَه عنه ما يريد تبليغه جيداً، وليبلغ الحاضر الغائب .. ولبيان أهمية وخطورة البيان الذي سيلقيه ـ بعد هذا الأمر ـ على مسامع الحاضرين من أصحابه رضي الله عنهم أجمعين.

[831] أخرجه الطبراني، وابن حبان، صحيح الترغيب: 2245.

[832] رواه الطبراني، صحيح الجامع: 3661. وقوله " ومن خالَطَهم هلَك"؛ لأن في خلطته لهم على ما هم عليه من الظلم والفساد يترتب عليه محاذير عدة: منها إقراره لهم على ما هم عليه من ظلم وفساد. ومنها ممالأتهم ومجاملتهم على باطلهم، والسكوت عن بيان الحق فيما قد خالفوا فيه الحق. ومنها تحسين باطلهم وفسادهم في أعين الناس وبخاصة إن كان المخالِط من ذوي العلم والشرف، فيكون سبباً في ترويج وتحسين الباطل، كما يكون سبباً في إضلال الناس ممن يثقون به وينظرون إليه بعين القدوة والاحترام، كما يكون سبباً في تنفير الناس عن الحق، وصدهم عن الدخول في دين الله أفواجاً أو فراداً .. وهذه أسباب لو اجتمعت على المرء لا شك أنها تقتله وتهلكه.

[833] أي لم يبرأ من الوزر والإثم، والمساءلة.

[834] وذلك لأنهم أداة الظلم والبطش في أيدي طواغيت الحكم والظلم، التي بها يظلمون الناس .. ويعتدون على حقوقهم وحرماتهم .. ويفرضون سياساتهم وأنظمتهم وقوانينهم الجائرة .. فالحاكم الظالم يظلم الناس بهم، ويفرض قانونه الباطل بهم .. لذا فقد استحقوا هذا الوعيد الشديد.

[835] رواه الطبراني، صحيح الجامع: 3666.

[836] من ضروب العون للظالم على ظلمه وباطله، إشغال وظائف مؤداها إلى إبطال الحق، وإحقاق الباطل .. وما أكثرها وأكثرهم في زماننا .. يفعلون ذلك ركضاً وراء المال .. وطلب الرزق .. وفاتهم أن الرزق بيد الله، وأن ما عند الله تعالى لا يُطلب بمعصيته.

[837] السلسلة الصحيحة: 1020.

[838] أي ذلاً يُذل صاحبه.

[839] رواه الطبراني، السلسلة الصحيحة: 1253.

[840] رواه أحمد، السلسلة الصحيحة: 1272.

[841] أخرجه الطبراني، صحيح الترغيب: 3617.

[842] مسؤول عن رعيته؛ هل أحاطهم بالنصح والرعاية، والحماية .. وحكمهم بقانون العدل .. وهل أدى لهم كامل حقوقهم عليه .. أم أنه فرَّط بما يجب عليه نحوهم .. وحكمهم بقوانين الظلم والكفر!

[843] من غش الحاكم لرعيته أن يزين لهم الفساد والفجور، والحكم بالقانون الجاهلي الوضعي .. وأن يختار لهم الذي هو أدنى فيما يُخير فيه .. وأن يجعل البلاد وثرواتها وخيراتها لقمة سائغة سهلة لأعداء الأمة وعُرضة للنهب والسلب .. وكذلك أن يهمل إعداد القوة التي ترهب العدو، وتردعه من التطلع للاعتداء على بلاد وحرمات المسلمين .. كما هو واقع وحال كثير من حكام العرب والمسلمين في هذا الزمان .. إذ كلهم يقولون بيتنا من زجاج لا يحتمل أدنى مواجهة مع العدو .. وبالتالي لا بد من الاستسلام له!

[844] الغشوم هو الذي يخبط الناس خبطاً فيأخذ منهم كل ما يقدر عليه؛ ما يحق له ومالا يحق. والمراد من الحديث؛ أي الحاكم الظالم الذي يعدو على أموال الناس وحقوقهم فيأخذها منهم غصباً، ومن دون أن يتحرى ما يحق له ومالا يحق؛ كحاطب ليل!

[845] رواه ابن أبي عاصم في السنة، وصححه الشيخ ناصر في التخريج: 41.

[846] رواه البيهقي، صحيح الجامع: 998.

[847] رواه الطبراني في الأوسط، وأبو يعلى في مسنده، صحيح الجامع: 1001.

[848]  رواه النسائي، وابن حبان، السلسلة الصحيحة: 363.

[849] أخرجه البزَّار في مسنده، السلسلة الصحيحة: 3461.

[850] الذي يظلم الرعية ويبطش بهم، ويسلك معهم مسلك العنف والشدة.

[851] أخرجه الطبراني، صحيح الترغيب: 2191. قلت: العادة في ظل الأنظمة الطاغية الظالمة أن الضعيف لا يمكن أن يأخذ أو يُطالب بحقه من القوي ـ وبخاصة إن كان هذا القوي من ذوي النفوذ والسلطان ـ إلا وهو خائف ترتجف شفتيه وأوصاله .. تخرج منه كلماته وهو يتعتع لشدة خوفه من مخاصمة القوي في ساحات القضاء .. وخوفاً من أن تنعكس عليه هذه المخاصمة بمزيد من الشر، وضياع الحقوق .. عندما تصل الأمة إلى هذا الموصل من الظلم فإن الله تعالى لا يقدسها ولا يباركها!

    قلت: هذا إذا كان لا يستطيع أن يتحصل على حقه إلا وهو يتعتع .. فكيف إذا كان لا يستطيع أن يتحصل على حقه مطلقاً لا هو متعتع ولا غير ذلك .. ولو حاول يُقتل أو يُغيب في سجون الطواغيت الظالمين، كما هو حال وواقع كثير من الأنظمة الطاغية التي تحكم بلاد المسلمين في هذا الزمان.

[852] أي واقٍ يُحتمى به من العدو؛ ومنه نعلم أن للخليفة صفات ومهام عِظام يُعرف بها وتُعرف به .. مهما عجز عنها أو انتفت عنه لم يعد يستحق وصف الخليفة والإمام .. وهذا يعني أنه ليس من السهل أو المستساغ شرعاً وعقلاً أن يزعم أي امرئٍ من الأمة ـ يعيش ظروف القهر والذل والاستضعاف، لا يستطيع أن يحمي نفسه من العدو فضلاً عن أن يحمي الأمة أو من يرعاهم ويحكمهم ـ بأنه الخليفة العام للمسلمين .. حقه على المسلمين كل المسلمين البيعة على السمع والطاعة، ومن لا يفعل فهو آثم، وإن مات على ذلك مات ميتة جاهلية!

[853] رواه أحمد، صحيح الجامع: 5718.

[854] أي عادل يحكم بالعدل، وينصف رعيته؛ فيؤدي ما لهم من الحقوق.

[855] رواه أحمد، ومسلم، صحيح الجامع: 2637.

[856] أي لا يجرؤ أحد من الرعية أن يعقب على قولهم وحكمهم؛ لشدة ظلمهم وتجبرهم وطغيانهم، فهم لا يقبلون رأياً أو قولاً يُخالف رأيهم وقولهم .. فهم فوق التعقيب أو المساءلة .. وما أكثر هؤلاء الطواغيت في زماننا المعاصر!

[857] رواه أبو يعلى، السلسلة الصحيحة: 1790.

[858] صحيح موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان: 1300. في هذا الحديث وغيره رد على بعض ذوي الفهم السقيم الذين يزعمون بأن الرحمة ينبغي أن تكون محصورة بين المسلمين بعضهم مع بعض .. من

دون أن تمتد لتشمل غيرهم .. قال تعالى: )وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ(الأنبياء: 107.

[859] أي لا ينال الإمامة الظالمين من ذريتك .. فالآية الكريمة فيها دليل على أن الإمامة لا تُعطى طواعية للظالم الفاسِق مهما كان نسبه شريفاً.

[860] أي مقطوع الأطراف .. فهذا ليس مهماً .. إنما المهم أن يقود العباد بكتاب الله.

[861] أخرجه أحمد، وغيره، صحيح الترغيب: 2189. قوله r: "ما فعلوا ثلاثاً"؛ أي أن إمارة القرشي مشروطة بالتزامه بهذه الخصال الثلاث؛ فإن لم يوفها حقها .. ولم يلتزم بها .. فلا إمارة له .. بل وعليه اللعنة .. فالقرشية صفة مُرَجحة .. وليست شرطاً لصحة الإمارة أو الإمامة .. وعلى أي وصف وأي حال كان عليه القرشي .. وبخاصة إن كان ظالماً مجروحَ العدالة .. ووجد غير القرشي، الأتقى، والأعلم، والأفضل للبلاد والعباد في جميع شؤون دينهم ودنياهم. 

[862] أخرجه أحمد وغيره، صحيح الترغيب: 2190.

[863] يلحى؛ أي يقشر ويُزيل.

[864] أخرجه أحمد، السلسلة الصحيحة: 1552. يصلد؛ أي يبرُق ويشع بياضاً.

[865] أخرجه ابن أبي عاصم في السنة، وقال الشيخ ناصر: إسناده صحيح، رجاله كلهم ثقات: 212.

[866] أخرجه أحمد والبخاري، صحيح الجامع: 7038.

[867] أخرجه الطبراني، وغيره، السلسلة الصحيحة: 2107. قلت: مما أفاد به الحديث أنه r لم يكن بينه وبين ذوي الحاجة حاجب يمنعهم منه أو يردهم عنه.

[868] الحاجة والفقر.

[869] رواه أحمد، والترمذي، والحاكم، صحيح الجامع: 5685.

[870] رواه أبو داود، وابن ماجه، والحاكم، صحيح الجامع: 6595.

[871] أخرجه أحمد وغيره، صحيح الترغيب: 2209.

[872] هم الولاة على الأمصار.

[873] هو الفرس الأعجمي؛ لما يحصل لراكبه من خيلاء، وكبر.

[874] هو الطعام المنقى مرة بعد مرة، لما في ذلك من التميز عن الرعية.

[875] لما في ذلك من تنعم، وإسراف.

[876] رواه البيهقي في شعب الإيمان، المشكاة: 3730. قلت: هكذا كان الأمراء في عهد الفاروق عمر رضي الله عنه .. وبمثل هؤلاء الأمراء سادت الأمة وحكمت الأمصار .. فأين أمراء هذا الزمان من أولئك الأمراء .. الذين بهم وبسببهم ذُلَّت الأمة أيما ذل .. ولا حول ولا قوة إلا بالله!

[877] ذُكِرَ النهي عن الغيبة بعد النهي عن التجسس مباشرة؛ لأن من لوازم التجسس الوقوع في غيبة المتجسَّس عليه ولا بد، فالذنب يدل على صاحبه، ويؤدي إليه.

[878] صحيح سنن أبي داود: 4088.

[879] صحيح سنن أبي داود: 4089. قلت كما هو حال كثير من الأنظمة الطاغية المعاصرة؛ فإنها لطغيانها وفسادها، وعدم ثقتها بنفسها وبما تقدمه للشعوب .. فهي تقوم على عنصر التجسس على عورات الناس وخصوصياتهم، وعلى مكالماتهم ومجالسهم .. فزرعوا في كل بيت جاسوساً، وعلى كل جاسوس جاسوساً آخر، فأوقعوا الريبة فيما بين الناس، وألجؤوهم إلى الخوف والكتمان فيما لا يجوز فيه الكتمان!

[880] التحسس: التفتيش عن بواطن وخفايا الأمور، وطلب معرفة أخبار من تتحسَّس عليهم وتتجسَّس!

[881] وذلك يكون عندما يتجسس المرء على مسلم من المسلمين لصالح الطواغيت الظالمين .. ومن ثم يرفع إليهم التقارير عما قد لاحظه أو رآه على هذا المسلم .. مقابل مبلغ يُعطاه عن كل تقرير يخطه إليهم.

[882] صحيح سنن أبي داود: 4084. وصحيح الأدب المفرد: 179. والحديث فيه وعيد شديد لمن يكتب التقارير على من يتجسس عليهم، مقابل مبلغٍ من المال يُعطَاه يأكل ويلبس منه .. وأن العقوبة تكون من جنس العمل.

[883] صحيح الأدب المفرد: 883. و" الآنِك"؛ هو الرصاص الأبيض المُذاب، وفيه أن العقوبة من جنس العمل .. وهذا كله فيمن يستمع على وجه الفضول والتطفل، والآخرون لاستماعه لهم كارهون .. فكيف بمن يستمع على وجه التجسس على المسلمين لصالح أعدائهم من الكافرين المشركين .. لا شكَّ أن الوعيد بحقه يكون أشد وأنكى؟!

[884] صحيح سنن أبي داود: 4083.

[885] أخرجه أبو نعيم في الحلية، وأحمد، وغيرهما، السلسلة الصحيحة: 1582.

[886] أخرجه أحمد، السلسلة الصحيحة: 1989. قلت: هم خطر لأن بضلالهم ضلال الأمة .. فالحاكم إذا ضلَّ أو ارتد لا يقبل بأقل من أن تضل أو ترتد معه الأمة أو من يحكمهم من الناس .. ليضمن عدم خروجهم أو اعتراضهم عليه، عندما يرون منه المنكر أو الظلم والكفر!

    وقوله " مخاصراً"؛ أي مرافقاً له .. أسير معه، قريباً منه.

[887] رواه مسلم. أقول: قد صح أن النبي r قال في أبي ذر: "ما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء، من ذي لهجة أصدق ولا أوفى من أبي ذر، شبه عيسى بن مريم". فإذا كان أبو ذر t، وهو بهذه الصفات العظيمة النبيلة، ينصحه النبي r بأن لا يلي أمر اثنين، لحري بمن كان أقل شأناً من أبي ذر أن لا يجترئ ويقتحم هذا الأمر الجلل العظيم .. وما أكثر الذين يعتبرون الإمارة في زماننا مغنماً يضحون في سبيلها كل غالٍ ونفيس .. ويسلكون لأجلها جميع الدروب ما صح منها وما لا يصح!

[888] رواه أحمد، صحيح الجامع: 5360.

[889] صحيح موارد الظمآن: 1295. والذوائب: جمع ذُؤابَةٍ وهي الشعر المضفور من شعر الرأس " النهاية". والثريَّا؛ السماء، أو النجم في السماء.

[890] أخرجه ابن حبان، والحاكم، صحيح الترغيب: 2179. العرفاء أو العريف؛ هو المختار الذي يمثل قومه أو بلدته أو منطقته عند السلطان الحاكم، ليعرِّفه على أحوالهم وحاجياتهم .. فيكون الوسيط بين من يمثلهم من الناس وبين الحاكم. والأمناء؛ من يستأمنهم السلطان الحاكم على ولاية ورعاية وإدارة بعض المدن أو الأقطار .. ويُحمل كذلك على الجباة؛ الذين يجبون الزكاة والحقوق .. فهؤلاء كذلك أمناء.

[891] رواه البيهقي في السنن، صحيح الجامع: 5695.

[892] رواه الطبراني في الكبير، صحيح الجامع: 1420.

[893] أي يحرصون، ويتنافسون ويتدافعون على الإمارة كما تتدافع الحمير فيما بينها .. ونحن في هذا الزمان؛ زمن التكادم على الإمارة والزعامة والمناصب .. والحديث فيه فضل الرباط في فلسطين بعامة، ومدينة عَسقلان بخاصة.

[894] أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، السلسلة الصحيحة: 3270.

[895] أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، السلسلة الصحيحة: 3239. قوله " باب عنَتٍ"؛ أي باب مشقة وشدة وبلاء، وخطر. وقول الصحابي " لا أعملُ لك"؛ ليس من قبيل الاعتراض أو رد أمر النبي r لو أمره بأمر .. وإنما من قبيل طلب السلامة .. والبعد بالنفس عن مواطن العنت والخطر!   

[896] أي الطائفة التي تنفر لطلب العلم .. تعلم الطائفة التي نفرت للغزو والجهاد إذا ما رجعوا إليهم .. مما قد فاتهم من العلم بسبب غزوهم وأسفارهم وبعدهم عن مجالس العلم .. وفي الآية دليل على أن الغزاة والمجاهدين لا يلزم بالضرورة أن يكونوا دائماً أفقه من غيرهم؛ ممن أقعدهم طلب العلم عن الجهاد .. كما يظن البعض! 

[897] المراد من الأمة أي العلماء العالمين بجوانب الخير والمنكر؛ وإلا فجاهل الشيء كفاقده .. لا يُحسن أن يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر .. وليس كما يدعي بعض المعاصرين من دعاة التحزب ـ محملين النص مالا يحتمل من المعاني والأفهام ـ أن المراد من الأمة الوارد ذكرها في الآية الكريمة أعلاه؛ أي الأحزاب السياسية، ورتبوا على فهمهم الخاطئ هذا قولهم بوجوب تشكيل الأحزاب السياسة ـ مهما كثر تعدادها ـ في الأمة الواحدة .. فهذا فهم شاذ غريب لم يسبقهم إليه سلف ولا خلف معتبر؛ فإن الأحزاب السياسية ـ كما نعاصرها ونشاهدها ـ تضم الرعاع، والجاهل والعالم، وغير ذلك من طبقات الناس .. وبالتالي لا يصح أن يقال للجاهل بجوانب الخير والشر، عليك بأن تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فإن فاقد الشيء لا يعطيه!

[898] رواه ابن ماجه وغيره، صحيح الترغيب: 70. قوله r: "على كل مسلمٍ"؛ يشمل المسلمة كذلك، فطلب العلم كما يجب على الرجال يجب على النساء كذلك .. فأيما خطاب تكليفي يرد في الشريعة فهو يعني الذكور والإناث سواء، ما لم ترد قرينة في نفس النص أو في نص آخر يخصص الخطاب بالذكور دون الإناث، أو بالإناث دون الذكور .. والمراد بطلب العلم في الحديث العلم الشرعي: قال الله، قال رسولُ الله r، قال الصحابة.

[899] رواه أحمد، والطبراني، وابن حبان، صحيح الترغيب: 71. وقوله r: "تحفُّهُ"؛ أي تحوطه وتحدقُ به.

[900] رواه أبو داود، والترمذي، وابن حبان، صحيح الترغيب: 70.

[901] رواه الدارمي بسندٍ صحيح عن عون، ولم يسمع من ابن مسعود، فهو منقطع. قاله الشيخ ناصر في المشكاة: 261.

[902] رواه الطبراني، صحيح الترغيب: 68. قلت: مما يدخل في معنى العبادة طلبِ العلم .. والمراد في الحديث هنا أن فضل عبادة طلب العلم خير من عبادة التنفل في الصلاة والعبادات الأخرى.

[903] رواه الترمذي، وقال حديث حسن، صحيح الترغيب: 88. وقوله r " فهو في سبيلِ الله"؛ أي هو في جهادٍ، وله أجر من يخرج للجهاد في سبيل الله حتى يرجع.

[904] أي وما والاه من الطاعات والأعمال الصالحة، وكل ما يدخل في معنى ومسمى العبادة .. فهو مستثنى من اللعن.

[905] رواه الترمذي، وابن ماجه، والبيهقي، وقال الترمذي: حديث حسن، صحيح الترغيب: 74. والحديث فيه أن الناس إما عالم أو متعلم إذ لا يجوز أن يكونوا إلا كذلك.

[906] دلَّت الآية الكريمة على أن الخشية من الله تعالى تكون على قدر العلم؛ فإن ازداد العلم ازدادت الخشية مباشرة، وإن نقص أو ضعف العلم نقصت وضعفت الخشية .. فالخشية والعلم كل منهما لازم وملزوم للآخر.

[907] تضمَّنت الآية الكريمة أجل وأعظم شهادة من أجل وأعظم شاهد، على أجل وأعظم مشهود وهو التوحيد .. وفي الآية دلالة على فضل العلماء حيث أن الله تعالى قرن شهادتهم ـ دون غيرهم من الناس ـ بشهادته وشهادة ملائكته على التوحيد، وأنه لا مألوه ولا معبود بحق إلا الله تعالى .. كما دلَّ مفهوم المخالفة أن من لا يشهد بهذه الشهادة .. أو يشهد بما يُناقضها من الشرك .. أنه ليس من العلماء مهما اتسع صيته .. أو تزيَّ بزي العلماء .. فقوله تعالى) وَأُولُو الْعِلْمِ( عام وشامل لجميع أهل العلم في جميع عصورهم وأزمانهم وإلى يوم القيامة، لا يخرج منهم عالم موحد معتبر. 

[908] قال ابن جرير في التفسير: وقوله:) يَرْفَعِ اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالّذِينَ أُوتُوا العِلْم دَرَجاتٍ( يرفع الله الذين أوتوا العلم من أهل الإيمان على المؤمنين الذين لم يؤتوا العلم بفضل علمهم درجات، إذا عملوا بما أمروا به، قال قتادة: إن بالعلم لأهله فضلاً، وإن له على أهله حقاً، وللحقّ عليك أيها العالم فضل، والله معطى كلَّ ذي فضلٍ فضلَه ا- هـ.  

[909]  صحيح الجامع: 4212.

[910] رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان، صحيح الترغيب: 70. وقوله r: "العلماء ورثةُ الأنبياءِ"؛ أي ورثة الأنبياء في علمهم، وأخلاقهم، وإخلاصهم، وجهادهم، وعبادتهم، وصدعهم بالحق، وصبرهم على أذى المخالفين .. فالإرث المورَّث شامل لكل هذه المعاني الآنفة الذكر.

[911] أخرجه الطبراني في الأوسط، السلسلة الصحيحة: 3024. قلت: كون كل شيء يُصلي على العالم الذي يُعلم الناس الخير ويستغفر له؛ حتى النملة في جحرها، والحيتان في أعماق البحار .. فإن ذلك يُضفي شعوراً عظيماً، ومعانٍ نبيلة راقية، منها: أن هذا الوجود وما فيه ومن فيه يشترك في وحدة الهدف والغاية؛ ألا وهو عبادة الخالق I .. فهذه المخلوقات على اختلاف أجناسها وأشكالها وأسمائها .. وطبائعها .. إلا أن الجميع متجانسون متآلفون في تحديد الهدف والغاية من وجودهم. ومنها: أن المؤمن مهما اشتدت عليه الغربة .. فله من حوله ما يؤنسه؛ إذ كل ما حوله يُشاركه توحيد الخالق I والتسبيح بحمده، فهم إخوان له في الدين والعقيدة والتوحيد. ومنها: أن هذا الشعور فيه أنس وتخفيف عن العالم الذي يُعلِّم الناس الخير .. عندما تنزل بساحته البلايا والشدائد .. فكأن لسان كل من حوله؛ بل كل مخلوقات هذا الوجود .. تقول له: اصبر .. لا تجزع .. لا يثنيك عن الحق والصدع به وحشة وغربة الطريق .. وشدة ما تعاني من أذى الظالمين .. أنت لست بمفردك .. نحن معك .. ومنذ كذا وكذا ونحن ندعو لك ونصلي عليك .. ونسأل الله لك الرحمة والثبات، وأنت لا تدري. ومنها: أنه يحمل العالم على الإخلاص .. والتجرد لله .. وعدم التماس الأجر على الدعوة من الناس .. حتى لا يفسد عليه هذا العطاء الرباني .. وهذا التضامن والتكافل من جميع المخلوقات. ومنها: أن هذا التضامن والتكافل والاهتمام من قبل جميع المخلوقات بالعالم الذي يُعلم الناس الخير فهو من قبيل رد الجميل، ومقابلة المعروف بمعروف؛ فالعالم الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويُعلم الناس الخير .. ينعكس ذلك بالخير والرزق والبركة على الأرض وجميع من فيها؛ فكما أن معاصي الإنسان مصدر شؤم وأذى للأرض وجميع من فيها، فكذلك لو دخلوا في الطاعة واستقاموا على الطريقة فإن ذلك ينعكس بالخير على الأرض وجميع من فيها، كما قال تعالى: )وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً(الجـن:16. وقال تعالى: )وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ(هود:52. وقال تعالى: )فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً . يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً(نوح:10-12. وقال تعالى: )وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً(الاسراء:16. وهذا الدمار والهلاك الذي ينزل بالقرية الظالمة ينعكس على الإنسان والدواب وكل شيء في القرية .. فتكون معاصي بني آدم مصدر شؤم للجميع. ومنها: أن النمل وهي في جحورها، والحيتان وهي في أعماق البحار أكثر وفاءً للعالِم وأكثر تقديراً لمعروفه .. من كثير من الناس؛ إذ كثير من الناس يستكثرون كلمة إنصاف بحق من علمهم الخير .. وكان سبباً في هدايتهم .. حتى مجرد دعاء أو استغفار أو كلمة رحمه الله يستكثرونها عليه .. بل وكثير منهم لا يتورع عن شتمه ولعنه لأدنى هفوة أو زلة يرونها منه .. وفي كثير من الأحيان بلا زلة ولا هفوة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

[912] رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. وهو أيضاً في صحيح الجامع: 1838.

[913] صحيح سنن ابن ماجه: 170. قلت: بهذا يُعرف خيار الناس وأفضلهم؛ بتعلم القرآن وتعليمه، والدعوة إلى الله .. وإلى توحيده .. وليس بجمع المال .. والتنافس على الدنيا وزينتها!

[914] رواه الطبراني، صحيح الترغيب: 82.

[915] صحيح سنن ابن ماجه: 176.

[916] صحيح سنن ابن ماجه: 194.

[917] صحيح سنن ابن ماجه: 173.

[918] رواه ابن ماجه، وغيره، صيح الترغيب: 74.

[919] صحيح سنن ابن ماجه: 196.

[920] رواه ابن ماجه، صحيح الترغيب: 79.

[921] أي كان سبباً في إظهار خيرٍ ـ كالصدقة ونحوها ـ فتابعه الناسُ على فعل هذا الخير .. فله مثل أجرهم .. ومن دون أن ينقص من أجورهم شيء .. ومن كان سبباً في إظهار سيئة فتابعه الناس على فعلها .. فله مثل أوزارهم من دون أن ينقص من أوزارهم شيء.

[922] أي لَعَلِمَهُ الذين يسألون عن حقيقة الأمر ـ ممن تسرعوا في إشاعة أخبار المجاهدين وما أصابهم من دون تثبت ـ من النبي r، ومن أولي الأمر من كبار أصحابه رضي الله عنهم أجمعين.

[923] قال ابن كثير في التفسير: وقد روى ابن أبي نجيح عن مجاهد، عن ابن عباس أنه قال: أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله، وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: والراسخون في العلم يعلمون تأويله ويقولون آمنا به، وكذا قال الربيع بن أنس ا- هـ.

[924] من أولي الأمر العلماء .. وطاعتهم تكون مرشَّدة؛ فيما ليس فيه معصية لله.

[925] صحيح سنن أبي داود: 325. والمراد بالعَي؛ أي الجهل.

[926] أخرجه ابن حبان وغيره، السلسلة الصحيحة: 1778. قلت: وفي الحديث حضٌّ على التزام غرز الأكابر من العلماء العاملين الموحدين .. وإن صغرت أعمارهم .. وعدم الالتفات عنهم إلى الأصاغر من أهل الأهواء والبدع .. والضلال .. وإن كبرت أعمارهم .. فإن الخير والبركة مع الأكابر ـ وليس الكبار في السن لكونهم كباراً في السن ـ وفي التزام غرزهم.

[927] رواه الترمذي، وأحمد، وابن ماجه، وأبو داود، صحيح سنن أبي داود: 3105. وانظر صحيح الجامع: 6159.

[928] أي تقصدون من علمكم أن تتصدروا المجالس العامة؛ كمجالس السلاطين، والوجاهات ونحوها.

[929] رواه ابن ماجه، وابن حبان، والبيهقي، صحيح الترغيب: 102.

[930] أي ليجادلوا به ضعفاء العقول لغرض الغلبة، والانتصار للنفس.

[931] رواه الحاكم والبيهقي، صحيح الجامع: 5930.

[932] رواه ابن ماجه، صحيح الترغيب: 104.

[933] كأنهم يريدون المباهاة والتحدي!!

[934] رواه الطبراني، والبزار، صحيح الترغيب: 131.

[935] رواه الطبراني، صحيح الترغيب: 133.

[936] هذا فيمن يقبل هدية تعينه على الجهاد في سبيل الله .. فكيف بمن لا يُعلم الناسَ القرآن إلا بعد راتب يُصرَف له .. كما هو حال كثير من أئمة المساجد في هذا الزمان، ولا حول ولا قوة إلا بالله!

[937] صحيح سنن أبي داود: 2915.

[938] رواه ابن نصر في قيام الليل، وغيره، السلسلة الصحيحة: 258.

[939] أخرجه الترمذي وغيره، السلسلة الصحيحة: 257.

[940] رواه الدارمي بإسنادين أحدهما صحيح والآخر حسن، والحاكم وغيرهما، قاله الشيخ ناصر في " قيام رمضان"، ص4.

[941]  رواه الترمذي، وقال حديث حسن صحيح، صحيح الترغيب: 122.

[942]  رواه البزار، صحيح الترغيب: 126.

[943]  رواه البيهقي، وغيره، صحيح الترغيب: 125.

[944]  رواه الطبراني، صحيح الجامع: 239.

[945]  يشتد الإثم والحرج على العالم إذا كان هذا العلم الذي يكتمه لا يعلمه أحد سواه .. أو وجد غيره ممن يعلمه لكن لا يحققون الكفاية .. وكان الناسُ بحاجة إليه.

[946] صحيح سنن ابن ماجه: 210.

[947] صحيح سنن ابن ماجه: 213.

[948] رواه الطبراني، صحيح الجامع: 2714.

[949] رواه الطبراني، صحيح الترغيب: 118. قلت: كما أن للكنز والمال زكاة؛ وزكاته أن تنفق منه في أوجه الخير، كذلك العلم فله زكاة؛ وزكاته أن تحدث به الناس، وتنشره بين الناس .. فكل نعمة يمن الله بها على عبده لها زكاتها .. وزكاتها ينبغي أن تكون من جنسها.

[950] رواه ابن عساكر، صحيح الجامع: 4023.

[951] سبق تخريج الحديث.

[952] صحيح سنن ابن ماجه: 201.

[953] صحيح سنن النسائي: 4970. أين كثير من دعاة ومشايخ هذا الزمان من النبي r ومن سنته .. وتواضعه الجم لطالب العلم .. الذين يحتجبون عن طلبة العلم، ومساكينهم متذرعين بضيق الوقت وسعة الأشغال ـ وما يحملهم على ذلك إلا الكبر والترفع على الخلق ـ وكأن أوقاتهم أغلى من أوقات النبي r، وأشغالهم أكثر من أشغاله r!

[954] أي وجوب عبادة الله تعالى، وإفراده سبحانه وتعالى بالعبادة من دون خلقه.

[955] أي عرفوا الله بصفاته التي وصف بها نفسه، وعرفوا حقه عليهم؛ فوحدوه ولم يشركوا به شيئاً. 

[956] أي احذر واجتنب.

[957] أي أعز وأفضل أموالهم.

[958]  صحيح سنن ابن ماجه: 170. قوله " تعلمنا الإيمان"؛ أي تعلمنا التوحيد .. لأن أي علم أو عمل لا يتقدمه التوحيد ولا يُبنى على أساس التوحيد فهو لا يُقبل، لقوله تعالى: )وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(الأنعام:88. والأثر فيه دليل على القاعدة السنية التي تقول: أن الإيمان يزيد وينقص.

[959] مما ابتليت به الأمة في هذا الزمان، كثرة الوعاظ والخطباء وقلة الفقهاء، حتى أنك ترى الواعظ منهم يُشرِّق ويغرِّب .. حيثما يقوده حديثه يُقاد .. فيُحسِّن ما ينبغي تقبيحه، ويُقبِّح ما ينبغي تحسينه .. لا يميز في استدلالاته بين الصحيح والضعيف والموضوع .. فتقول: ليته سكت فاستراح وأراح!

[960] التخوُّل: التقلل والرعاية.

[961] إذا كان النبي r الذي لا ينطق عن الهوى، وحديثه أشهى وأحلى من العسل .. يتخوَّل أصحابه الكرام النصح خشية السآمة، فمن باب أولى على مشايخ التَّقميش في هذا الزمان أن يتخوَّلوا الناس في نصحهم ومواعظهم، ولا يُملونهم الحديث!

[962] رواه البخاري، المشكاة: 252. قلت: قد تضمن هذا الأثر العظيم عن حبر الأمة آداباً عظيمة، تتعلق بفقه وآداب الخطاب والحديث، ينبغي لكل داعية يشتغل في الدعوة والتبليغ أن يتفطَّن لها. وقوله " ولا أُلفِيَنَّكَ"؛ أي لا أجِدَنَّك. والسَّجع؛ الحرص على أن تكون نهاية الجُمَل أو العبارات على نسَقٍ واحد!

[963] روها أحمد، صحيح الجامع: 4027.

[964] أي إذا كان هذا الذي خُيِّر فيه إثماً كان r أبعد الناس عنه، وأشدهم نفوراً منه .. وفي ذلك ردٌّ على أولئك الذين يفسرون التيسير في الدين على أنه وقوع في المحظور .. وتجاوز للمشروع .. ما دام فيه تيسيراً على الآخرين!

  [965]الغلو في الدين؛ هو كل ما زاد حدّه عن المشروع المنصوص عليه في الكتاب والسنة.

[966] رواه أحمد، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم، السلسلة الصحيحة: 1283.

[967] قال ابن حجر في "الفتح" 1/117: والمشادة بالتشديد المغالبة، والمعنى لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ويترك الرفقَ إلا عجز وانقطع فيُغلب ا- هـ.

[968] أي طريقاً معتدلاً وسطاً من غير جنوح إلى إفراط ولا تفريط.

[969] رواه ابن أبي عاصم في السنة، وصححه الشيخ ناصر في التخريج: 95. وقوله " يُغالب"؛ أي يجنح للتشدد .. ويعتزل الرفق والاعتدال .. فلا يأخذ بالرخص الشرعية حيث ينبغي الأخذ بها.

[970] الرفق زين، وخلافه شين .. يُشين صاحبه ولو بعد حين.

[971] وافقد أمي لي.

[972]  أي يسكتونني، فغضبت.

[973] يريدون منعه وزجره.

[974] رواه البخاري، والنسائي، صحيح سنن النسائي: 55. أقول: اعتبر النبي r زجر الرجل ومنعه من أن يتم بوله نوع من أنواع التعسير المنافي للتيسير، فما يكون القول فيمن يعسر على المسلمين أمر دينهم؟    ثم لو أن جاهلاً فعل في مسجد من مساجد المسلمين ما فعله الأعرابي في مسجد النبي r .. هل ترونه يخرج حياً من المسجد؟!

[975] صحيح سنن أبي داود: 2090. فيه: أن الفتوى تكون أحيانا بحسب المستفتي وحاله .. وهذا فقه لا بد للفقيه من أن يتنبه له عندما يفتي الناس.

[976] صحيح سنن الترمذي: 1762.

[977] رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه، السلسلة الصحيحة: 168.

[978] رواه الحاكم، السلسلة الصحيحة: 491.

[979] رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، السلسلة الصحيحة: 491.

[980] رواه أحمد، والطبراني، صحيح الجامع: 168.

[981] رواه أبو داود وغيره، صحيح سنن أبي داود: 3644. قلت: وعليه يكون تأويل قوله تعالى: )عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ(؛ أي إذا قمتم بمهمة وواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وصدعتم بالحق .. وأخذتم على أيدي الظالمين بالزجر والإنكار والمنع بحسب استطاعتكم )لا يَضُرُّكُمْ( بعد ذلك )مَنْ ضَلَّ(.

[982] قال المنذري في الترغيب: رواه ابن ماجه، ورواته ثقاة. وقال أحمد شاكر في العمدة 1/701: إسناده صحيح. وقوله " يَرى أمراً للهِ عليه مقالاً"؛ أي يرى أمراً يوجب الله عليه أن يقول فيه مقالاً، ومن حق الله عليه أن يقول فيه مقالاً؛ كأمرٍ بمعروفٍ أو نهي عن منكر .. وبيان حقٍّ قد غفل عنه الغافلون .. أو كتمه الكاتمون الذين يكتمون الحق رهبة من ظالم أو رغبة بما في يديه من فُتاتٍ وعطاء!

[983] رواه  أحمد وغيره، صحيح الترغيب: 96. وقوله r: "ويَعرِف لعالِمنا"؛ أي يعرف حقَّه من توقير وإجلالٍ وتكريم لما له من فضل ومعروف على الناس. 

    قلت: كم من عالمٍ في زماننا المعاصر قد غيبتهم سجون الطغيان والظلم في أقطارٍ شتَّى .. ولا يزالون .. يُسامون سوء الذل والعذاب .. على أيدي أعداء الله من المجرمين .. لا ذنب لهم سوى أنهم صدعوا بما يجب عليهم أن يصدعوا به من الحق .. والناس عنهم ساهون لاهون غافلون لا يكترثون لحالهم .. ولا يسألون عنهم .. وكأن هؤلاء العلماء ليس لهم حقَّاً على الأمة!!

    بينما في المقابل نجد من يُعتقَل من الكافرين المجرمين لقتلهم أطفال المسلمين بحقنهم جرثومة الإيدز ـ كما حصل في ليبيا مع أكثر من أربعمائة طفل! ـ ترى العالم الصليبي كله؛ وعلى جميع المستويات الرسمية منها والشعبية يضج ويُطالب بالإفراج عنهم .. ويهدد ويتوعد بفنون من العقوبات إن لم يتم الإفراج عنهم .. وعلى وجه السرعة .. هذا مثال، والأمثلة الدالة على ذلك أكثر من أن تُحصَر!!   

    نريد علماء يصدعون بالحق .. فإن فعلوا، وتعرضوا لصنوف من البلاء والأذى من قبل طواغيت الكفر والظلم .. تخلى عنهم الناس .. وتفرجوا عليهم وكأنه لم يكن شيئاً ..)تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى(النجم:22. فالحق يُنصَر بالعلماء والشعوب معاً، وليس بأحدهما دون الآخر!

[984] صحيح سنن أبي داود: 4053.

[985] رواه الحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم، صحيح الترغيب: 95.

[986] من أولياء الله تعالى العلماء العاملون؛ فالولاية تتحقق بالمتابعة للسنة، والجهاد في سبيل الله .. وهاتان الخصلتان من أبرز ما يتميز به العلماء العاملون، وهم يتفاضلون فيما بينهم على قدر تفاضلهم في هاتين الخصلتين: المتابعة للسنة، والجهاد في سبيل الله.

[987] صحيح الأدب المفرد: 362. قلت: من ذوي الهيئات أهل العلم والمروءة والفضل، والشرف. " عثراتهم"؛ أي كبواتهم وزلاتهم؛ إذ لكل جوادٍ كبوة فلا ينبغي أن يُنسى فضله وثباته وصهيله في ميادين وساحات الوغى .. لأجل كبوته تلك .. ويُؤخَذ ويُحاسَب على أساسها! 

[988] رواه أبو بكر الشافعي في الفوائد،  السلسلة الصحيحة: 1555. والتقديم الوارد في الحديث شامل لكل أمرٍ هامٍّ ذي بال؛ كتقديمهم في المجلس، والمشورة، والحديث، وتقديمهم في الصلاة خلفه r في الصف الأول، وتقديمهم في القيام بالمهام الكبيرة .. فالتقديم شامل لكل هذه المعاني، والله تعالى أعلم.

[989] أخرجه الترمذي وأبو داود، صحيح سنن الترمذي: 189.

[990] قال العراقي في تخريجه للإحياء 1/63: أخرجه الطبراني، والحاكم، والبيهقي، قال الحاكم: صحيح الإسناد على شرط مسلم.

[991]  قال ابن كثير في التفسير: أي ذهب سريعاً فأتاهم بالضيافة وهو عجل فتى البقر، حنيذ: مشوي على الرِضف؛ وهي الحجارة المحماة ا- هـ. وذلك قبل أن يعرف من هم وماذا يريدون، أو يسألهم هل يُريدون طعاماً وضيافةً أم لا .. وهذا من تمام وكمال الكرم والجود، والآيات فيها دلالات عظيمة تتعلق بآداب الضيافة، وما يجب للضيف، لو راجعتها في كتب التفسير.

[992] رواه ابن عساكر، السلسلة الصحيحة: 725.

[993] الكرَم: بذل المعروف، والعطاء، والطعام ـ بنفسٍ طيبة راضية ـ عندما يتعين شرعاً البذل والعطاء، من غير تقصيرٍ عن الحد أو القدْر الواجب. وعكسه البخل: وهو الإمساك عما يجب شرعاً بذله وتقديمه. ومن علامات البخيل: أنه إذا حُمل على الانفاق والعطاء .. تراه يُتبع إنفاقه وعطاءه بالمن والأذى .. والرياء .. وهو بعد كل ذلك تراه كارهاً مغموماً لانفاقه وخروج العطاء من يده!

   وفي الحديث، قال r: "برئ من الشح من آتى الزكاة وقرى الضيف، وأعطى في النائبة "[ قال ابن حجر في الإصابة 2/90: إسناده حسن ].

[994] حتى لا يراهما الضيف أنهما توقفا عن تناول الطعام، فيتأذى من ذلك، وهما اضطرا لهذا الموقف لأن الطعام لا يكفي لثلاثتهم.

[995]  أي باتا جائعين بطن كل واحد منهما ضامر عليه من الجوع.

[996] رواه البخاري. وقوله: "أصبحت"؛ أي أضاءت. قلت: حدثت قصة عجيبة لنبل صاحبها، وعظيمِ كرمه أرى ذكرها ليرى القارئ أي رجالٍ هؤلاء الذين صنعهم الإسلام: حدثني أحد الإخوان الفضلاء في الأردن أنه دُعي وجمع من الإخوان على طعامٍ عند أخٍ كريم جواد .. ومع انشغال الأخ وعائلته بإعداد الطعام لضيوفه انقلب القِدْرُ ـ وكان مليئاً بالماء والمرَق المغلي الحامي ـ على طفلتهم الصغيرة .. فماتت .. فتحامل الأخ على الصبر، وعلى أن يُخفي معالم حزنه وتأثره .. وألزم زوجه بذلك .. حتى لا يتأذى الأخوة الضيوف .. وحتى ينتهوا من طعامهم بهناءة وسرور ومن دون أدنى كدرٍ .. ولما انتهوا من طعامهم .. وحمدوا الله .. وشكروا الأخ على حسن الضيافة .. وهموا بالنهوض .. استأذنهم بأن يصلوا معه على طفلته صلاة الجنازة!!

[997] أخرجه ابن عساكر، صحيح الجامع: 1800. سفساف الأمور أو الأخلاق؛ أي الأمر الحقير والرديء من كل شيء، وهو ضد المعالي والمكارم، وأصله ما يطير من غُبار الدقيق إذا نُخِلَ، والتراب إذا أثير " النهاية".

[998] أخرجه أحمد، وابن ماجه، السلسلة الصحيحة: 44. وقوله r: "خيارُكم من أطعمَ الطعامَ"؛ أي بذل الطعام لمستحقيه من الضيوف وغيرهم من ذوي الحاجة.

[999] أخرجه البخاري في الأدب المفرد، والترمذي، والدارمي، وغيرهم، السلسلة الصحيحة: 571.

[1000] صحيح سنن الترمذي: 1616.

[1001] أخرجه البخاري في " خلق أفعال العباد"، وابن أبي الدنيا، والحاكم، السلسلة الصحيحة: 1939.

[1002] أخرجه أحمد، السلسلة الصحيحة: 2434.

[1003] أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن حبان، السلسلة الصحيحة: 560. الشح الهالع: هو البخل الذي يحمل صاحبه على الجزَع والضجر، يظهر عليه ذلك إذا نزل بساحته ضيف أو دُعي لموقف فيه بذل أو عطاء. أما الجبن الخالع: هو الجبن الذي يكاد يخلع قلب صاحبه من صدره لشدة خوفه.

[1004] صحيح سنن أبي داود: 1489. والحديث فيه أن البخل سبب لكثير من الذنوب والمعاصي، لذا من السنة الاستعاذة من البخل كما في الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري وغيره: "اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وغلبة الدين وقهر الرجال". وكان r يأمر أصحابه بهذه الكلمات. 

[1005] رواه ابن حبّان في صحيحه، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد، صحيح الترغيب: 2603. وقيل في معنى الشح: هو البخل والحرص. وقيل: هو الحرص على ما ليس عندك، والبخل بما عندك!

[1006] أخرجه أحمد في الزهد وغيره، السلسلة الصحيحة: 3427.

[1007] رواه النسائي، وابن حبان في صحيحه، والحاكم، صحيح الترغيب والترهيب: 2606.

[1008] صحيح سنن النسائي: 2918.

[1009] رواه الترمذي وغيره، صحيح الترغيب: 2608.

[1010] صحيح سنن النسائي: 3432. قلت: مجيء الشح من حيث الترتيب بعد ذنب الشرك بالله، وقبل ما سواه من الموبقات الواردة في الحديث .. إنه لدليل على عِظم ذنب وداء الشح أعاذنا الله وإياكم منه.

[1011] قال ابن رجب في مجموع رسائله 2/430: أخرجه الحافظ أبو موسى المديني في كتاب " الترغيب والترهيب " من طريق أبي الشيخ الأصبهاني الحافظ بإسنادٍ حسن.

[1012]  أي الاهتمام به في اليوم والليلة وإكرامه بما يمكن ويتيسر، وبما يزيد عن العادة، أما في اليوم الثاني والثالث فيطعمه ولا يزيد عن عادته. وقوله: "حتى يؤثمه"؛ أي يوقعه في الإثم والحرج، فيضيق صدره بسبب أنه لا يجد ما يضيفه به .. وربما يحمله ذلك على الاقتراض مع عدم وجود الطاقة على السداد .. أو غيبة الضيف لتجاهله إمكانيات وقدرة وظروف المضيف .. والفترة الزمنية المناسبة التي يقدر فيها على إضافته .. فيوقعه ذلك في الإثم والحرج .. حيث أن من الضيوف من قد يطيب له المقام .. ولا يكترث لظروف المضيف؛ فيطيل المكث والإقامة في دار الضيافة ربما لشهرٍ أو شهرين أو أكثر أو أقل .. ويكون ذلك كله على حساب المُضيف ومعاشه، وعمله .. وما يتعين عليه من حقوق وواجبات .. فيوقعه في الحرج والإثم!

[1013] قال الترمذي: ومعنى " لا يَثوي ": لا يُقيم حتى يشتد على صاحب المنزل. والحرج: الضيق ا- هـ. وقال الخطابي: معناه لا يحل للضيف أن يُقيم عنده بعد ثلاثة أيامٍ من غير استدعاء منه حتى يضيق صدره، فيبطل أجره ا- هـ.

[1014] صحيح سنن أبي داود: 3188.

[1015] صحيح سنن أبي داود: 3189. قلت: وما كان صدقة ونافلة ليس من حق الضيف أن يُلزم مُضيفه به .. وإنما الأمر مرده للمضيف إن شاء تصدق، وله أجر، وإن شاء أمسك، ولا حرج عليه.

[1016] رواه أبو يعلى والبزار، صحيح الترغيب: 2590. وقوله " لا يؤثِّمه"؛ أي لا يتسبب له بالإثم.

[1017] رواه أبو داود، وابن ماجه، وغيرهما، صحيح سنن أبي داود: 3190. وقوله r " إن شاء اقتضى"؛ أي أخذ ما يحق له كضيف ممن نزل بفنائه وساحته، وإن شاء ترك وعفا، كمن له دين على آخر.

[1018] أخرجه أحمد، والحاكم، صحيح الجامع: 2730.

[1019] أي لا يضيفوننا، ولا يعطوننا طواعية ما يحق لنا من الضيافة. 

[1020] قال المنذري في الترغيب: رواه أبو داود، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد.

[1021] هو نبات طيب الطعم والرائحة.

[1022] أخرجه الحاكم وغيره، السلسلة الصحيحة: 2392.

[1023] السلسلة الصحيحة: 2440. قلت: كم هؤلاء النسوة اللاتي يحملن أزواجهن على المبالغة في التكلف للضيف طلباً للسمعة والرياء .. والمباهاة .. ويكون ذلك في كثير من الأحيان على حساب قدرات الرجال المادية .. فالحديث ينهى عن ذلك كله.

[1024] صحيح سنن الترمذي: 1502. وقوله r: "ما أقفَرَ"؛ أي ما خلا بيت من أدم فيه خل.

[1025] الحديث فيه نهي عن الإسراف من أجل الضيف، فالكرم شيء والإسراف الذي مؤداه إلى إلقاء أرطال من الطعام المتبقى عن الضيف أو الضيوف في القمامة شيء آخر، قال تعالى: )وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ(الأعراف:31.

[1026] قال المنذري في الترغيب والترهيب: رواه أحمد، والطبراني، وأبو يعلى، وبعضُ أسانيدهم حسن.

[1027] قال المنذري في الترغيب والترهيب: رواه الطبراني في الأوسط بإسنادٍ جيد. ونحو قوله قال الهيثمي في مجمع الزوائد: 8/177.

[1028] رواه أبو يعلى والطبراني، صحيح الترغيب: 2133.

[1029] رواه أبو داود وابن ماجه وابن حبان، صحيح الترغيب: 2128.

[1030] رواه الطبراني في الأوسط، صحيح الترغيب: 2132.

[1031] صحيح الأدب المفرد: 822. قلت لأن استقبال الباب وتوسطه مدعاة للاطلاع على عورات البيت ومن في داخله قبل أن يؤذن للزائر .. لذا من السنة الوقوف يميناً أو شمالاً .. وهذا أدب نبوي عظيم قلَّ من يلتزم به .. وأزيد فأقول: من خيانة الصاحب لصاحبه وغشه والغدر به أن يسترق النظر في مواضع من بيته وحجراته مما لا يأذن به صاحبُه.

[1032] صحيح الأدب المفرد: 816. والمدرى عبارة عن عودٍ نحيف يُشبه المسلَّة.

[1033] صحيح الأدب المفرد: 814. وقوله " ما كان عليكَ جناح"؛ أي من حرَج.

[1034] صحيح الأدب المفرد: 830. أي ما قيمة استئذانك بعد أن دخل بصرك وجال في أطراف البيت قبل أن يؤذن لك .. وأست الرجل مؤخِّرته.

[1035] صحيح الأدب المفرد: 828. فمن السنة عندما يستأذن الرجل أو الزائر أن يذكر اسمه .. ولا يكتفي بعبارة " أنا .. أنا"، وهذا أدب قلَّ من يلتزم به في زماننا!

[1036] صحيح الأدب المفرد: 827.

[1037] قال الترمذي: حديث حسنٌ صحيح. قلت: ونحو ذلك الهاتف ينبغي أن لا يزيد مقدار رناته وعددها وزمنها عن زمن وعدد قرع الباب ثلاثاً .. فإن رُدَّ على المهاتف خير .. وإلا فأمسك وأطفأ هاتفه .. إذ من الناس لا يُبالي أن يكرر اتصاله في الوقت الواحد عشر مرات .. وفي كل مرة قد يرن الهاتف عشر رنات .. فهذا لا شك أنه مخالف للأدب الآنف الذكر في الحديث أعلاه!

[1038] رواه ابن عساكر وغيره، السلسلة الصحيحة: 1321.

[1039] رواه البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود، والترمذي، السلسلة الصحيحة: 183.

[1040] قلت: وهذا أدب قلَّ من يتنبه له في هذا الزمان .. كم هي الحالة التي يُدعى فيها شخص أو عدد من الأشخاص لا يتجاوزون أصابع اليد على طعام أو وليمة .. فيأتي كلُّ شخص بمن يجد من معارفه وأقاربه وقبيلته .. ومن دون أن يستأذن صاحب الطعام أو الوليمة .. فيحصل الحرج والتقصير!

[1041] رواه أبو الشيخ في تاريخ أصبهان، السلسلة الصحيحة: 182.

[1042] أخرجه أحمد، السلسلة الصحيحة: 228.

[1043] أخرجه أحمد، السلسلة الصحيحة: 1402. قلت: لأن هذا يؤذي الثالث، وقد يظن أنه هو المعني من هذه المناجاة .. فيرتاب منهما! 

[1044] رواه البيهقي في السنن وغيره، السلسلة الصحيحة: 2385. قلت: وهذا يُحمل على المجلس الذي يضم أكثر من ثلاثة، والعلة من النهي هنا احتمال أن يكون بين الرجلين حديث خاص بهما يكرهان أن يشاركهما غيرهما في حديثهما أو ما يعنيهما ويهمهما .. وهذا ما يدخل في الحقوق الشخصية الفردية التي صانها الشرع ومنع من التطفل عليها!

[1045] أخرجه الطبراني في الأوسط، السلسلة الصحيحة: 3556.

[1046] أخرجه الحاكم، وأحمد، السلسلة الصحيحة: 627. قلت: وهذا بخلاف ما عليه كثير من المتنطعين والمتكلفين إذ ترى أحدهم إذا دُعي إلى طعام فلا يأكل منه حتى يستجوب صاحب الطعام بعشرات الأسئلة، هل طعامك حلال .. وهل ذُبح على الطريقة الشرعية الصحيحة .. ومن الذي قام بالذبح .. ومن أين اشتريته .. إلى آخر قائمة الأسئلة المعروفة .. وهذا كله من التكلف الذي نُهينا عنه!

[1047] أخرجه الترمذي وغيره، السلسلة الصحيحة: 619. والدهن: ما يُدَّهن به من العطور.

[1048] والوكاء ما يُربط به أعلى أو فوهة الوعاء أو القربة التي يُسقى بها.

[1049] أخرجَ الطبراني في المعجم الكبير، السلسلة الصحيحة: 3125. رأس الطعام: وسطه وأعلاه .. والسنة أن يُتناول الطعام من الحواف والأطراف .. ومما يليك.

[1050] السلسلة الصحيحة: 1587.

[1051] أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، السلسلة الصحيحة: 344.

[1052] أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق، السلسلة الصحيحة: 3122.

[1053] أخرجه أبو داود، وأحمد، السلسلة الصحيحة: 2104. وقوله " ولا يطأ عقبه رجلان"؛ أي كان النبي r يكره أن يمشي أحدٌ خلفه، وإنما على يمينه أو شماله، وهذا من كمال تواضعه للمؤمنين صلوات ربي وسلامه عليه.

[1054] أخرجه أبو داود، والحاكم، وابن ماجه، السلسلة الصحيحة: 2394.

[1055] أخرجه ابن ماجه، السلسلة الصحيحة: 1236.

[1056] أخرجه ابن ماجه، والحاكم، السلسلة الصحيحة: 386. وقوله " فلينح الإناء"؛ أي يُبعده عن فيه ثم يتنفس، ثم يُعاود الشرب ثانية إن أراد. 

[1057] أخرجه مالك، والترمذي، وابن حبان، والحاكم، وأحمد، السلسلة الصحيحة: 385. " والقذاة " الشوائب ودقائق الأمور التي تقع في الماء.

[1058] أخرجَه الترمذي، وابن ماجه، السلسلة الصحيحة: 343.

[1059] أخرجه أبو داود، وغيره، السلسلة الصحيحة: 2113. قال الشيخ ناصر: وقد روي عن النبي r النهي عن تفتيش التمر، ولكنه لا يصح كما بينته في الضعيفة " 5228 "ا- هـ.

[1060] رواه ابن حبان وغيره، السلسلة الصحيحة: 198.

[1061] رواه أحمد، السلسلة الصحيحة: 71. وقوله " وأقنيت"؛ أي أعطيت ورزقت المال والطعام وغير ذلك من النعم والخيرات، فكفيتنا.

[1062] أخرجه أبو داود وغيره، السلسلة الصحيحة: 2061.

[1063] صحيح سنن ابن ماجه: 2656.

[1064] التهلكة هنا شاملة لكل ما يترتب عليه هلاك النفس في الدنيا والآخرة؛ وذلك يكون بالسماح للنفس أن تركب المحظور المنهي عنه وتعمل به، وبإبعادها وإقلاعها عن العمل بالطاعات التي فيها صلاحها وسلامتها في الدنيا والآخرة .. فكل من سلك سبل الخطأ والعصيان ـ على اختلاف أنواعها ومسمياتها ـ وابتعد عن طريق الطاعة لربه U ولرسوله r .. تُحمل عليه الآية الكريمة، ويُقال له: لا تلق بنفسك إلى التهلكة .. فالآية الكريمة شاملة لكل أنواع المعاصي الظاهرة منها والباطنة، الكبيرة منها والصغيرة؛ لأن ما من معصية إلا ولها أثرها ـ بحسب نوعها وكمها ـ في هلاك النفس في الدنيا والآخرة!

[1065] أي كل نفسٍ بما كسبت من سوء وشرٍّ وعمل طالح مرتهنة وموثقة، مأخوذة به ومحاسابة عليه، ومسؤولة عنه .. وبالتالي ليس من حقِّ الإنسان أن يقول: هذه نفسي ولي الحق في أن أفعل بها ما أشاء!

[1066] رواه الترمذي وقال: حديث حسنٌ صحيح، صحيح الترغيب والترهيب: 3592.

[1067] قال المنذري: رواه البزار، والطبراني بإسنادٍ صحيح، صحيح الترغيب والترهيب: 3593. الشاهد من الحديث أن المرء سيُسأل ويُحاسب يوم القيامة ـ قبل أن يعرف سبيله إلى الجنة أو النار ـ عن جسمه وشبابه هل أبلاه في الطاعة وفيما يُرضي الله U، أم أنه أبلاه في المعصية، وفيما يُغضب الله تعالى .. هل سلَّط على جسمه المعاصي، والعادات السيئة فأهلكه بذلك، أم أنه أبلاه بالطاعات، والعادات الحسنة الحميدة .. فالمرء ليس حراً في أن يفعل في نفسه ما يشاء ـ بغير سلطان ولا إذنٍ من الله تعالى ـ كما هو الحال عند الإباحيين من الديمقراطيين والليبراليين العلمانيين!

[1068] أخرجه الترمذي، وابن حبان، والحاكم، السلسلة الصحيحة: 539.

[1069] قوله " خالداً مخلداً فيها أبداً"؛ لا يُستفادُ منه الخلود الأبدي الذي يجب لمن يموت على الكفر والشرك، وإنما يستفاد منه العذاب الطويل، وبيان عِظَم الذنب، والترهيب من اقترافه، وذلك لوجود أدلة وقرائن أخرى تصرف الكفر عمن يموت من أهل القبلة منتحراً أو قاتلاً لنفسه بنفسه، والله تعالى أعلم.

[1070] أخرجه أحمد، السلسلة الصحيحة: 3421. وقوله " يتقحم فيها"؛ أي يتقحم في نار الدنيا، " يتقحم في النار"؛ أي نار الآخرة؛ فالعذاب من جنس العمل.

   مسألة: يتكرر السؤال عن حكم الإضراب عن الطعام  لمن ابتلي من المسلمين بالسجن عند طواغيت الظلم .. من قبيل لفت النظر إلى قضيته العادلة، عسى أن يُرفع الظلم عنه، أو تُحسَّن معاملة الظالمين له؟

   أقول: الإضراب عن الطعام إلى درجة الهلكة والموت .. قولاً واحداً؛ لا يجوز، وهو من الانتحار وقتل المرء لنفسه بنفسه، مهما كانت الأسباب والدواعي الحاملة على هذا الإضراب.

   أما إن كان الإضراب عن الطعام جزئياً ومحدوداً ـ لا يمكن أن يرقى إلى درجة الهلكة والموت ـ تُرجى منه مصلحة راجحة، ودفع ضررٍ أكبر يعلو الضرر الجزئي المتحصِّل بسبب الإضراب عن الطعام .. وكان هذا الضرر الأكبر لا يُمكن دفعه إلا من خلال هذا النوع والقدر من الإضراب .. فحينئذٍ لا حرج من الإضراب عن الطعام إن تحققت فيه الشروط الآنفة الذكر، والله تعالى أعلم. 

[1071] رواه الطبراني، السلسلة الصحيحة: 462. وقوله " بادرني نفسه"؛ أي استعجل قدومه على الله تعالى بغير وجه حق، ومن فعل بنفسه ذلك فالجنة عليه حرام.  

[1072] أفاد الحديث أن المعين ـ ممن لم يرد بحقه نص ـ لا يُقال عنه شهيد، ولا يُشهد له بالجنة على وجه الجزم والتأكيد، حتى لو كان ظاهره أنه يُجاهد؛ الله تعالى أعلم بمن يُكلم ويُقتل في سبيله.

[1073] أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، السلسلة الصحيحة: 2244. قوله r: "وقتل النفس"؛ يشمل قتل المرء لغيره من الأنفس بغير حق، وقتل المرء لنفسِه بنفسه. وقوله " التعرُّبُ بعد الهجرة"؛ أي الارتداد إلى البادية والبداوة، بعد أن هاجر إلى الله ورسوله r.

[1074] أخرجه أحمد، السلسلة الصحيحة: 828. وقوله " ليسَ له إِجَّار"؛ أي ليس محاط بسياج أو سَور أو ما يمنع سقوطه. ومن يفعل ذلك فقد برئت منه الذمة؛ لأن فعله ينم عن تهور واستهتار بسلامة نفسه، وهذا لا يجوز!

    وقياساً عليه أقول: كل ما يتعلق بسلامة المرء مما يتعلق بقوانين وضوابط المرور والسياقة كاستخدام الحزام ونحوه من إجراءات تقتضيها السلامة العامة والخاصة، يجب الالتزام به.    

[1075] أي لابسة ثياباً لا تشد رغبة زوجها نحوها.

[1076] أي لا يكترث لشؤون الدنيا، ومن ذلك الاقتراب من نسائه، فهو منقطع للعبادة والصوم.

[1077]   أي كسلت وتعبت.

[1078]  أخرجه تمام في الفوائد، السلسلة الصحيحة: 2884.

[1079] أخرجه أحمد، السلسلة الصحيحة: 507.

[1080] أخرجه مسلم، والترمذي، وابن ماجه، وأحمد، السلسلة الصحيحة: 1948. وقوله " عافسنا"؛ أي خالَطنا وانشغلنا، وعالجنا، ومارسنا، ولاعبنا .. كل ذلك يدخل في معنى المعافَسَة.  وقوله " ساعة وساعة"؛ أي ساعة تمارسون هذه الطاعة، وهذا المباح المتعلق بحقِّ الله عليك، وساعة أخرى تمارسون طاعة أخرى ومباحاً آخر متعلقاً بحق نفسك، وحق العباد عليك .. لكن هذه الساعات ـ بما فيها ساعات اللهو المباح ـ كلها لله تعالى، وتؤدَّى كعبادة لله تعالى .. ومنه نعلم خطأ المقولة الشائعة السائدة: ساعة لربك، وساعة لنفسك، وساعة لأهلك وزوجك، وساعة لإخوانك وضيوفك، وساعة .. فهذا التعبير والإطلاق خاطئ، وهو تعبير شركي؛ لأن الساعات ـ بما في ذلك الساعات التي تُنفق وتُصرف للنفس، والزوجة والأبناء، والإخوان والضيوف، وغيرهم ـ كلها لله تعالى وحده، كما قال تعالى: )قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(الأنعام:162. فحياتك كلها إلى مماتك )لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ( لا يجوز أن تُصرَف منها ساعة واحدة لغير رب العالمين.

[1081] أي يتمايل ويترنح بينهما لعجزه وضَعفه.

[1082] صحيح الأدب المفرد: 145. أفاد الحديث أن أولى الناس بمعروفك: نفسكَ، ثم الأقرب فالأقرب.

[1083] رواه ابن سعد، والطحاوي في المشكل، والبيهقي في الشعب، السلسلة الصحيحة: 1290.

[1084] أخرجه البيهقي في الشعب وغيره، السلسلة الصحيحة: 1320. وقوله " ويبغَضُ السَّائِلَ الملحفَ"؛ أي الذي يلح ويُبالغ في سؤال المخلوق، وبخاصة إن لم يكن من ذوي الحاجة والفاقة، ومنه قوله تعالى: )لا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافاً(البقرة:273. أي لا يلحون في سؤال الناس  .. إذ كان الصواب من ذي الحاجة واللائق به أن يلح ويُبالغ في سؤال الخالق المالك I، فالله تعالى هو الرازق، وهو الغني، وهو I يحب من عبده أن يلح عليه في السؤال والطلب.

[1085] أخرجه أحمد، والنسائي، والحاكم، وغيرهم، صحيح الجامع: 3123.

[1086] قال الشيخ ناصر: إسناده جيد، السلسلة الصحيحة: 4/445.

[1087] صحيح سنن ابن ماجه: 2669. فيه أن الأكل في المسجد على غير وجه العادة جائز.

[1088] أخرجه البخاري في التاريخ، السلسلة الصحيحة: 3124. وقوله " ستجدون بقاياهم"؛ أي بقايا أحبار ورهبان أهل الكتاب في صوامعهم وديرهم منقطعين عن النساء والدنيا بسبب تشديدهم على أنفسهم، وبسبب الرهبانية التي ابتدعوها من عند أنفسهم؛ من دون أن يأمرهم بها الله، كما قال تعالى: )وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ(الحديد:27. والنبي r يحذر وينهى أمته عن اتباع سنتهم في ذلك.

[1089] كعادة شرب الخمر، والتدخين، وتناول نبتة القات ـ المنتشرة في اليمن وغيرها من البلدان ـ وكل مخدر أو مفتر، والكسل، والنوم الزائد، وإهمال نظافة البدن، والأكل الكثير الذي يؤدي إلى التخمة والسمنة، وغيرها من العادات والسلوكيات السيئة الضارة التي تمنع الجسد من أن يؤدي وظيفته على الوجه الأكمل في هذه الحياة، وربما تكون سبباً في وفاته مبكراً .. فهذا يُعد من السمِّ الخفي .. والانتحار الخفي البطيء الذي لا يتفطن له كثير من الناس!

[1090] صحيح سنن ابن ماجه: 1895. فالحديث تناول النهي عن كل ما هو ضار؛ سواء كان الضرر معنوياً باطنياً أو كان مادياً ظاهراً، وسواء كان الضرر مقصوراً على النفس أو أنه يتعدى إلى الآخرين .. فكل أنواع الضرر هذه الحديث قد نهى عنها.

    وفي معنى " الضرر والضرار"، قال ابن دقيق العيد في شرحه للحديث: قال بعضهم: هما لفظان بمعنى واحد؛ تكلم بهما جميعاً على وجه التأكيد. وقال ابن حبيب: الضرر عند أهل العربية الاسم، والضرار الفعل، فمعنى " لا ضرر"؛ أي لا يدخل أحدٌ على أحدٍ ضرراً لم يدخله على نفسه، ومعنى " لا ضرار"؛ أي لا يُضار أحد بأحد. وقال المحسني: الضرر هو الذي لك فيه منفعة وعلى جارك فيه مضرة، وهذا وجه حسن المعنى. وقال بعضهم: الضرر والضرار مثل القتل والقتال؛ فالضرر أن تضر من لا يضرك، والضرار أن تضر من أضر بك على غير وجه الاعتداء بالمثل والانتصار بالحق ... وعن أبي داود قال: الفقه يدور على خمسة أحاديث، وعدَّ هذا الحديث منها ا- هـ.

[1091] صحيح سنن ابن ماجه: 1897. وقوله " من ضارَّ أضرَّ اللهُ به"؛ أي من أضر نفسه أو غيره بغير وجه حقِّ، ابتلاه الله بالضر، وأنزل به الضر، وعاقبه من جنس عمله وضرره.

[1092] أخرجه الترمذي، وابن حبان، والحاكم، السلسلة الصحيحة: 2265. قلت: لو تأملت الأمراض التي تُصيب الإنسان وتنهك جسده، والتي تكون سبباً في وفاته، لوجدت أكثرها سببها البطن، وما يُحشى فيه من ألوان الطعام والشراب، وبكمية تزيد عن حاجة الإنسان!

[1093] أخرجه أحمد في الزهد، وغيره، السلسلة الصحيحة: 1891.

[1094] أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، السلسلة الصحيحة: 3372.

[1095] أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، وغيره، السلسلة الصحيحة: 3379.

[1096] صحيح سنن ابن ماجه: 3243. قلت: وفي الحديث نهي عن استشراف مواطن الضرر والهلكة، والشدة، والفتنة، والبلاء مما لا طاقة للمرء بتحمله وتحمل عواقبه ونتائجه .. وما أكثر الذين يُفتنون عن دينهم، وينقلبون على أعقابهم، بسبب عدم مراعاتهم لما تضمنه هذا الحديث من معنى وتوجيه.

    يوجد فرق بين استشراف البلاء ومظانه، وطلبه، وبين الصبر على البلاء إذا ما نزل: فالأول لا نتجرأ عليه، ولا نطلبه؛ لأن في طلبه والحرص عليه تزكية للنفس على الله، وهذا يتنافى مع كمال الإيمان، والآخر ـ إذا ما نزل ـ نسأل الله تعالى أن يلهمنا الصبر والثبات والاحتساب، وأن يعيننا على ذلك.

[1097] أخرجه أبو داود، والنسائي، وأحمد، السلسلة الصحيحة: 493.

[1098] أخرجه ابن حبان، السلسلة الصحيحة: 3123. والاستنان؛ تنظيف الأسنان بالسواك، أو ما ينوب عنه من الفرشاة والمعجون كما في زماننا.

[1099] أخرجه ابن عدي في الكامل، السلسلة الصحيحة: 666.

[1100] أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف، وغيره، السلسلة الصحيحة: 2252.

[1101] أخرجه أحمد، السلسلة الصحيحة: 2517.

[1102] أخرجه البخاري في الدب المفرد، والطبراني في المعجم الأوسط، السلسلة الصحيحة: 2956. والغمَر؛ زنخ اللحم والشحم؛ فمن بات وعلى يديه، وكذلك فمه أثر زنخ اللحم والشحم، ولم يقم يتنظيف نفسه بإزالة ما علق به من زنخ .. ثم اجتمعت عليه الآفات والحشرات، والمكروبات فأصابه منها مكروه فلا يلومنَّ حينئذٍ إلا نفسه.

[1103] أخرجه ابن ماجه، السلسلة الصحيحة: 506. قلت: والحديث فيه دلالة على أثر الظاهر على الباطن، وأثر وتأثر كل منهما بالآخر.

[1104] الغضب الشديد إضافة إلى كونه سبباً للوقوع في الظلم والشرِّ والعدوان على الآخرين، فهو كذلك سبب لكثير من أمراض الدم والقلب!

[1105] رواه المخلص في الفوائد المنتقاة، السلسلة الصحيحة: 2140.

[1106] رواه ابن الحمامي الصوفي في منتخب مسموعاته، السلسلة الصحيحة: 2873.

[1107] رواه الدولابي، السلسلة الصحيحة: 1633.

[1108] أخرجه الحاكم، السلسلة الصحيحة: 1650.

[1109] أخرجه أحمد، السلسلة الصحيحة: 517. قلت: يوجد فرق بين تناول الدواء كسبب مع الاعتقاد أن الله تعالى هو الشافي، وهو الذي أودع في الدواء خاصية الإشفاء، إن شاء أمضاه وإن شاء أمسكه .. وبين تعلق القلب بالدواء؛ وأن الشفاء من الداء مرهون بالدواء وتناوله من دون الله تعالى .. فالمعنى الأول حق ومشروع .. بينما المعنى الآخر باطل وهو من الشرك، ومخالف لقوله تعالى: )وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ(الشعراء:80.

[1110] القوة الواردة في الآية والتي ينبغي إعدادها وتحقيقها شاملة لجميع معاني القوة الظاهرة منها والباطنة، بما في ذلك قوة النفس والجسد؛ إذ لا يُمكن استخدام واستغلال وسائل القوة الأخرى بصورة جيدة وصحيحة إذا كان الجسد ضعيفاً لا يقوى على استخدام تلك الوسائل القتالية الحربية التي تُستخدم عادة في ميادين الحرب والقتال.

    ويُقال كذلك: أن جميع الشرائع العملية الظاهرة يُشترط لها القوة والقدرة؛ فالمرء لا يُمكن أن يُحيي تلك الشرائع وهو عاجز أو لا يملك القوة أو القدرة على القيام بها؛ فانتفاء القدرة يرفع التكليف والحرج إلى حين تحققها بنص الكتاب والسنة، واتفاق جميع أهل العلم، كما قال تعالى: )لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا(البقرة:286. وقال تعالى: )فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ(التغابن:16. ومنه نعلم أن القوة الجسدية والتربية البدنية مطلب من مطالب الشرع؛ لأن كثيراً من الواجبات الشرعية لا يُمكن القيام بها من دون توفر تلك القوة، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

[1111] قال الشيخ ناصر في تخريجه لكتاب الإيمان لابن أبي شيبة " 88 ": إسناده صحيح.

[1112] أخرجه النسائي، والطبراني في المعجم الكبير، وأبو نعيم، السلسلة الصحيحة: 315. وقوله " مشيُ الرَّجلِ بين الغَرَضين"، الغرَض: ميدان الرماية. والغرضين: المكان أو الخط الذي تُرمى منه السهام، والخط أو المكان الذي تُوضع فيه الأهداف وتكون هدفاً للسهام؛ فهو يمشي بين الغرضين ليلتقط السهام ويعود للرماية من جديد.

[1113] لو تأملت الذنوب والمعاصي لوجدت أن ما من ذنب إلا وله آثاره السيئة والمدمرة ـ بحسبه ـ على إيمان المرء وجسده سواء.

[1114] قوله تعالى: )وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى(؛ أي نهى النفس عن شهواتها الضارة، ومن ذلك تلبية نداء وحاجيات شهوة البطن والفرج عن طريق الخطأ والحرام.

[1115] رواه ابن مله في الأمالي، وأبو نعيم في الحلية، والديلمي، السلسلة الصحيحة: 1496. والمراد من الحديث: أن تحمل نفسك على طاعة الله ورسوله r، ومخالفتها فيما فيه معصية لله ولرسوله r.

[1116] أخرجه أبو داود الطيالسي، السلسلة الصحيحة: 2708. والحديث ـ والذي يليه ـ فيه دليل على العلاقة المتبادلة والمؤثرة والمتأثرة بين الظاهر والباطن، وأن كلاً من الظاهر والباطن بريد ودليل على الآخر.

[1117] أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، السلسلة الصحيحة: 2613.

[1118] صحيح سنن الترمذي: 2654.

[1119] أخرجه الترمذي، السلسلة الصحيحة: 510. والمراد من شرِّ ما بين لحييه، وشر ما بين رجليه؛ أي شرَّ اللسان، والفرج.

[1120] أخرجه أبو يعلى وغيره، السلسلة الصحيحة: 2609.

[1121] أخرجه أحمد، والدارمي، والبيهقي في شعب الإيمان، مشكاة المصابيح: 2772. والسحت: هو كل كسب أو مال حرام؛ وحرمته قد تكون من جهة نوع الكسب؛ كحرمة ثمن الخمر والخنزير، وقد تكون من جهة طريقة تحصيله؛ كالغش، والاحتكار، والربا، والميسر، والرشوة، والسرقة، ونحو ذلك.

[1122] رواه الطبراني، السلسلة الصحيحة: 1853.

[1123] رواه الحاكم والبيهقي، السلسلة الصحيحة: 107.

[1124] رواه ابن ماجه وغيره، السلسلة الصحيحة: 106.

[1125] رواه الطبراني في الكبير، صحيح الترغيب: 765. قال المنذري: و " السِّنين"؛ جمع " سَنَة " وهي العام المقحط الذي لم تنبت الأرضُ فيه شيئاً، سواء وقع قطرٌ أو لم يقع ا- هـ. والذي أردناه من هذا الحديث والأحاديث التي قبله التابعة لهذا الباب أن يُدرك القارئ حجم الدمار والهلاك والضرر الذي تسببه المعاصي والذنوب للنفس الإنسانية، وبالتالي من حق النفس عليك ـ يا عبد الله ـ أن تجنبها هذا الضرر والهلاك وكل ما يؤدي إليه.

[1126] المراد بالخليفة آدم u، والصالحون من ذريته، استخلفهم الله تعالى في الأرض ليسكنوها، ويعمروها بالخير والطاعة وكل ما ينفع الإنسان، ويعيشوا فيها وفق مشيئة الله وأمره، هذا هو معنى الخليفة والاستخلاف. فإن عُلم ذلك لا يصح أن يُقال: الخليفة الوارد في الآية يعني أن الإنسان خليفة الله تعالى في الأرض؛ بمعنى أنه نائبه ينوب عنه فيما استخلف عليه، فهذا المعنى لا يصح لغة ولا شرعاً؛ لأن الخليفة هو من يقوم مقام من كان قبله من الخلفاء، ثم طرأ على الخليفة السابق الغياب لسببٍ يمنعه من الاستمرار أو الحضور، وهذا المعنى لا يليق بجلال وأسماء وصفات الله تعالى.

    ويُقال كذلك: أن النائب لكي يكون نائباً عمن قبله لا بد من أن تكون صفاته وقدراته متقاربة لمن كان قبله من الخلفاء .. وهذا المعنى مُحالٌ بأن يُنسب إلى الخالق I، كما قال تعالى: )لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ(الشورى:11.

    وقد أورد بعض المفسرين بأن المراد بالخليفة في الآية هو الإنسان الخالف لمن كان قبله في الأرض من الجن الذين أفسدوا في الأرض، والله تعالى أعلم.

[1127] رواه الترمذي وقال: حديث حسنٌ صحيح، صحيح الترغيب والترهيب: 3592.

[1128] أخرجه أحمد، السلسلة الصحيحة: 911.

[1129] قوله تعالى: )حَقٌّ مَعْلُومٌ(؛ أي نصيب أو قَدْرٌ معلوم ومحدد بحسب نوع المال، وكمِّه، وفق شرطيه: الحول، والنصاب.

[1130]  وقوله تعالى: )وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ(؛ هو كل ثمر أمكن كيله وتقديره، وكان مما يُجَفف ويُقتنى، ويُدَّخر، وبلغ النصاب ـ ونصابه خمسة أوساق، والوسق ستون صاعاً، والصاع أربعة أمداد، والمد حفنة بكفي الرجل المعتدل الكفين، لقوله r: "ليست فيما دون خمسة أوساق تمرٍ ولا حبٍّ صدقة " ـ فحقه إن كان ممن سقت السماء ففيه العِشر، وإن سُقي بالنضح ففيه نصف العِشر، لقوله r في الحديث المتفق عليه: "في ما سقت السماء والأنهارُ والعيون أو كان بعلاً العُشر، وفي ما سُقي بالسَّواني ـ وهو ما يخرج به الماء من باطن الأرض ـ أو النَّضح نصف العِشر". أما إن كان الثمر مما لا يُوسَق ولا يُدَّخر كالخضار، أو كان يُوسق لكنه لم يبلغ النصاب، فحينئذٍ يكون حقه أن يُخرج صاحب الحصاد والثمر وقت حصاده للفقراء والمساكين وذوي الحاجة بالقدر الذي يوازي كم الحصاد أو الثمر الناتج ـ من غير تقطير ولا إسراف ـ وتطمئن إلى ذلك نفسه، كما قال تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ(البقرة:267. فالنفقة تجب في كل ما تنبت وتخرج الأرض؛ منها المقدَّرة بنصاب محدد، ومنها غير محددة تُترَك إلى طيب نفس المتصدق وتقديره، وغِناه، وكذلك يُقال في قوله تعالى: )وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ(؛ فكل حصاد له حق يجب أن يُؤدَّى؛ منه المقدَّر والمعلوم، ويُشترط له النصاب، ومنه غير محدد ولا معلوم إنما يُترك لتقدير وطيب نفس المتصدق على أن لا يجنح إلى التقطير أو الإسراف في التقدير فيقعد ملوماً محسوراً.

    عن قيس بن أبي غرزة، قال: مرَّ بنا رسول الله r فقال: "يا معشر التجار، إن البيعَ يحضره اللغو والحلف، فشوبوه بالصدقة".

    قال ابن حزم في المحلى: فهذه صدقة مفروضة غير محددة، لكن ما طابت به أنفسهم، وتكون كفارة لما يشوب البيع مما لا يصح من لغو وحلف ا- هـ.    

[1131] قوله r: "على أن يُعبَدَ اللهُ، ويُكفَرَ بما دُونِه"؛ هو تفسير للركن الأول من قوله r في الحديث السابق أعلاه: "شهادة أن لا إله إلا الله " فالأحاديث تفسر بعضها البعض؛ فدل أن الشهادة لا يكفي التلفظ بها من دون الاتيان بمعناها ومقتضاها ولازمها وشرطها، وهو " أن يُعبَدَ اللهُ، ويُكفَرَ بما دُونِه". وهو نفس المعنى المراد من قوله تعالى: )فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ( فمن حقق هذا الوصف في نفسه )فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى(؛ وهي لا إله إلا الله )لا انْفِصَامَ لَهَا(البقرة:256.

[1132] متفق عليه، والحديث فيه دليل على مراعاة الأولويات عند دعوة الناس، وبيان أن أهم العلوم وأوكدها وأشرفها الذي ينبغي أن يُبادأ به الناس علم التوحيد ـ البعيد عن بدع وتحريفات أهل الكلام وضلالاتهم ـ الذي يعرِّف العبدَ على ربه وخالقه وصفاته، وماله عليه من حق. وقوله " وتَوقَّ كرائم أموالِ الناس"؛ أي أنفس وأعز وأفضل أموالهم؛ فاحذر أن تقترب منها بغير حق وسلطان من الله تعالى .. كما عليك أن لا تقصدها وتتخيرها من دونها من الأموال.

[1133] صحيح سنن أبي داود: 1400. وقوله " الشَّرَطَ اللئيمةِ"؛ أي رُذَال المالِ، وقيل: صِغاره وشِراره. " النهاية".

[1134] هي الأنثى من المعز. أقول: اعتراض عمر t بادئ ذي بدئ على قرار أبي بكر t في مقاتلة مانعي الزكاة، ومن ثم لجوء الصديق إلى قياس الزكاة على الصلاة .. دل على أنهما لم يكونا يعلمان الحديث الآنف الذكر أعلاه الذي رواه ابن عمر t؛ إذ لو كانا يعلمانه لما اعترض عمر، ولما احتاج أبو بكرٍ إلى القياس. وفيه أن الصحابي الصغير قد يعلم ما لا يعلمه الكبير، وقد يستدرك على الكبير في مسألة أو بعض المسائل؛ وهذا لا يعني ولا يلزم أن يكون أعلم وأفضل من الكبير.

[1135] الشجاع: حية ذكر. أقرع، ليس على رأسه شعر لطول عمره وكثرة سمه. والزبيبتان: نُكتتان سوداوتان فوق عيني الحيَّة.

[1136] نصاب الفضة قدره مائتي درهم من الفضة، فيها خمسة دراهم، إذا حال عليه الحول؛ وهو عام كامل. أما نصاب الذهب: عشرون ديناراً من الذهب، فيها نصف دينار، فإذا بلغت المائة ففيها دينارين ونصف الدينار، إذا حال عليه الحول. وعلى هذين النقدين تُقاس العملات الورقية النقدية المعاصرة.

[1137] رواه مسلم. والحديث فيه دلالة على أن تارك الزكاة من غير جحود لوجوبها ليس كافراً، إذ الكافر الذي يموت على الكفر والشرك ليس له يوم القيامة سوى الخلود في النار، وكون تارك الزكاة يُترك ـ بعد عذاب يقدره الله تعالى ـ إلى المشيئة: فـ " إما إلى الجنَّةِ وإمَّا إلى النارِ"؛ دل أنه يموت مسلماً عاصياً.

[1138] نصاب المواشي كالتالي: الإبل: في كل خمسٍ من الإبل تُخرج شاة، وفي عشرٍ شاتان، وفي خمس عشرَة ثلاث شياه، وفي عشرين أربعُ شياه، وفي خمسٍ وعشرين ابنة مخاض ـ وهي التي لها سنة فدخلت في الثانية ـ، إلى خمس وثلاثين. فإن زادت واحدة ففيها ابنة لبون ـ وهي التي لها سنتان فدخلت في الثالثة ـ، إلى خمسٍ وأربعين. فإذا زادت واحدة ففيها حُقَّة ـ وهي التي لها ثلاث سنوات فدخلت في الرابعة ـ، إلى ستين. فإذا زادت واحدة ففيها جذعة ـ وهي التي لها أربع سنوات ودخلت في الخامسة ـ، إلى خمس وسبعين. فإذا زادت واحدة ففيها ابنتا لبون، إلى تسعين. فإذا زادت واحدة ففيها حقتان، إلى عشرين ومائة. فإن كانت الإبل أكثر من ذلك ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين ابنة لبون. وذلك بعد أن يحول عليها الحول وهو عام كامل. والحقة تُجزئ عن اللبون لمن شاء أن يتطوع بينما اللبون لا تُجزئ عن الحقة، وهكذا فالأكبر يُجزئ عن الأصغر دون العكس. 

    نصاب الغنم والماعز: في كل أربعين شاة، شاة إلى عشرين ومائة، فإذا زادت واحدة فشاتان، إلى أن تبلغ مائتين، فإذا زادت واحدة على المائتين ففيها ثلاث شياه إلى أن تبلغ ثلاث مائة، فإن كانت الغنم أكثر من ذلك ففي كل مائة شاةٍ شاة، وذلك بعد أن يحول عليها الحول.

    نصاب البقر: في كل ثلاثين بقرة بقرة تبيع؛ عمرها سنة، وفي الأربعين بقرة بقرة مُسِنَّة؛ عمرها سنتين فما فوق لمن شاء، فإذا بلغ عددها السِّتين ففيها تبيعان، فإذا بلغت السبعين فيها مسنة وتبيع، وفي الثمانين فيها مسنتان، وفي التسعين فيها ثلاثة أتباع، وفي المائة فيها مسنة وتبيعان .. وهكذا في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة.

[1139] صحيح سنن النسائي: 2289.

[1140] أخرجه أحمد، والطبراني في الكبير، السلسلة الصحيحة: 1639. وفي الحديث دلالة على أن المال وسيلة لتحقيق سلامة العبادة على الوجه الأكمل، وبالتالي لا يجوز أن يُضحى بالغاية؛ وهي سلامة العبادة والدين، ويُشغل عنها من أجل الوسيلة التي هي تكثير المال .. فالمالُ نعمة ما كان وسيلة لإحياء طاعة، وما سوى ذلك فهو نقمة، وربِّ الكعبة!

[1141] الإنسان الكريم الحريص على سلامة آخرته لا ينبغي أن يكتفي بما يجب عليه من الزكاة؛ وإنما يتنفل ويتوسع في الإنفاق والتصدق في سبل الخير ـ ابتغاء مرضاة الله، والتماس ما عنده I من العوَض والأجر الجزيل ـ قدر طاقته واستطاعته.

[1142] قوله تعالى: )فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ(؛ أي في اليسر والعسر، بالمتيسر والمقدور عليه.

[1143] قوله: "مِثْلُ أُحُدٍ"؛ أي مثل جبلِ أحد.  

[1144] أخرجه البزار في مسنده، السلسلة الصحيحة: 3491. والقيراط: نصف درهم من الفضة.

[1145] أي لا تجعلي مالكِ في وعاء فتحجبيه عن الإنفاق في سبل الخير ابتغاء مرضاة الله، فإن فعلتِ يحجبُ الله عنكِ المالَ ويمنعه، فالعقوبة من جنس العمل.

[1146] أي أعطي وتصدقي ولو بالشيء اليسير ما استطعتِ.

[1147] أي لا تلام ولا تُحاسَب على إمساك وادخار ما يكفيك ومن تُعيلهم وتنفق عليهم .. لكن الحرج لو توسعت في الإدخار والكنز أكثر من ذلك.

[1148] أي بلغت الروح الحلقوم؛ وذلك عند الغرغرة، والاحتضار .. فحينئذٍ يقل الانتفاع مما يوصي به، وربما ينتفي؛ بحسب درجة الاحتضار والغرغرة والمعاينة.

[1149] أخرجه ابن ماجه، والحاكم، وأحمد، السلسلة الصحيحة: 1143. وقوله: "أَنَّى تُعجِزُني"؛ أي أنَّى لك أن تفوتني أو تفلت مني ومن مساءلتي ومحاسبتي لك. وقوله: "وقد خَلقتُك من مثلِ هذه"؛ أي من ماءٍ مهين؛ وهو النطفة. وقوله: "فجمعت ومنعت"؛ أي جمعت المال ثم منعته عن مستحقيه، وعن أن يُنفق في سبل ودروب الخير. وقوله: "وأنَّى أوانُ الصَّدَقةِ"؛ أي قد فات أوان ووقت الصدقة التي تنتفع بها.

[1150] أخرجه الترمذي وأحمد، السلسلة الصحيحة: 2544. معنى الحديث: أن الذي أُنفِق وتُصدِّق به هو الباقي أجره وثوابه عند الله تعالى، وأما الباقي منها وهو كتفها فهو ذاهب كما يذهب غيره من الطعام عبر السبيلين.

[1151] أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، السلسلة الصحيحة: 3484. قلت: وعلى قدر الصدقة وكبرها وأثرها النافع يكون سعة الظل يوم القيامة، فمن أراد أن يتوسع عليه الظل يوم القيامة، فليتوسع في صدقته في الدنيا.

[1152] أخرجه الطبراني وغيره، السلسلة الصحيحة: 1908. قلت: من فقه الحديث أن يتبع المسلم العاصي معصيته بالصدقة؛ فالصدقة تُطفئ غضب الرب I، وتُزيل وتُضعِف من آثار المعصية على النفس، وبخاصة منها صدقة السر؛ لأنها أدعى للإخلاص .. فأحبُّ الأعمال إلى الله تعالى أصوبها وأخلصها.

[1153] قوله " في ظلِّه"؛ أي في ظلِّ عرشه I؛ يوضح ذلك الروايات الأخرى الدالة على أن المراد من الظل ظل العرش، كما في الحديث: "المتحابون في الله يُظلهم الله في ظلِّ العرش يومَ لا ظلَّ إلا ظِلُّه "[ صحيح الترغيب:3019 ].

[1154] رواه الترمذي وقال: حديث حسنٌ صحيح، صحيح الترغيب: 868. وقوله " الصَّومُ جُنَّةٌ"؛ أي وقاء يقي المؤمن من أذى الشهوة ومن أن يُلبي نداءها بالحرام، كذلك فهو يقيه من النار، ومن عذاب جهنم يوم القيامة .. فالصوم وقاء من المعنيين الآنفي الذكر معاً.

  [1155]مشكاة المصابيح: 1885. قال الألباني: حديث صحيح لطرقه.

[1156] أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، وأحمد، السلسلة الصحيحة: 3483. وقوله " ترك كيتين"؛ أي كيتين من نار!

[1157] أخرجه ابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج، والطبراني في الأوسط، وأبو نعيم في الحلية، السلسلة الصحيحة: 1692.

[1158] أخرجه أحمد، السلسلة الصحيحة: 1422. والكلأ: النبات والعُشب، وسواء رَطْبُه ويابِسُه " النهاية"، والحديث فيه: أن العقوبة من جنس العمل.

[1159] صحيح سنن ابن ماجه: 2004.

[1160] صحيح سنن ابن ماجه: 2005.

[1161] الآية كاملة:) لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (البقرة:272.

[1162] أخرجه ابن أبي شيبة في المصنَّف، السلسلة الصحيحة: 2766. قلت: مما يُستفاد من الحديث جواز إغاثة المسلمين لغيرهم ـ على اختلاف أديانهم وانتماءاتهم ـ من المنكوبين وذوي الحاجة، والإحسان والتصدق عليهم .. ومن يفعل ذلك ابتغاء وجه الله تعالى فله أجر.

[1163] صحيح الجامع الصغير: 1800.

[1164] أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، والبيهقي في الشُّعَب، السلسلة الصحيحة: 3407. وصاحب القرض له ثمانية عشر ضعف من الأجر هذا إن أحسن معاملة المقترِض، وصبر عليه، وأقالَ عثرته، وأمدَّ له من أجَل السَّداد ما استطاع إن دعا الأمر ذلك .. ثم هو لم يتبع معروفه هذا بالمن والأذى، فهذا الذي يعلو أجره أجر الصدقة، ويُضاعَف له بالأجر ثمانية عشر ضعف .. فهنيئاً لمن فعل.

[1165] إذ جرت العادة عند كثير من الناس أن ينفقوا ويتصدقوا من فائض مالهم الحرام؛ الناتج عن معاملات وتعاملات محرمة .. ولهؤلاء نقول: لا يقبلُ الله من الصدقات إلا ما كان طيباً حلالاً، فدرهم حلال يُتصدق به أبرك لصاحبه، وأحب إلى الله تعالى من ملايين الدنانير من الحرام أو أن تكون ملوثة بالحرام.

[1166] قال ابن كثير في التفسير: قال ابن عباس: أمرهم بالإنفاق من أطيب المال وأجوده وأنفسه، ونهاهم عن التصدق برذالة المال ودنيئه وهو خبيثه؛ فإن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، ولهذا قال:) وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ(؛ أي تقصدوا الخبيث )مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ(؛ أي لو أعطيتموه ما أخذتموه، إلا أن تتغاضوا فيه، فالله أغنى عنه منكم، فلا تجعلوا لله ما تكرهون، وقيل معناه: )وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ(؛ أي لا تعدلوا عن المال الحلال وتقصدوا إلى الحرام فتجعلوا نفقتكم منه.

    وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:) وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ(؛ يقول: لو كان لكم على أحد حق فجاءكم بحق دون حقكم، لم تأخذوه بحساب الجيد حتى تنقصوه، قال فذلك قوله:) إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ(؛ فكيف ترضون لي ما لاترضون لأنفسكم، وحقي عليكم من أطيب أموالكم وأنفسه ؟ ا- هـ.

    وقال عبد الرحمن السعدي في التفسير: يحث الباري عباده على الإنفاق مما كسبوا في التجارات ومما أخرج لهم من الأرض من الحبوب والثمار، وهذا يشمل زكاة النقدين والعروض كلها المعدة للبيع والشراء والخارج من الأرض من الحبوب والثمار، ويدخل في عمومها الفرض والنفل، وأمر تعالى أن يقصدوا الطيب منها، ولا يقصدوا الخبيث؛ وهو الرديء الدون يجعلونه لله، ولو بذله لهم من لهم حق عليه لم يرتضوه ولم يقبلوه إلا على وجه المغاضاة والإغماض، فالواجب إخراج الوسط من هذه الأشياء، والكمال إخراج العالي، والممنوع إخراج الرديء؛ فإن هذا لا يجزىء عن الواجب، ولا يحصل فيه الثواب التام في المندوب ا- هـ.

[1167] رواه ابن خزيمة، وابن حبان، صحيح الترغيب والترهيب: 880. وقوله " وكان إصره"؛ أي وكان ذنبه وإثمه عليه.

[1168] رواه الطبراني، صحيح الترغيب: 1720.

[1169] رواه أبو داود، صحيح الترغيب: 1721. قلت: أحاديث الباب أعلاه فيها رد على من تُطاوعه نفسه الأمارة بالسوء على الغدر والخيانة والسرقة في ديار العهد والأمان، بحجة أن ما يحتطبه من حرام سيصرف جزءاً منه للجهاد وفي مصاريف الجهاد ..!!

[1170] الفَلُو: هو المهر  الصغير؛ أول ما يولد.

[1171] رواه النسائي، وأبو داود، وابن ماجه، وغيرهم، صحيح الترغيب: 879. القنو: "العِذق بما فيه من الرطب، وجمعه أقناء". والحشف: "أردأ التمر؛ وهو الذي يجفُّ من غيرِ نضجٍ ولا إدراك". ورب الصدقة: صاحبها الذي تصدَّق بها. قلت: هذا الوعيد الشديد الوارد في الحديث هو لمن يتصدق بتمرٍ رديء، فما يكون القول: فيمن يتصدق بالحرام، وبمالٍ من كسبٍ حرام ...؟!

[1172] الأنصاب: هي الأصنام والحجارة كانوا يذبحون مواشيهم وقرابينهم عندها. والأزلام: هي الأقداح؛ وهي عبارة عن ثلاثة أقداح: مكتوب في إحداها افعل، وفي الثاني لا تفعل، وفي الثالث غفل أو فارغ ليس عليه شيء. فيأتي الرجل فيستقسم فإن خرج له افعل فعلَ، وإن خرج له النهي انتهى، وإن خرج له الفارغ أو ليس عليه شيء، أعاد المحاولة .. فهذا من الشر والرجس والطيرة يجب اجتنابه. ومن صور الاستقسام بالأزلام الرائجة بين الناس: أن من الناس من تراه إذا أراد أن يفعل شيئاً عدَّ على أصابع كفيه: يفعل أو لا يفعل؛ وتراه يلتزم بما ينتهي عليه العد عند آخر اصبع؛ فإن كان افعل فعل، وإن جاء بالنهي انتهى، ونحو ذلك استخدام أوراق الزهور والورود؛ فترى المستقسم يلتزم بما ينتهي عليه العد عند آخر ورقة من أوراق الزهرة أو الوردة .. فهذا كله من الاستقسام بالأزلام الذي نهى الله تعالى عنه. 

[1173] المشبهات والشبهات، بمعنى واحد: وهي التي لا يُعلَم حِلها ولا حرمتها بنص صريح محكم؛ قد تحتمل الحل من وجه، والحرمة من وجه آخر، تتباين فيها آراء وأفهام الفقهاء؛ فمنهم المحل لها ومنهم المحرم أو الكاره .. والتقوى وكذا الورع يستدعي في مثل هذه الحالة الابتعاد عن الشبهات خشية الوقوع في المحظور والحمى من حيث يدري المرء أو لا يدري. 

[1174] رواه الطبراني وغيره، السلسلة الصحيحة: 1033.

[1175] أي ضرباً من الإثم.

[1176] رواه الطبراني، صحيح الجامع: 153.

[1177] أخرجه ابن حبان، والطبراني، وأبو نعيم، السلسلة الصحيحة: 1058. وقوله " والمكرُ والخِداع في النَّار"؛ ذلك عندما يوضعان في غير موضعهما المباح، ويُستخدمان في المعصية وموارد الغش والغدر؛ وإلا فإن الحرب خدعة، والنبي r قد سأل ربه بأن يمكر له لا به.

[1178] أخرجه أبو داود، والبيهقي، وأحمد، السلسلة الصحيحة: 1303. ومهر البغي: هو الكسب الذي تتحصل عليه الزانية بزناها.

[1179] أخرجه الدارقطني، السلسلة الصحيحة: 2990. والكلب الضاري: هو كلب الصيد، فهذا له ثمن؛ وهو مستثنى من النهي عن ثمن الكلب.

[1180] صحيح سنن أبي داود: 2976.

[1181] أخرجه أبو بكر الخلال في " الأمر بالمعروف"، السلسلة الصحيحة: 3275. قلت: ونحوه الذي يكتسب ويقتات من وراء آلات العزف الأخرى، فكلها لها حكم الزمر، والزمّار. ومن العادات السائدة الخاطئة في بعض أمصار المسلمين، أن الناس إذا أرادوا أن يحتفلوا بمناسبة من المناسبات أتوا بزمَّار ليزمر ويُطبل لهم، والناس ترمي له الفلوس مقابل أن يهتف بأسمائهم أمام الجميع ..!

[1182] أخرجه الترمذي، وابن جرير الطبري في التفسير، وأحمد، السلسلة الصحيحة: 2922. القينات: هن المغنيات، اللاتي يحترفن الغناء، والمسميات في زماننا بالمطربات. وقوله " لا تعلمونهن"؛ أي لا تعلمونهن ما داموا على هذا الوصف؛ حتى لا يتقوين بما يتعلمنه على باطلهن وفسادهن وفجورهن، أما تعليمهن ما يحملهن على التوبة والإنابة إلى الحق فلا حرج فيه إن شاء الله. والحديث قد بين بوضوح منزلة المغنية المتدنية إلى حدٍّ جعلها ـ إن كانت من الإماء ـ وكسبها حرام .. ومع ذلك فمكانتها في الأمة ـ في هذا الزمان ـ تعلوا مكانة العلماء العاملين، ويمنحن من التكريم والعطاء، والتعظيم مالا يُمنح غيرهن من العلماء والمبدعين .. ويُعطين المساحة الواسعة والرئيسية من وسائل الإعلام مالا يُعطى لغيرهن .. ولما لا؛ وهن مادة الإغواء، والإفساد، والتخدير، والفتنة، والصد عن دين الله عند الظالمين.  

[1183] أخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي، السلسلة الصحيحة: 2203.

[1184] رواه ابن ماجه، وابن حبان في صحيحه، صحيح الترغيب والترهيب: 2378.

[1185] رواه الترمذي، صحيح الترغيب والترهيب: 2379. وقوله " ظهرت القِيان"؛ أي فشَت وكثرت، وعلا شأنها .. كما في زماننا .. فأصبحن ـ وللأسف ـ المثل الأعلى لكثير من الفتيات المسلمات .. وهنَّ تكايا الطواغيت الظالمين في إفساد الشعوب، وإلهائها عن الجد، وتخديرها!

[1186] أخرجه أحمد، والطبراني في الأوسط، والحاكم، السلسلة الصحيحة: 607. والبيع المبرور: هو البيع الذي لا يُخالطه الغش ولا الحرام.

[1187] أخرجه النسائي وغيره، السلسلة الصحيحة: 363. والبيَّاع الحلاَّف: هو الذي يستعين على بيع سلعه بكثرة الحلف والأيمان. 

[1188] رواه أحمد وغيره، السلسلة الصحيحة: 366.  

[1189] أخرجه البيهقي في شُعب الإيمان، السلسلة الصحيحة: 1458.

[1190] أخرجه ابن حبان، السلسلة الصحيحة: 364.

[1191] أخرجه ابن ماجه، وابن أبي الدنيا في إصلاح المال، السلسلة الصحيحة: 3453.

[1192] أخرجه أحمد، السلسلة الصحيحة: 1030. وقوله: "لا يبيع حاضر لبادٍ"؛ لأن ابن البادية لا يعرف الأسعار جيداً، فيخشى أن يُغرر به إذا ما ابتاع أو اشترى، من ابن الحاضر فيُغبَن. أما إن كان عالماً بالأسعار وقيمة السلع جيداً فلا حرج. ونحو ذلك أن يتلقى التجار الباعة فيشترون منهم قبل أن يدخلوا السوق، وقبل أن يتعرفوا على الأسعار .. فيقع الغش والغبن والغرر .. فهذا منهي عنه.

[1193] قوله لا صاعي تمر بصاع: أي لا صاعي تمرٍ رديء بصاع تمر جيد، وإن كان ولا بد بع التمر الرديء ثم اشتري بثمنه تمراً جيداً.

[1194] أخرجه أحمد وغيره، السلسلة الصحيحة: 3362. والاحتكار: أن يمنع التاجر عن الناس ما يحتاجونه من السلع ـ رغم توفرها في مخازنه ـ رجاء ارتفاع أسعارها بعد أن يشتد عليها الطلب!

[1195] رواه ابن أبي شيبة في المصنف وغيره، السلسلة الصحيحة: 2326. ومعنى البيعتين في بيعة: أن تباع السلعة في بيعتين: نقداً بسعر، ونسيئة بعد أجل بسعر آخر أكبر؛ كأن يُقال للمشتري: هذه السلعة ثمنها نقداً مائة، ونسيئة بعد زمن بمائتين، فهذا حرام وهو من ضروب الربا.

[1196] أخرجه ابن ماجه، السلسلة الصحيحة: 2354. قلت: ونحوه الذي يغل من الأموال العامة؛ سواء كان الغالُّ حاكماً أو محكوماً.

[1197] أخرجه الترمذي، وأحمد، السلسلة الصحيحة: 423. قلت: من دلالات وفقه الحديث أن مقابلة العدوان بعدوانٍ مماثل ليس على إطلاقه؛ إذ هناك أمور محرمة لذاتها لا يجوز أن يُعامل العدو بها، حتى لو اعتدى العدو بها. فإن قيل: ما هو الضابط في معرفة الأعمال التي يُجوز فيها المقابلة ومعاملة العدو بالمثل مما سواها؟ أقول: الضابط هو النص: قال الله، قال رسول الله r .. ولا شيء غير النص.

[1198] أخرجه أحمد، السلسلة الصحيحة: 3405. المَكْس: الضريبة، والماكِس، أو صاحب المَكْس: الذي يسعى على تحصيل الضرائب من الناس بغير حق!

[1199] صحيح سنن أبي داود: 2978. قلت: دلَّ الحديث على قاعدة مضطردة، وهي: أن ما حرم أكله حرم بيعه وثمنه.

[1200] أخرجه ابن ماجه، وابن أبي عاصم في السنة، السلسلة الصحيحة: 898. وقوله " أجملوا ..."؛ أي التزموا جادة الاعتدال والتأدة في طلب الدنيا، من غير طمعٍ، ولا هلعٍ، ولا توسع، ولا قلق على فوات الرزق .. فكل ميسر له رزقه الذي قدِّر وخُلق له. 

[1201] رواه أبو نعيم في الحلية، وابن عساكر، السلسلة الصحيحة: 952.

[1202] أخرجه ابن حبان في صحيحه، والحاكم، والبيهقي، السلسلة الصحيحة: 2607. وقوله " لا تستبطئوا الرِّزقَ"؛ أي لايحملنكم استبطاء الرزق وتأخره على أن تطلبوه بالحرام، فما عند الله لا يُطلب بمعصيته. وفي الحديث تفسير لمعنى الإجمال في الطلب، وهو: أخذ الحلال، وترك الحرام، فمن فعل ذلك فقد أجمل في الطلب.  

[1203] رواه أبو محمد بن شيبان العدل في الفوائد، السلسلة الصحيحة: 1703. قلت: ويكون ذلك، عندما يكون المال مكانه في القلب وليس في اليد، ويكون غاية يُطلب لذاته، وليس وسيلة لغيره.

[1204] الإسراف: التوسع في الإنفاق أكثر من الحاجة، فيؤول الزائد منه إلى التلف أو الإلقاء في سلَّة القمامة. والتبذير: هو إنفاق المال وهدره في المعاصي، وفيما هو حرام؛ كالخمر والدخان، ونحو ذلك. وقد سُئل ابن مسعود t عن المبذِّرين؟ فقال: "الذين ينفقون بغير حق".

[1205] الإنفاق المحمود هو الإنفاق الذي يميل إلى الاعتدال من غير جنوح إلى الشح والتقطير، ولا إلى الإسراف، وإنما وسط بينهما.

[1206] أخرجه النسائي، والبيهقي، السلسلة الصحيحة: 3568.

[1207] أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، السلسلة الصحيحة: 3417.

[1208] رواه النسائي، وابن ماجه، صحيح الترغيب والترهيب: 2146.

[1209] رواه عبد الله بن الإمام أحمد في زوائده، صحيح الترغيب والترهيب: 2377. البطر: الطغيان عند النعمة وطول الغنى، والأشَر: أشدُّ البطر " النهاية". أي أشد أنواعه. 

[1210] أخرجه أحمد في الزهد، وابن أبي الدنيا في الجوع، وابن عدي في الكامل، السلسلة الصحيحة: 1891. وقوله " يتَشدَّقونَ بالكلامِ"؛ أي يتكلَّفون، ويتوسعون في الحديث فيما لا ينبغي، ويلوون

بأشداقهم فيما لا يعنيهم، ولا يجوز، ومن دون احتراز لما يصدر منهم!

[1211] رواه ابن أبي الدنيا، والطبراني، صحيح الترغيب والترهيب: 2147.

[1212] أخرجه الترمذي، وابن ماجه، وأحمد، السلسلة الصحيحة: 2119. قلت: أعلم أن هذا الحديث ليس هنا موضعه، وموضوع الباب ليس للحديث عن حياة النبي صلوات ربي وسلامه عليه .. وإنما الذي حملني على ذكره في هذا الموضع، وتحت هذا الباب، هو أن أقول للمبذرين والمسرفين ـ الذين ينسبون أنفسهم لأمة محمدٍ r ـ : ارعوا على أنفسكم .. واتقوا الله .. لا تحسبوا المجد أو الشرف يُطلب بالإسراف أو التبذير .. فها هو سيد الخلق .. وأكرم الخلق .. وأشرف الخلق .. وأحب الخلق إلى الله تعالى .. يبيت الليالي طاوياً وأهله من الجوع .. لا يجدون عَشاءً .. وكان أكثر خبزهم من الشعير .. وهو r لو أراد أن تُحوَّل له الجبال ذهباً لحوِّلت بإذن الله.

[1213] السفيه هو الذي لا يحسن التصرف ولا التدبير؛ فيضع المال في غير موضعه المناسب، وفي غير الأوجه المشروعة والمباحة، ويتصرف به إسرافاً وتبذيراً من غير اكتراث للعواقب!

[1214] رواه الحاكم، صحيح الجامع الصغير: 3075.

[1215] من مقاصد الإسلام، ومقاصد الجهاد في الإسلام الحفاظ على سلامة المال من أن يُقصَد بسوء.

[1216] صحيح سنن الترمذي: 1174.

[1217] صحيح سنن الترمذي: 2/62. أقول: لكن قبل الشروع في القتال لا بد من حسن تقدير الموقف، وتقدير قوة صاحب المال وقوة المعتدي، وتقدير النتائج؛ فإن كانت قوة صاحب المال متقاربة لقوة المعتدي، وكان احتمال إمكانية إنقاذ المال من السلب ممكنة وواردة بنسبة لا تقل عن 50 % .. فحينئذٍ توجد للقتال مبرراته، أياً كانت نتائجه، وعليه وعلى أمثاله تُحمَل النصوص الآنفة الذكر أعلاه. أما إن كان صاحِبُ المالِ يعلم أنه لا طاقة له بالمعتدين، لقوتهم، ولعددهم، ولما يحملونه معهم من سلاح وغير ذلك .. ثم هو لو بادأهم القتال لن يستنقذ ماله منهم، بل سيفقد نفسه مع ماله .. فحينئذٍ النقل والعقل يُطالبانه بأن يُمسك عن القتال، ويدفع الضرر الأكبر بالضرر الأصغر؛ والضرر الأصغر يكون حينئذٍ في الاقتصار على خسارة المال وفقده، لدفع الضرر الأكبر الذي يكمن في فقد المال والنفس معاً!

[1218] أي يريد أن يأخذَ مالَه عنوة بغير وجه حق.

[1219] أي أعرض ولم يجبه إلى حاجته، والحديث فيه أن من المنكر ما يجوز تغييره باليد من دون الرجوع إلى السلطان.

[1220] صحيح سنن النسائي: 3803.

[1221] ونحو ذلك الذي يجلس في المقاهي المطلة على الطرقات أو التي تتوسط الطرقات.

[1222] وهي الفسحة التي تكون أمام البيت.

[1223] أي إن أبيتم إلا الجلوس في الطرقات، فأدُّوا حقَّها؛ فإن لم تؤدوا حقها كما هو مبين في الحديث أعلاه، أو لا تستطيعون أن تؤدوا حقها فلا يحق لكم الجلوس.

    قلت: من العادات الخاطئة في كثير من أمصار المسلمين بناء المقاهي في طرقات المسلمين، وأحياناً تكون مطلة على شواطئ البحر كما في المدن الساحلية، لتكون ملتقى الفسَّاق والعاطلين عن العمل، وإلى أوقاتٍ متأخرة من الليل، لا تسلم منهم مارَّةٌ إلا واعتدوا عليها بالنظر، والغمز، والكلام، وفي كثير من الأحيان باللمس، والتصوير، والاعتداء المباشر على الجسد. فهؤلاء أتوا بخلاف ما يجب عليهم من حق الطريق .. وهؤلاء ليس من حقهم أن يجلسوا في الطرقات ـ فيؤذوا المارة ـ ما دامت هذه هي أخلاقهم وتصرفاتهم.

[1224] أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار، والبزار في مسنده، السلسلة الصحيحة: 2501. " وإرشاد الضال"؛ أي إن صادفك فرأيت رجلاً قد ضلَّ الطريق ومبتغاه، فترشده وتدله.

[1225] أخرجه أحمد وغيره، السلسلة الصحيحة: 1561. " فاهدوا السبيل"؛ أي دلوا الغريب ابن السبيل على العنوان أو المكان الذي يبتغيه، والطريق الذي يؤدي إليه. " وأعينوا المظلوم"؛ أي على دفع الظلم عنه، ورد المعتدي عن عدوانه؛ فمن أبى إلا الجلوس في الطرقات فإنه سيرى هيشات الناس، وتعدي بعضهم على بعض؛ فإن رأى شيئاً من ذلك تعين عليه نصرة المظلوم ودفع الظالم، وإلا فليعتزل؛ فلا يستشرف الجلوس في الطرقات ..!

[1226] النخاعة: هي البزقة التي تخرج من الفم.

[1227]رواه البخاري في الأدب المفرد، وابن نصر في الصلاة، وأحمد وغيرهم، السلسلة الصحيحة: 1558.

[1228] رواه أبو بكر ابن أبي شيبة في الأدب، السلسلة الصحيحة: 2373.

[1229] أخرجه الترمذي، والبخاري في الأدب المفرد، وابن حبان، السلسلة الصحيحة: 572. " وبَصَرُكَ الرجلَ الرديءَ البصرِ"؛ أي إرشادك لضعيف البصر ومساعدتك له على تجاوز الطريق أو قضاء حاجته .. فلك بذلك صدقة.

[1230] رواه الطبراني في الأوسط، السلسلة الصحيحة: 2306. قلت: رغم هذا الترغيب، وهذا الأجر العظيم لمن يميط الأذى عن طريق الناس، كثير هم ـ في زماننا ـ الذين يترفعون عن إزالة أوساخهم من الطريق بل ومن أمام بيوتهم .. ويزدرون من يمتهن هذا العمل، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

[1231] صحيح سنن أبي داود: 4367. قوله r: "لم يعملْ خيراً قطُّ"؛ أي لم يعمل خيراً زائداً عن التوحيد؛ لأن الشرك لا تنفع معه الحسنات مهما عظمت، كما قال تعالى: )وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (الزمر:65. وقال تعالى: ) وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(الأنعام:88.  

[1232] أعجبُ لأمةٍ إماطة الأذى عن الطريق في دينها عبادة، وصدقة، وشعبة من شعب الإيمان .. ثم مع ذلك تجد طرقهم .. وشوارع مدنهم مليئة بالأوساخ، والأذى!!

[1233] الحديث فيه أن الأعمال تدخل في مسمى الإيمان، وأن الإيمان يتفاضل؛ بعضه يفضل ويعلو بعض؛ أفضله وأرفعه شهادة التوحيد، وأدناه إماطة الأذى عن الطريق. 

[1234] وهو المكان الذي يستظل به الناس في متنزهاتهم، وطرقهم، وأسفارهم، كالأشجار ونحوها من الأشياء التي تكون مظنة استراحة للناس.

[1235] أي الأمرين أو المكانين الباعثين على اللعن، واللذَين يجلبان ويسببان اللعن لصاحبهما من قبل الناس!

[1236] صحيح سنن أبي داود: 21. الموارد: أي موارد المياه التي ينتفع  الناس بها لأنفسهم ومواشيهم.

[1237] رواه الطبراني وغيره، السلسلة الصحيحة: 2294. قلت: والأذى المراد في الحديث، والموجب اللعن لصاحبه .. يشمل جميع أنواع الأذى؛ كل ما يؤذي الناس في طرقهم.

[1238] صححه الحاكم في المستدرك 1/186، ووافقه الذهبي. قال الشيخ ناصر في الإرواء 1/101: له شاهدان يُقوَّى بهما. والسخيمة: الغائِطُ أو الخَرَاءُ.

[1239] رواه أبو بكر بن أبي شيبة في الأدب وغيره، السلسلة الصحيحة: 2433. " لا تَنزلوا على جَوَادِّ الطُّرُقِ"؛ أي لا تقيلوا، ولا تحطوا متاعكم وحوائجكم ورحالكم في وسط الطرق، وبخاصة منها الطرق الرئيسية التي يحتاجها الناس في حركتهم وتنقلاتهم وقضاء حوائجهم .. فهذا مما يؤذي الناس، وهو اعتداء على حق عام لا حق لفرد أو مجموعة أفراد أن يتجرأوا عليه. أقول: والنهي يشمل كذلك أصحاب السيارات والشاحنات في زماننا الذين لا يُبالون أن يوقفوا سياراتهم في أي مكان يجدونه ويكون مريحاً لهم، وإن أدى صنيعهم إلى اختناق المرور، وإغلاق الشوارع .. وعرقلة السير وحركة العباد، وما أكثر من يفعل ذلك في زماننا .. ثم يحسب أنه ممن يُحسنون صنعاً!!

    ونقول لدعاة حفظ البيئة في بلاد الغرب وغيرهم: هذه التوجيهات النبوية الشريفة حول البيئة، والحفاظ على جمالها ونظافتها، وطهارتها .. قد أمر النبي r بها أمته قبل أكثر من أربعة عشر قرناً .. يوم أن كانت الأرض ومن عليها لا يُراعون حقاً لإنسان فضلاً عن أن يُراعوا حقاً لبيئة أو حيوان .. فأين أنتم منها .. ثم لماذا لم تحظ منكم على كلمة إنصاف؟!

[1240] صحيح سنن أبي داود: 2629.

[1241] لما في ذلك من أذى للناس، ولمصالحهم، وحركتهم.

[1242] قال الهيثمي في مجمع الزوائد 3/213: رواه أبو داود وغيره باختصار كثير، ورواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح. قلت: وهذا بخلاف ما عليه كثير من المسلمين في هذا الزمان؛ حيث اعتادوا ـ إذا ما ضاقت بهم مساجدهم ـ أن يفرشوا الحصر وسجاجيد الصلاة على الطريق خارج المسجد، فيفترشوا الطريق فيقطعوا بذلك على الناس حركتهم وسيرهم، وهذا لا يجوز.

[1243] قال المنذري في الترغيب والترهيب: رواه ابن ماجه، ورواته ثقات ا- هـ. والتعريس: النزول للاستراحة بعد سفر.

[1244] أخرجه أحمد في المسند 217، وقال أحمد شاكر في التخريج: إسناده صحيح.

[1245] وهذا ليس من قبيل الاستخفاف بهن وبحقوقهن ـ كما يصور الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ـ وإنما لكي لا تُؤذِي ولا تُؤذَى؛ فمن توسطت الطريق ـ وبخاصة الطريق الذي يُعرَف بازدحام الناس ـ زاحمت الرجال، ودافعتهم ودافعوها، وارتطمت بهم، وارتطموا بها .. وهذا فيه من الأذى ما فيه لها ولغيرها من الناس .. لذا من السلامة ودفع الأذى أن يعتزلن وسط الطريق ويلتزمن أطرافه وحوافَّه ما أمكن.

[1246] رواه المخلص في الفوائد، وابن حبان في صحيحه، وابن عدي، وغيرهم، السلسلة الصحيحة:856.

[1247] صحيح سنن أبي داود: 4392. " تَحْقُقْنَ الطريقَ"؛ أي تتوسطن الطريق، فتمشين في وسطه.

[1248] أخرجه أبو نعيم في الحلية، السلسلة الصحيحة: 1412. " أجزَأ عن هؤلاءِ وعن هؤلاء"؛ أي إذا سلم واحد من المارين فرد واحد من الجالسين؛ فكل واحد منهما يُجزئ ويُسقط الفرض عن فريقه، ويبقى سلام الآخرين مندوباً لمن شاء أن يُسلِّم.

[1249] أخرجه مالك، السلسلة الصحيحة: 1148.

[1250] أخرجه البخاري في الأدب المفرد، وأحمد، السلسلة الصحيحة: 1147. والراجل: الماشي.

[1251] قوله r " والقليلُ على الكثيرِ"؛ هذا إذا استويا في الوصف؛ فكان كلا الفريقين ماشيين أو راكبين، أما إن اختلفا في الوصف، فالحكم ما تقدم بيانه في الأحاديث الآنفة الذكر أعلاه؛ فالراكب يُسلم على الماشي، وإن كان الراكب أكثر من الماشي، وكذلك الماشي يسلم على القاعد وإن كان الماشي أكثر من القاعد، والله تعالى أعلم.

[1252] أقول: هذا إذا كنت تتحرك يا عبد الله إلى الصلاة؛ وهي أعظم وأحب عملٍ إلى الله تعالى ينهض ويتحرك إليه الإنسان .. ومع ذلك فالنبي r يقول: "عليكُم بالسَّكينَةِ والوَقَار، ولا تُسْرِعُوا"؛ حتى لو فاتتك الصلاة أو بعض الركيعات مع الجماعة .. والنهي عن السرعة هنا يشمل الماشي والراكب سواء .. وإذا كان هذا الذي ينبغي التزامه وأنت تتحرك نحو الصلاة .. فمن باب أولى أن تجتنب السرعة وأنت تتحرك نحو أعمال وأهداف أخرى هي أقل شأناً من الصلاة .. وبخاصة إن كنت تمتطي سيارة الإسراع فيها فوق القدر المسموح به يترتب عليه حوادث مؤلمة، وزهق الأنفس البريئة، وكسر للعظام والحديد معاً.

    ومما ينبغي مراعاته والإشارة إليه هنا: ما يشهده زماننا المعاصر من تطور هائل في حركة وشبكة ووسائل المرور: من سيارات، وشاحنات، وقطارات، وغيرها من وسائل النقل والمرور .. والتي لا يُمكن أن تتحرك بسلامة وسلاسة من دون أن تُحاط بجملة من القوانين والأنظمة تنظم حركة المرور والمشاة، وسرعة السيارات، ومتى تقف ومتى تتحرك، وزِنة حمولتها ونحو ذلك، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وعليه فإننا نقول: من حق الطريق أن يلتزم الناس الراكب منهم والماشي بقواعد وقوانين وأنظمة المرور المستحدثة التي تنظم حركة المرور والمشاة معاً .. فهذه القوانين من جهة هي إدارية تنظيمية لا تتعارض مع شرائع ومبادئ وقيم الإسلام .. ومن جهة أخرى الالتزام بها يترتب عليه تحقيق مصلحة راجحة تعم جميع الناس .. ودفع مضرة راجحة ظاهرة، ومحققة في حال لم يتم الالتزام بها .. وما كان كذلك فالنقل والعقل يُلزمان بالتزامها، ويؤثمان من يُخالفها، والله تعالى أعلم.

[1253] لأن من الناس من تُطاوعه نفسه الأمارة بالسوء على أن يمد بنيانه ليدخل في الطريق، فيضيّق على الناس طريقهم؛ فيظلم حقَّ الطريق، وحقوق المارة على الطريق.

[1254] صحيح سنن ابن ماجه: 1893.

[1255] صحيح سنن ابن ماجه: 1894.

[1256] رواه ابن جرير الطبري في مسند ابن عباس، وقال محمود محمد شاكر في التخريج 2/774: صحيح سنده ا- هـ. " النَّجَش"؛ نوع من أنواع الغش والخداع في البيع. " ولا تناجشوا"؛ أي لا يغش ولا يخدع بعضكم بعضاً، فيزيد أحدكم في سعر الشيء أكثر مما يستحق، ويزيِّن ثمنه ويمدحه، لا لحاجة إليه أو ليشتريه، وإنما ليوقع غيره في شرائه، كما يحصل أحياناً في المزاد العلني؛ فيتفق صاحب السلعة مع شخص على أن يزيد في ثمن السلعة لا لكي يشتريها لنفسه، وإنما لكي يوقع غيره بأن يزيد عليه، أو يشتريها بثمنٍ مرتفع. ونحو ذلك الذي يضع على السلعة سعراً مضاعفاً، ثم يضع أسفل هذا السعر سعراً جديداً آخر مضاعفاً لكنه أقل من الأول موحياً بتنزيل السعر وتخفيضه أقل مما تستحقه السلعة أساساً، ليجرِّئ الناس على الشراء، وما أكثر التجار الذين يفعلون ذلك في زماننا. وقوله r: "ولا تَسْتَقْبِلُوا السُّوقَ"؛ أي لا تجعلوا مداخل بيوتكم مستقبلة السوق، فتتأذَّون بالسوق، ويتأذى السوق بكم.

[1257]  من نعم الله تعالى على خلقه في الحياة الدنيا أنه تعالى لم يجعل الناس سواء في الرزق والمعاش، وتعاطي الأسباب، ليكمِّل الناس بعضهم بعضاً، وبذلك تعمر الحياة وتزدهر وتنهض وتمضي .. تصور لو أن الناس كلهم كانوا ملوكاً أو أطباء أو نجارين أو حدادين أو مزارعين أو فلاحين أو تجاراً، أو من ذوي المهنة الواحدة، أو الاهتمامات الواحدة، والميول الواحد .. أو المستوى الواحد في كل شيء .. كيف ستكون هذه الحياة .. لا شك أن الحياة حينئذٍ ستكون مستحيلة على بني البشر، إذ أن الدنيا لا يُمكن أن تعمر بمثل هكذا نظام.

    لكن هذا التفاوت بين الناس في الرزق والمعاش والاهتمامات الذي قدره الله تعالى لا يجوز أن يكون سبباً أو مدعاة لظلم القوي للضعيف، أو استعلاء الكبير على الصغير، والغني على الفقير .. كما لا يجوز أن يكون سبباً لتطاول الصغير على الكبير .. وسطو الفقير على ما في يد الغني .. فهذا مما منعته شريعة السماء التي دعت إلى عطف وإحسان الكبير على الصغير، واحترام الصغير للكبير.

    فإن قيل: لماذا لم يقدر الله أن يكون الناس جميعهم سواء في الرزق والمعاش والمنصب ...؟!

    أقول: أولاً هي مشيئة وإرادة الله تعالى .. والله تعالى لا يُسأل عما يفعل. وثانياً: أن الحياة الدنيا ليست دار مقام وجزاء، وإنما هي دار عمل وتمحيص وبلاء ومدافعة .. وهذا من مقتضاه إيجاد هذا النوع من التفاوت في القوى وفي الرزق وسُبل الكسب والرزق بين بني البشر .. ليبتلى الغني بالفقير، والفقير بالغني .. والقوي بالضعيف والضعيف بالقوي .. هل يلتزم كل منهما نحو الآخر بما قسم الله لكل منهما من رزق ومعاش .. بما أمر الله تعالى به عن طريق أنبيائه ورسله أم لا .. هل يحقق كل منهما الطاعة والعبودية لله U فيما هما فيه أم لا .. ليترتب على ذلك الجزاء يوم الخلود؛ يوم القيامة؛ ذلك اليوم الذي تذهب فيه جميع الفوارق الأرضية .. ليبقى التفاضل على أساس العمل والتقوى، وأيهم أحسن عملاً.

[1258] قال ابن كثير في التفسير: ثم قال U مبيناً أنه قد فاوت بين خلقه فيما أعطاهم من الأموال

والأرزاق والعقول والفهوم وغير ذلك من القوى الظاهرة والباطنة، فقال:) نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا( الآية. وقوله جلت عظمته: )لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً(؛ قيل معناه ليسخّر بعضهم بعضاً في الأعمال لاحتياج هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، قاله السدي وغيره ا- هـ.

[1259] قال عبد الرحمن السعدي في التفسير: أي هذا من ابتلاء الله لعباده؛ حيث جعل بعضهم غنياً، وبعضهم فقيراً، وبعضهم شريفاً، وبعضهم وضيعاً. فإذا منَّ الله بالإيمان على الفقير، أو الوضيع؛ كان محل محنة للغني والشريف؛ فإن كان قصده الحق واتباعه، آمن وأسلم، ولم يمنعه من ذلك مشاركة الذي يراه دونه بالغنى أو الشرف. وإن لم يكن صادقاً في طلب الحق، كانت هذه عقبة ترده عن اتباع الحق، وقالوا ـ محتقرين لمن يرونهم دونهم ـ: )أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا( ا- هـ. 

[1260] الجار ذي القربى؛ هو الجار القريب. )وَالْجَارِ الْجُنُبِ(؛ الجار غير القريب الذي ليس بينك وبينه قرابة. وقيل: الأول هو الجار المسلم. والآخر هو الجار اليهودي أو النصراني، فهذا أيضاً مما أمر الله تعالى باحترامه والإحسان إليه، وقد تقدم الحديث عن حق الجار على جاره، فراجعه إن شئت.

[1261] أخرجه البخاري، والدارمي، وأحمد، واللفظ له، السلسلة الصحيحة: 1285. قوله " وَلِيَ حَرَّه"؛ أي تولى إعداده وطبخه وتجهيزه.

[1262] أخرجه أحمد، السلسلة الصحيحة: 1043.

[1263] المشفوه: القليل؛ وأصله الماء الذي كثُرَت عليه الشفاه حتى قَلَّ، وقيل: أراد فإن كان مكثوراً عليه؛ أي كثُرت أكلَتُه." النهاية".

[1264] أخرجه ابن ماجه، وأحمد، السلسلة الصحيحة: 1042.

[1265] أخرجه أحمدن والطبراني، السلسلة الصحيحة: 740.

[1266] أخرجه أحمد، وأبو داود، السلسلة الصحيحة: 739.

[1267] الخول: حشَمُ الرجل وأتباعه، واحدهم خائل. ويقع على العبد والأمة، وهو مأخوذ من التخويل؛ التمليك، وقيل الرعاية " النهاية".

[1268] أخرجه أحمد، السلسلة الصحيحة: 2102. وقوله " أمَّا لا؛ فأَعِنِّي بكثرةِ السجودِ"؛ أي إن كنت ترغب في أن أشفع لك يوم القيامة؛ فأعني على ذلك بكثرة السجود لله. ومثل هذا الطلب من النبي r في حياته كان مشروعاً، أما بعد وفاته r فلا يُشرع، ولم يثبت عن أحدٍ من الصحابة أنه كان يتوجه للنبي r في السؤال أو الدعاء أو طلب الشفاعة ونحو ذلك.    

[1269] أخرجه البخاري في الأدب والمفرد، والديلمي، السلسلة الصحيحة: 2218.

[1270] أخرجه الطيالسي، وأحمد، السلسلة الصحيحة: 2527. هكذا هي العلاقة بين المملوك وسيده في الإسلام؛ هي علاقة أخوَّة، وعلاقة الأخ بأخيه، بعيدة كل البعد عن مظاهر الاستعلاء أو الظلم أو القهر.

[1271] صحيح الأدب المفرد: 148. " لحا قوماً .."؛ أي قبحهم وأبعدهم ولعنهم.

[1272] أخرجه الطبراني في الكبير، السلسلة الصحيحة: 2125.

[1273] أخرجه أحمد، السلسلة الصحيحة: 452.

[1274] أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد، وغيره، السلسلة الصحيحة: 868. إذا كانت من آخر كلمات النبي r التي أوصى بها أمته " الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم"، أدركت كم هي المساحة الواسعة من العناية والرعاية التي خصها الإسلام للخادم المملوك .. وأدركت كذلك أن هذه الممارسات الخاطئة والظالمة التي تُمارس بحق من يُستدعون للخدمة من الأحرار في بعض البلاد العربية وغيرها .. مستغلين ضعفهم وفقرهم وحاجتهم .. لا تمت إلى الإسلام وأخلاق الإسلام بأدنى صلة .. وأن الإسلام بريء منها .. وقد توعد أصحابها بالعذاب الشديد يوم القيامة.

[1275] صحيح الأدب المفرد: 139.

[1276] قوله " قبل أن يهلكوا"؛ أي في الجهاد .. فكانوا رضي الله عنهم مادة الجهاد والاستشهاد. وقوله " معافِري"؛ برود يمنية منسوبة إلى قبيلة معافِر ." النهاية".

[1277] أخرجه الترمذي في السنن " 2494"، وقال: حديثٌ حسن غريب. " نشر عليه كنفه"؛ أي نشر عليه ستره وعطفه ورحمته.

[1278] رواه أبو داود، والنسائي، وأحمد، السلسلة الصحيحة: 2438.

 [1279]أخرجه الحاكم، السلسلة الصحيحة: 999.

[1280] أي استوفى حقه من الأجير، فقام الأجير بما طلب منه المستأجر ثم بعد ذلك يمتنع المستأجر عن أداء حقه وأجره .. وما أكثر من يفعل ذلك في زماننا .. فكم من جسر وشركة وعمارة شامخة تشيَّدُ على أكتاف العمال وبعرقهم .. ثم بعد ذلك أرباب العمل يظلمونهم في حقوقهم وأجورهم!!

[1281] قلت: الغاية من هذا التوجيه النبوي: أمران مراعاة واحترام إنسانية المملوك، وحتى لا تختلط المعاني والكلمات التي تُصرف للعباد بالمعاني والكلمات التي تُصرف للخالق I .. وهذا من تمام العمل بالتوحيد ومقتضياته.

[1282] أي تأخر وارجع فالإمامة ليست لك؛ لأن من السنة أن لا يُؤم المرء في بيته وسلطانه .. هذا في الإسلام، وكان ذلك قبل أكثر من ألف وأربعمائة عام ..  أما عند الأمم الأخرى فالقوانين الأمريكية والغربية العنصرية كانت تقضي بأن لا يجلس الأسود أمام الأبيض، وأن لا يدخل أو يخرج من الباب الذي يدخل أو يخرج منه الأبيض؛ حتى لا يتأذى نظر الأبيض، ولما في ذلك من انتقاص من قدره .. وظلت هذه القوانين نافذة ويُعمل بها عند القوم إلى مطلع القرن العشرين!

[1283] أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في " المصنف"، وصححه الشيخ ناصر في كتابه آداب الزفاف،ص22.

[1284]  لفظة كلمة العبد لا يُراد منها في الأحاديث النبوية من كان لونه أسوداً أو غير ذلك، وإنما يُراد منها العبد المملوك لسيده ومولاه، وقد يكون السيد أسود البشرة والعبد المملوك أبيض البشرة، فتنبه لذلك .. وقوله " مُجَدَّعٌ"؛ أي مقطوع الأطراف.

[1285] صحيح سنن أبي داود: 3851. وقوله r: "وإن عبداً حبشيَّاً"؛ أي وإن ولي عليكم عبد مملوك حبشي فاسمعوا له وأطيعوا في المعروف.

    أقول: هذه التوجيهات النبوية العظيمة .. وهذا التعزيز من قبل النبي r لحقوق العبد المملوك ولمكانته .. هو الذي سمح للمماليك بأن ينطلقوا ويُمارسوا حقوقهم ودورهم السياسي على أكمل وجه .. مما مكنهم أن يقيموا فيما بعد دولة في مصر عُرفت باسمهم " دولة المماليك"، وكان لهم الفضل الكبير في نصرة الإسلام والذود عن حرماته، وحرمات المسلمين.

    ومن حقوق المسلم المملوك السياسية والاجتماعية في الإسلام أنه يحق له ـ شأنه شأن المسلم الحر ـ أن يؤمِّن من شاء من الأحرار من غير المسلمين .. فأمانه وعهده لهم نافذ وملزم لسيده ولجميع المسلمين .. كما لو أمَّنهم المسلم الحر .. وهذا الذي عليه جمهور أهل العلم.

    هذه الحقوق والقوانين والقيم جاء بها الإسلام وألزم بها أتباعه قبل أكثر من ألف وأربعمائة عام .. يوم أن كان العبد المملوك ـ عند الشعوب والأمم الأخرى كلها ومن دون استثناء ـ شيئاً من أشياء ومتاع سيده ومالكه يفعل به ما يشاء من دون أن يُسأل أو يُحاسَب .. وكان الحديث عن حقوق العبيد يومئذٍ ضربٌ من ضروب الخيال والشذوذ والتمرد عن المألوف الذي تآلفت عليه جميع شعوب وأمم الأرض .. فتأمل ذلك لتعرف عظمة الإسلام، وعظمة نبي الإسلام ـ صلوات ربي وسلامه عليه ـ وفضله على البشرية جمعاء، صدق الله العظيم إذ قال في نبيه صلوات الله عليه:) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِين(الأنبياء:107.

[1286] قد عمل الإسلام على تحرير العبيد ـ بطريقة سلسلة ومنظمة، ومن دون مضاعفات سيئة ترتد على العبيد والمجتمعات في آنٍ واحد ـ من خلال ثلاثة طرق: أولاً من خلال الحض والترغيب على عتق الرقاب وتحريرها. ثانياً: من خلال جعل عتق الرقاب كفارة لكثير من الخطايا والذنوب؛ كالقتل الخطأ، وكفارة اليمين، وكفارة من يُظاهر زوجته .. وغيرها من الذنوب والخطايا التي توجب على صاحبها أن يعتق رقبة من العبودية ويحررها. ثالثاً: من خلال المكاتبة فيُكاتب العبد سيده على مبلغ محدد في زمن محدد مقابل حريته، والسيد لا بد له شرعاً من أن يستجيب للكتابة لا مناص له من ذلك، كما قال تعالى: )وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ(النور: 33. من خلال هذه الطرق الثلاث ضمن الإسلام تحرير العبيد بصورة سلسة ومنظمة من دون مشاكل ولا مُضاعفات سيئة.

    فإن قيل: علام الإسلام لم يصدر أمراً فورياً بتحرير الرقاب، وتحريم اقتنائها ..؟

    أقول: لسببين: أولهما أن إصدار مثل هذا القرار الفوري سيشكل كارثة ـ بكل ما تعني معنى الكارثة من معنى ـ على العبيد أولاً، والأسياد وأعمالهم ثانياً، والمجتمع ككل ثالثاً .. نحن في زماننا المعاصر لا يُقبل من صاحب عمل أن يستخدم عاملاً عنده لعشر سنوات مثلاً ثم فجأة يقول له إذهب .. قد سرَّحتك من العمل .. ابحث عن عمل عند غيري .. من دون سابق إشعار أو إنذار .. ولا إعطاء فرصة كافية للبحث عن بديل قبل الطرد .. ولا تعويض .. ولعُد ذلك من الجور والظلم للعامل .. وكذلك أن يترك العامل رب العمل من دون سابق إنذار أو فرصة تمكن صاحب العمل من البحث عن البديل .. لعد ذلك من الظلم لصاحب العمل أيضاً .. فما بالك بأن يصدر قانوناً يلزم الأمة والشعوب بشكل فوري بتحرير مئات الملايين من الرقاب، وعلى كل سيد أن يطرد من عنده من المماليك .. ومن دون أن يُعدَّوا مادياً ونفسياً وثقافياً لهذه الخطوة .. لذا كان لا بد من التدرج في عملية التحرير كما فعل الإسلام!

    ثانياً: لم يغلق الإسلام باب الرق كلياً؛ لتبقى فرصة معاملة الآخرين بالمثل ممكنة وهو من تمام  العدل والإنصاف .. إذ أن الأمم والشعوب الأخرى كلها كانت ـ ولا تزال ـ تقوم ثقافاتها وعاداتها واعتقاداتها على استرقاق العبيد وبصورة لا تليق بالحيوانات .. فليس من العدل أن يقوموا باسترقاق أبناء ونساء المسلمين في أي فرصة تكون لهم فيها الغلبة على المسلمين .. ثم في المقابل يُقال للمسلمين لا يحق لكم أن تُقابلوهم بالمثل أو تنالوا منهم مثل ما نالوا منكم .. مع التنبيه للاختلاف الضخم والواسع بين معاملة المسلمين الراقية والعادلة للمماليك وبين معاملة غيرهم لهم .. الظالمة والمتخلفة! 

    ويُقال كذلك: عندما عمل الإسلام على تحرير العبيد وفق إسلوبه الرباني العادل والهادئ .. جعل مبدأ التحرير ديناً وثقافة تسري في ضمائر واعتقادات الناس .. وعبادة يُتقرب بها إلى الله تعالى .. قبل أن يُكتب كقانون على الورق .. بينما الأطراف الأخرى لما اهتدت مؤخراً في مطلع القرن العشرين إلى تحريم الرق .. نجدهم قد حرموه كقانون وحبر على ورق .. من دون أن يُلامس اعتقاد وثقافة وقيم الناس .. فهم يحرمون الرق والعنصرية كقانون على الورق .. وفي المقابل تراهم يُمارسونها في حياتهم العامة والخاصة في أبشع صوره ـ حتى في زماننا هذا ـ وبخاصة عند غياب رقابة القانون .. وما أكثر ما يغيب .. وما أكثر التقارير والإحصائيات التي تحدثنا وتُطالعنا عن التجارة بالرق الأبيض .. وعن الملايين من النساء اللاتي يتعرضن للاسترقاق والتجارة الجنسية .. بثمن بخس .. وكذلك الأطفال .. وبخاصة الأطفال الذين ينتمون إلى البلاد الفقيرة .. مستغلين حاجتهم وحاجة أهاليهم .. هذا غير الاستعباد غير المباشر، الذي يدخل فيه عموم الشعوب التي ارتضت لنفسها أن تدخل في طاعة وربوبية البشر من دون الله U .. فاتخذوا بعضهم بعضاً أرباباً ومشرعين يُحلون ويحرمون .. من دون الله. 

[1287] فمن مصاريف الزكاة السعي في عتق الرقاب، ومساعدة العبيد على سداد ما كاتبوا عليه أسيادهم. كما في الأثر عن يحيى بن سعيد، قال: "بعثني عمر بن عبد العزيز على صدقات إفريقية، فجمعتها ثم طلبت فقراء نعطيها لهم فلم نجد فقيراً، ولم نجد من يأخذها منا، فقد أغنى عمر بن عبد العزيز الناسَ، فاشتريت بها عبيداً فاعتقتهم".

[1288] رواه أحمد، وابن حبان في صحيحه، صحيح الترغيب والترهيب: 1898. وقوله r: "إن كنت أقصَرتَ الخُطبَة لقد أعرَضتَ المسألة"؛ أي وإن كان سؤالك قصيراً وموجزاً كلماته قليلة إلا أن معناه واسع وعريض وعظيم.

[1289] صحيح الأدب المفرد: 121. 

[1290] إطلاق الخسوف على الشمس منفردة؛ فلاشتراك الخسوف والكسوف في معنى ذهاب نورهما وإظلامهما " النهاية".

[1291] أخرجه البيهقي في شعب الإيمان " 8554"، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين.

[1292] قال الشيخ ناصر في الإرواء " 1686 " إسناده صحيح.

[1293] رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح، صحيح الترغيب: 1891.

[1294] رواه أحمد بإسناد صحيح، وغيره، صحيح الترغيب: 1893.

[1295] رواه أحمد، ورواته ثقاة، صحيح الترغيب: 1894.

[1296] رواه الطبراني، صحيح الترغيب: 1869.

[1297] رواه أبو داود، وابن حبان في صحيحه، صحيح الترغيب: 1897.

[1298] رواه أبو داود والنسائي، صحيح الترغيب: 1897.

[1299] رواه ابن حبان في صحيحه، صحيح الترغيب: 1899.

[1300] الحديث تضمن فوائد عدة منها: أن الحسنات التي تُفعل قبل الإسلام مما يتقرب به إلى الله تنفع صاحبها بعد الإسلام لو أسلم. ومنها جواز التصدق والإحسان على غير المسلمين ومن ذلك عتق رقابهم من العبودية .. والمسلم الذي يفعل ذلك له أجر.

[1301] أخرجه أبو داود وغيره، السلسلة الصحيحة: 488. قلت: الذي أريده منك أيها القارئ أن تتأمل هذا الرفق والإحسان في المعاملة التي يحظى بها العبد المملوك في الإسلام، ثم تقيس على ذلك وتنظر هل الأحرار في زماننا يتعاملون مع من يستخدمونهم من الأحرار .. بشيء من هذا الإحسان والرفق والرحمة .. وهل القوانين العصرية ذات العلاقة بحقوق العمال والخدَّام الأحرار تُلزم أرباب الأعمال نحو عمالهم الأحرار بما يُلزم الإسلام السيد نحو خادمه ومملوكه .. لتدرك أن نظام وقوانين العبودية في الإسلام أرقى من نظام وقوانين الأحرار عند الآخرين من غير المسلمين؟!

[1302] أخرجه الدولابي، وابن عساكر في تاريخ دمشق، السلسلة الصحيحة: 456. وقوله r " للبشر"؛ عام لجميع البشر؛ مسلمهم وغير مسلمهم.

[1303] صحيح سنن أبي داود: 4305. قلت العمل بمقتضى هذه الأحاديث ـ الملزم للأمة ـ كان السبب الأكبر ـ كما تقدمت الإشارة ـ في عتق الرقاب وتحريرها، وإلغاء ظاهرة العبودية في الأمة الإسلامية في وقت مبكرٍ جداً قياساً للأمم والشعوب الأخرى التي لاحقتها مظاهر العبودية والرق إلى منتصف القرن العشرين المنصرم!

[1304] رواه البزار، والطبراني بإسنادٍ حسن، صحيح الترغيب: 3607.

[1305] صحيح الأدب المفرد: 134.

[1306] صحيح سنن الترمذي: 2531.

[1307] أخرج البغوي في شرح السنة، وقال: حديث حسن غريب. وصححه ابن حزم في المحلى: 8/206. ونصر العمل بمقتضى الحديث من غير تأويل.

    أقول: هذا هو القانون الإسلامي ..وكان ذلك قبل أكثر من ألف وأربعمائة عامٍ .. بينما كان قانون الرق في أمريكا وبلاد الغرب ـ وظل ذلك إلى أوائل القرن المنصرم ـ يسمح للسيد الحر بأن يجرب سلاحه على جسد العبد المملوك .. ليختبر مدى جودة وفاعلية سلاحه!

[1308] صحيح سنن أبي داود: 3789. وقوله: "فجبَّ مذاكيرَهُ"؛ أي قطع له ذكرَه.  وقوله r: "على كلِّ مؤمنٍ"؛ أي على كل مؤمن نصرتك في إحضار الجاني إلى القضاء العادل لينال القصاص والجزاء العادل الذي يستحقه .. وإن كان الجاني هو سيدك!

[1309] الحقوق متبادلة؛ فكما أن للملوك حق على سيده ومولاه، وقد تقدم ذكره، كذلك السيد فله حق على مملوكه وخادمه؛ من ذلك الطاعة في المعروف؛ إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وأن يُخلص في رعاية ما يستخلفه عليه سيده من مال وغير ذلك.

[1310] الراعي هو الذي  يُحيط ما استُخلف واستؤمن عليه بالحفظ والرعاية والإصلاح .. ويبذل قصارى جهده المستطاع في ذلك.

[1311] رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، صحيح الترغيب: 1884.

 

[1312] قال الهيثمي في مجمع الزوائد 10/411: رواه الترمذي، وابن ماجه، وأحمد، وأبو يعلى، وحسَّنه الترمذي بهذا الإسناد ا- هـ. الخب: المخادع الذي يُخادع الناس، فيفسد بخداعه في الأرض. سيء الملَكَة: أي سيء المعاملة لمملوكيه، فلا يُحسن معاملتهم!

[1313] أخرجه البيهقي في شعب الإيمان: 8613. وقوله " وأنا أصوع"؛ أي يكتال بالصاع فيما له علاقة بمال سيده. والصاع عبارة عن مكيال بأربعة أمداد، والمد حفنة بكفي الرجل المعتدل.

[1314] قال الهيثمي في مجمع الزوائد 10/266: رواه الطبراني في الأوسط، وإسناده جيد ا- هـ. قلت: والحديث فيه دليل على صحة ما ذهبنا إليه في كتابنا " حكم تارك الصلاة " من التفريق بين الترك الكلي للصلاة، والترك الجزئي؛ فالأول يُكفر ويخرج صاحبه من الملة، بينما الآخر ـ إن لم يكن هو الغالب ـ لا يكفر صاحبه ولا يُخرجه من الملة، وإنما يُترك للمشيئة شأنه شأن مرتكبي الكبائر  من أمة التوحيد. كما أن الحديث فيه دليل على جواز السؤال عن دين عمن يُشكل أو يُبهم أمره ممن يُقدَّم للصلاة عليهم، والله تعالى أعلم.  

[1315] قوله r " فقد كفَرَ"؛ ليس الكفر الأكبر الذي يُخرج صاحبه من الملة، وإنما المراد كفر النعمة؛ أي كفَرَ نعمة ومعروف وفضل سيده عليه، والله تعالى أعلم. 

[1316] رواه ابن حبان في صحيحه، صحيح الترغيب: 1887. وقوله r " لا تسأل عنهم"؛ أي لا تسأل عن هلكتهم وما لهم من وعيد وخزي وعذاب يوم القيامة.

[1317] رواه الطبراني في الأوسط، والصغير بإسنادٍ جيد، والحاكم. صحيح الترغيب: 1888. والعبد الآبق: أي العبد الهارب، المستخفي، والممتنع عن الخدمة، وحق سيده عليه. 

[1318] صحيح سنن أبي داود: 4307. خبَّب المملوك: أي أفسَدَه وخدَعَه وجرَّأه على العصيان من غير مبرر شرعي، فيكون بمثابة المخادع الدال لغيره على الشر.

[1319] رواه أحمد بإسنادٍ صحيح، والبزار، وابن حبان في صحيحه، صحيح الترغيب: 2013.  

[1320] هذا الوعيد الشديد الوارد في الآية الكريمة يشمل من يأكل مال اليتيم ظلماً المتروك له من قبل المورِّثين، كما يشمل من يأكل الأموال التي تُجبى من المحسنين لليتامى وباسم اليتامى .. فيحرمهم منها، ولا يُوصلها إليهم .. وما أكثر أولئك الذين يفعلون ذلك في هذا الزمان .. يجبون الأموال باسم اليتامى .. ثم يصرفونها على أنفسهم، وشهواتهم!

[1321] ]يَدُعُّ الْيَتِيمَ[؛ أي يقهره، ويدفعه بقوة وعنف عن حقه .. فيغلبه ويقهره على حقه .. فيبيت اليتيم مغلوباً مقهوراً حزيناً .. ومن يفعل ذلك باليتيم فقد خاب وخسر خسراناً عظيماً!

[1322] أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، السلسلة الصحيحة: 3451.

[1323] أخرجه أبو داود وغيره، صحيح الجامع الصغير: 4605. قبلتكم أمواتاً؛ إشارة لطريقة دفن الميت، وتوجيهه نحو القبلة.

[1324] صحيح سنن ابن ماجه: 2967. وقوله r: "أحَرِّجُ"؛ أي أشدد على رجال أمتي حق الضعيفين، اليتيم والمرأة، وألحق الحرج والإثم في كل من قصر بحقهما.

[1325] اليتيم هو الذي يموت عنه والده ولا يزال في سن ما قبل البلوغ والاحتلام؛ لأن حق الرعاية والولاية والنفقة على الوالد دون سواه، ويلحق باليتيم من كان والده فاقداً لشروط الولاية والرعاية والنفقة؛ كأن يكون مجنوناً فاقداً لعقله لا يُحسن التصرف ولا التدبير، أو مريضاً مرضاً يُعيقه كلياً من التصرف والقيام بواجبه نحو أطفاله .. ويلحق باليتيم كذلك اللقيط الذي لا يُعرَف أبواه .. ولا نسبه .. فهذا بلاؤه أشد من اليتيم الفاقد لوالده فقط .. ورعايته أوكد وأوجب من غيره لتضاعف البلاء عليه، كما قال تعالى: )فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ(الأحزاب:5.

[1326] أخرجه الطبراني في الكبير، السلسلة الصحيحة: 3180.

[1327] أخرجه أبو داود وغيره، وصححه الشيخ ناصر في الإرواء: 1244.

[1328] أخرجه أحمد في المسند، وصححه الشيخ ناصر في الإرواء: 1244.

[1329] أي لا يحسن التصرف؛ فلا يستطيع أن ينصف نفسه من الآخرين لضعفه، ولا أن ينصفهم من نفسه بالعدل؛ فهو ضعيف مغلوب سواء كان الحق له أو عليه!

[1330] قوله: "له أو لغيره"؛ فله أي أن يكون اليتيم لصيقاً بالكافل ومن أقاربه. ولغيره؛ أي أن يكون الكافل لليتيم ليس من أقاربه ولا من عائلته وإنما يتبع لعائلة أو قبيلة أخرى. قال النووي في الشرح: "له أو لغيره؛ فالذي له أن يكون قريباً له كجده وأمه وجدته وأخيه وأخته وعمه وخاله وعمته وخالته وغيرهم من أقاربه، والذي لغيره أن يكون أجنبياً "ا- هـ. قلت: والكفالة تكتمل ويكتمل أجرها عندما تشمل الجانب المادي من نفقة ونحوها، والجانب المعنوي؛ كالتعليم، والتأديب والتربية معاً.

[1331] أخرجه البخاري في التاريخ، السلسلة الصحيحة: 3249. قلت: الأبوة المرادة في الحديث أبوة الرعاية والعطف والإحسان .. وليس أبوة التبني لنزول النص في تحريمها.

[1332] أخرجه أحمد، صحيح الترغيب والترهيب: 1895.

[1333] صحيح الأدب المفرد: 103. خوانه، المجلس أو الشيء الذي يوضع عليه الطعام.

[1334] أخرجه أحمد وغيره، السلسلة الصحيحة: 854.

[1335] أخرجه الخرائطي في مكارم الأخلاق، وابن عساكر، صحيح الجامع الصغير: 250.

[1336] أخرجه الطبراني في الكبير، صحيح الجامع الصغير: 80. قلت: هذه وصفة نبوية عظيمة لكل من يشكو هماً أو كرباً يريد زواله أو له حاجة من حوائج الدنيا له فيها صلاح .. تستعصي عليه .. فعليه أن يجرب هذا الدواء والعلاج النبوي العظيم المشار إليه في الحديث أعلاه.

[1337] أخرجه الترمذي في السنن " 2352"، وصححه الشيخ ناصر، صحيح سنن الترمذي: 1916.

[1338] هذا الحق وكل ما يُدرج تحته من مسائل وأدلة وحقوق فهو يشمل الذمي المعاهد الذي يرتبط مع المسلمين في بلادهم بعهد أو عقد ذمة دائمة أو عهد صلح مؤقت؛ أو من أتى منهم بلاد المسلمين بعقد وعهد استثنائي خاص به ومؤقت، وكذلك من يأتيهم من المسلمين وهم في بلادهم بعهد أو عقد دائم أو مؤقت، وما لهم حينئذٍ على المسلم الوافد إليهم بعهد استثنائي خاص به من حق .. وكذلك المواطن المسلم المقيم في بلادهم؛ لارتباطه بعقد اجتماعي مع المجتمع الذي يعيش فيه .. أما كيف تتم صيغة هذا التعاقد أو التعاهد .. والقدر الذي به يتم العقد .. ومن له الحق في إبرامه .. وكيف ومتى ينتهي .. وغير ذلك من المسائل التفصيلية .. فهذا له موضع آخر تجده في كتابنا " الاستحلال"، فراجعه إن شئت.

[1339] قال ابن كثير في التفسير: وقوله )وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ( الآية، يقول تعالى وإن استنصركم هؤلاء الأعراب، الذين لم يهاجروا في قتال ديني على عدو لهم فانصروهم، فإنه واجب عليكم نصرهم؛ لأنهم إخوانكم في الدين، إلا أن يستنصروكم على قوم من الكفار، بينكم وبينهم ميثاق أي مهادنة إلى مدة، فلا تخفروا ذمتكم ولا تنقضوا أيمانكم مع الذين عاهدتم، وهذا مروي عن ابن عباس رضي الله عنه ا- هـ.

[1340]  صحيح سنن أبي داود: 2397. وقوله " إني لا أَخِيسُ بالعَهْدِ"؛ أي لا أنقضه ولا أسيء له. وقوله " ولا أحبِسُ البُرُدَ"؛ أي لا أحبس الرسل وأمنعهم من العودة إلى مرسليهم وأقوامهم؛ لأن الرسل ـ أيَّاً كان دينهم وكانت انتماءاتهم ـ بالنص والعرف هم في أمانٍ لا يجوز الغدر بهم أو الإساءة إليهم في شيء، وأبو رافع رغم أنه هو الذي اقترح البقاء والمكث عند النبي r من تلقاء نفسه ومن دون أدنى إكراه، إلا أن النبي r لم يقبل منه وأمره بأن يرجع إلى من أرسلوه أولاً ثم يرجع ـ حراً مختاراً ـ إن شاء .. ومن دون أن يكون رسولاً .. وذلك حتى لا يُقال أن محمداً ـ حاشاه ـ يحبس الرسل. 

[1341] هذا الحديث من جملة الأدلة الدالة على جواز أن يكون فريق من المسلمين في عهد وأمانٍ مع طرف من المشركين المحاربين، يراعي عهده وأمانه له، وفريق آخر من المسلمين في حربٍ مع نفس هذا الطرف المشرك المحارب لانتفاء وجود العهد والأمان بينهما .. فما يلزم الفريق الأول لا يلزمه .. وما يلزمه لا يلزم الفريق الأول المعاهد .. ونحو ذلك موقف الصحابي الجليل أبي بصير ومن معه من المؤمنين من مشركي قريش .. في الوقت الذي كان يوجد صلح وهدنة أمان بين النبي r ومن معه من المؤمنين في المدينة وبين مشركي قريش .. وكان لكل فريق من الفريقين المؤمنين يلتزم بما يلزمه .. ومن دون أن ينكر النبي r على الفريق الآخر قتالهم لمشركي قريش؛ لأنهم خارج دائرة الصلح المنعقد .. وخارج سلطانه .. وهذه المسألة على وضوحها، ووضوح الدليل عليها، لا يزال يُثار الشغب حولها من قبل بعض الجهلة!

[1342] صحيح سنن أبي داود: 2397.

[1343] رواه الخلعي في الفوائد، وغيره، السلسلة الصحيحة: 2998.

[1344] أخرجه أبو داود وغيره، السلسلة الصحيحة: 423. من فوائد هذا الحديث أن المعاملة لا تكون بالمثل على الإطلاق؛ فما كان محرماً لذاته ـ كالخيانة، والغدر، والسرقة وغيرها ـ لا يجوز اللجوء إليه أو القيام به من قبيل معاملة الطرف الآخر بالمثل، والعدوان عليه بمثل ما اعتدى.

[1345] أخرجه أحمد، والبزار، والطبراني في الأوسط، صحيح الترغيب والترهيب: 3004.

[1346] صحيح سنن أبي داود: 3229. إذا كانت اللقطة التي تُرمى وتسقط من المعاهد لا يجوز أخذها، وهي لا تحل لمن يلتقطها إلا بإذن صاحبها المعاهد .. فكيف ببقية حرماته الأخرى الأغلظ والأشد لا شك أن مراعاتها أوكد، وأعظم!

[1347] رواه أحمد، وقال الشيخ شاكر في التخريج 7/31: إسناده صحيح.

[1348] رواه النسائي وابن ماجه، وأحمد، السلسلة الصحيحة: 440.

[1349] السلسلة الصحيحة: 440.

[1350] رواه الحاكم، صحيح الجامع: 357. أفاد الحديث: أن أي عملٍ يحمل الرجل على أن يطمئن للرجل أو الطرف الآخر؛ فهو نوع عهد وأمان ـ وإن لم يرافقه تصريح باللسان ـ لا يجوز الغدر به .. هذا الحديث ونحوه من الأحاديث والنصوص ـ كما في قصة المغيرة بن شعبة مع رفقاء سفره من المشركين ـ هو الذي حملني على القول منذ أكثر من ثماني سنوات ـ كما في كتابي الاستحلال ـ ولا أزال أقول: أن خطف الطائرات .. ونحوه الراكب الذي يغدر برفقاء سفره في السفر .. فيفجِّر عليهم القطارات والحافلات .. بعدما اطمأنوا إليه، وارتضوه أن يُسافر معهم، وأن يجلس بجوارهم .. ثم هم مع ذلك ـ في كثير من الأحيان ـ يستضيفونه مما يحملون معهم ـ في طائراتهم وقطاراتهم ـ من طعام وشراب ـ وهو زيادة في الأمان والإطمئنان ـ  فهذه الصور كلها من الغدر الصريح .. وهي حرام قطعاً .. تتنافى مع تعاليم وأخلاق ديننا الحنيف .. لا ينبغي ولا يجوز التردد في ذلك .. كما لا يجوز أن تُنسَب إلى الإسلام، أو يُضفى عليها الطابع الشَّرعي .. ولا أعلم في ذلك مخالف مُعتبر.

[1351] صحيح سنن النسائي: 4423.

[1352] صحيح سنن النسائي: 4425. قلت: هذا الحديث ونحوه هو الذي حافظ على من دخل من اليهود والنصارى في ذمة وعهد وأمان المسلمين في ديارهم، ومن دون أن يُمسوا بأذى أو سوء، وعلى مدار مئات السنين .. وإلى يومنا هذا وإلى أن تقوم الساعة .. والفضل في ذلك كله عائد لتوجيهات وأوامر الحبيب محمد r .. فله من أمته كل السمع والطاعة .. ومع ذلك نراهم ـ في هذه الأيام ـ  يُقابلون هذا النبل والخلق والفضل بالطعن والتهكم بشخص وجناب النبي r .. كما في الرسومات التي نشرتها وسائل إعلام دولة الدنمارك وغيرها من الدول الغربية النصرانية .. أهكذا يُقابل المعروف .. وهكذا يكون جزاء الإحسان .. أهكذا يُعامَل من حافظ ـ ويُحافظ ـ عليكم وعلى حقوقكم وحرماتكم وأنتم تعيشون بين أظهر المسلمين في ديارهم؟!!

[1353] صحيح سنن أبي داود: 2398. وقوله " في غير كنهه"؛ قيل: وقته، وقدْرُه، وقيل غايته؛ يعني من قتله في غير وقته أو غاية أمره الذي يجوز فيه قتله ( النهاية ).

[1354] قوله " أعطى بي ثم غدر"؛ أي أشهد الله على عهده وموثقه، وأمَّن الطرف المقابل بأمان الله له، ثم بعد ذلك يغدر به .. فهذا ممن يكون الله تعالى خصمهم يوم القيامة، وأنَّى لعبدٍ أن يُخاصم ربه!

    ولو تأملنا الصنفين الأخيرين: الذي يبيع الحر ثم يأكل ثمنه .. والآخر الذي لا يُعطي الأجير أجره .. نجد أن ذنبيهما ـ على اختلافهما ـ يشتركان في صفة واحدة؛ ألا وهي صفة الغدر؛ فالأول يغدر بالحر، والثاني يغدر بالأجير وتعبه وحقه؛ أي أن الأصناف الثلاثة الذين يخاصمهم الله تعالى يوم القيامة رغم اختلاف ذنوبهم وجرائمهم إلا أنهم جميعاً يشتركون في صفة الغدر .. فالغدر سمة الأطراف الثلاثة!

[1355] رواه الحاكم والبيهقي، السلسلة الصحيحة: 107.

[1356] رواه الطبراني، صحيح الجامع: 3240. لذلك قلنا أكثر من مرة ـ وفي أكثر من موضع ـ : يخشى على المجاهدين، وجهادهم من عواقب الغدر ـ إن بدر منهم شيء من ذلك ـ أكثر مما يُخشى عليهم من عدوهم وأسلحته الفتاكة .. فالحذر الحذر!

[1357] صحيح سنن ابن ماجه: 3246.

[1358] صحيح سنن أبي داود: 3653.

[1359] قال القرطبي في التفسير: قال سعد بن أبي وقاص: والله الذي لا إله إلا هو إنهم الحرورية ا- هـ. يعني الخوارج، الذين عُرِفوا باستخفافهم ونقضهم للعهود .. ثم يُتبعون ذلك بالفساد في الأرض، والسطو على الحرمات والحقوق، بذريعة انتفاء العهد والأمان!

    وقال ابن كثير في التفسير: هذا حال الأشقياء وصفاتهم وذكر ما لهم في الآخرة ومصيرهم إلى خلاف ما صار إليه المؤمنون .. كما ثبت في الحديث: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان " وفي رواية: "وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر". ولهذا قال: ]أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ[ وهي الإبعاد عن الرحمة ]وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ[ وهي سوء العاقبة والمآل.

  وقال أبو العالية في قوله تعالى: ]وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ[، قال هي ست خصال في المنافقين إذا كان فيهم الظهرة على الناس أظهروا هذه الخصال: إذا حدثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا ائتمنوا خانوا ونقضوا عهد الله من بعد ميثاقه، وقطعوا ما أمر الله به أن يُوصَل، وأفسدوا في الأرض، وإذا كانت الظهرة عليهم أظهروا الثلاث الخصال: إذا حدثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا ائتمنوا خانوا ا- هـ.

[1360] قال الخطابي: معناه التحذير للمسلم أن يعتاد هذه الخصال التي يخاف عليه أن تُفضي به إلى حقيقة النفاق ا- هـ.

[1361] وهذا كله لا يتعارض مع عقيدة الولاء والبراء في الإسلام، كما يتوهم البعض، فكثير من النصوص التي تدعو إلى الشدة والغلظة على الآخرين من غير المسلمين؛ عند التأمل تجد أن المراد منهم المشركين المحاربين، ومواضعها ميادين وساحة الحرب والقتال، ولساحات الحرب والقتال أحكامها وأخلاقها الخاصة، ولساحات العهد والأمان أحكامها وأخلاقها الخاصة بها، لا يخلط بين الساحتين، وبين أحكام وأخلاقيات الساحتين إلا جاهل .. وهذا الخلط ـ الذي يحصل أحياناً ـ بين أحكام الساحتين وما تستدعي كل ساحة من معاملة خاصة بها .. هو السبب الرئيسي وراء ما نشهده من ظلم وسلوكيات خاطئة تحصل أحياناً ـ باسم الإسلام ـ هنا وهناك!

[1362] فقوله )فَأَجِرْهُ(، يفيد الوجوب .. ومن لوازم الإجارة الحماية .. والاستضافة .. والإحسان .. والمعاملة الحسنة .. وبذل كل خيرٍ يؤلف قلبه على الإسلام .. والإجارة من دون مراعاة هذه الطريقة الحسنة في المعاملة .. لا تؤدي الغرض من وراء سماعه لكلام الله عز وجل.

[1363] السلسلة الصحيحة: 167. وقوله r " يرحم الناس كافَّة"؛ شامل للمسلم وغير المسلم.

[1364] صحيح الأدب المفرد: 71.

[1365] أخرجه أبو داود، والبيهقي، السلسلة الصحيحة: 445.

[1366] صحيح الجامع الصغير: 2655. قلت: هذا الحديث وغيره يُفيد تحريم مُطلق الظلم؛ بما في ذلك غيبته وتناول عِرضه بالكلام البذيئ والسيء .. فالظلم ليس محصوراً فقط على الجانب المادي دون المعنوي؛ بل الجانب المعنوي منه يكون في كثير من الأحيان أشد من الظلم ذي العلاقة بالجانب المادي .. وكنت قد سمعت لأحد الشيوخ الكبار المعاصرين، وهو يجيب عن سؤال: هل يجوز غيبة الكافر ..؟ فأجاب من فوره، نعم يجوز .. ومن دون أن يُميز بين الكافر المحارب، وما يستحقه من معاملة، والكافر المعاهد وما يستحقه من معاملة مختلفة .. وهذا ـ عما يبدو ـ خطأ شائع، لذا عنيناه بالتنبيه!

[1367] رواه أبو داود، وقال ابن كثير في إرشاد الفقيه 2/343: إسناده صالح، وهو دليل على: أنه يجب على الإمامِ أن يدفع عن الذِّمةِ أذيّةً من جهة المسلمين ا- هـ.

[1368] صحيح سنن أبي داود: 2625. وقوله " يُشمِّسُ ناساً"؛ أي يجعلهم يقفون في الشمس طويلاً من غير ظِلٍّ من أجل دفع الجزية!

[1369] أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، السلسلة الصحيحة: 2766. مما يُستفاد من الحديث: جواز مشاركة ومساهمة المسلمين في التبرع والتصدق على الشعوب من غير المسلمين ـ من ذوي الحاجة ـ الذين تنزل بساحتهم البلايا والكوارث الطبيعية.

[1370] صحيح الأدب المفرد: 78.

[1371] فيه جواز عيادة مرضى غير المسلمين ما انتفت المنكرات، ورُجي الخير وتأليف قلوبهم إلى الإسلام .. وبخاصة من كان منهم له سابقة معروف أو خدمة للمسلمين، أو لشخص الزائر المسلم.

[1372] صحيح الأدب المفرد: 837. فيه دليل على جواز رد السلام أو ابتداء السلام كتابة لغير المسلمين، بنفس عبارتهم، من قبيل المقابلة والمعاملة بالمثل .. فيُرد على الطرف المقابل الكافر كتابة بالنفس العبارة التي سلَّم بها أو ابتدأ بها رسالته .. فهذا لا حرج فيه.

[1373] صحيح الأدب المفرد: 843. فيه أن هذه الآية الكريمة مطلقة؛ فهي تُحمَل على كل من يرمي السلام أو يُحيِّي بتحية معينة، سواء كان مسلماً أم غير مسلم .. يُرد عليه بمثل تحيته وأحسن.

[1374] صحيح الأدب المفرد: 848. وذلك كله من قبيل المقابلة، والمعاملة بالمثل .. فهم ليسوا أفضل منا، ولا أحسنَ منا لبَاقةً وأدباً، ولا أسرعَ منا إلى الشكر وفعل المعروف والخيرات.

[1375] قال ابن كثير في إرشاد الفقيه 2/346: رواه البيهقي بإسنادٍ صحيح. وقال: "ورُويناه من وجه آخر من هذه الطرق، وفيه: "أن غُرَفةَ لما دعاه إلى الإسلام، غَضِبَ وسبَّ النبيَّ r، فقتله غُرفةُ .."ا- هـ.

[1376] أخرجه الحاكم، وغيره، السلسلة الصحيحة: 1374. ورحمهم جاء من جهة صلتهم بمولاة رسول الله r وأَمَتِه، وأم ولده إبراهيم u، الصالحة التقية الطاهرة النقية " مارية القبطية"، هدية مقوقس مصر القبطي إلى رسولِ الله r. توفيت في المحرم من سنة ست عشرة للهجرة، ودُفِنَت في البقيع، وصلى عليها الفاروق عمر t، وكان بنفسه يحشر الناس لشهود جنازتها رضي الله عنها .. وقيل أن رحمهم جاء من جهة أن أم إسماعيل منهم، قلت: ولا يمنع أن يكون منهما معاً، من جهة " أم إبراهيم " وأم إسماعيل"، فهذا مما يُغلِّظ ويشدد الصلة والرحم، وفي الحديث، عن ابن عباس، قال: لما مات إبراهيم ابن رسول الله r صلى رسولُ الله r، وقال: "إنَّ له مُرْضِعاً في الجنَّة، ولو عاشَ لكان صِدِّيقاً نبيَّاً، ولو عاشَ لعتَقَتْ أخوالُهُ القِبطُ، وما استُرِقَّ قِبطيٌّ " قال الشيخ ناصر: صحيح دون جملة العتق، صحيح سنن ابن ماجه: 1227.

[1377] أخرجه الطبراني، السلسلة الصحيحة: 3113.

[1378] اعلم أن الحيوانات بكل أنواعها وأصنافها؛ الطائر منها والذي يدب على الأرض .. وما يعيش في أعماق البحار والأنهار .. أمم ـ مثل الأمم الإنسية ـ لها نظامها، وعاداتها، ولغتها الخاصة بها، وطريقتها في الحياة، تحس، وتشعر، وتُحب، وتكره، وتتألم وتحزن وتفرح .. وتفهم الفهم الغريزي الذي يمكنها من أداء وظيفتها ورسالتها في هذه الحياة .. لم يُخلَقوا عبَثاً؛ بهم تكتمل الحياة وتحلو، وتزيَّن .. وهم متفاوتون فيما بينهم في درجة الفهم والإدراك .. وجميعها قد فُطرت على عبادة الله تعالى وتوحيده؛ ليس منهم إلا المؤمن الموحد؛ فكلهم مؤمنون موحدون، يستغفرون، ويدعون، ويسبحون بحمد ربهم، كما قال تعالى: )تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً(الإسراء:44. فالحيوانات من هذا الوجه أهدى سبيلاً من الكافر المشرك الذي ضلَّ وأعرض عن عبادة الله تعالى وتوحيده، على ما أوتي من نعمة العقل، والتفكير، وحرية الاختيار، فعطَّل بإرادته الانتفاع بما منَّ الله تعالى عليه من نِعَم، كما قال تعالى: )وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ(الأعراف: 179. وقال تعالى: )أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً(الفرقان:44. هذه المعاني وغيرها ستتضح بصورة أوسع عند الوقوف على مجموع النصوص الشرعية التي سنأتي على ذكرها ـ بإذن الله ـ والخاصة بهذا الحق، حق الحيوانات على الإنسان .. وهذا يستدعي منك ـ يا عبد الله ـ أن تتعامل بمسؤولية عالية، ورحمة ورفق مع كل ما يحيط بك أو تُصادفه في حياتك من الحيوانات والدواب.

[1379] هذا الهدهد لو كنا ممن يفهمون لغته، لصلح أن يكون معلماً وواعظاً في التوحيد والعقيدة لكثير من شيوخ ودعاة هذا الزمان!

[1380] وغيرها كثير من الآيات قد أتت على ذكر الحيوانات والدواب .. ولأهمية هذا العالَم ـ عالم الحيوانات ـ وإكرام الله له .. قد سُميت أكثر من سورة في القرآن الكريم بأسماء بعض الحيوانات: كسورة البقرة، والنحل، والنمل، والعنكبوت، والعاديات، والفيل.

[1381] أخرجه أحمد في المسند، وقال عنه الشيخ شاكر  8/134: إسناده صحيح ا- هـ. وقوله " الشِّفار"؛ أي السكاكين المُعدَّة للذبح، وقوله " أن توارى .."؛ أي تُخفَى عن البهيمة التي يُراد ذبحها، فلا يقع بصرها عليها؛ لأن ذلك يُخيفها ويؤذيها قبل أن تُذبَح. وقوله " فليُجهز"؛ أي فليُسرِع في الذبح، وأفضل الذبح حز الشفرة على موضع الذبح مرة واحدة .. وكلما كثرت الحزَّات كلما كان ذلك بعيداً عن معنى الإحسان للبهائم الذي أمرنا به .. وكان فيه تعذيباً لها.  

[1382] رواه البخاري في الأدب المفرد، وغيره، السلسلة الصحيحة: 27.

[1383] رواه البخاري في الأدب، والطبراني، وأحمد وغيرهم، السلسلة الصحيحة: 26.

[1384] أخرجه الطحاوي في المشكل، والخطيب، والبيهقي، السلسلة الصحيحة: 682. قوله " فانزلوا عن ظهركم"؛ أي عن دوابكم التي تركبونها؛ كالإبل، والخيل، والبغال، والحمير .. لتأخذ حقها من الراحة والمرعى .. فإن مررتم بأرض لا كلأ فيها ولا ماء فامضوا عليها، ولا تقيلوا دوابكم فيها؛ لأنها تُحرم فيها من حقها بالمرعى. وقوله " وعليكم بالدلجة"؛ أي بالسفر والسير ليلاً.

[1385] أخرجه البزار والبيهقي، السلسلة الصحيحة: 1357. وقوله " فانجوا عليها"؛ أي أسرعوا عليها. وقوله " عرَّستم"؛ أي حططتم رحالكم وأمتعتكم للاستراحة أو المبيت.

[1386] صحيح سنن أبي داود: 2239. والخصب؛ الأرض المليئة بالمرعى والعِشب. وقوله " فتنكَّبوا الطريق"؛ أي ابتعدوا عن الطريق.

[1387] أخرجه الحميدي في مسنده، السلسلة الصحيحة: 2152. وقوله " أنتظر ظهري"؛ أي ناقتي. وقوله " حرَّى"؛ أي عطشى لما أصابها من الحَرِّ والجفاف.

[1388] قوله " يأكل الثَّرى"؛ أي يأكل التراب من شدة العطش. وقوله" في كل ذاتِ كَبِدٍ رطَبَةٍ أجرٌ"؛ يشمل الإنسان وكل حيوانٍ ذي كبدٍ يحتاج إلى ماء. وقوله " فشكرَ اللهُ له"؛ أي شكرَ معروفه وإحسانه للكلبِ، فغفرَ اللهُ له ذنوبه بسبب ذلك .. فإن الحسنات يُذهبن السيئات.

[1389] قوله " بِرَكيّةٍ"؛ أي بئر من الماء. و" موقها"؛ أي خفَّها أو حذاؤها. والحديث فيه أن الحسنات يُذهِبن السيئات؛ بما في ذلك الكبائر عدا الشرك، ويُقال كذلك: على قدر قوة الحسنة وعِظَمها على قدر ما يكون أثرها قوياً في إزالة السيئات بإذن الله.

[1390] أخرجه الحاكم في المستدرك، وقال صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، السلسلة الصحيحة: 485.

[1391] أخرجه مالك في الموطأ، السلسلة الصحيحة: 3187.

[1392] رواه أبو القاسم بن الجراح في المجلس السابع من " الأمالي " وغيره، السلسلة الصحيحة: 1130.

[1393] صحيح سنن أبي داود: 2224. وقوله " لا نسبح حتى نحل الرحال"؛ أي لا ننشغل بصلاة الضحى، وغيرها من النوافل إلا بعد أن ننزل الرحال عن ظهور الإبل وغيرها من البهائم التي يرتحل عليها، طلباً لراحتها، ورفقاً بها، ومراعاة لحقها.

[1394] صحيح سنن أبي داود: 2235. والوسم؛ أثَر الكيِّ لتُميَّز به الدواب عن غيرها. 

[1395] أخرجه أحمد وغيره، السلسلة الصحيحة: 3130.

[1396] أخرجه الجاكم، والبيهقي، وأحمد، السلسلة الصحيحة: 21. وقوله " ولا تتخذوها كراسي"؛ أي مقاعد، للراحة والسمر، لغير أغراض التنقل والسفر .. ففي الأرض غناً عن ذلك. وقوله " اركبوا هذه الدَّوابَ سالمةً"؛ فيه نهي عن استخدامها أو ركوبها وهي مريضة.

[1397] صحيح سنن أبي داود: 2238.

[1398] صحيح سنن أبي داود: 2221.

[1399] صحيح سنن أبي داود: 2222. قوله " فمسح ذفراه"؛ أي ذفر دمعه عن موضعه. وقوله " وتُدئبه"؛ أي وتتعبه في العمل، وتكلفه فوق طاقته.

[1400] رواه الطبراني في الكبير، وغيره، السلسلة الصحيحة: 24. قوله " على صفحة شاة"؛ أي على عنق شاة .. والشاة التي تلحظ ذابحها وهو يحد شفرته ليذبحها .. يُميتها قبل أن يذبحها .. ويجعلها تعيش ألم الموت ومصيره قبل أن تموت .. وهذا ليس من الرفقق والإحسان إليها؛ لذا ورد النهي عن ذلك.

    ومن العادات الخاطئة التي تُذكر فيما يتعلق بعملية الذبح، أنني رأيت في السودان ـ في عهد حكم المهدي ـ أناساً يذبحون الثيران في المكان المخصص للذبح، بعد أن يجتمع على الثور الواحد مجموعة من الرجال بيد كل واحد منهم عصاة غليظة يضربونه بها على رأسه إلى أن يقع على الأرض مغمياً عليه .. ثم بعد ذلك يُجهزون عليه .. وهذه طريقة ظالمة قاسية .. تتنافى مع تعاليم الإسلام، ومع الرحمة والرفق والإحسان الذي أمرنا به تجاه البهائم .. ثم أن الثور من الممكن أن يموت بسبب هذا الضرب قبل أن يُذبح .. فحينئذٍ يحرم أكله، ويصبح حكمه حكم الميتة .. نذكر ذلك رجاء أن يتنبه المسلمون في السودان لمثل هذه الممارسات الخاطئة، ويعنوها اهتمامهم، وهم أهل لكل رفقٍ وإحسان. 

[1401] أخرجه الحاكم في المستدرك 4/231، وقال: صحيح على شرط البخاري، ووافقه الذهبي.

[1402] خشاش الأرض؛ أي هوامِّها وحشراتها. " النهاية". وفي الحديث وعيد شديد لمن يحبس عنده في البيت شيئاً من تلك الحيوانات والبهائم، كالطيور، والأسماك وغيرها .. ليتمتع برؤيتها .. ثم هو يقصِّر في خدمتها، وإطعامها!

[1403] أخرجه أحمد، السلسلة الصحيحة: 514. والمراد من الحديث أن الله تعالى لو غفر لابن آدم تقصيره بحقوق الحيوانات، وما يتسببه لها من أذى وضرر لغفر له كثيراً من ذنوبه وخطاياه.

[1404] أخرجه البخاري في التاريخ، السلسلة الصحيحة: 1936. الذود؛ الإبل. وقوله " لا تدركها السَّنَةُ وهي عِجَافٌ"؛ أي لا ينبغي أن تبلغ السِّخال ابناء المواشي السنة وهي ضعيفة؛ إذ يجب أن تُعطى حقها من الرضاعة، ومن حليب أمهاتها. والأمر بقص الأظافر عند ضروع الإبل والمواشي؛ أي عند احتلابها، وحتى لا تتأذى الضروع بأظافر حالبها.

[1405] صحيح سنن النسائي: 4178. وقوله " فلا يُحفِّلها"؛ أي لا يتركها أياماً من غير احتلاب، فينتفخ ضرعها، فيحسبها المشتري غزيرة الحليب، وهي ليست كذلك. ثم أن احتباس الحليب في الضرع من غير احتلاب فيه أذى للشاة ذاتها. 

[1406] صحيح الأدب المفرد: 295. والحُمّرة؛ طائر صغير أحمر اللون.

[1407] صحيح سنن أبي داود: 2329.

[1408] أي فهلا عاقبت نملة واحدة التي لدغتك وحسب .. وقوله تعالى: )وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى(الأنعام:164. كما يُحمل على الإنسان، فإنه يُحمل على التعامل مع الحيوانات والبهائم كذلك.

[1409] قال الشيخ ناصر: صحيح مقطوع، صحيح سنن النسائي " 4066".

[1410] صحيح سنن أبي داود: 4387. والصرد؛ هو طائر ضخم الرأس والمِنقار، له ريشٌ عظيم، نصفه أبيض، ونصفه أسود " النهاية".

[1411] صحيح سنن ابن ماجه: 2608.

[1412] قوله " أن تُصبر"؛ أي أن تكون غرضاً وهدفاً للرمي؛ فتقتل صبراً!

 [1413]أخرجه الحاكم، السلسلة الصحيحة: 999. قلت: ومن قتلِ الدواب عبثاً؛ قتلها من أجل متعة الصيد، أو تجريب السلاح، ونحو ذلك مصارعة الثيران، كما يفعل ذلك كثير من الناس في زماننا!

[1414] قلت: يُستفاد من هذا الحديث وغيره، حرمة إقامة حد القتل على المحدود رمياً بالرصاص، كما هو دارج في زماننا المعاصر؛ لأنه من القتل صبراً، وقد نهى النبي r عن ذلك، كما في الحديث أعلاه، وفي قوله r في صحيح مسلم وغيره: "لا تتخذوا شيئاً فيه الروحُ غرَضاً"؛ أي غرضاً وهدفاً للرمي، والله تعالى أعلم.

[1415] صحيح سنن النسائي: 4137.والتمثيل بالبهيمة، يكون بتشويه جثتها بعد موتها لغير ضرورة أكلها .. فحقها محفوظ .. وحرمتها مصانة في الإسلام وهي حية وبعد موتها .. فهل بلغ دعاة حقوق الحيوان في زماننا المعاصر هذا المبلغ، وهذه الدرجة من الاهتمام بالحيوان وحقوقه؟!

[1416] أي دعه يتجمم ويستريح ثلاثة أيام .. لأنك أجهدته بالعمل، بدليل أن انتاجه اليوم زاد نصف درهم عن بقية أيامه الأخرى!

    قال الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة، وبعد أن ذكر  الآثار أعلاه 1/37: تلك هي بعض الآثار التي وقفت عليها حتى الآن، وهي تدل على مبلغ تأثر المسلمين الأولين بتوجيهات النبي r في الرفق بالحيوان، وهي في الحقيقة قل من جُل ونقطة من بحر، وفي ذلك بيان واضح أن الإسلام هو الذي وضع للناس مبدأ الرفق بالحيوان، خلافاً لما يظنه بعض الجهال بالإسلام أنه من وضع الكفار الأوربيين، بل ذلك من الآداب التي تلقوها عن المسلمين الأولين، ثم توسعوا فيها، ونظموها تنظيماً دقيقاً، وتبنتها دولهم حتى صار الرفق بالحيوان من مزاياهم اليوم، حتى توهم الجهال أنه من خصوصياتهم، وغرَّهم في ذلك أنه لا يكاد يرى هذا النظام مطبقاً في دولة من دول الإسلام، وكانوا هم أحق بها ا- هـ.

    قلت: لو كانت هذه الدول التي سماها الشيخ بدول الإسلام! اقتصر تقصيرها وظلمها على التفريط بحقوق الحيوان لهان الخطب، وخفَّ المصاب؛ فهي فيما يتعلق بحقوق الإنسان أكثر تفريطاً وظلماً من تفريطها بحقوق الحيوان .. لذا فهي تعيش ذروة التخلف والجهل، والفقر، والذل، والانحطاط، والتبعية للغير، وبصورة لم تعرفها الأمة من قبل .. ولكي تُعاد الدولة والسيادة والريادة والخلافة للمسلمين من جديد لا بد أن يتفوقوا أولاً ـ عملاً وتطبيقاً ـ على غيرهم من الشعوب والملل والأمم بالعدل، والرفق، والرحمة، والمجالات الإنسانية .. قبل أن يتفوقوا عليهم، أو يُنافسوهم في الماديات والمجالات الاقتصادية والتصنيعية .. والتطاول في العمران .. إذ أن من سنن الله تعالى في خلقه أن يجعل التمكين في الأرض حليفاً للعدل، وللقائمين بالعدل، والحاكمين بالعدل، ولو كانوا من غير المسلمين!

    نحن نملك رصيداً قِيَمِيَّاً، وثقافياً، وحضارياً ضخماً ما لا يملكه غيرنا .. لكن ما قيمة ذلك وأثره في حياتنا إن لم يُرافقه عمل، وتطبيق، وتنفيذ .. والله تعالى يقول:)يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ(الصف:2-3.

    نحن لم نفقد العمل بذلك الرصيد الضخم وحسب .. بل فقدنا حتى الاحترام لذلك الرصيد .. ونتعامل معه أمام الآخرين على استحياء وخجل .. ولكي يُعاد المجد كما كان .. وتُعاد للأمة هيبتها ومكانتها بين الأمم .. لا بد أولاً من أن يعود الاحترام لذلك الرصيد، ويعود العمل به معاً .. وإلا فلا نرجو قائمة مما نحن فيه من ذل وتخلف وهوان .. فنحن قوم أعزَّنا الله بالإسلام، فإذا ما ابتغينا العزة بغيره أذلَّنا الله!

[1417] كلمة زجر يُستحث بها الإبل للحركة.

[1418] التحريش هو أن تحمل البهائم على أن تقاتل بعضها البعض، وهناك من يُقامر على الفائز منها، وهذا مما يُغلِّظ التحريم. والإخصاء؛ هو قتل الفحولة عند ذكور الدواب لكي تقوى على الخدمة بصورة أحسن، أو تتفرغ للخدمة، فلا تجد في نفسها ميولاً نحو إناثها، وهذا لا يجوز!

[1419] صحيح الأدب المفرد: 936.

[1420] رواه البيهقي في السنن، صحيح الجامع: 6960.

[1421] رواه أحمد، صحيح الجامع: 6956.

[1422] قال الهيثمي في مجمع الزوائد 5/265: رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح.

[1423] لما كانت الدواب والبهائم تتأثر حياتها سلباً بمعاصي وذنوب ابن آدم؛ فإن من حقها على الإنسان أن يتقي الله فيها؛ فيجتنب المعاصي والآثام، ويلتزم التقوى والطاعات التي تتنزل البركات والرحمات بسببها .. وبالتالي فإن حقَّها على الإنسان يتعدى مجرد خدمتها والرفق بها، والإحسان إليها .. إلى اجتناب المعاصي والذنوب والآثام .. والتي تكون سبباً في هلاك كل شيء، بما في ذلك البهائم. 

[1424] رواه الطبراني، صحيح الجامع: 5204.

[1425] صحيح الترغيب والترهيب: 2477. وقال المنذري: رواه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد. و" الجُعَل " بضم الجيم وفتحِ العين؛ دُويية تكاد تُشبه الخنفساء تُدحرج الرَّوثَ ا- هـ.

    قال ابن القيم في كتابه الماتع " الجواب الكافي"، وهو يعدد آثار معاصي الإنسان وذنوبه: أن غيره من الناس والدواب يعود عليه شؤم ذنبه، فيحترق هو وغيره بشؤوم الذنوب والظلم. قال أبو هريرة: إن الحبَارى لتموت في وكرها من ظلم الظالم. وقال مجاهد: إن البهائم تلعن عصاة بني آدم إذا اشتدت السَّنَة، وأمسكَ المطرُ، وتقول: هذا بشؤم معصية ابن آدم. وقال عكرمة: دواب الأرض وهوامها حتى الخنافس والعقارب يقولون: مُنِعنا القطر بذنوب بني آدم. فلا يكفيه عقاب نفسه حتى يلعنه من لا ذنب له ا- هـ.

[1426] وذلك لفضله عليهم، ومن قبيل الشكر، ومقابلة المعروف بمعروف؛ فالعالم لمَّا يُعلِّم الناس الخيرَ، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، تقل بسبب ذلك معاصي وذنوب ابن آدم، وينعكس خير ذلك على الحياة كلها بما في ذلك حياة الدواب والبهائم .. لذا ورد النص بأنهم يدعون ويستغفرون للعالم الذي يعلم الناس الخير.

[1427] رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان، صحيح الترغيب: 70.

[1428] أخرجه الطبراني في الأوسط، السلسلة الصحيحة: 3024.

[1429] رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. صحيح الجامع: 1838.

[1430] قال ابن كثير في التفسير: يُقسم تعالى بالخيل إذا أجريت في سبيله فعَدَت وضَبَحت؛ وهو الصوت الذي يُسمع من الفرس حين تعدو. )فَالْمُورِيَاتِ قَدْحاً(؛ يعني اصطكاك نعالها للصخر فتقدح منه النار. )فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحاً(؛ يعني الإغارة وقت الصباح، كما كان رسول الله r يغير صباحاً ويستمع الأذان فإن سمع أذاناً وإلا أغار. )فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً(؛ يعني غباراً في مكان معترك الخيول. )فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً(؛أي توسطن ذلك المكان كُلُّهُنَّ جُمعَ ا- هـ.

[1431] الناصية؛ شَعر مقدمة الرأس. والخير؛ الغنيمة، وغيرها من الثمار المترتبة عن الجهاد في سبيل الله.

[1432] أخرجه ابن ماجه، وغيره، السلسلة الصحيحة: 1763. 

[1433] الطيَل؛ الحبل الطويل الذي يُربط طرفه في وتدٍ في الأرض، وطرفه الآخر بالخيل. وقوله " فاستَنَّتْ شَرَفاً أو شَرَفين"؛ استنَّ الفرَسُ يستنُّ استِناناً؛ أي عدا لِمَرَحِهِ ونشاطِهِ شوطاً أو شوطين، ولا راكِبَ له " النهاية".

[1434] صحيح سنن أبي داود: 2246. تضمير الخيل: هو أن يُظاهر عليها بالعلَف حتى تسمَن، ثم لا تُعلَف إلا قوتاً لتخفَّ. وقيل: تُشدُّ عليها سرجها وتُجلَّل بالأجلَّة حنى تعرَق تحتها فيذهب رَهَلُها ويشتد لحمها " النهاية".

[1435] صحيح سنن أبي داود: 2244. والمراد بالخف؛ الإبل، والحافر، الخيل التي تحفر الأرض بأرجلها عند جريها. والنصل؛ سهام الرمي، ونحوه في زماننا الرماية على الأسلحة الرشاشة وغيرها.

[1436] رواه أحمد، وصححه الشيخ ناصر في الإرواء: 1507.

[1437] القُعُود، هو ذكر الإبل، ويمتد عمره من سنتين إلى ست سنوات، ثم هو بعد ذلك يُسمى جملاً.

[1438] أخرجه أحمد، والبيهقي، وصححه الشيخ ناصر في الإرواء: 1508.

[1439] كثير ما نسمع عن خيول قد ماتت في ميادين السباق بسبب أن الفارس يحملها على الشد والجري فوق طاقتها .. ليفوز في السباق .. وهذا لا يجوز!

[1440] صحيح سنن الترمذي: 1389. والسبب في الفارق بين المسافتين؛ أن المُضمَّر أكثر تحملاً على الجري والسباق من غير المُضمَّر .. وبالتالي لا يجوز أن يُكلَّف غير المضمر ما يُطيقه المضمَّر.

[1441] أخرجه الطبراني، السلسلة الصحيحة: 2331. والجلب في السباق: هو أن يتبع الرجلُ فرسَهُ فيزجرُه ويجلب عليه حثاً له على الجري " النهاية". والسبَق.

[1442] رواه الطبراني في الأوسط، صحيح الجامع: 3349. وقوله " يلتمسُ بطنَها"؛ أي يلتمس ما تلد، فيبيعه، فيستفيد.

[1443] رواه الطبراني، صحيح الجامع: 1964.

[1444] صحيح سنن الترمذي: 1336.

[1445] يُفعَل ذلك لكي تلد الخيل بغالاً؛ لأن البغال أجلد من الخيل على تحمل مشاق ووعثاء السفر .. وعلى حمل الأثقال، لكنها أبطأ وأقل رشاقة من الخيل بكثير .. وهذا لا يجوز، لورود النهي، ولما في ذلك من أذى وامتهان للخيل، وتعطيل لوظيفتها الأساسية والأهم؛ وهي استخدامها في ساحات وميادين القتال والجهاد في سبيل الله.  

[1446] صحيح سنن أبي داود: 2236.

[1447] صحيح سنن النسائي: 137.

[1448] صحيح سنن أبي داود: 2217. معارف الخيل؛ أي شعرها المتدلي على رقبتها.  وقوله " أذنابها مذَابُّها"؛ أي تذب بأذنابها ما يعلق بها من حشرات، وأمور ضارة.

[1449] صحيح سنن أبي داود: 2226. أعجاز الخيل؛ مؤخرتها. وأكفالها، أي ظهورها أو المكان الذي يقعد عليه الفارس من ظهر الخيل. وقوله " وقلِّدُوها، ولا تقلِّدُوها الأوتار"؛ أي قلدوها ما يحميها ويزينها، ولا تقلدوها الأقواس؛ لأن ذلك قد يؤذيها ويخنقها، كذلك لا يجوز تقليدها التمائم والتعاويذ ونحو ذلك من الخرز التي يعتقد ـ بعض الجهال ـ أنها تدفع العين، والضرر!

[1450] رواه النسائي، صحيح الترغيب والترهيب: 1251. وقوله " خوَّلتني"؛ أي ملَّكتني وجعلتني من ملكه وحاجياته. قلت: خيل في كل يوم يتودد لصاحبه بهذا الدعاء، ألا يستحق من صاحبه الرعاية والرفق والإحسان؟!

    وكم من مالكٍ للخيل ساهٍ عن هذا المعنى .. وتراه يتعامل مع ما يملك من الخيول وكأنها نوع من الجمادات لا إحساس لها!

[1451] أي مقادر قيراطين من الأجر. وفي رواية قيراط، والله تعالى أعلم. والكلب الضاري؛ هو كلب الصيد. 

[1452] قوله " لا يُغني عنه زرعاً ولا ضَرْعاً"؛ أي لا ينفعه ولا يستخدمه في حراسة زرع ولا ماشية.

[1453] صحيح سنن ابن ماجه: 2592. قلت: ويُقاس على حيطان المدينة، حيطان وأسوار ومداخل أي مدينة أو قرية أو مزرعة وغيرها من المداخل والأسوار التي تحتاج إلى حراسة.

[1454] صحيح سنن أبي داود: 69.

[1455] صحيح سنن أبي داود: 68. وقوله فأصغى لها الإناء؛ أي أماله لها لكي تتمكن من الشرب منه.

[1456] صحيح سنن ابن ماجه: 295.

[1457] ممصرتين: ثياب فيها صفرة خفيفة.

[1458] فهو لا يقبلها من الكفار، فإما الإسلام وإما القتل والقتال .. حيث أن العمل بأحكام الجزية يُنسخُ في زمانه.

[1459] أخرجه أبو داود، وابن حبان في صحيحه، وأحمد، السلسلة الصحيحة: 2182. 

[1460] قوله تعالى: )أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ(؛ هم النفر من الجن الذين أسلموا )يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ(؛ أي القربة؛ فيتقربون إلى الله تعالى بالطاعات .. وهم في تنافس وشغل بالطاعات عن عبادة الناس لهم.

[1461] أخرجه الترمذي في السنن، السلسلة الصحيحة: 2150. وقوله " ليلة الجنِّ"؛ أي الليلة التي ذهب بها إليهم وتلا عليهم القرآن، كما في قوله تعالى:) قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً(الجن:1.

[1462] نَصيبِين؛ موضع بين مكة والطائِف.

[1463] أوفر لحماً؛ أي يعود أكثر لحماً عما كان عليه قبل أن يؤكل من قبل الإنسان.

[1464] صحيح سنن الترمذي: 17.

[1465] قال الهيثمي في مجمع الزوائد 8/111: رواه أحمد، والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح.

    قلت وقد رواه أبو داود في السنن: 29. قال النووي في المجموع شرح المهذّب 2/85: حديث ابن سرجس صحيح، رواه أحمد، وأبو داود،، والنسائي، وغيرهم بالأسانيد الصحيحة.  

[1466] رواه الطبراني، والحاكم، والبيهقي، صحيح الجامع: 3114. وقوله " ويظعنون"؛ أي ويرتحلون.

[1467] أي ليس جنياً مُسلماً .. وإنما هو شيطان كافر .. وبالتالي ليس له عليكم حق أخوة الإسلام .. يوضح هذا المعنى الرواية التي بعدها.

[1468] صحيح سنن أبي داود: 4378. قوله " فآذِنُوهُ"؛ أي فاطلبوا منه أن يخرج من دون أن يؤذي أحداً. وقوله " فإن بدا لكُم"؛ أي إن بدا لكم أنه ليس جنياً مسلماً، وإنما هو شيطان وكافر، وأبى إلا المكث والأذى، فحينئذٍ فاقتلوه. وقوله " العوامر"؛ أي الحيَّات، وقد تقدم في الحديث أن من الجن من يكون حية أو على صورة حية، وسميت عوامر لطول أعمارها. وقوله " فحرِّجوا"؛ أي فقولوا له: نحرِّج عليك ونشدِّد ونضيِّق إن لم تخرج، أو إن عدت لنقتلنك ونضربنك، ونخرجنك بالقوة. ونحوه معنى " فحذِّروه".

    فإن قيل: علامَ تحذيره ثلاثاً، وإمهاله ثلاثاً ..؟

    أقول: ذلك للاحتياط؛ إذ لعله يكون مُسلماً؛ فحينئذٍ ليس من حقك أن تبادر إلى قتله أو قتاله .. فتقتل نفساً مسلمة بغير حق .. لذا من حقه عليك أن تصبر عليه، وتنذره ثلاثاً ـ ليتضح أمره، وتُبان حقيقته ـ كما أمرت بذلك أدلة الكتاب والسنة التي تحض على التبين والتثبت، قبل الإقدام على القتل والقتال.    

[1469] صحيح سنن الترمذي: 496.

[1470] رواه الطبراني في الأوسط، صحيح الجامع: 3610.

Next Post Previous Post