البيان الدعوي وظاهرة التضخم السياسي

 

البيان الدعوي وظاهرة التضخم السياسي - إسلام كونتاكت Islam Contact

إسلام كونتاكت Islam Contact Team

د. فريد الأنصاري           

البيان الدعوي وظاهرة التضخم السياسي

(نحو بيان قرآني للدعوة الإسلامية)

مقدمة:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده؛ حتى أتاه اليقين.

أما بعد؛ فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمدe، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

أعاذنا الله منها ومما يقرب إليها من قول أو عمل.

ثم أما بعد؛

فهذا كتابنا: (البيان الدعوي وظاهرة التضخم السياسي) أقدمه اليوم للقراء؛ استجابة للإسهام في معالجة الإشكال الحاصل في الميدان الدعوي: (علاقة السياسي بالدعوي)، في مشروع التجديد الإسلامي، أو بتعبير أدق: موقع (المسألة السياسية) من مشروع التجديد الإسلامي.

وهو موضوع ما يزال جدله (الكلامي) قائما؛ منذ نشأة الحركة الإسلامية، في صيغتها التاريخية الجديدة؛ إلى يومنا هذا! وهو جدل قائم بين الإسلاميين، فيما بينهم وبين أنفسهم بصيغة؛ وفيما بينهم وبين العلمانيين اللادينيين بصيغة أخرى!

ومن هنا كان هذا الكتاب يعرض للنقاش مسألة، هي من الحساسية بمكان!

وحساسية الموضوع تأتيه من جهتين: داخلية وخارجية. فأما الداخلية: فهي عدم الاستعداد لتقبل النقد الذاتي، لدى بعض قيادات الحركة الإسلامية ومنظريها؛ إلا قليلا! فما بالك بالمقلدين والأتباع! وأما الخارجية: فهي أننا نعالج موضوعا لا يطرقه في العادة إلا المخالفون للمشروع الإسلامي من اللادينيين؛ رغبة منهم في تجريد الدين من السياسة، تجريد تضاد وتنافر! تكريسا لمقولتهم المشهورة: (دع ما لله لله، وما لقيصر لقيصر).

وعنوان بحثنا ناطق بما آل إليه من نتائج، حاصلة عن نقد ظاهرة (التضخم السياسي) لدى (الإسلاميين). سواء منها ما له علاقة بنفسية الصدام السياسي؛ أو ما له علاقة بالانتفاخ السرطاني للعمل السياسي، في حركة تجديد الدين في المجتمع؛ مما جعل كثيرا من جماعات العمل الإسلامي ـ رافضة ومشاركة ـ أشبه ما تكون بمجرد أحزاب تقليدية ذات نَفَسٍ إسلامي! وتلك هي أخطر لعبة، وأكبر خدعة؛ تواجهها الدعوة الإسلامية المعاصرة!

فما أسهل إذن أن يتهم باحث إسلامي في هذا الموضوع - من لدن الإسلاميين أنفسهم - بالردة الثقافية، والنكوص عن الاختيار الجهادي، والركون إلى الذين ظلموا!

إلا أنه لابد من البوح ههنا بحقيقة: مفادها أن التفكير في هذا الإشكال قد شغل من وقتي وهمي زمنا. أناقش به ولا أكتبه، وأعرضه ولا أثبته. وما زلت أذكر جيدا أني كلما طرقته بين بعض أهل الشأن الدعوي وجدت نفورا واستغرابا. ومع ذلك؛ فلم أزل أتتبع جزئياته من النصوص الشرعية، وأستقري مفرداته من الاجتهادات الفقهية، وأبني حجاجه من الشهادات التجريبية؛ حتى انتظمتْ لي منه كليات، وأصول جامعات. فما كان عليَّ حينئذ إلا أن أصوغ الإشكال، وأخوض غمار التصنيف غير آبه، ولا ملتفت إلى القيل والقال!

ثم لقد بقي بعد ذلك هذا الكتاب مرقونا دون نشر نحو ثلاث سنوات، ولم أحاول نشره إلا مرة واحدة، لم تتم - رغم ما ورد عليَّ في ذلك من عروض وطلبات - والسبب أني كنت حريصا على المراجعة، ليس لأفكاره من حيث هي أفكار مجردة، ولكن من حيث هي حركة في الواقع، فقد شرعت في تنزيل ذلك من خلال عمل دعوي محدود، أشبه ما يكون بعمل التجريب، فلم أزل أرقب سيره وتقلباته، عبر مختلف الأحوال والظروف؛ حتى جاء قَدَرُ الله مما حدث بالولايات المتحدة الأمريكية من أحداث، في اليوم الحادي عشر من شتنبر لسنة: 2001م؛ وهي الأحداث التي أظهرت تحول حركة التاريخ عبر منعطفها الجديد، ذلك المنعطف الذي كان قد بدأت حركته قبل ذلك بكثير، مما كان يبصره أهل البصائر، وإنما تلك الأحداث جلّته لعامة الناس. فظهر ما كان خفيا من أمر التحولات الحضارية الكبرى، التي بدأت مؤشراتها القوية في الظهور - وأقول (القوية) - منذ أوائل الثمانينات من القرن الميلادي العشرين. وعُرِفَ المآل من طبيعة الحال. وكانت أحداث أمريكا - وما كان لها من انعكاسات على العالم الإسلامي - تسجيلا رسميا لبلوغ مرحلة اللاعودة في موجة التحولات، وفي حركة التاريخ؛ فلم يعد هناك من تردد في معرفة إلى أين يتجه العالم!

لقد نشأ الغرب الأمريكي - أول ما نشأ - على فلسفة الصراع الحضاري، ومنطق (البقاء للأقوى)؛ إذْ قامت حضارته على إبادة أمة بكاملها! ولم يكن ممكنا بعد انهيار المعسكر الاشتراكي أن يستمر وجوده بغير صراع. فالصراع هو أساس قوة اقتصاده، والصراع هو أساس وحدة دولاره، كما أنه المغذي الأول لكل معاهد البحث العلمي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة! فلابد له إذن من الانخراط الكلي في صراع جديد. وكان العالم الإسلامي هو المرشح الرئيس ليقوم بذلك الدور الضحية! بناء على ما أملته الأدبيات الفلسفية الأمريكية. وقد اشتهر في هذا السياق عنوان: (صراع الحضارات)([1]). ولم يكن ذلك ليكون في العالم الإسلامي؛ لولا أنه يضم بين أضلاعه شيئين اثنين: البترول، وفلسطين! ولكن ليس له اختيار، فالجغرافيا قدر من أقدار الله. فليكن إذن ذلك الوطن - بإنسانه وثرواته - هو الجواب الشافي عن حاجة الغرب وجشعه الاستعماري.

ثم انطلق المشروع (العولمي) أعنف ما يكون، وأشرس ما يكون! فتجلى عسكريا في احتلال العراق، والسقوط التاريخي لبغداد!(2003) وما استتبعه من هزات وزلازل بهذا البلد أو ذاك، وخلخلة للبنية السياسية العامة لكل العالم الإسلامي! ثم تجلى ثقافيا فيما فرض فرضا من مشروع تغيير برامج التعليم فيه، واجتماعيا في (علمنة) مدونة الأحوال الشخصية، وتدمير نظام الأسرة الإسلامي!

كل ذلك زادني يقينا فيما وصلت إليه قَبْلُ؛ من نتائج بهذا الكتاب، في تصور طبيعة العمل الإسلامي، وأنه راجع بالدرجة الأولى إلى ضرورة عمران الوجدان برسالة القرآن. على شروطها وموازينها. وبدأت أبصر في لهب الظروف الجديدة؛ كيف أن العالم اليوم في أشد الحاجة إلى الإنصات إلى القرآن! وكم هو تعيس هذا الإنسان الشارد بعيدا عن بصائره وحقائقه!

وأيقنت بعد ذلك بما بدا لي من حقائق قرآنية، في إعادة تشكيل الأمة، مما قيدته في هذا الكتاب، ومما بدا لي من منهج نبوي، في رسم معالم (البعثة الجديدة) التي أحسب أن بشائرها تنطلق الآن في العالم الإسلامي، وتتجه بقوة نحو المستقبل.

وهنا فقط أذنت في نشر هذا الكتاب، وقد ترسخت لدي ولله الحمد صورة السبيل القرآنية؛ لإقامة الدين، على معنى (البعث) الجديد، وتبينت لي شروطه، مما ذكر الله في كتابه العظيم: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ. يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ. وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)(الجمعة: 2-3). فقوله تعالى: (وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ) هم – كما في أغلب التفاسير - أجيال الأمة اللاحقة بعد، من التابعين وأتباعهم إلى يوم القيامة. كلهم جميعا إنما يتربون ويتخرجون بحق على المنهج النبوي، القائم على أصول البعثة وحيا، أو تجديدا للوحي، مما ذكرنا من قوله تعالى: (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ). فالنتيجة إذن؛ أن منهج بناء الأمة كما كان على يد رسول اللهe، يكون على يد وُرَّاثِه من الدعاة المجددين والعلماء المصلحين، وهو معنى حديثهe: (العلماء ورثة الأنبياء)([2]). وكذلك حديثه المشهور الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه؛ أنهe قال: (إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها)(1)، إلى غير ذلك من معالم (بعثة التجديد)، مما توطد العزم على تفصيله وبيانه، في تصانيف لاحقة إن شاء الله([3]).

وأقول لإخواننا العاملين في حقل الدعوة في كل مكان: إنه لمن الواجب إعادة النظر في كثير مما كتبه المفكرون الإسلاميون المعاصرون، وعرضه على محكين اثنين: (كليات الدين، ومناطاته المحقَّقة)، مما سيأتي بيانه بحول الله بهذا الكتاب؛ ذلك أن كثيرا من المفاهيم رسخت لدى الجيل، حتى صارت نوعا من العقائد، التي لا تقبل التغيير ولا التبديل، مع أنه تبين أن بعضها يحمل من الخطأ أكثر بكثير مما يحمل من الصواب! وأنها مجرد اجتهادات، لم تصدر عمن لا ينطق عن الهوى، ولا هي وحي يوحى!

ولذلك فإني إذ أكتب ما أكتب؛ على استعداد كامل لشطبه ونسخه، والتبرؤ منه؛ إذا ما بصَّرنا ببطلانه من له بصيرة في العلم والعمل. فما فتئت، والحمد لله، مذ فتح الله عقلي على ميدان البحث العلمي؛ لا أنصت إلا إلى الدليل، ولا ألتفت إلا إلى ما قامت عليه الحجة العلمية القاطعة، أو الراجحة. لا يمنعني حق يبدو لي غدا، في بحث جديد أكتبه أو يكتبه غيري؛ أن أنقض أصنام الباطل مما دبجت بنفسي، وصنفت بيدي! لكن؛ متى كان الذي قد بدا من هذا (الجديد) راجحا بدليله الظاهر أو القاطع، لا بوهم تخيله النفس، وتزينه العاطفة، من أن هذا الكلام قد قاله (فلان) وما أدراك ما (فلان)! لأنا نقول: لقد آمنا ـ مذ آمنا بهذا الدين ـ أن كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون.

ثم إن هذا الكتاب، هو الذي كنا قد وعدنا به قراءنا الأفاضل، في كتاب (الفجور السياسي). وهو في الحقيقة يمثل امتدادا له، بل يمكنك أن تقول إنه (الجزء الثاني) منه؛ لولا ما طبع هذا الكتاب من توسع وتفصيل، لم يحظ به الكتاب الأول، ولولا ما ينتج عنه ـ لو جعلناه منه ـ من اختلال في التوازن الهندسي، لمفهوم (الأجزاء) في صناعة التأليف.

إن كتاب الفجور السياسي قد أولى الاهتمام لأزمة الواقع الديني في المجتمع، وحاول أن يشخص مكامن الداء، في ملاحظة تراجع التدين لدى الناس، وطغيان مظاهر  الفجور، ليس بمعناه الطبيعي، ولكن بمعناه الإيديولوجي خاصة. ثم الاقتراحات الدعوية التي يمكن اعتمادها لعلاج الوضع. وقد وصلنا في التحليل إلى أن العلاج ليس (سياسيا) بالمعنى الضيق للكلمة. وإنما هو (دعوي) بالمعنى الإسلامي الشامل. رغم أن (الفجور) هو في الصميم (إيديولوجيا) كما بيناه هناك. فالخيار المفتاحي للقضية ليس في المسألة السياسية. وإن كانت هي في حد ذاتها وسيلة، بل من الوسائل المهمة. لكنها ليست (مفتاحا). فالإيديولوجيا لا تواجه إلا بالعقيدة!

إلا أن العجلة في إخراج كتيب (الفجور السياسي)؛ بسبب ظروف اشتداد الوطأة السياسية الفاجرة على العمل الإسلامي من جهة، والرغبة الجامحة في التنبيه العاجل للعاملين في المجال الإسلامي لخطورة الأمر، ورغبة الإخوة الناشرين في التعجيل بإخراج العمل؛ كل ذلك جعلني أبخس (التصور السياسي) في المنظومة التشريعية الإسلامية حقه، وأبخس نقد التصورات الاجتهادية لدى الإسلاميين المعاصرين حقَّها أيضا؛ بالنظر إلى مقاييس أصول التشريع الإسلامي. مع العلم أنه لا يمكن تحقيق الزعم بما ذهبنا إليه؛ إلا ببيان هذا وذاك. أي ببيان موقع التشريع السياسي في الإسلام، ثم بيان موقع التصورات الاجتهادية الإسلامية من ذلك التشريع! وهذا بالضبط ما حاولناه في كتابنا هذا، مقترحين في الأخير ما حسبناه أصولا للبيان الدعوي القرآني.

وأذكر ههنا حقيقة للتاريخ: ذلك أن ما قيدته في كتيب (الفجور السياسي) من أفكار كنت قد أنذرت به قبل نشره، في إطار الحركة الإسلامية بالمغرب، مذ تقلدت مسؤولية طلابية، خلال مرحلتين من تاريخ العمل الإسلامي، فلم أفتأ أنذر بأن طبيعة المعركة قد تغيرت، وأن الميدان قد دخله خصم جديد، لا قِبَلَ للإسلاميين المعاصرين به، وأنه من الضروري تحويل الاتجاه إلى الثغر الجديد، لكن مع الأسف - وأقول مع الأسف - لم يستطع بعض إخواننا التخلي عن بريق الشعارات الزائفة؛ فأتى الله بنيانهم من القواعد! فكان عمر المد الطلابي بالجامعة المغربية أقصر بكثير من عمر المد اليساري بها! مع أن امتداد الصحوة الإسلامية في المجتمع العام في تزايد يبشر بالخير، رغم شراسة العدو الجديد!(2)

إن (البيان الدعوي القرآني) هو محاولة لتلمس موقع (المفتاح) في المسألة الإسلامية التجديدية. إنه محاولة للعودة بها من جديد إلى القرآن: رسالة رب الكون إلى الناس في هذه الأرض. لقد أتى على قطاعات من الحركة الإسلامية ـ ليست بالقليل ـ حين من الدهر نسيت فيه كتاب الله تعالى، وهجرته هجرانا غريبا، وهي التي انطلقت منه أول ما انطلقت. ثم صارت إلى تقديس مقولات فكرية اجتهادية، كان لها دورها الفقهي في زمانها ومكانها، فتغير الزمان وربما حتى المكان، ولكن كثيرا من الإسلاميين لم يغيروا تلك المقولات؛ فأصبحت بين أيديهم أوثانا تعبد من دون الله! حلت نصوصها محل القرآن، وحلت شروحها محل السنة!

إن الاختيار الإسلامي القاصر على الشأن السياسي ممارسةً ـ وأقول: (القاصر) بمعنى حصر العمل الإسلامي في الشأن السياسي ـ يسلب الإنسان التفكير الكلي، سواء في ذلك الاختيار السياسي الصدامي، أو الاختيار السياسي المشارك. فهما عندي في هذا السياق وجهان لعملة واحدة. فكلاهما يفقد طبيعته الدعوية الكلية، وإن ادعى عكس ذلك في أدبياته الحركية؛ وذلك بسبب الطبيعة اليومية المتسارعة للحدث السياسي من جهة، وبسبب انقلاب الموازين التصورية لدى العاملين من جهة أخرى. وهذا أخطر! ذلك أن علاقة السياسي بالديني في الإسلام ـ كما سترى بدليله بحول الله ـ هي علاقة الجزئي بالكلي؛ وإذن فإن تدبير الكلي الديني من خلال الجزئي السياسي هو قلب للميزان. وتشويه للعمل الدعوي، بل تحريف له وتضليل!

ولذلك فإن الحركة تبعد يوما بعد يوم عن المنطلقات؛ ويحصل الانزلاق إلى التصورات الوهمية والممارسات الوهمية.. ويكون الانحراف! إنني أطالب بالعودة إلى النص الرسالي للإسلام مرة أخرى، عودة وجدانية تعبدية عميقة، لكنها ـ طبعا ـ عودة تدبرية، واعية فقيهة، لا حرفية ظاهرية ذات منهج تجزيئي، لا تدرك من قواعد العلم إلا أشباحها وأشكالها، تلهج بالنصوص الجزئية دون الأخذ بالمقاصد الكلية، ودون الاعتصام بقواعد الاستدلال في الحجاج والإثبات. إن لدينا ههنا مأساة تتأرجح بين إفراط وتفريط؛ فيدخل بذلك كثير من العاملين للإسلام في جدل عقيم، وتبقى (الرسالة القرآنية) بلا حَمَلَة!

فكان أن بينت - من خلال هذا الكتاب - أن بين هذا وذاك يمكن تلمس مفتاح التجديد الديني؛ منهجا وممارسة: إنه (الرسالة القرآنية) في بساطتها العميقة، ووضوحها الجميل.

ولقد حاولنا جهد المستطاع أن نعتمد الأسلوب الحواري الهادئ، والمنهج التحليلي الاستدلالي في النفي والإثبات، بعيدا عن (عاطفة الانتماء التنظيمي)، بل ساعين وراء الدليل، مستبصرين به في الرأي والترجيح.

فلست أدري إلى أي حد سيتسع صدر القارئ (المنتمي) لتقبل هذا النقد؟ ثم إلى أي حد يمكنه الاستماع إلى الخطاب ـ أي خطاب ـ بأذن (اللامنتمي)؟ إلا انتماءه للإسلام دين الله الحق!

ولست أدري ـ بعد هذا وذاك ـ إلى أي حد يكون بمقدورنا التمييز بين الدين كأصول وكليات، ونصوص قطعيات، وبين الدين كفهوم ونظريات، واجتهادات وتأويلات؟

ثم لست أدري ـ بعد ذلك كله ـ إلى أي حد يكون بمقدورنا التوسط بين الغلو المتسيب في تأويل النصوص، بلا قواعد ولا أدوات، والغلو في أخذها على ظاهرها بلا اجتهاد ولا استنباط، وتنزيلها على نوازل بلا نظر في (مآل) ولا (تحقيق لمناط)؟

ألم يان للحركات الإسلامية أن تستجيب للحوار الهادئ، داخليا وخارجيا، وتدع أسلوب الاتهام (الإيديولوجي) الذي كنا ننعاه على الاتجاهات الماركسية في السابق، كأسلوب (للتخلص السهل) من الرأي الآخر؛ برمي صاحبه (بالتخاذل، والجبن، والعمالة للمخابرات، والانحياز إلى النظام، والركون إلى الذين ظلموا...إلخ. إلخ.) من شتى أنواع السباب التي تدل على تلك (الحيلة النفسية) المستهلكة، لحظة العجز عن ممارسة الحوار العلمي المتبصر، وذلك بوضع صاحب البرهان، ورافع راية الاستدلال في قفص الاتهام؟ ولكن إلى متى؟ وها كل تجربة مهما اعتقد الناس من (قداستها) يفضحها محك التجارب: الزمن الكاشف والتدافع الاجتماعي!

ألم يان للحركات الإسلامية أن تنصت إلى (الرأي الآخر) من ذاتها ومن غيرها؟ فمن ذا قدير على الزعم بأنه يمتلك الحقيقة كلها إلا متأله جبار؟

لأجل ذلك ونحوه كتبنا هذا الكتاب، تحدونا الغيرة على هذا الدين، والرغبة في النصح لله ولرسوله وللمؤمنين، عسى أن نحدث فرجة ترشح ببعض النور في (صخرة الكهف)؛ نرجو أن نعذر بها إلى الله (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم)(الشعراء:89).

وبعد، فهذه هي قصة هذا الكتاب، ولقد قسمناه - بناء على ما ذكر - إلى مقدمة: وهي ما نحن فيه، تلتها أربعة فصول، كانت كما يلي:

الفصل الأول: في الحركة الإسلامية والبيان الدعوي: بينا فيه أولا: ما (الحركة الإسلامية)؟ ثم ما علاقة الحركة الإسلامية بالبيان الدعوي؟

الفصل الثاني: وكان في بيان الأحكام السياسية في مراتب التشريع الإسلامي. ودرسنا فيه مراتب التشريع الإسلامي على العموم، ثم المرتبة التشريعية للأحكام السياسية بعد ذلك على الخصوص.

والفصل الثالث: كان في الاجتهاد السياسي الإسلامي، ونفسية الصدام لدى الحركة الإسلامية المعاصرة. ودرسنا فيه طبيعة الاجتهاد السياسي الإسلامي على العموم، وذلك من خلال قضايا معينة من الفقه السياسي الإسلامي القديم، وأخرى من الفقه السياسي الإسلامي المعاصر. ثم عرجنا على إشكال آخر متعلق بذلك، هو محاولة تبين أسباب الظاهرة التي سميناها (نفسية الصدام السياسي) لدى بعض الحركات الإسلامية المعاصرة.

ثم كان الفصل الرابع، الذي حاولنا فيه صياغة معالم أولية؛ لأصول (البيان القرآني) للدعوة الإسلامية. وقد رجونا بذلك وضع مقاييس تعصم العمل الإسلامي من (التضخم السياسي)، سواء كان تضخما صداميا، أو مشاركا؛ بما يضمن سلامة التعبد من آفة التعود! فالحركة الإسلامية اليوم مصابة بداء (التضخم) في المجال السياسي؛ ولذلك فهي تتأرجح في التعاطي للعمل الإسلامي بين منهجين اثنين: المنهج النقدي، والمنهج النقضي. فالأول إصلاحي مشارك، والثاني عدمي صدامي. وكل ذلك متأثر – كما سترى بحول الله - في أصوله  بالأدبيات السياسية الحديثة، وبحركات التغيير التي ظهرت في أوروبا. بينما القرآن الكريم يعرض منهجا آخر، مختلفا تماما عن المنهجين المذكورين، وإن بدا بينهما من تشابه؛ فهو عَرَضِي لا علاقة له بجوهره. إن المنهج القرآني منهج تربوي عمراني، يَعْمُرُ حياة الإنسان بصناعة الوجدان، وببناء النسيج الاجتماعي؛ بناء تربويا تعبديا. فتمتد  الحياة الإيمانية بصورة تلقائية – إذا أُحْكِمَ المنهج بقواعده – إلى كل المجالات، بما في ذلك المجال السياسي. الأَوْلَى فالأَوْلَى. تماما كما تسري الروح في كل خلايا الجسم، وكما يسري الماء في كل أغصان الشجرة، انطلاقا من الجذور إلى جذعها، ثم إلى سائر أفنانها ووريقاتها.

وعليه؛ فقد حاولنا عرض ملامح البيان القرآني في هذا الفصل؛ من خلال القضايا الثلاث الآتية: بعث الرسالة القرآنية، والدعوة إلى الله لا إلى التنظيم، ثم قضية التجديد الديني ومراتب الأولويات الدعوية. ثم أغلقنا ملف هذا البحث - إلى حين([4]) - بخاتمة تلخص ما أحسب أنه نتائج. والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

وكتبه عبد ربه، راجي عفوه وغفرانه: فريد بن الحسن الأنصاري الخزرجي غفر الله له ولوالديه ولكافة المسلمين.

وكان تمام تبييضه بمكناسة الزيتون/المغرب، مساء الخميس: 19 ربيع الثاني لعام 1424هـ، الموافق لـ18/06/2003م

بعدما كان الفراغ من تسويده يوم الأربعاء 16جمادى الأولى: 1421هـ، الموافق لـ16/08/2000م.



[1]  لمؤلفه الأمريكي: صمويل هنتينغتون  

[2]  جزء حديث رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة، وابن حبان، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير، رقم: 6297

[3]  ينظر في ذلك كتابنا المطبوع: (بلاغ الرسالة القرآنية)، وكتابنا: (بعثة التجديد المقبلة)، يطبع لاحقا إن شاء الله.

[4]  يعتبر كتابنا (بلاغ الرسالة القرآنية) تفصيلا لما أجملناه في هذا الفصل.


البيان الدعوي وظاهرة التضخم السياسي


الفصل الأول: الحركة الإسلامية والبيان الدعوي:

المبحث الأول: ما الحركة الإسلامية؟

أول مفهوم يجب أن نضبطه قبل البدء في أي استدلال، أو تحليل لهذا الموضوع؛ هو تحديد: ما (الحركة الإسلامية)؟

فهذا سؤال ضروري. إذ بسبب إهماله؛ شطت كثير من الكتابات في الموضوع بعيدا عن مبتغاها!

ولابد قبل الجواب من تقرير حقيقة جوهرية، لا يختلف عليها اثنان، ننطلق منها؛ لبناء الاستدلال. وهي: أن ما اصطلح عليه اليوم بـ(الحركة الإسلامية) هو (بيان وجودي) أولا.

بمعنى أن كل فعل في الوجود بني على (قصد) ما؛ هو تعبير ما؛ عن شيء ما! أو هو باصطلاح علماء الأصول والكلام (بيان). والبيان ليس مقصورا على جانب اللغة فحسب؛ بل هو شامل لكل تعبير (دلالي) بالمعنى (السيميائي) للكلمة.

(فبيان) الحركة الإسلامية بهذا المعنى هو: كل خطاب وجودي تقصد الحركة أن توصله إلى الآخر بوعي أو بغير وعي. مما يتعلق بذاتها الفعلية، وسائر وسائلها التعبيرية المختلفة. بدءا بوجودها العددي والتنظيمي؛ إلى خطابها اللغوي الطبيعي ـ بتعبير اللسانيين المحدثين ـ إلى سائر أشكال التعبير الوجودي الأخرى، من برامج تربوية ودعوية، وأعمال اجتماعية، وتحركات سياسية، أو نضالية، ومخيمات تأطيرية، ومسيرات جماهيرية ...إلخ. كل ذلك ونحوه مشمول بمعنى (البيان).

إن (بيان الحركة الإسلامية) هو كل صور الوجود (العددي/الحركي)، وما ينتج عن هذا الوجود من كل أشكال الفعل الديني، والثقافي، والاجتماعي، والسياسي، عموما. إنه كل ما يدل على (وجودها) كحركة في المجتمع.

ولنشرع الآن في (تحقيق المناط)! بتعبير الأصوليين. أي تنزيل الصورة على الواقع بحثا في المسمى؛ عن طبيعة دلالة الاسم، وحقيقة (البيان)، وفك رموزه التعبيرية.

فإذا كان البيان الحركي الإسلامي (دالاًّ). فما (المدلول)؟

أو بعبارة أخرى بسيطة: ما الحركة الإسلامية؟

هل هي فعلا تعبير لاشعوري عن تهميش تنموي وسياسي؛ أم أنها تعبير عن تحول حقيقي في بنية المجتمع، ومسار التاريخ؟

وهل هي مجرد تجمع بشري مصلحي، اجتمع باجتماع المصالح والأهواء وسيتفرق بتفرقها، أم أنها تبلور اجتماعي لوجدان تعبدي ديني، ظهر في صورة (جمعية) لأسباب معينة، تماما كما ظهرت من قبل الجماعات الصوفية في التاريخ؛ فصارت جزءا من بنية المجتمع قرونا؟

ثم هل هي تعبير ديني محض، له مواقف سياسية؛ أم أنها تعبير سياسي محض له صبغة دينية؟

هل هي ظاهرة (فِرقية) فعلا، كظاهرة الفرق الكلامية ذات العمق السياسي، التي ظهرت في فجر تاريخ الإسلام؛ أم أنها كظاهرة الفرق الصوفية التي تبلورت فيما بعد؟ أم هي ظاهرة جديدة تماما لا هي بهذه ولا بتلك؟ استجابة لقانون (التغير)، على حد تعبير الحكماء الأوائل، في المقولة المشهورة: (لا يمكنك أن تسبح في النهر مرتين)؟

هل هي حركة (إسلاموية) تستغل الدين فعلا؛ للوصول إلى مآرب شخصية، وأهداف مادية، ككثير من الأحزاب والجمعيات؛ أم أنها إحياء لنظام حركة التحرر الوطني، الذي فجرته التناقضات، وتجاوزه الواقع التاريخي؟

هل هي حركة عميلة مأجورة تستجيب لتحريك أجنبي؛ أم أنها حركة وطنية، وتعبير عن ضمير الأمة؛ عما عجزت عن التعبير عنه الدول والحكومات في زمن الانهيار والهزيمة؟

وأخيرا: هل الحركة الإسلامية المعاصرة ظاهرة مرضية، تهدد تماسك المجتمع ووحدته واستقراره؛ يجب نقضها ومحاربتها، أم هي ظاهرة صحية إيجابية، يجب تسديدها وترشيدها؟

تلك أسئلة تعبر عن مواقف مختلفة ومتناقضة، نقلتُ مضامينها؛ بل حتى بعض عباراتها؛ من هنا وهناك، مما أجاب به دارسون منتمون ومستقلون، وعبر عنه كتاب وصحافيون وزعماء، مختلفون ثقافة، وانتماء سياسيا وأيديولوجيا.. إنها ـ كما رأيت ـ تعبير عن مواقف، تتقارب إلى درجة الائتلاف حينا، وتختلف إلى درجة التناقض حينا آخر!

لكننا ههنا، قبل أن نخوض في الموضوع، نقرر ما يلي:

- أولا: إنه لمن الزعم الباطل، والكِبْر العلمي؛ أن يدعي باحث امتلاك الإجابة القاطعة والشاملة في الآن نفسه؛ عن السؤال المفهومي التعريفي: (ما الحركة الإسلامية؟) من باب التعريف بكل مقاصدها الدلالية في آن واحد، على سبيل الشمول والإجمال. من (أربكان إلى طالبان!) كما يقولون. أي من أقصى مظاهر انفتاحها واندماجها إلى أقصى درجات التزامها أو انزوائها! وإذن؛ يكون أبعد ما يكون من الدقة.

- ثانيا: إن الحركة الإسلامية ظاهرة معقدة جدا! تحمل في بنيتها الاجتماعية و(وعيها الجمعي)؛ التراث بشقيه: الديني والفكري، وكذا التاريخ الإسلامي ببعده السياسي والاجتماعي، كما تحمل في بنيتها (الحاضر) و(تراثه الجديد) بآلامه وآماله! ثم إنها بعد ذلك ذات أحلام وأشواق في (استشراف المستقبل)!

إنها كائن حي إذن! وكفى بالدراسة والتحليل صعوبة، وخطورة، ثم نسبية؛ أن يكون الموضوع المدروس (كائنا حيا)! وأن يكون أول ما يدرس منه (البيان)! بكل ما يحمله من (قصدية)، ظاهرة وباطنة؛ شعورية ولاشعورية!

من هنا إذن؛ سنكون مجبرين على البحث عن شيء واحد أساسا، ربما أغنانا عن التنقيب عن (تعريف جامع مانع). وذلك بأن نشتغل بالبحث عما يسمى (بمفتاح الشخصية) لهذه الظاهرة. أو بلغة المناطقة: بالبحث عن (الفصل)، أي العنصر المميز للجوهر في التعريف. وغاية ما وضعت له التعريفات في القديم والحديث هو التمييز. بأي صورة كانت! (بالفصول) أو (بالخواص) أو (بالأعراض). ومنها جميعا كان يبنى التعريف (الجامع المانع) الذي هو: (الحد). ومعلوم أن أعلى درجات التعريف في الحدود والرسوم: ما اعتمد فيه على (الفصل) أولا. أي المميز الجوهري، لا العَرَضي فحسب.

- ثالثا: لقد حاول كثير من الدارسين (تفسير) الحركة الإسلامية المعاصرة، من حيث هي (بيان وجودي)؛ تفسيرات شتى. وذلك قصد إخضاعها للدراسة والمقارنة والحكم والاستنتاج؛ خدمة لمصالح مختلفة، تتباين أهدافها ما بين الحاجة العلمية المجردة؛ والحاجة الوطنية القومية؛ إلى الحاجة التجارية النفعية؛ إلى الحاجة الأمنية الداخلية، والمخابراتية الخارجية...إلخ.

ونحن هنا إذ نورد نصوص أولئك جميعا؛ لا عبرة لنا بكل ذلك، رغم ما قد يتركه (القصد) في البحث العلمي من آثار، على مستوى التعريف بالظواهر وإشكالاتها، والتوجيه للحلول!

وإنما العبرة عندنا متعلقة بالخطابات المفهومية، ودلالاتها السياقية، كما تقتضيها قواعد فهم النصوص، ليس إلا.

ذلك أن تعريف الحركة الإسلامية من حيث هي (بيان وجودي)، قد انبنى لدى أغلب الدارسين على ما يمكن تسميته بـ(التعريف بالعلة). إذ تفسير الظواهر بعللها ـ إذا كان ناجحا ـ يكون أمكن في التحكم فيها وتوجيهها. ومن هنا وجدنا من أرجع (البيان الإسلامي الحركي) إلى أسباب اقتصادية بحتة، ومن أرجعها إلى أسباب سياسية بحتة، ثم من أرجعها إلى أسباب وطنية، وآخرون أرجعوها إلى أسباب اجتماعية/نفسية بحتة، أو إلى أسباب (ديموغرافية) بحتة، وآخرون أرجعوها إلى (أسباب اقتصادية، وسياسية، وطبقية، وتاريخية) هكذا على الإجمال.

وإليك طائفة من هذه التعريفات والتعليلات التي حاول مجموعة من الباحثين تفسير الظاهرة بها:

أولا: لابد من التنبيه إلى أن كثيرا من هؤلاء الباحثين يدرسون ظاهرة (التطرف) أو (العنف)؛ على سبيل أنها ترادف معنى (الحركة الإسلامية)! هكذا على الإجمال، دون تفصيل في كون (التطرف) ظاهرة أخص من الظاهرة الإسلامية عامة. أو ربما تم الجمع في الظاهرة بين ما هو إسلامي وما هو ليس كذلك؛ بحجة أن العنف والتطرف ظاهرة واحدة، أيا كان! فمثلا: هذا الباحث المغربي الدكتور محمد سبيلا إذ يدرس ظاهرة (التطرف) يخلط فيها؛ بين ما هو إسلامي وبين ما هو يساري على اعتبار أن (التطرف) عنده ظاهرة ترجع إلى أسباب واحدة! يكون الانفجار (الديمغرافي) فيها العامل الحاسم في تولدها؛ باعتبار ما ينتج عنه من اختلال التوازن الاجتماعي. قال: (لعل من باب الدقة أن نقول: إن العامل الديمغرافي (...) ليس هو السبب المباشر المولد لحركات التطرف اليساري أو الديني، بل هو الأرضية المناسبة لتولد هذه الحركات، وذلك بما يتولد عنه من اختلال في التوازن الاجتماعي)(3).

ثم يفصل القول بذلك حاسما، فيقول: (وبذلك تتحول الديمغرافيا من مجرد معامل كمي محايد إلى معامل كيفي فاعل وحاسم في توليد التطرف السياسي المصبوغ بالصبغة الدينية)(4).

في حين يرجع الدكتور حسن أوريد إلى التاريخ السياسي الإسلامي، محاولا أن ينظر إلى الظاهرة الإسلامية الحركية، من خلال ظاهرة (الفرق الإسلامية)، التي نشأت في خضم الخلاف الذي حصل في صدر تاريخ الإسلام، حول قضية الخلافة، مستعملا نوعا من (قياس الشبه)، بين الظاهرتين، باعتبار أن الأسباب المولدة لهذه هي عين الأسباب المولدة لتلك: قال: (إن التاريخ الإسلامي يعلمنا أن الحركات الإسلامية التي تنشط الآن هي شبيهة بالفرق الإسلامية التي ظهرت منذ فجر الإسلام، وكانت ذات سياسة معلنة وغير معلنة، عن وعي وعن غير وعي. وتتحكم في بروزها أسباب اقتصادية وسياسية وطبقية وتاريخية أيضا. فلئن كان لهذه الحركات مسوغ وجود لأسباب اجتماعية واقتصادية وثقافية؛ فليس لها أن تزعم امتلاك الحقيقة المطلقة)(5).

ويذهب الدكتور برهان غليون مدير مركز دراسات الشرق المعاصر في جامعة السربون في باريس مذهبا آخر تماما؛ وذلك حينما اعتبر الحركة الإسلامية امتدادا لحركة المقاومة الوطنية، تجلت في حلة جديدة! بل رأى أن صراعها مع القوى العلمانية، المتنفذة في مراكز السلطة في العالم العربي اليوم، هو نوع من الصراع بينها وبين (تحالف الفئات السائدة، المستفيدة من نظام التوزيع والحكم الراهن ماديا). يقول:

(يمثل المشروع الإسلامي في عمقه الحقيقي ـ في نظري ـ الحلم بإعادة إحياء نظام حركة التحرر الوطني الذي فجرته التناقضات وتجاوزه الواقع التاريخي. وهو يواجه ظروفا تاريخية، إقليمية وعالمية، جديدة ومختلفة، ومنافية تماما؛ مما يجعله يظهر وكأنه سباحة ضد التيار. وهو بالضرورة معرض ـ إذا أراد البقاء في مركز الصدارة والهيمنة ـ إلى الاختيار بين تجاوز نفسه ونظرته الاجتماعية والاستراتيجية والتاريخية، أي إلى ثورة داخل الثورة. تمكنه من بلورة ممارسة نظرية وعملية من طبيعة عالمية، أو الاندراج في الاستراتيجية الدولية للاحتفاظ بنصيب من المشاركة في السيادة والسلطة. أما المشروع الثاني [العلماني] فهو ليس في الواقع إلا مشروع الدولة الانفتاحية القديم مع تدعيم أسسه القمعية والتبعية. فهو لا يعني شيئا آخر سوى التسليم للسوق وللقوى الرأسمالية العالمية)!(6)

وقال موضحا طبيعة الصراع: (إننا في اعتقادي أمام مواجهة، ينتظم فيها من الجهة الأولى؛ معسكر محافظ، مكون من تحالف الفئات السائدة المستفيدة من نظام التوزيع والحكم الراهن ماديا، أي فئات تتراوح بين المافيات الكبرى والمنتفعين الصغار، من فساد النظام. مرورا بقسم كبير من الطبقات الوسطى والنخب القومية أو اليسارية، التي نجحت في تغيير موقعها الطبقي في العقود الثلاثة أو الأربعة الماضية. وتسعى بجميع الوسائل إلى عدم السقوط، وتتبع من أجل ذلك استراتيجية قائمة على الالتفاف حول السلطة، ومملآتها واتباع سياسة انتهازية، ووصولية بشكل واسع ومكشوف. وفي الجهة المقابلة يقف التحالف الثاني المعارض المكون من جمهور واسع ومتنافر من سكان الأحياء الفقيرة الذين كانوا ضحية نموذج التنمية القائم، ومن النخب المهمشة والمستبعدة من النظام السياسي لعقود طويلة!)(7)

بينما ذهب الأستاذ عبد الإله بلقزيز إلى أن أسباب العنف السياسي الإسلامي متعددة، وهي عنده من أغلب ما ذكر. إلا أن المهم عندي مما قال؛ هو أنه اعتبر (السبب الديني) واحدا من بينها. وهو أمر قلما تتطرق إليه الدراسات، وذلك من حيث إن الدين قابل للتأويلات و(القراءات) في اتجاه العنف. قال: (لئن كانت تنظيمات العنف السياسي في الوطن العربي في معظمها تنظيمات إسلامية؛ فبسبب أن الدين ـ مقروءا ومؤولا على نحو من الأنحاء ـ مثل هو أيضا عاملا من العوامل المساعدة على جنوح بعض السياسة إلى الأخذ بأسلوب العنف)(8).

وهو وإن كان يبرئ الدين كنصوص؛ فإنه يؤمن بأنه (ليس من شك في أن الجراحة الحداثوية، التي أخضعت الاجتماع العربي المعاصر لعملية قيصرية معقدة؛ تركت جراحاتها عميقة في جسمه: لم تنجح في زرع ثمراتها فيه على نحو خصيب شامل (...) وما زالت تتعرض لمقاومة نفسية وثقافية، بالغة الضراوة من قبل قسم عظيم من المجتمع: ما برح يتواصل مع مخزونه الثقافي الموروث (...) إن بعض ما يجري من تحولات مذهلة في النظام الاجتماعي وفي نسق القيم؛ يبعث على استفزاز المشاعر الدينية للناس)(9).

ومن هنا يستنتج أن (الظاهرة ليست نتيجة انحراف في سلوك قسم من المجتمع يحتاج إلى إعادة تصويب، وترويض بالعصا لإخراج العفريت! (عفريت العنف) من الجسم كما تستخرج الأرواح في جلسات السحرة والمشعوذين! والذين يمارسون العنف السياسي ليسوا مجرد مجرمين عصاة خارجين عن القانون، ويجب إلحاق العقاب بهم. بل هم أهل رأي في الشؤون العامة أساؤوا التعبير. مثلما أساءت الدولة نفسها التعبير عن سلطتها؛ وعلى ذلك فالظاهرة هذه ـ وهي ظاهرة اجتماعية ـ تستدعي نمطا آخر من المقاربة الفكرية، والعملية.)(10)

ولكنه في الحلول مال إلى كون: (الديمقراطية، والتنمية، والعدالة الاجتماعية، والتجديد الثقافي؛ هي عناوين الاستراتيجية البديلة التي ننشد: استراتيجية تحرير المجال السياسي من العنف)(11).

أما الباحث العربي القومي الدكتور فؤاد زكريا فقد حسم تفسير الصحوة الإسلامية ككل؛ باعتبارها نتيجة حتمية لحالة التخلف العام الذي تشهده البلاد العربية والإسلامية. يقول في كتابه (الصحوة الإسلامية في ميزان العقل): (في البداية يكون الاتجاه إلى الشمول هو السائد، وبقدر ما يتحقق التطور والتقدم في المجتمع؛ يتراجع هذا الشمول، وتفرض متغيرات الحياة نفسها. وبهذا المعنى نستطيع أن نفسر الدعوة الحالية إلى الدمج بين الدين والسياسة، أو الدين والحكم في العالم الإسلامي (...) فلا بد أن يفسر ذلك في ضوء التخلف الشامل، الذي طرأ على العالم الإسلامي والعالم العربي، في هذا العقد الأخير على وجه التخصيص)(12).

بينما أرجعها الباحث الفرنسي فرانسوا بوركا إلى أنها (ظاهرة سياسية دينية نابعة من الظروف المحيطة بها)، أفرزتها أسباب طارئة. وليست امتدادا لحركية الإسلام المتجددة عبر التاريخ؛ محاولا بذلك عزل الصحوة الإسلامية عن أصولها التدينية، ومفاتيحها التعبدية. يقول بصريح العبارة في كتابه (الإسلام السياسي): (من الممكن أن نكون مسلمين دون أن نكون إسلاميين (بمعنى الانتماء إلى تيار الإسلام السياسي) ورغم أن هذا التمييز الأولي بدهي؛ فإن عددا كبيرا من الناس يجهله. وكما يقول ميشيل كامو: إننا نراهن على عدم الخلط بين ظاهرة سياسية دينية نابعة من الظروف المحيطة بها، وبين ثقافة راسخة منذ أكثر من ألف سنة)(13).

إلا أننا نجد الباحث الأمريكي/السوري النصراني (ريتشارد هرير دكمجيان) ـ بصورة نادرة ـ قد حاول أن يربط الظاهرة بأصول الإسلام وطبيعته التجديدية، معتبرا إياها نوعا من الاستمرار الطبيعي لحالة المقاومة، التي يبثها الدين الإسلامي في التاريخ، كلما حلت الأزمات بالأمة. وأنها دورة من دوراته التاريخية المتسلسلة منذ عصر النبي (صل الله عليه وسلم) إلى يومنا هذا، واسما إياها بأنها (انبعاث إسلامي). يقول: (إن انبعاث الروح الإسلامي في الأوضاع الحالية ظاهرة معقدة؛ لأنها في الوقت نفسه ذات طبيعة روحية واجتماعية واقتصادية وسياسية. وما جرى عليه الغرب نفسه من وضع الأصولية الإسلامية تحت عنوان (التعصب) وبالخط الأحمر؛ لمما يؤدي بشكل فريد إلى الخلل في مجال تحليل نزيه، ومتوازن للموضوع)(14)، إلى أن يقول: (يمكننا أن ننظر إلى الدورة المعاصرة من الانبعاث الإسلامي كدور يتوافق مع الظهور الدوري لحركات الإحياء الإسلامي في أوقات الأزمات، منذ عصر النبي (صل الله عليه وسلم) (...) وإن الأصوليين الإسلاميين المعاصرين يرون أنفسهم فعلا، خلفاء مباشرين وأتباعا مقلدين، للقادة الماضين، ولحركات الانبعاث والتجديد)(15) ثم يحكم بصورة واضحة بأن (ما درج عليه أصوليو العصر الحاضر من النظر إلى التاريخ الإسلامي على أنه دورات من الانحطاط والانبعاث، له نصيب كبير من الصدق التاريخي. فالحق أن العلاقة العلية بين الاضطرابات الروحية والاجتماعية ـ السياسية، والانبعاث الأصولي كانت نمطا يتكرر عبر التاريخ الإسلامي)(16).

وهكذا نجد أغلب التعليلات والتحليلات، التي تحاول تقديم نوع من التفسير للظاهرة الحركية الإسلامية، كنوع من التعريف ـ بطريق أو بأخرى ـ تختلف احتمالاتها ما بين الجذور التاريخية الأولى للمسألة السياسية في الإسلام، إلى آخر الطوارئ الظرفية المعاصرة، و(الانفجارات الديمغرافية)، وأحوال (التخلف)، وردود الفعل (الحداثية) و(العولمية)! والأقوال في ذلك كله تميل تارة إلى (مفتاحية) هذا السبب؛ وتارة أخرى إلى (مفتاحية) ذاك!

وليس لنا أمام هذا كله إلا أن نعتمد منهج (السبر والتقسيم) ـ على طريقة علماء أصول الفقه ـ للبحث عن (العلة) المعرفة للحكم، ثم البحث في أوصاف الظاهرة كما هي في الواقع؛ (لتحقيق المناط) عليها. وهو منهج تجريبي (محايد) كما هو معلوم.

أولا؛ إن إرجاع ظاهرة (الصحوة الإسلامية) إلى أسباب اقتصادية، أو سياسية، أو ديمغرافية، أو ثقافية، أو اجتماعية، أو تاريخية، أو طبقية ... إلخ. هكذا على الإطلاق؛ يؤدي إلى عدم (الفصل) وإلى عدم (التمييز) ـ بالمعنى المنطقي للكلمتين ـ أي إلى إبهام (الفصول الجوهرية) التي بها يتعرف على جوهر الذات، وإلى إبهام الصفات التي بها تعرف الأعراض الخاصة؛ فيبقى التعريف في دائرة المجهول! فكل ذلك إذن؛ ضرب من التعميم والتعويم، لا يفيد في تحديد الظاهرة شيئا! وبيان ذلك كما يلي:

ألا ترى أن هذه الأسباب عينها هي التي يفسر بها أغلب هؤلاء الدارسين وغيرهم (كل شيء)؟ نعم! وأي شيء في المجتمع لا يرجع إلى (أسباب اقتصادية، أو سياسية، أو ديمغرافية، أو ثقافية، أو اجتماعية، أو تاريخية، أو طبقية ... إلخ)؟

أين (الفصل) كما يقول المناطقة، الذي به يتميز المعرف عن غيره تميزا جوهريا؟ إذا كانت تلك الأسباب ونحوها صالحة لتعليل كل شيء في المجتمع!

إذن؛ هذا التعليل لا يقود إلى (تعريف)، ولا إلى (حد) لمن يرغب في الحد.

ثانيا: كل شيء بحثوه في هذه الظاهرة (الدينية) إلا الدين نفسه! ولا أقول: الدين من حيث هو نصوص جزئية، قابلة للتأويل. بل الدين من حيث هو ثوابت وكليات، وأصول قطعيات، غير قابلة للتأويل! أعني ما يسميه الفقهاء (بالمعلوم من الدين بالضرورة)، من المبادئ الكبرى المتواترة بالتواتر الاجتماعي، كتواتر اللغة المستعملة في المجتمع. وكان أولى لهم أن يبدؤوا به. سواء اعتقدوا أن (إسلامية) الظاهرة مبدئية أو توسلية؛ ففي جميع الأحوال، لا يجوز في منطق العلم إغفال بحث الدين بهذا الاعتبار، أي (كليات) النصوص الشرعية ـ لا مجرد نصوص جزئية ـ كان يجب أن نتساءل عن هذه الكليات: أقابلة هي لهذا المعطى؛ أم لا؟ وما حدود ذلك؟ وكيف؟

ربما كانت في بعض الأحيان ـ وأقول: في بعض الأحيان ـ الرغبة في تجريد الحركة الإسلامية من الشرعية الدينية سببا في إلغاء العامل الديني من الاعتبار! إن تحقيق القول في هذا الإشكال، أعني مقتضى الكليات الشرعية في تفسير ظاهرة الصحوة الإسلامية هو مناط المبحث الثاني.

المبحث الثاني: في الطبيعة (الدعوية) للحركة الإسلامية:

ونحن نزعم أن لنا دعوى في ذلك سنقدمها، كتفسير (مفتاحي) تعريفي لظاهرة الحركة الإسلامية؛ ولكن:

لنتفق أولا: على أننا لا نلغي أيا مما ذكر، من أسباب وعلل، في تفسير الظاهرة الإسلامية الحركية، من حيث هي ظاهرة اجتماعية، بشرية، على درجة معينة سيأتي بيانها.

ولنتفق ثانيا: على أن الدين الإسلامي (نصوص)، بغض النظر عن (الفهوم)، وأن هذه النصوص إما قرآن وإما سنة.

ولقد أجمع الأصوليون أنه إذا تواتر (مفهوم) منهما؛ تواترا كليا استقرائيا، لا لفظيا فحسب؛ كان (أصلا) من أصول الدين الاعتقادية، أو العملية، و(كلية) من كلياته الاستقرائية، وقاعدة من قواعده العامة، كما قرره إمام المقاصد أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله. قال: (الأدلة المعتبرة هنا: المستقرأة من جملة أدلة ظنية تضافرت على معنى واحد حتى أفادت فيه القطع. فإن للاجتماع من القوة ما ليس للافتراق. ولأجله أفاد التواتر القطع، وهذا نوع منه. فإذا حصل من استقراء أدلة المسألة مجموع يفيد العلم فهو الدليل المطلوب. وهو شبيه بالتواتر المعنوي. بل هو كالعلم بشجاعة علي رضي الله عنه، وجود حاتم، المستفاد من كثرة الوقائع المنقولة عنهما.

ومن  هذا الطريق ثبت وجوب القواعد الخمس، كالصلاة والزكاة وغيرها قطعا! وإلا فلو استدل مستدل على وجوب الصلاة بقوله تعالى: (أقيموا الصلاة) أو ما أشبه ذلك؛ لكان في الاستدلال بمجرده نظر من أوجه. لكن حف بذلك من الأدلة الخارجية والأحكام المترتبة، ما صار به فرض الصلاة ضروريا في الدين. لا يشك فيه إلا شاك في أصل الدين (...) وإذا تكاثرت على الناظر الأدلة عضد بعضها بعضا، فصارت بمجموعها مفيدة للقطع، فكذلك الأمر في مآخذ الأصول)(17).

ومن هنا كان عنده (المراد بالأصول: القواعد الكلية)(18).

ومن هنا أيضا؛ قررنا في دراسة سابقة عنه؛ أن (الأصول) عنده: (هي الأدلة الكلية الثابتة قطعا، إما بالذات أو بالمعنى، في صورة قوانين محكمة؛ لإفادة الفقه.

والشرح الأولي لهذا التعريف يقتضي أن (الأصول) منحصرة في (الأدلة) المنطلق منها لاستنباط الحكم الشرعي، بشرط أن يراعى فيها المفهوم الكلي لا الجزئي، كالنظر إلى (الكتاب) أو(السنة)، من حيث إنهما (كل)، لا من حيث خصوص آية كذا، أو حديث كذا.

وثبوت (الدليل) بالقطع شرط في صحته (أصلا)، وإلا فلا. وكون ذلك (بالذات أو بالمعنى): يعني أن (الأصول) إما (ذاتية) كالكتاب والسنة، وإما (معنوية) كالإجماع والقياس، ورفع الضرر، ورفع الحرج، وسد الذرائع، وغيرها من (الكليات الاستقرائية القطعية)، التي لا مادة لها في صورتها الكلية، وإنما هي (معان) مبثوثة في الأولى، ينتظمها الاستقراء في صورة قطعية. وكون كل ذلك (في صورة قوانين محكمة) يعني أنها مهيأة للإعمال الاجتهادي، استنباطا، ونقدا، وحجاجا... إلخ؛ لشموليتها، وحاكميتها المحكمة، غير القابلة للتبديل، أو التغيير، أو النسخ، أو التخلف (...).

فالأصول إذن؛ هي: تلك المصادر والكليات الأولى للفقه، التي لا يتصور فيها تخلف، ولا حولها اختلاف! وإن كان؛ فليس بهذا المعنى المتحدث عنه ههنا، بل بالمعنى الجزئي لا الكلي)(19).

ولنقدم الآن صياغة الدعوَى؛ قبل الاستدلال عليها؛ فنقول بحول الله:

إن الدين الإسلامي بطبيعته (الوجودية/التعبدية) ينتج ـ بشكل تلقائي ـ ظاهرة (التجديد الديني)، أو (الحركة الإسلامية)، أو (الصحوة الإسلامية)، أو (الدعوة إلى الله)، أو (إقامة الدين)، أو (إحياء السنة وإماتة البدعة) وهي عندي ألفاظ وأسماء لمسمى واحد، مهما اختلفت التنزيلات والتجليات! فالأسماء والمصطلحات تنتجها ثقافات، تماما كالأسماء (الأخرى) لظاهرة التجديد الديني، التي أنتجها (الآخر) ـ والتي لا تخلو من اتهام بقصد أو بغير قصد ـ من أمثال (الإسلام السياسي)، و(الأصولية)، و(الإسلاموية)، أو (الإسلامانية) و(التطرف الديني)، و(الظلامية)... إلى غير ذلك من الألفاظ السبابية، التي يزخر بها القاموس العلماني اللاديني، ويعتمدها في معالجة قضية (التجديد الديني).

إنه يجب ـ لفهم هذه الظاهرة ـ أن نفهم أمرين أساسين من طبيعة هذا الدين، هما بمثابة (المقدمتين) لها، باصطلاح المناطقة:

الأمر الأول: هو أن الإسلام دين (وجودي)، لكن طبعا؛ ليس بالمعنى الذي جاءت به الفلسفة الفرنسية لمصطلح (وجودية)، مع (جان بول سارتر) ومدرسته. كلا. وإنما (وجوديته) بمعنى: أنه يقدم تفسيرا خاصا للوجود، ويضع الإنسان في موقع معين منه. مجيبا عن الأسئلة الوجودية الخالدة: (من أين؟ وإلى أين؟ وكيف؟ ولماذا؟). إنه بقدر ما يملأ القلب سكينة وطمأنينة ـ  بالمعنى الإيماني ـ وينفي عنه القلق النفسي، الناتج عن تأمل الموت والحياة والمصير؛ فإنه يملؤه حيرة تدبرية وتفكرية تؤول إلى الخضوع التعبدي، عند تأمل بحر الغيب الذي إليه يرجع تفسير هذا العالم الوجودي. ومن هنا كانت (أوامره ونواهيه) ـ عند من يؤمن به ـ ذات قداسة مطلقة.

إن القرآن ـ كما سيأتي تفصيله في الفصل الرابع من هذا البحث، بحول الله ـ جاء بأمرين: الأول: تفسير الوجود، والثاني: ربط الإنسان بوظيفته داخل هذا الوجود؛ ومن هنا وجوديته. والثاني مبني على الأول. أي أن قابلية الإنسان للاشتغال التعبدي راجعة إلى ما قدم له القرآن الكريم من تفسير وجودي. ومن هنا كان كل التدين ـ إيمانا وعملا ـ حركة وجودية بهذا المعنى. وإذن؛ فإن المسلم يستجيب بعمق (وجودي) لما يمليه عليه منطق إيمانه ـ كما فهمه ـ استجابة وجدانية، يكون من الصعب معها ـ إن لم يكن من المستحيل ـ ثنيه، أو ردعه عما يفعله أو يعتقده صحيحا كان أم خطأ! ولك أن تقرأ تاريخ الأديان السماوية عبر التاريخ، وما خاضه المتدينون في سبيلها من جهاد دام! معرضين أنفسهم للتعذيب والتقتيل!

والأمر الثاني: هو أن الإسلام دين (دعوي) بامتياز. ليس بالمعنى المسيحي التبشيري للكلمة، كلا. وإنما بالمعنى (الرسالي) العقدي. وهو الشق الثاني للعقيدة الإسلامية، أو كما يسميه علماء التوحيد (توحيد الاتباع). أي الذي به يتم عنوان الإسلام ـ بعد شهادة أن (لا إله إلا الله) ـ فنشهد أننا نتلقى ذلك بشهادة أن (محمدا رسول الله). متبعين لماء جاء به عن الله. وذلك أنه جاء إلى الناس على أنه رسول يحمل (رسالة). وهذا أمر يجعل المسلم (مكلفا) ـ بالاصطلاح الفقهي ـ بتحمل (تكاليف) الدين (الرسالية). هذا المعنى الساري في كل الأعمال التعبدية، الاعتقادية والعملية. بدءا بالصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر؛ وانتهاء بالجهاد في سبيل الله، الذي يخوض غمار التدافع القتالي!

فالإسلام ـ بطبيعته ـ دين (حركي) غير (سكوني). من حيث إنه يبني كل قضاياه العقدية والتشريعية على كلية كبرى هي: (الإصلاح) للناس وبين الناس. سواء كان ذلك بمنطق الدعوة إلى الله عموما، أو بمنطق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خصوصا، وسواء كان ذلك من داخل البيئة الإسلامية، أو (دار الإسلام) باصطلاح الفقهاء، أو كان من خارجها أي (دار الحرب). ففي جميع الأحوال التدين في الإسلام ذو طبيعة وجدانية إصلاحية ظهرت في الوجود أو خفيت. فهي موجودة على كل حال في الوعي الجمعي الإسلامي. ولو على المستوى اللاشعوري.

هذه دعوى؛ فكيف الاستدلال عليها؟

إن مرجع ذلك استقراء النصوص الشرعية التي يتدين بها الناس، ويخضعون لها بالقوة أو بالفعل، على سبيل الارتباط (الوجودي/التعبدي) بهذا الدين كما فسرناه. وهي منشأ (الكلية الدعوية) في الطبيعة الدينية الإسلامية. ذلك أن القرآن الكريم والسنة النبوية يسكنان الوجدان التاريخي للمسلمين، رغم ما قد يكون من انحطاط في مستوى التدين لديهم، في عصر ما، أو مكان ما.

أما استقراء القرآن الكريم؛ فقد تواتر فيه مفهوم الإصلاح، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بألفاظ متعددة، ومساقات مختلفة، لكنها جميعها مجمعة على أن مفهوم (الإصلاح) عبادة من العبادات المقرونة بالصلاة والزكاة، وسائر الشعائر التعبدية العينية أو الكفائية. وهذا المعنى كثير جدا، نذكر منه أمثلة، من مثل قوله تعالى على سبيل التقرير: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله)(آل عمران:110).

وقوله تعالى على سبيل الأمر: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون)(آل عمران: 104). وقال سبحانه: (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وءاتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور)(الحج:39). وذكر طائفة من خصال الصلاح فقال عز وجل: (التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله. وبشر المومنين)(التوبة:113).

وأيضا: (والمومنون والمومنات بعضهم أولياء بعض. يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويطيعون الله ورسوله. أولئك سيرحمهم الله. إن الله عزيز حكيم)(التوبة:72) وقال تعالى: (لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس. ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما)(النساء:113).

وقال في حق مسلمة أهل الكتاب: (يومنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين)(آل عمران:114).

ووصف الله بني إسرائيل بما لعنهم؛ فقال سبحانه: (كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه. لبيس ما كانوا يفعلون)(المائدة: 81).

وقال في شرط النجاة من الهلاك: (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون)(هود:117)

وقال حكاية عن لقمان في وصيته لابنه: (يا بني أقم الصلاة وامر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك! إن ذلك من عزم الأمور)(لقمان:16)

وقال في عموم الدعوة إلى الله: (ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين)(فصلت:32) وأيضا: (قل هذه سبيليَ أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني)(يوسف:108) ومثلها: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)(النحل:125). والقرآن مليء بهذا المعنى لفظا ومفهوما؛ حتى إنك تجده منبثا في كل أصل وفرع، من أصول الدين وفروعه، بصورة أو بأخرى.

وأما السنة؛ فبحرها زاخر (بالتدين الدعوي) إذ يصعب جدا حصر النصوص في ذلك، أو إحصاؤها؛ لكثرتها واستفاضتها، وتفرقها على كثير من الأبواب والتراجم الحديثية. ويكفي أن نعلم أنه قد تواتر وجوب (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، كما قررناه في كتابنا (الفجور السياسي)(20)؛ حتى كان منه (معنى كلي استقرائي)، تراكمت جزئياته بشتى الروايات الصحيحة عن النبيe. وذلك في مثل قوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه عنه حذيفة بن اليمان، إذ قال: (والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا من عنده، ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم)(21)، وأيضا ما رواه جرير بن عبد الله عنهe أنه قال: (ما من قوم يُعمل فيهم بالمعاصي، هم أعز وأكثر ممن يعمله، ثم لم يغيروه؛ إلا عمهم الله تعالى بعقاب منه!)(22)، وعن أبي بكر الصديق أنهe قال: (إن الناس إذا رأوا المنكر، ولا يغيرونه أوشك أن يعمهم الله بعقابه!)(23) وقالe: (إن من أمتي قوما يعطون مثل أجور أولهم: ينكرون المنكر!)(24)، وعن أبي سعيد الخدري أن النبيe قال: (إن الله تعالى ليسأل العبد يوم القيامة، حتى يسأله ما منعك إذا رأيت المنكر أن تنكره؟ فإذا لقن الله العبد حجته قال: يا رب رجوتك وفَرَقْتُ الناس)(25) وكذا حديث أبي سعيد الخدري أنهe قال: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)(26). ثم قولهe: (إذا عُمِلَت الخطيئة في الأرض، كان من شهدها فكرهها كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدهها)(27)، وعن حذيفة بن اليمان أن النبيe قال: (تعرض الفتن على القلوب عرض الحصير عودا عودا، فأي قلب أشربها نكتت فيها نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى يصير القلب أبيض مثل الصفا، لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض! والآخر أسودَ مُرْبَدا كالكوز مُجَخِّيا! لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا، إلا ما أشرب من هواه!)(28).

(والأحاديث في هذا المعنى وشبهه، من وجوب النصح للأمة أئمتها، وعامتها، ولكل مسلم؛ لا تكاد تنحصر، فهو معنى استقرائي قطعي، إذ يشكل قوة معنوية متواترة، وكلية في أعلى مراتب الكليات!)(29)

ثم إن فريضة الجهاد في سبيل الله ـ كمبدأ ـ تشكل كلية من كليات الإسلام، من حيث إنها قائمة على قصد رفع راية (لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله)، والتمكين لدين الله في الأرض، والدفاع عن بيضة الإسلام. وإنما شرع القتال في سبيل الله؛ لتكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدين كله لله. هذا أمر مجمع عليه بين المسلمين، منطوقا ومفهوما من نصوص الكتاب والسنة. وإنما الإشكال والخلاف قد يحصل في ما يتعلق (بتحقيق المناط) فيه، ليس إلا. أي في كيفية التنزيل والتطبيق على خصوص معين من الزمان والمكان والإعلان. فمن له الحق في إعلان الجهاد؟ ومتى وكيف؟ هذا هو الإشكال. ونحن هنا إنما الغرض عندنا إثبات هذا المعنى: البعد الدعوي للجهاد في سبيل الله؛ لبيان حجم هذه الكلية في الدين: الدعوة إلى الله، ومدى إسهامها في تشكيل الوجدان الديني للمسلمين، عبر التاريخ.

ونصوص الجهاد في سبيل الله مستفيضة وافرة في الكتاب والسنة. فبغض النظر عن سورتي الأنفال والتوبة ـ وهما سورتان عسكريتان في القرآن بامتياز ـ نجد الأمر بالجهاد في سبيل الله ـ بمعنى القتال ـ منبثا في كثير من سور القرآن الكريم لفظا ومفهوما. ابتداء من سورة البقرة حتى سور المفصل! أما كتب السنة فلا يكاد يخلو كتاب من كتبها مما يترجم له عند المحدثين (بكتاب الجهاد والسير)، كما عند البخاري ومسلم وغيرهما. و(السير): ـ بكسر السين وفتح الياء ـ جمع سيرة. وهي إشارة إلى أن السيرة النبوية تكاد تكون قائمة كلها على تاريخ الغزوات والسرايا؛ مما يدل على الحضور القوي جدا لهذا المعنى في الدين.

والجهاد فريضة مستمرة الوجوب إلى يوم القيامة، بإجماع علماء الأمصار، كما سترى بحول الله. ولقد عقد الإمام البخاري في كتاب الجهاد والسير ـ من صحيحه ـ بابا، ترجمته كما يلي: (باب: الجهاد ماض مع البر والفاجر؛ لقول النبيe: "الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة")(30)، فقوله: (مع البر والفاجر) يعني مع الإمام الصالح ومع الإمام الفاجر سواء، كل أولئك يمضي الجهاد تحت إمرتهم.

وأما الإمام مسلم فقد ترجم في صحيحه بابا سماه: (باب جواز الإغارة على الكفار الذين بلغتهم دعوة الإسلام، من غير تقدم الإعلام بالإغارة)(31)

وأما الفقه فإليك بعض النماذج مما فهمه علماء الأمة:

قال فقيه المالكية في عصره القاضي أبو بكر ابن العربي المعافري(ت:543هـ): في تفسير قول الله تعالى:(وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين)(البقرة:190) قال: (وذلك لأن المقصود أولا كان أهل مكة؛ فتعينت البداية بهم وبكل من عرض دونهم أو عاونهم. فلما فتح الله تعالى مكة؛ كان القتال لمن يلي ممن كان يؤذي؛ حتى تعم الدعوة وتبلغ الكلمة جميع الآفاق، ولا يبقى أحد من الكفرة، وذلك متماد إلى يوم القيامة، ممتد إلى غاية هي قول النبيe: (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة: الأجر والغنيمة)(32)؛ وذلك لبقاء القتال؛ وذلك لقوله تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله))(البقرة:193)(33).

ثم فصلت كتب الفقه في أحوال وجوب الجهاد، بين الكفائية والعينية، ثم الندب، على أن الأصل المجمع عليه ـ من حيث المبدأ ـ هو الوجوب الكفائي، الذي يجب أن تقوم به الأمة في مجملها. وقد روى الإجماع على ذلك ابن رشد الحفيد في بداية المجتهد(34). وإنما (يتعين) حسب الطوارئ، كما أنه قد يكون جائزا للفرد في حالة تحقق فرض الكفاية بغيره.

قال محمد بن عيسى بن أصبغ، الفقيه المالكي،  المعروف بابن المناصف(ت:620هـ)، في كتابه (الإنجاد في أبواب الجهاد)؛ مترجما أحكام الجهاد في الصيغة التالية: (فصل في بيان فرض الجهاد، وتفصيل أحكامه على الأعيان، وعلى الكفاية، وما هو من ذلك نفل بحسب الأحوال)(35). وذكر نصوصا من القرآن والسنة نذكر منها قول الله تعالى: (كُتِبَ عليكم القتالُ وهو كره لكم. وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم. وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون)(البقرة:216). وقول النبيe: (من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه؛ مات على شعبة من نفاق)(36).

ثم قال مفصلا: (فإذا تقرر ذلك فللقيام بالجهاد من حيث الحاجة، والاستغناء، ثلاثة أحوال: حال يكون فيها الجهاد فرضا في الجملة على الكفاية، وحال يكون فيها فرضا على الأعيان، وحال يكون فيها نفلا.

فأما الحالة الأولى: حيث يكون الجهاد فرضا في الجملة، فهي حالة الأصل التي تقدم فرض القتال فيها على الكفاية، وذلك ما لم يعرض عارض ينقل الفرض إلى التعيين!

فواجب على المسلمين في الجملة غزو الكفار ابتداء، وجهادهم على الإيمان، ولتكون كلمة الله هي العليا؛ حتى يقهروهم ويضطروهم إلى أوكس الأحوال؛ المرة بعد المرة. قال بعض العلماء: وأقله مرة في العام. وهذا عندي صحيح؛ لأنه قد تقدم أن الجهاد فرض يتكرر على الكفاية. ولم يجعل الله تعالى لذلك على مر الأعصار غاية يتعقبها الكف، إلا بأحد أمرين: إما أن يدخلوا في الإسلام، وإما أن يؤدوا الجزية، على خلاف فيمن تقبل الجزية منهم! (...) قال الله سبحانه: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) أي: شرك. (ويكون الدين كله لله)(الأنفال:39). وقال تعالى: (قاتلوا الذين لا يومنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسولُه، ولا يدينون دين الحق، من الذين أوتوا الكتاب؛ حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون)(التوبة:29) فدل ذلك كله على أنه مهما بقي من الكفار يمكن التوصل إليه؛ فواجب على المسلمين قتالهم، حتى يسلموا أو يؤدوا الجزية إن كانوا من أهلها)(37).

قال: (وقال كثير من أهل العلم، في حد الأداء لوجوب القيام بفرض الجهاد: هو أن يدفع العدو وتمحى الثغور، ويستظهر على أهل دار الحرب. فإذا قيم بذلك سقط الفرض.

وأما الحالة الثانية: حيث يتعين فرض الجهاد؛ فهو إذا أظل العدو بلدا، أو جانبا من ثغور المسلمين مقاتلا لهم، فيتعين فرض الجهاد حينئذ؛ على كل واحد ممن هنالك من المسلمين، في خاصته وعلى قدر طاقته، إلى أن تقع الكفاية، ويحصل الاستقلال بقتال العدو ودفعه. فإن قصر عدد من هنالك أو قوتهم عن دفاعهم؛ وجب كذلك على كل من صاقبهم وقرب منهم، من المسلمين، إعانتهم والنفير إليهم، ثم كذلك أبدا؛ إن غارهم العدو؛ حتى يعم الفرض جميع المسلمين! (...) والدليل على صحة ذلك قوله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان)(المائدة:2) وقوله تعالى: (ولن يجعل الله للكافرين على المومنين سبيلا)(النساء:141) فمن ترك دفاع كافر عن مؤمن؛ تثاقلا، من غير عذر يسقط به عنه القيام؛ فقد ترك المعاونة على البر والتقوى، وجعل للكافرين سبيلا على المؤمنين! وقد نفى الله تعالى ذلك أن يكون من الشرع؛ ففعل ذلك معصية وتعد لحدود الله تعالى!(...) وذلك مما لا يعرف فيه خلاف!)(38).

قال: (وأما الحالة الثالثة: فهي ما وراء القيام بالفريضة في الحالتين المتقدمتين، فمن جاهد بعد ذلك، وقد قيم بفرض الكفاية، وتم الدفاع عن المسلمين؛ فهو له نافلة، وفيه فضل كثير وأجر عظيم)(39).

وما ذكره ابن المناصف هنا، إنما هو خلاصة لما ورد في أغلب أمهات كتب الفقه. فانظر تفاصيله إن شئت في أي منها.

وبناء على كل ما ذكر من نصوص وفهوم؛ كانت حركة التجديد الديني، والدعوة، والجهاد، مستمرة عبر التاريخ الإسلامي.

إن حركات الوعي الإسلامي، في العمق، إنما كانت، وما تزال تعيش وجدانيا، على هذا الرصيد الديني الضخم، من المقاصد التعبدية للعمل الإصلاحي، بشتى أنواعه، وتستمد منه بوعي أو بغير وعي. مهما اختلفت التنزيلات، بين التشدد واللين، ومهما تباينت التفسيرات، أو حتى أخطأت! سواء في الفهم، أو في تحقيق المناط والتكييف العصري! فالصلب لديها جميعا واحد: هو التعبد، والتأثم من ترك واجب الدعوة إلى الله، أو واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو واجب إحياء (الفريضة الغائبة)!

لا تقل لي: فلان أو علان إنما تحرك في هذا المجال لحاجة في نفسه قضاها! لأنا لا نتكلم هنا عن فلان ولا علان وإنما نتكلم عن ظاهرة اجتماعية شاملة، وعن وعي كلي! ومثل هذا لا يرجع فيه إلى آحاد الناس، ولا إلى جزئيات البرامج والتصورات! فمهما كان من أمر أي أحد؛ فما كان له أن يتسرب إلى هذا المجال، ولا أن يندس فيه؛ ثم (ينجح) فيه، ويحسب عليه؛ لولا القابلية التدينية الموجودة بالأصالة عند الناس؛ للتعبد بهذا العمل! وإذن يمكن لأي شخص أن يستغل عاطفتهم التدينية، وينشئ ما شاء من آراء وتصورات، قد تشط بعيدا عن المقاصد الإصلاحية. ولكن مع ذلك يبقى التدين هو جوهر الظاهرة، حتى ولو في صورتها المنحرفة! هذا هو صلب القضية. وهذا هو مفتاحها.

والظواهر الاجتماعية لا تفسر برصد آحاد الأشخاص، إلا على سبيل الاستقراء؛ لإقامة كليتها!

ثم إن ظاهرة التجديد الديني المعاصرة، أو الحركات الإسلامية، ليست وليدة اليوم فحسب ـ مهما بدا من أخذها بأسباب العصر في وسائلها ـ بل هي سلسلة ممتدة في تاريخ الإسلام. لا بمعنى انبثاقها من الحدث السياسي الخلافي حول الخلافة والإمامة، بل بمعنى العمل التديني المحض، المستمر في هذه الأمة، كاستمرار الصلاة والزكاة والصيام والحج. لا أقل ولا أكثر.

إن الرصيد الديني الذي كانت تتغذى منه الحركات الإصلاحية عبر التاريخ؛ هو نفسه الذي ما يزال مصدر التغذية للحركات المعاصرة. وإنما الذي تغير هو المظاهر الوسلية، والأشكال البيانية، والأهداف الإجرائية، الظرفية، لا الأهداف التدينية المقاصدية الكبرى. تماما كما تغير اللباس عند الناس، وتحول السيف لدى المقاتل إلى بندقية رشاشة، أو (أوتوماتيكية) أو أي سلاح جديد.

نعم تغيرت البواعث المباشرة للعمل الإصلاحي. هذا شيء طبيعي، كما تغيرت مظاهره وتجلياته. ولكنه في العمق دائما، سيبقى عملا دينيا، مهما كان من سوء الفهم، أو سوء التصرف فيه! والدين هو الدين: بواعث الأفعال فيه واحدة عبر التاريخ! وهي بكل بساطة: التعبد بفعل الواجب، وإبراء الذمة منه، والتأثم بتركه؛ رغبا ورهبا! تلك هي حقيقة الإيمان، من حيث هو: (إيمان).

إن المظاهر التنظيمية، والبرمجة، وسائر أشكال التنظيم الحديثة لدى الحركات الإسلامية، لا يجوز أن تكون هي المنظار الذي ننظر من خلاله إليها؛ لأننا حينئذ سنخطئ في فهمها. فنقطع صلاتها بامتدادها الديني التاريخي. وتغيب عنا الحقيقة.

إن الحركة الإسلامية المعاصرة، هي امتداد ـ على مستوى الوجدان المشكل لجوهرها ـ (لإصلاحية) جيل الصحابة، ثم جيل التابعين وتابعيهم، من أمثال الحسن البصري، وأبي قلابة الجرمي، وأبي العالية الرياحي، وعبد الله بن المبارك، والفضيل بن عياض، وسعيد بن جبير، وشعبة بن الحجاج، وفقهاء المدينة السبعة: سعيد بن المسيب، وعمرو بن الزبير، والقاسم بن محمد، وخارجة بن زيد، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار، وعبيد الله بن عبد الله. هؤلاء الذين شكلوا مرجع الفقه المالكي، وأساس (عمل أهل المدينة)، لدى الإمام مالك، وكذا الإمام الزهري، وربيعة الرأي، ويحيى بن سعيد القطان، ويحيى بن معين، مرورا بأئمة الفقه الكبار، وعلماء الأمصار كالإمام أبى حنيفة النعمان، والإمام مالك بن أنس، والإمام الشافعي، والإمام أحمد بن حنبل، والإمام الليث بن سعد، والإمام الأوزاعي، والإمام الطبري.

ثم جاء بعد ذلك الأئمة الذين حملوا لواء الإصلاح، على الصعيدين العلمي والاجتماعي، كالإمام أبي حامد الغزالي(ت:505هـ)، والإمام عبد الرحمن بن الجوزي(ت:596هـ)، وسلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام(ت:660هـ) إلى مجدد القرن الثامن الهجري في المشرق، تقي الدين أحمد بن تيمية(ت:728هـ)، الذي ما زالت تجربته التاريخية، وكتبه؛ تشكل إلهاما نموذجيا لحركة التجديد الديني في العصر الحاضر. ويلحق به تلميذه المشهور الإمام ابن القيم رحمهم الله أجمعين.

ثم مجدد القرن الثامن في المغرب، إمام غرناطة الشهير أبو إسحاق الشاطبي، صاحب الموافقات والاعتصام(ت:790هـ)، الذي شكل هو أيضا منعطفا تاريخيا مهما جدا في تاريخ الإصلاح العلمي والاجتماعي في الإسلام. ولذلك فقد حفل به زعماء الإصلاح المعاصرون، من أمثال الشيخ محمد عبده، الذي أوصى تلامذته بدراسة كتبه، والشيخ رشيد رضا الذي حقق كتاب الاعتصام استجابة لهذه الوصية، وكذلك فعل الشيخ عبد الله دراز بشرحه لكتاب الموافقات! وما تزال كتبه اليوم ـ على قلتها ـ مصدرا للفكر الإصلاحي التجديدي، لدى كثير من أصحاب التجارب الإصلاحية في العالم الإسلامي.

ثم جاء بعد ذلك الإمام السيوطي، وغيره كثير...إلخ. وأنا زعيم أنك لو استقريت طبقات الفقهاء والمحدثين؛ لوجدت لكل إمام منهم باعا في الإصلاح والتجديد، لكن كل بطريقته وحسب اجتهاده.

حتى كان عصر الإمام محمد بن عبد الوهاب المتوفى:(1206هـ) الذي قاد حركة جهادية ما تزال آثارها حاضرة في الوعي الديني الإصلاحي بقوة إلى اليوم! حيث كان الدعاة المتأثرون بسلفية محمد بن عبد الوهاب يجوبون دول العالم الإسلامي مبشرين بوضع بذور لحركة إصلاحية تطورت في كثير من المواقع إلى حركة تجديدية شاملة! كما وقع في المغرب بالذات، إذ أذكر شخصيا كيف كانت دروس الدكتور تقي الدين الهلالي الإصلاحية، وأمثاله من علماء السلفية بالمغرب، مغذية للوعي الديني الحركي الذي انطلق فيما بعد في صور حديثة تماما! كحركة الشبيبة الإسلامية وغيرها، وإنما كان هو وتلامذته من أمثال الشيخ محمد زحل، والدكتور القاضي برهون، والأستاذ علال العمراني؛ هم المؤطرين لهذه الحركة على المستوى الفكري والتصوري.

ومن الإمام محمد بن عبد الوهاب، إلى الإمام جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا، ومحب الدين الخطيب، والإمام حسن البنا، ومحمد إلياس الكندهلوي بالهند، والأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي بتركيا...إلخ. رغم اختلاف التوجهات والاجتهادات والمظاهر والتجليات، ومستويات الوعي الديني بين هذا وذاك. ثم ما تفرع عن هؤلاء وأولئك، من حركات تجديدية بهذه الصيغة أو تلك، عبر مختلف دول العالم الإسلامي. كل ذلك كان بعضه متصلا ببعض، وبعضه ملهما لبعض. ومن الصعوبة بمكان الزعم بالقطيعة (الابستمولوجية) بين حركات الإصلاح الديني عبر التاريخ، مهما بدا من تطور في الأشكال والأساليب، وتجديد في الصيغ والمناهج. فالعلة في العمق واحدة: إشباع الرغبة التدينية بالقيام بالدعوة إلى الله وتجديد الدين في الأنفس والمجتمع. وكأن الكل يضع أمام ناظريه قول النبيe: (لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم؛ حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس)(40)، وقوله عليه السلام: (إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها)(41) ونحو ذلك من النصوص التي بينا أنها تشكل كلية قطعية من أصول التدين في الإسلام. فلابد إذن من أن يكون لها أثر اجتماعي، كما للصلاة والصيام والزكاة والحج في حياة المسلمين!

وليست حركة التصوف في نظري ـ بغض النظر عما وقعت فيه من انحراف (وساطي) في مرحلتها الطرقية المتأخرة(42) ـ إلا شكلا من أشكال الرغبة في تجديد الدين ـ على مستوى القصد ـ وحمل أمانة الإصلاح الوجداني للمجتمع، والانتداب لتربية العامة. بدءا بالإمام الحارث بن أسد المحاسبي، والإمام الجنيد، حتى الإمام الغزالي وما تفرع عنهم بعد ذلك من أشكال طرقية شطت بها البدع في كثير من الأحوال بعيدا عن ضوابط الدين. وتلك قصة أخرى.

إنها سلسلة واحدة. فمن قطع حلقاتها، فلن يظفر بالصورة الشاملة السليمة.

لقد كان أولى بالذين ذهبوا بعيدا في التأويلات والتحليلات، وتعمقوا فيما لا عمق له، ثم تسطحوا فيما له عمق؛ أن ينظروا إلى هذه المعطيات النصية، والتاريخية، في تفسير الحركة الإسلامية المعاصرة! وإذ يضل التحليل يضل الفهم؛ وإذن يضل كل شيء بعد ذلك: الحوار، والمراجعة، والتصحيح!

إن الحركة الإسلامية لم تظهر من فراغ، ولا هي كأي حركة يسارية راديكالية أو معتدلة، تتعلق بأسباب ديمغرافية أو اقتصادية، أو طبقية، أو سياسية، بالمعنى الميكافيلي لكلمة (سياسة). إنني أعتقد أن أغلب الدارسين للحركة الإسلامية في حاجة شديدة إلى دراسة الإسلام كنصوص، وإلى تعميق النظر في الطبيعة الدينية للمجتمع الإسلامي، وإلى طبيعة هذا الدين من حيث هو عبادة حركية لا سكونية! إن الدين في الإسلام لا علاقة له بالمدلول النفسي لكلمة (Religion) الفرنسية أو الإنجليزية! ذلك أن المصطلح الغربي ههنا لن يستطيع التخلص من الظلال الكنسية، التي طبعت اللفظ على المستوى النفسي، بسبب الممارسة التاريخية للدين هناك. وما كان لها من قتامة نفسية في النظر إلى الكون واستقذار الحياة! إن مفهوم (الدين) في الإسلام قائم على نفسية حركية إصلاحية، تنظر بإيجاب إلى الكون والحياة، وتتفاعل معهما ـ بصورة تلقائية ـ على أساس عمراني إصلاحي، مرجعه مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

إن حركة الصحوة الإسلامية الحديثة إذن؛ تعبير اجتماعي عن مكنون المجتمع الديني: إنها (بيان دعوي). وتعبير اضطراري؛ فما كان لها إلا أن تكون؛ إذ غاب من يعبر عن الدين وقت الحاجة. ولعلماء أصول الفقه قاعدة مشهورة تنبئ عن طبيعة التشريع الإسلامي. منطوقها أنه: (لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة). ومعنى وقت الحاجة: هو وقت العمل به. فإذا حلت النازلة، أو الظاهرة، من الانحراف عن الدين، أو الاستهزاء به فكريا أو سلوكيا؛ أو خرم قواعده العامة على الملأ، وإعلان ذلك في الرأي العام، وإقحامه في كل ناد وكل مؤسسة وكل الأوساط؛ كان لابد أن يفجر الإسلام ـ وهو الدين ذو المخزون النقدي كما رأيت ـ كان لابد أن يفجر تعبيرا ما، بصورة ما، من جهة ما، في المجتمع الذي يتدين به!

وبيان ذلك: أنه إذا كان الإمام، أو السلطان، أو الملك، أو رئيس الدولة، هو المكلف ـ بصفته على رأس دولة مسلمة ـ بإنفاذ شعائر الدين في المؤسسات، والتشريعات، وحماية السلوك الديني العام في المجتمع من الشذوذ والانحراف، وعدم السماح بإذاية الوجدان الديني الاجتماعي، الذي هو جوهر (كينونة) الدولة الإسلامية. كما أنه المكلف شرعا بالذب عن حمى الدين وأهله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ثم إنه مكلف ـ قبل ذلك وبعده ـ بإتاحة الإمكان لإشباع الرغبة الفطرية عند الناس، في ممارسة التدين كما هو في الإسلام، لا كما يريده هو! وإلا فإنهم سيشبعونها كما أرادوا هم! ولكن في المشارب التي قد تنحو إلى الغلو؛ بسبب ما يلحق نفسية المحروم من ردود أفعال متشنجة وغالية!

قلت: إذا كان ذلك كذلك؛ وكان (الجهاز الإداري الحاكم) برمته هو أول المتخاذلين، في إنفاذ الشريعة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فمن الطبيعي أن تتفجر الرغبة الوجدانية التدينية، المتعلقة بهذا الجانب في المجتمع، فترى من يعلن الجهاد في غير محله، وينزله على غير منزله! بل يجعل هدفه هو هذا الجهاز الحاكم نفسه! ثم لما يرى المسلمون ـ بعين التدين العام ـ من كلف شرعا بحماية التدين كسلوك اجتماعي هو أول من ينقضه! أو يستهتر بالقيم الدينية والأخلاق الإسلامية! أو يدعو إلى (حداثة) تقصد إلى التنصل من عقيدة الإسلام وشريعة الإسلام؛ فإنه من الطبيعي حينئذ أن ترى من ينتدب نفسه للقيام بالدفاع عن العقيدة والتدين العام! وهو يشعر في ذلك أنما يدافع عن نفسه بإبراء الذمة عند ربه، وحماية هويته!

ثم إذا كانت السلطة قد قزمت دور العلماء، وفرغت جبة العالم من هيبته؛ فإن النتيجة أن الناس سيفقدون الثقة في أقواله وأفعاله؛ وإذن ـ وهذه هي المصيبة ـ سيظهر من يزعم لنفسه الإمامة العلمية بالباطل! ويصدق على المجتمع حينئذ قول النبيe: (إن الله تعالى لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء؛ حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا؛ فسئلوا؛ فأفتوا بغير علم؛ فضلوا وأضلوا!)(43).

وها هي ذي تجارب نشهدها في الواقع المعاصر، حيث تصدر للزعامة والفتوى في أمور الدين من أباح دماء المسلمين! فلما لجأ أهل السلطان إلى أصحاب القرآن؛ لم ينفع دواؤهم في ذلك شيئا؛ لأن من سموا علماء لم يبق فيهم من صفة العالم إلا جبته! وإذن كانت النتيجة أن سار المجتمع مع (فتاوى) غيرهم إلى الضلال البعيد!

إن رغبة التدين في الناس ـ مهما قد يبدو عليها من ضمور وفتور ـ طاقة متدفقة مثل الماء، متى تحبسه في اتجاه يتسرب ـ بصورة تلقائية ـ في اتجاه آخر قد لا تحمد عقباه!

فإذن؛ يمكن الآن أن نقول: إن الحركة الإسلامية باختصار: هي رغبة طبيعية في التدين أولا، كما جاءت به أصول الإسلام، لكن مع شيء من الإحساس ـ ثانيا ـ بالحرمان! مما جعلها تصطبغ في بعض مظاهرها وتجلياتها بطابع (رد الفعل). وذلك ما سوف نفصل القول فيه خلال الفصول الآتية من هذا البحث بحول الله.

ـــــــــــــــــــ

هوامش الفصل الأول:

(1) رواه أبو داود والحاكم، والطبراني في الأوسط، وأبو عمرو الداني في كتاب السنن، وصححه الألباني في (ص.ج.ص)= صحيح الجامع الصغير: 1874)

(2)للحركة الطلابية الإسلامية الذكية حظ كبير في العودة إلى الجامعة المغربية؛ لكن بشروط جديدة ومنهج جديد. فظروف العالم ـ رغم سوادها ـ هي لصالحها إن هي أحسنت القراءة، وأحسنت التنزيل؛ وإلا فلا حظ للغوغاء في عالم الترتيب.

(3) النزعات الأصولية والحداثة:137

(4) النزعات الأصولية والحداثة:139

(5) الإسلام والغرب والعولمة:13.

(6) حوار الدولة والدين:175.

(7) حوار الدولة والدين:174.

(8) العنف والديمقراطية:48

(9) العنف والديمقراطية:49.

(10) العنف والديمقراطية:56

(11) العنف والديمقراطية:63

(12) الصحوة الإسلامية في ميزان العقل: 31

(13) الإسلام السياسي  لفرانسوا بوركا: 28

(14) الأصولية في العالم العربي:26

(15) الأصولية في العالم العربي:28

(16) الأصولية في العالم العربي:30

(17) الموافقات:1/36ـ37.

(18) الموافقات:3/97.

(19) المصطلح الأصولي عند الشاطبي للباحث: ن. المعجم:(مصطلح الأصول).

(20) الفجور السياسي: المقدمة الرابعة من: 27 إلى 36.

(21) رواه أحمد والترمذي وحسنه الألباني في: (ص.ج.ص)= صحيح الجامع الصغير، برقم: 7070

(22) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن حبان. وصححه الألباني في (ص.ج.ص):5749.

(23) رواه أحمد. ورواه باختلاف في اللفظ أبو داود والترمذي وابن ماجه. وصححه الألباني (ص.ج.ص) برقمي: 1973 و1974.

(24) رواه أحمد وصححه الألباني في (ص.ج.ص) رقم: 2224.

(25) رواه أحمد وابن ماجه وابن حبان وصححه الألباني في (ص.ج.ص) رقم: 1818.

(26) رواه مسلم.

(27) رواه أبو داود عن العرس بن عميرة، وحسنه الألباني في (ص.ج.ص) رقم: 689.

(28) رواه مسلم.

(29) الفجور السياسي: 28.

(30) صحيح البخاري الباب رقم:(687) ج:4/427.

(31) الباب الأول من كتاب الجهاد والسير.

(32) متفق عليه

(33) أحام القرآن:1/145.

(34) بداية المجتهد:1/651

(35) الإنجاد في أبواب الجهاد:18.

(36) رواه مسلم.

(37) الإنجاد في أبواب الجهاد: 18ـ19.

(38) الإنجاد:20ـ21.

(39) الإنجاد:22.

(40) متفق عليه. وله صيغ أخرى متقاربة صحيحة، رواها كل من البخاري ومسلم والإمام أحمد، والترمذي وأبي داود، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، عن عدد من الصحابة.

(41) رواه أبو داود والحاكم، والبيهقي. وصححه الألباني في (ص.ج.ص):1874، وفي السلسلة الصحيحة: رقم:599.

(42) التوحيد والوساطة في التربية الدعوية للمؤلف:2/58 إلى98.

(43) متفق عليه.

ــــــــــ نهاية الفصل الأول.

الفصل الثاني: الأحكام السياسية في مراتب التشريع الإسلامي:

تمهيد:

لعل إشكال (من أين نبدأ؟) هو السؤال الأول والأساس في المجال الدعوي الإصلاحي. إنه الإشكال الذي تباينت في الجواب عنه الاختيارات الدعوية، والاجتهادات الإصلاحية، طيلة القرن الماضي إلى حدود هذه المرحلة من القرن الحاضر! (14/15هـ).

من أين نبدأ؟ من القمة أم من القاعدة؟ من الشعب أم من الدولة؟

أو بعبارة أخرى: ما العمل المفتاحي للإصلاح؟ العمل السياسي أم العمل الديني الشعبي؟ أم هما معا؟ وإذا كان لابد من الجمع بينهما فلأي منهما تكون الأولوية، عند المزاحمة والموازنة؟

تلك أسئلة ما كان لها أن تنشأ في الفكر الإسلامي إلا حديثا؛ نظرا لحداثة الإشكال. فمفهوم (السياسة) و(الدولة) و(الحكم) مصطلحات ذات مدلولات حديثة في الفكر السياسي المعاصر، وإن كان استعمالها كألفاظ قديما في كتب علم الكلام، والسياسة الشرعية، والفقه، والقضاء، والتاريخ، لكن طبعا بدلالات فقهية أو قضائية أو عمرانية ـ على حد تعبير ابن خلدون ـ مختلفة تماما عن السياق السياسي المعاصر. أضف إلى ذلك أن سقوط الخلافة الإسلامية مع العثمانيين، وظهور الدولة القطرية في العالم الإسلامي، بالمفهوم الاستعماري الحديث، جعل من الإشكال المذكور قضية جديدة على الفكر الإسلامي تماما؛ إذ لم تكن الحاجة قد دعت إليها من قبل؛ ولذلك لم تظهر بالشكل الذي برزت به اليوم.

ومن هنا فإن كثيرا من المشتغلين بالإصلاح الدعوي قد تداخلت لديهم هذه المصطلحات تداخلا، مما أدى إلى الخلط بين الاستعمال القديم لها والاستعمال المحدث، فكان ذلك سببا في نشوء فهوم للإصلاح الديني مبنية على أصول موهومة! ومقولات غريبة عن مقاصد الشريعة، وقواعد التشريع!

ثم كان من ذلك كله أن تكونت مذاهب إصلاحية حديثة، قد تتقارب، وقد يذهب بها الاختلاف والتضارب مذاهب شتى!

إن مقولة (الدولة الإسلامية) ـ بناء على ذلك ـ صارت مفرق طريق بين كثير من الحركات والتوجهات الإسلامية اليوم. من بين من يجعلها هدفا من إقامة الدين، ومن يجعلها وسيلة لإقامة الدين، ومن يجعلها نتيجة لذلك فقط، لا هدفا ولا وسيلة!

فالذين يجعلونها هدفا قسمان: الأول: قوم يسلكون إليها عبر ذاتها، أي المراهنة على الانقلابات والثورات، أو الزحف والقومة باصطلاح آخر! والثاني: قوم يسلكون إليها عبر المجتمع السياسي، أي عبر صناديق الاقتراع الانتخابي الديموقراطي. والهدف عندهم في نهاية المطاف واحد: هو إقامة الدولة الإسلامية التي هي ـ حسب هذا الاجتهاد ـ قصد الشارع الأساس من الاستخلاف في الأرض.

وأما الذين يرونها وسيلة لإقامة الدين ـ من حيث هو علاقة تعبدية بين العبد وربه، على المستوى الفردي والاجتماعي ـ فغالب أمرهم أنهم يلتقون مع الأوائل في جانب واحد ـ رغم اختلاف التصورات ـ وهو مسلك المشاركة السياسية الانتخابية، قصد التمكن من توفير فضاء ديني أوسع للمجتمع. هذا هو الغالب، لكن ربما سلكوا ـ عند الضرورة ـ المسلك الثوري أيضا! مع العلم أنهم إنما يتوسلون بذلك إلى إصلاح تدين الناس بناء على مقولة: (إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن!).

وأما الذين يعتبرون (الدولة الإسلامية) نتيجة فقط؛ فيلغونها من الحساب مطلقا عند وضع البرنامج الدعوي! ويسلكون مسلك الإصلاح الديني الشعبي على أساس أن صلاح الدولة إنما هو نتيجة طبيعية لصلاح المجتمع.

وتحت كل مذهب من هذه فروع اجتهادية واختيارات أخرى يصعب حصرها.

تبين إذن أن الإشكال (السياسي) بالمعنى الحديث للكلمة هو محل النزاع الذي ينبغي (تحريره) بتعبير الفقهاء؛ لتبين طبيعة المنهاج الدعوي الإصلاحي، بالنظر إلى النصوص الشرعية ومقاصدها الكلية من جهة؛ وكذا الحاجات التنزيلية المعاصرة من جهة ثانية.

فبكل هدوء، وبعيدا عن منطق (أنا الفرقة الناجية) ـ في معالجة القضية الإصلاحية، لدى حركات التجديد الديني الاجتهادي ـ نتساءل من جديد: إلى أي حد يمكن القول (بمفتاحية) العمل السياسي في الإصلاح والتجديد؟ سواء لدى من يعتبره غاية في نفسه أو وسيلة لغيره. فالعبرة عندنا ههنا إنما هي اختبار صحة القول (بالمفتاحية)، أي كون العمل السياسي هو المفتاح الأساس لأي إصلاح إسلامي. سوء اعتبرناه هو الوسيلة الأساس أو هو الغاية الأساس!

من هنا ـ ونحن نسعى إلى معالجة القضية في إطار الإسلام (الكتاب والسنة) ـ كان علينا أولا أن نتبين موقع المسألة السياسية في نصوص الشريعة ومقاصدها أولا؛ لتحديد طبيعة التصور الإسلامي لها من جهة، وحجم ما تشغلة من مساحة في كلياتها الشرعية من جهة ثانية. ولمعرفة ذلك لابد من بيان المرتبة التشريعية للأحكام السياسية في الدين أولا، فقها وأصولا.

المبحث الأول: في مراتب التشريع الإسلامي:

إن الدراسة الأصولية (نسبة إلى علم أصول الفقه) لطبيعة التشريع السياسي في الإسلام، يجب أن تقوم أولا وقبل كل شيء؛ على معرفة الواقع التشريعي للأحكام السياسية في الكتاب والسنة. ولمعرفة هذا لابد من معرفة قاعدة تشريعية أساس لتصنيف أحكام الشريعة، ومعرفة أولوياتها، ومراتبها. نسوقها (مقدمة) علمية ـ بالمعنى المنطقي للكلمة ـ بين يدي هذه (القضية)؛ لتحديد (نتيجة) المرتبة التشريعية للأحكام السياسية في الإسلام.

وذلك أن علماء أصول الفقه، منذ القديم، قد نبهوا إلى قاعدة تشريعية عظيمة، متعلقة (بمراتب التشريع). ومفادها أن ما كان من أصول الدين الاعتقادية أو العملية، إنما يكون أصل تشريعه في القرآن. ولا يترك منه للسنة إلا ما كان من قبيل البيان والتفصيل، من توضيح الهيآت وبيان الكيفيات. وذلك شأن الإيمان بالله واليوم الآخر، والصلاة والصيام والزكاة والحج؛ من الواجبات، وكذا شأن الربا، والخمر، والميسر، والزنى، وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير وما ذبح على النصب؛ من المحرمات، ونحو هذا وذاك.

فقد ورد تشريع كل ذلك في القرآن أساسا. من مثل قوله تعالى في الواجبات: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة)(البقرة:109)، وقوله: (كتب عليكم الصيام)(البقرة:182وقوله: (ولله على الناس حج البيت)(آل عمران:97 ونحو قوله سبحانه في المحرمات: (وذروا ما بقي من الربا)(البقرة:277)، (وأحل الله البيع وحرم الربا)(البقرة:274)، وقوله تعالى: (إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون)(المائدة:92)، وقوله: (ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا)(الإسراء:32)، وقوله: (إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله)(البقرة: 172). إلى غير ذلك من أصول الواجبات والمحرمات في الدين. فإن الله تعالى إنما أنزل كتابه ليكون أصل التشريع الأول بلا منازع، قال تعالى: (ما فرطنا في الكتاب من شيء)(الأنعام:39)، أي من أصول التشريع وكليات الأحكام. فلا حكم شرعي مما هو مقصود أصالة من الدين إلا وأصله التشريعي في القرآن.

فلا ينبغي أن يعتقد بناء على هذا أن بعض الأصول الدينية التشريعية قد أهملت من القرآن لتتولى السنة تشريعها. فهذا مما يخالف قصد الشارع، وطبيعة التشريع الإسلامي، وقواعده الكلية الاستقرائية. فإنما شأن السنة في مثل هذه الأمور بيان الهيآت التنزيلية والكيفيات التطبيقية، من مثل قوله عليه الصلاة والسلام: (صلوا كما رأيتموني أصلي)(1)، وحديث المسيء صلاته المشهور، وفيه: (والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره فعلمني! فقال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع... إلخ الحديث)(2)، وبَّينe مقادير الزكاة وأنصبتها، وكيفية الصيام، وقال في الحج وهو يحج بالمسلمين في حجة الوداع: (يا أيها الناس خذوا عني مناسككم)(3) ونحو هذا وذاك كثير، وإنما قصدنا التمثيل لطريقة السنة في التعامل مع أصول التشريع وكلياته، من البيان والتفصيل.

وعليه؛ فإنه لا يترك للسنة من التشريع إلا ما كان بمنزلة الفروع والجزئيات، وبيان الكيفيات، لا الأصول والكليات. فإذا وجدت من السنة ما هو كذلك ـ ولم يكن بيانا تطبيقيا ولا تفصيليا ـ فإنك تجده من قبيل تأكيد التشريع لا تأسيس التشريع! فلا حكم من الكليات التشريعية إلا وتجد في كتاب الله أصله الأول. دل على ذلك الاستقراء التام لأصول الشريعة وفروعها. وذلك كأحاديث إيجاب الصلاة والزكاة والصيام والحج بالسنة، فإنما هو من قبيل التأكيد، لا التأسيس.

وأما ما تفردت السنة بتشريعه تأسيسا، من الواجبات والمحرمات، فإنه لا يكون من الأصول والكليات، وإنما هو من الفروع والجزئيات، بالنسبة إلى ما ورد في القرآن من التشريع. وذلك كأحاديث النهي عن كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، وذوات السموم، ونحو ذلك.

إذن فالأصل في المقصود أصالة من الشريعة أن يكون منصوصا عليه في الكتاب. وهذه هي المرتبة الأولى من التشريع. وذلك حق أمهات الفضائل وأمهات الرذائل من الواجبات والمحرمات جميعا. وإنما للسنة المرتبة الثانية، فما اقتصر على تشريعه فيها ـ ولم يكن من قبيل البيان والتفصيل ـ كان إيجابه أو تحريمه بها من الدرجة الثانية، بالنسبة إلى ما أوجبه الله أو حرمه بالقرآن. ومن أخطأ هذه القاعدة الأصولية الجليلة فاته كثير من فقه الدين!

وأما ما سكتت عنه النصوص جميعا من الكتاب والسنة، وأحيل على الاجتهاد، فإنما هو من المرتبة التشريعية الثالثة! أي من حيث قصد الشارع إليها، وليس فقط من حيث هي مسألة اجتهادية! وبين الاعتبارين فرق بالنظر الأصولي الدقيق! أعني أن إهمال الشارع أمرا بعدم النص عليه في الأصلين: الكتاب والسنة، مع وجود المقتضي للتشريع، لا يكون نسيانا ولا غفلة، وإنما تشريعا! أي أن الشارع قد قصد إلى إغفال ذلك قصدا، ولم يكن عنده بالمقصود أصالة من الدين. وإنما يكون حينئذ من الوسليات والتبعيات، ولذلك وكله إلى الاجتهاد! وفي مثل هذا قال علماء أصول الفقه: (السكوت في معرض الحاجة بيان!)(4)

وقد نص الإمام الشافعي رحمه الله ـ بإجمال ـ في رسالته على ما فصلناه من ترتيب تشريعي، فقال: (ما أنزل الله من جمل فرائضه: في أن عليهم صلاة وزكاة وحجا على من أطاقه، وتحريم الزنا والقتل وما أشبه هذا. قال: وقد كانت لرسول الله في هذا سننا(5) ليست نصا في القرآن، أبان رسول الله عن الله معنى ما أراد بها. وتكلم المسلمون في أشياء من فروعها، لم يسن رسول الله فيها سنة منصوصة)(6). فقوله رحمه الله: (أبان رسول الله عن الله معنى ما أراد بها) إشارة إلى أن وظيفة السنة البيان كما قدمناه. ولذلك كانت رتبتها التشريعية بالنسبة إلى الكتاب التأخير. وقوله بعد: (وتكلم المسلمون في أشياء من فروعها) يعني الاجتهاد، وأنت ترى أن التشريع فيه سماه (فروعا). وله رحمه الله نص أوضح في التشريع القضائي يبين هذه المراتب الثلاث، قال: (ومن ينازع ممن بعد رسول الله رد الأمر إلى قضاء الله، ثم قضاء رسوله؛ فإن لم يكن فيما تنازعوا فيه قضاء نصا فيهما، ولا في واحد منهما؛ ردوه قياسا على أحدهما)(7).

فقوله: (ثم قضاء رسوله) دال على الترتيب كما هو عند أهل اللغة في معنى (ثم). وهذا قصد الأصوليين بقاعدتهم المشهورة: (رتبة السنة التأخر عن الكتاب في الاعتبار)(8).

والمقصود بالرتبة هنا ليس مجرد الترتيب في المصدرية التشريعية بالنسبة لعمل المجتهد؛ وإنما الرتبة التشريعية التي عليها تنبني قيمة الحكم المشرع له. فليس ما شرعه الشارع بنص الكتاب مساويا لما شرعه بنص السنة، ولا هذا مساويا لما شرعه بالاجتهاد. كما هو مفهوم من نص الشافعي المذكور. وهذا أصل عظيم من الدين وقاعدة جليلة من التشريع، لا يقود عدم اعتبارها إلا إلى المهالك.

وبمراعاة هذا المعنى امتنع عند الشافعي أن تنسخ السنة الصحيحة الكتاب؛ لأن كلام الله لا ينسخه إلا كلام الله. قال رحمه الله: (وأبان لهم أنه إنما نَسَخَ ما نسخ من الكتاب بالكتاب. وأن السنة لا ناسخة للكتاب. وإنما هي تبع للكتاب، بمثل ما نزل نصا، ومفسرة معنى ما أنزل الله منه جملا!)(9) ثم قال: (فأخبر الله أن نسخ القرآن وتأخير إنزاله لا يكون إلا بقرآن مثله!)(10).

فقوله هذا نص في أن السنة متأخرة عن الكتاب رتبة لا من حيث مصدرية التشريع لعمل المجتهد فحسب، ولكن أيضا من حيث القيمة التشريعية المتعلقة بالأحكام التكليفية الواردة في كل منهما. ولو استويا لجاز عنده أن تنسخ السنة الكتاب! وهو ما نفاه قطعا! وتأخر السنة عن الكتاب بهذا المعنى يستوي فيه كونها مفسرة للكتاب ومنشئة لأحكام جديدة. وهذا مطلب دقيق المعنى، عزيز المأخذ فتأمله!

لا يقال: بل إن السنة مساوية للكتاب في الرتبة التشريعية بدليل الحديث الصحيح الوارد عن النبيe، والذي نصه: (يوشك أن يقعد الرجل متكئا على أريكته يحدث بحديث من حديثي فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه. ألا وإن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله)(11)؛ لأنا نقول: هذا الحديث (سياقه الأصيل) إنما هو في ذم من أنكر الاستدلال بالسنة جملة وتفصيلا! لا في ذم من رَتَّبها حيث رتبها الله ورسوله. وهو ما أجمع العلماء على القول به وفهمه. كما رأيت من نصوص الشافعي رحمه الله. وهو ـ بالإضافة إلى كونه إمام الأصوليين ـ من أول العلماء الذين شنوا الحرب العلمية على الطوائف التي أهملت الاستدلال بالسنة قصدا. وذلك هو موضوع الحديث المذكور. وهو ما لا يقول به إلا جاهل أو مغرض.

بل إن العلماء قد نصوا على ما هو أدق من ذلك: وهو أن الأصول التشريعية كلها، والكليات الدينية عامتها؛ قد تم النص عليها في السور المكية. وما ورد بالمدينة من التشريع إنما هو كالفروع الجزئية بالنسبة إلى ما شرع بمكة! فكان من الواجب على الفقيه المجتهد أن يفهم الجزئيات منزلة على وزان الكليات. قال إمام المقاصد أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله في كتابه (الموافقات): (إن المنزل بمكة من أحكام الشريعة هو ما كان من الأحكام الكلية والقواعد الأصولية في الدين على غالب الأمر)(12). وبما أن الجزئي لا يفهم إلا في إطار كليه ـ كما قدمنا ـ وجب إرجاع المدني في الفهم إلى الأصول المكية. قال رحمه الله: (المدني من السور ينبغي أن يكون منزلا في الفهم على المكي (...) والدليل على ذلك أن معنى الخطاب المدني في الغالب مبني على المكي، كما أن المتأخر من كل واحد منهما مبني على متقدمه. دل على ذلك: الاستقراء!)(13) ومعلوم أن الاستقراء عنده ـ كما هو عند غيره ـ يدل على القطع!

وبيان هذا المعنى ـ عند الشاطبي ـ على التفصيل، منزلا على شواهده كثير، نختار منه التمثيل التالي، إذ بالمثال يتضح المقال. قال رحمه الله: (اعلم أن القواعد الكلية هي الموضوعة أولا، والتي نزل بها القرآن على النبيe بمكة. ثم تبعها أشياء بالمدينة، كملت بها تلك القواعد التي وضع أصلها بمكة. وكان أولها: الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر. ثم تبعه ما هو من الأصول العامة، كالصلاة، وإنفاق المال وغير ذلك. ونهى عن كل ما هو كفر، أو تابع للكفر (...) ثم لما خرج رسول اللهe إلى المدينة، واتسعت خِطة الإسلام، كملت هنالك الأصول الكلية على تدريج، كإصلاح ذات البين، والوفاء بالعقود، وتحريم المسكرات، وتحديد الحدود، التي تحفظ الأمور الضرورية، وما يكملها ويحسنها، ورفع الحرج بالتخفيفات والرخص. وما أشبه ذلك كله تكميل للأصول الكلية)(14).

وهذا الكلام مفيد في بيان أن الأحكام القرآنية نفسها ليست سواء، ولا هي على وزان واحد! فمن أخل بالجزئي لا يكون من حيث الوزر كمن أخل بالكلي. تماما ككون من أنكر البعث ليس سواء مع من زنى أو سرق دون أن ينكر ما أنكره الأول. وإن كان الفعلان كلاهما وزرا موزورا، وخطئا كبيرا!

فبناء على كل ما تقدم من تأصيل؛ تترتب أحكام القرآن الكلية أولا، ثم أحكامه الجزئية، ثم أحكام السنة. ثم الأحكام الاجتهادية المستنبطة منهما. هكذا على العموم.

وأما الأحكام الاجتهادية فهي آخرهن رتبة من حيث الأصالة التشريعية، والقوة التكليفية. ولذلك كانت ظنية كلها، بل لا محل للقطع فيها البتة! وكانت محل خلاف في الغالب، ومجال قبول ورد، ومتسعا للنظر المتجدد أبدا!

ثم إن مما يلحق بهذه القاعدة الترتيبية الكلية قاعدتين:

ـ الأولى: مفادها (أن ما كان مقصودا للشارع أصالة كان تشريعه تصريحا لا تلميحا). ومن هنا لزم عند الأصوليين (أن تكون التكاليف الاعتقادية والعملية مما يسع الأمي تعقلها؛ ليسعه الدخول تحت حكمها!)(15) ولذلك سمى الشارع أصول الواجبات والمحرمات بأسمائها صراحة وعبارة، ولم يُكَنّ عنها إيماء أو إشارة! ولذلك كانت أقوى طرق الدلالة الأصولية: (المعنى العباري) قبل (المعنى الإشاري)، كما كان (المنطوق) أولى من (المفهوم) باصطلاح الأصوليين. ولذلك أيضا كانت القاعدة الترجيحية عند التعارض: أن (لا عبرة بالدلالة في مقابلة التصريح)(16).

فكان أن أوجب شهادة (ألا إله إلا الله وأن محمد رسول الله)، وحددها في صيغ عبارية واضحة معلومة، وأوجب الصلاة والزكاة وصيام شهر رمضان وحج البيت الحرام. كما حرم ما حرم من المحرمات بالاسم الصريح كالزنى، والسرقة، وقتل النفس بغير حق، وشرب الخمر، وأكل الميتة، والدم، ولحم الخنزير...إلخ. وكل هذه وأضرابها عبارات ذات دلالات واضحة، وأسماء على مسميات معلومة لغة أو عرفا. لا يختلف فيها اثنان ولا يتناطح عليها كبشان! وإنما قد يحصل الخلاف في (تحقيق مناطها) لا في دلالاتها. أي عند تحديد بعض أفرادها الجزئية عند التطبيق العملي، لا في دلالتها الكلية على مجموع الجزئيات. وهذا معلوم في علم الأصول، منصوص على قواعده عند أهله. وإنما العبرة عندنا ههنا التعريف الكلي بالقاعدة؛ للبناء عليها فيما سيأتي من أحكام وتصورات. وأما تتبع الجزئيات، فليس هذا محله.

فالمقصود إذن؛ أن تسمية الشارع لمسميات (لَقَبِيّة) دال على القصد الأصيل لتشريع أحكامها بذاتها! فمثلا: لا يستوي تحريم الخنزير، مع تحريم السباع وذوات السموم، الوارد في السنة، لمن يقول بتحريمها بدل كراهتها؛ فبغض النظر عما أسلفنا من تأخر الرتبة التشريعية للسنة عن الكتاب، وأن ما كان منصوصا عليه بالكتاب آكد مما نص عليه في السنة؛ فإن التصريح العباري باسم (الخنزير)، قد حصر التحريم الغليظ في حيوان معين! وبقي تحريم ما سواه على العموم والإجمال في مدلول السباع وذوات السموم. وهذا معنى تشريعي لطيف. إذ لو كان شيء منها مقصودا بالتحريم على درجة تحريم الخنزير؛ لنص عليه الشارع في القرآن باسمه، كما نص على الخنزير نصا! وما أهمله إلا لمعنى، هو ما قررناه من أن السكوت في معرض البيان بيان! والسكوت مستويات ومراتب، فقد يكون سكوتا بإطلاق، وقد يكون سكوتا عن تعيين، وهذا منه.

وإذا ثبت هذا؛ فقد تقرر أن مراتب التشريع، وقوة الأحكام الشرعية، مبنية على أولوية القصد التشريعي لما نص عليه في القرآن أولا، ثم ما نص عليه في السنة ثانيا، ثم ما ترك للاجتهاد ثالثا، وأن ما عبر عنه صراحة وعبارة؛ أولى مما عبر عنه كناية وإشارة!

ومن ملاحظة هذا المعنى فرق أبو حنيفة بين الفرض والواجب، وبين الحرام، والمكروه كراهة تحريم، ثم المكروه كراهة تنزيه. فجعل الفرض والحرام لما ثبت بالقرآن، وما دون ذلك لما ثبت بالسنة. وهذا معنى ـ من حيث القصد ـ متفق عليه بين فقهاء الأمصار، وإن اختص أبو حنيفة بتمييزه باصطلاحات خاصة(17).

الثانية: مما يلحق بالقاعدة الترتيبية الكلية (أن كل ما كان مقصودا للشارع بالأصالة فصل تشريعه تفصيلا) أي فصله نصا، ولم يكد يترك منه للاجتهاد إلا قليلا! قال عز وجل: (وقد فصل لكم ما حرم عليكم)(الأنعام:119) وقال سبحانه: (الر. كتابٌ أُحكِمَتْ آياته ثم فُصِّلَتْ من لدن حكيم خبير)(هود:1). وذلك شأن أحكام أركان الإسلام جملة فقد فصلتها السنة النبوية تفصيلا، وكذلك كثير من الأحكام المقصودة للشارع بالأصالة، كأحكام الزواج والطلاق، والميراث، وسائر أحكام الأسرة، فهذه قد فصلها القرآن تفصيلا. وكذا سائر المحرمات بالكتاب جاء تفصيلها الكامل بالسنة.

وأما حيث لا تجد التفصيل لا بالكتاب ولا بالسنة، وإنما مجملات تشريعية، أو عمومات قرآنية أو سنية؛ فمعناه أن ذلك الحكم قد أحيل تفصيله على الاجتهاد، وأنه تشريع من الدرجة الثالثة. وهو شأن أحكام (العادات التي يشهد لها الطبع)؛ ولذلك لا يتأكد الطلب عليها، لا بتحديد مقاديرها، ولا ببيان هيآت تنزيلها على آحادها. إذ كل ذلك يوكل إلى نظر المجتهد.

قال أبو إسحاق الشاطبي: (ما كان شاهد الطبع خادما له، ومعينا على مقتضاه، بحيث يكون الطبع الإنساني باعثا على مقتضى الطلب (...) فقد يكتفي الشارع في طلبه بمقتضى الجبلة الطبيعية، والعادات الجارية، فلا يتأكد الطلب تأكد غيره (...) ألا ترى أنه لم يوضع في هذه الأشياء على المخالفة حدود معلومة؟)(18)

وقال في موطن آخر: (كل دليل شرعي ثبت في الكتاب مطلقا غير مقيد، ولم يُجعل له قانونٌ ولا ضابط مخصوص؛ فهو راجع إلى معنى معقول، وُكِلَ إلى نظر المكلف. وهذا القسم أكثر ما تجده في الأمور العادية التي هي معقولة المعنى، كالعدل والإحسان، والعفو، والصبر، والشكر؛ في المأمورات. والظلم والفحشاء، والمنكر، والبغي، ونقض العهد؛ في المنهيات)(19) وذلك بالضبط شأن الأحكام السياسية كما سترى.

وعليه ـ وهذه هي نتيجة الاستدلال ـ فإن ما كان في الشريعة الإسلامية أولى بالتشريع ـ حسب القواعد المؤصلة لما ذكرـ كان هو الأولى بالتدين والتعبد! بمعنى أن ما كان أولى بالتشريع كان أدخل في دين الله، وكان من أولوياته ومقاصده العظمى، وما لم يكن كذلك كان من وسائله وتوابعه ليس إلا! وأما ما لم يكن من هذه ولا تلك، أي لا هو مما يدخل في الرتبة التشريعية الأولى، ولا الثانية، ولا الثالثة؛ فليس من دين الله لا أصالة ولا تبعا!

ـــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش المبحث الأول من الفصل الثاني:

 (1) رواه البخاري.

(2) متفق عليه

(3) رواه مسلم والبيهقي واللفظ له. ورواه أحمد، وابن خزيمة، وأبو داوود والنسائي والطبراني. وصيغة مسلم: (لتأخذوا عني مناسككم!) بلام الأمر.

(4) مجلة الأحكام العدلية: 1/24 ن. أيضا: أصول الشاشي:1/262

(5) رجح محقق الرسالة الشيخ أحمد شاكر أن نصب (سننا) لغة شاذة.

(6) الرسالة:158ـ159.

(7) الرسالة: 81

(8) الموافقات للشاطبي:4/7

(9) الرسالة: 106

(10) الرسالة: 108

(11) رواه أحمد وأبو داود والحاكم عن المقداد. وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 8186.

(12) الموافقات: 3/114

(13) الموافقات: 3/406

(14) الموافقات: 3/102ـ103

(15) الموافقات: 2/88.

(16) مجلة الأحكام العدلية: 1/17

(17) شرح القواعد الفقهية للزرقا:141.

(18) الموافقات: 3/130ـ132.

(19) الموافقات: 3/46.

ـــــــــــــــ

المبحث الثاني: في المرتبة التشريعية للأحكام السياسية:

نقصد بالأحكام السياسية: كل التشريعات المتعلقة بتدبير الشؤون العامة للدولة. على المستوى الدستوري والإداري والتنفيذي.

وهذا هو ما سماه الفقهاء قديما (بالأحكام السلطانية) على حد تعبير الماوردي(ت:450هـ)(1)، أو (السياسة الشرعية) على حد تعبير شيخ الإسلام ابن تيمية (ت:728هـ)(2) وتلميذه ابن القيم (ت:751هـ)(3)، وغيرهم.

فهذا كله قائم على معنى أساس: هو إقامة مؤسسة الإمامة الكبرى، أو الخليفة، أو أمير المؤمنين، أو الملك، أو رئيس الدولة. وعندما نقول (مؤسسة الإمامة) فإننا نعني بذلك كل ما يدخل في مفهوم (السلطة) من حكومة ووزارات وإدارات، مما يمثل ـ بصورة ما ولو كانت تبعية ـ الخليفة أو الملك، أو الرئيس، ويتصرف باسمه. وذلك شأن (الحكومة) كلها ـ بمعناها الحديث ـ وما يدخل تحتها من أجهزة إدارية وتنفيذية.

يقول الأستاذ عبد الوهاب خلاف رحمه الله: (السياسة الشرعية: هي تدبير الشؤون العامة للدولة الإسلامية، بما يكفل تحقيق المصالح، ودفع المضار، مما لا يتعدى حدود الشريعة وأصولها الكلية (...) والمراد بالشؤون العامة للدولة: كل ما تتطلبه حياتها من نظم، سواء أكانت دستورية أم مالية، أم تشريعية، أم قضائية، أم تنفيذية. وسواء أكانت من شؤونها الداخلية أم علاقاتها الخارجية. فتدبير هذه الشؤون، والنظر في أسسها، ووضع قواعدها بما يتفق وأصول الشرع: هو السياسة الشرعية.)(4).

ويقول الدكتور يوسف القرضاوي معرفا (فقه السياسة الشرعية): (ويشمل كذلك علاقة الفرد بالدولة، أو علاقة الحاكم بالمحكوم، أو الراعي بالرعية، أو السلطة بالشعب. وهو ما ينظمه في عصرنا (الفقه الدستوري) و(المالي) و(الإداري)، و(الدولي). وهذا هو الذي نعنيه باسم: الفقه السياسي، أو السياسة الشرعية)(5)

وهذا الكلام ونحوه مستفاد من تعريف الأقدمين (للإمامة الكبرى أو الخلافة) وما تتطلبه من نظم ومهام، ولكن ـ في الوقت نفسه ـ بالنظر إلى الواقع السياسي المعاصر للدول والحكومات. فقديما قال الإمام أبو المعالي الجويني (ت:476هـ): (الإمامة: رياسة تامة، وزعامة عامة، تتعلق بالخاصة والعامة، في مهمات الدين والدنيا. مهمتها حفظ الحوزة ورعاية الرعية، وإقامة الدعوة بالحجة والسيف، وكف الخيف والحيف، والانتصاف للمظلومين من الظالمين، واستيفاء الحقوق من الممتنعين، وإيفائها على المستحقين.)(6)

 ومفهوم (السياسة الشرعية) ليس ببعيد عما يدرس في (علم السياسة) بمعناه المعاصر، وما هو مسطر في مسمى (القانون السياسي) يقول مارسيل بريلو: (تؤكد الأنسيكلوبيديا الكبيرة أن السياسية: هي بالتمام (فن حكم الدولة) لذلك يمكن تعريف علم السياسة: بعلم حكم الدول، أو دراسة المبادئ التي تشكل الحكومات وتديرها في علاقاتها بالمواطنين وبالدول الأخرى)(7). ويقول الدكتور حسن صعب معرفا (القانون السياسي): (القانون السياسي: هو مجموعة القوانين التي تحدد النظم الحكومية. ونعني: العلاقات بين السلطة والمواطنين، أو الرعايا)(8) ويقول: معرفا (النظام السياسي): (النظام السياسي: هو مجموعة المؤسسات التي تتوزع بينها آلية التقرير السياسي)(9).

إلا أن مصطلح (السياسة الشرعية) قد يكون ـ في بعض الأحيان ـ أوسع مفهوما من حيث الاستعمال لدى القدماء من معنى (فن حكم الدولة)، فقد يطلق ويراد به ـ بالإضافة إلى الأحكام السلطانية ـ (فن القضاء، وطرائق الكشف عن الجاني، وتبين المدعى من المدعى عليه!) وقد تقتصر دلالته على هذا الأخير ـ أي القضاء ـ كما هو موضوع كتاب (الطرق الحكمية في السياسة الشرعية) لابن القيم، مثلا.

والناظر في كتب السياسة الشرعية والأحكام السلطانية في التراث الإسلامي عموما؛ يجد أنها تشمل كل ما آل إليه الأمر من مفهوم علم السياسة والقانون السياسي حديثا. لكنها وإن شملت كل ذلك من حيث (الكليات) فإنها تختلف عنه من حيث تفاصيل المباحث؛ بسبب اقتصار المفاهيم الجديدة على ما هو وضعي (دنيوي) دون ما هو شرعي (ديني)، بينما السياسة الشرعية جامعة بين الدين والدنيا، كما سبق في تعريف الجويني للإمامة، وكما قال قبله الماوردي بما هو أصرح منه وأوضح: (الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا)(10).

لكن كتب السياسة الشرعية نفسها تختلف أيضا فيما بينها؛ باختلاف تفاصيل مباحثها حسب تطور التجربة التاريخية، والكسب السياسي للدولة الإسلامية القديمة. كما سنبين بعد بحول الله.

إلا أن الإشكال موضوع البحث الآن هو: تبين المرتبة التشريعية للأحكام السياسية في الإسلام، من حيث هي (أحكام سلطانية) أو (فن حكم الدولة).

ونغامر ابتداء بتقديم الدعوى قبل أدلتها! فنقول: إن (الأحكام السياسية) ـ بهذا المعنى ـ لم تنل من التشريع الإسلامي ـ في الغالب ـ إلا المرتبة الثالثة!

بينما أغلب القوانين التشريعية التي هي مادة بناء الدولة موجودة في القرآن والسنة والاجتهاد، مجملة ومفصلة، أي البنية التشريعية التحتية للدولة، إن صح التعبير. لكن القوانين التشريعية الكفيلة بـتنظيم (فن حكم الدولة) وإدارتها، أعني القوانين الدستورية والإدارية، فهذه ليس لها من النصوص التشريعية إلا النزر اليسير جدا! وإنما مجالها الاجتهاد المحض!

والمقصود بالبنية التشريعية التحتية للدولة: كل مواد القانون المنظمة للدولة والمجتمع، سواء كانت من أقسام القانون الخاص، أو أقسام القانون العام، بتعبير الحقوقيين المعاصرين(11).

ففروع القانون العام ـ باستثناء ما سبق استثناؤه! ـ ابتداء من القانون الجنائي، وما يتعلق به من بحث في أنواع الجريمة وأقسامها، وبحث في العقوبات ومقاديرها وأشكالها، والقانون المالي بموارده ونفقاته، والقانون الدولي العام وما يتعلق به من أحكام السلم والحرب والحياد، وكذا فروع القانون الخاص، ابتداء من القانون المدني، والتجاري، وقانون العمل...إلخ. كل ذلك وما هو لاحق به؛ قد نص الشارع الإسلامي على أصوله، وكثير من تفاصيله، في القرآن والسنة، نصوصا تختلف بين إجمال وتفصيل. ويكفي ـ لتتبين حقيقة ما أقول ـ أن ترجع إلى كتب مثل (أحكام القرآن) لابن العربي المعافري المالكي، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي المالكي أيضا، وأحكام القرآن للجصاص الحنفي، وأحكام القرآن للكيا الهراسي الشافعي، كل ذلك في القرآنيات. وأما الحديثيات فهي أكثر من ذلك ضخامة وعددا، منها الاستذكار لابن عبد البر المطبوع في ثلاثين مجلدا! وسبل السلام للصنعاني، ونيل الأوطار للشوكاني...إلخ.

ثم علاوة على ذلك فإن كتب الفقه الإسلامي الضخمة قد استغرقت من التشريع التفصيلي ـ بغض النظر عن العبادات ـ الشيء الكثير في أبواب العادات، والمعاملات، من مثل أحكام الأسرة، كتفاصيل الزواج والطلاق والإرث، وأحكام البيوع والعقود والتصرفات، وأحكام الصرف، والقراض، والإجارة، والكراء، والشركات، وسائر المعاملات الزراعية كالمساقاة والمغارسة والمزارعة. وكذا أحكام القسمة، والشفعة، والرهون، والحجر، والتفليس، والصلح والكفالة والوكالة، والوديعة واللقطة، والغصب والضمان والطوارئ، والاستحقاق والهبات، والوصايا، والقضاء، والجنايات والعقوبات، وكذا أحكام الجهاد وتفصيل الحرب والسلم والصلح والهدنة...إلخ.(12)

ويكفي أن تنظر في مثل هذا وزيادة ـ في المذهب المالكي ـ كتاب البيان والتحصيل لابن رشد الجد، والمقدمات الممهدات له أيضا، والذخيرة للإمام القرافي، وبداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد الحفيد، والمبسوط في الفقه الحنفي، والمغني لابن قدامة في الفقه الحنبلي، وكتاب الأم للشافعي، والمحلى لابن حزم الظاهري...إلخ. نظرة هنا أو هناك، في هذا المذهب أو ذاك، إلى أمهات الفقه الإسلامي؛ كافية لتصاب بالذهول من كثرة ما فرع وفصل في هذه الأبواب جميعا!

كل ذلك دال بالقطع على أن الإسلام قد وضع الإطار العام لقيام الدولة! ـ بمعناها الشامل ـ وذلك بتشريع العمومات فيما تحتاج فيه إلى عمومات، وتشريع الخصوصات فيما تحتاج فيه إلى خصوصات.

إلا بابا واحدا ووحيدا: هو باب الإمامة الكبرى وأحكامها الأصلية، المتعلقة بمنصب الخليفة، ومؤسسة الخلافة وهيكل الدولة، وشكل السلطة، وهو المسمى اليوم (بالقانون الدستوري). أو بعبارة أخرى: الأحكام السياسية بالمعنى الحديث للكلمة، أي (فن حكم الدولة)، هذا وحده لم ينل من التشريع القرآني إلا مجملات نادرة! ومن التفسير السني إلا إشارات عابرة! ومن الاجتهاد الفقهي إلا النزر اليسير!

أما كتب الأحكام السلطانية، أو السياسة الشرعية؛ فلم تعرف سبيلها إلى التأليف ـ على المشهور ـ إلا بعد عصور الاجتهاد، وبداية عصور التقليد على الحياة الإسلامية، على حد تعبير الدكتور يوسف القرضاوي(13).

فمن أقدم ما صنف في هذا المجال كتاب الأحكام السلطانية للماوردي المتوفى سنة:450هـ أي خلال النصف الأول من القرن الخامس الهجري! والأحكام السلطانية أيضا لأبي يعلى الفراء الحنبلي المتوفى سنة:458هـ ثم غياث الأمم لإمام الحرمين أبي المعالي الجويني المتوفى سنة:476هـ، ثم السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية لشيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية المتوفى سنة: 728هـ، والطرق الحكمية في إصلاح الراعي والرعية لتلميذة ابن قيم الجوزية المتوفى سنة:751هـ وكتاب تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام لابن جماعة المتوفى سنة:749هـ، ثم كتاب معيد النعم ومبيد النقم، لتاج الدين عبد الوهاب بن السبكي المتوفى سنة:771هـ، وبعد ذلك كتاب نقد الطالب لِزَغَلِ المناصب لشمس الدين محمد بن طولون الصالحي الدمشقي المتوفى سنة:953هـ وهذا إنما هو نقل حرفي لأغلب مباحث (كتاب معيد النعم ومبيد النقم) لتاج الدين عبد الوهاب ابن السبكي!

ثم جاءت كتب المعاصرين مثل الشيخ عبد الوهاب خلاف والدكتور يوسف القرضاوي، والدكتور فتحي الدريني وغيرهم. ولكن العبرة عندنا هنا بيان حجم حضور هذا الموضوع في الفقه القديم. وقد لاحظنا خلو الأجيال الأولى: القرن الأول والثاني والثالث والرابع من مثل هذه التصانيف!

ويكفي أن تعد ببليوغرافيا لعلم من العلوم على رؤوس الأصابع لتعلم قلة ما صنف فيه؛ ولذلك فقد (لاحظ كثير من العلماء والباحثين أن (الفقه السياسي) لم يأخذ حقه في البحث والتعميق والاجتهاد، كما أخذ سائر أنواع الفقه الأخرى)(14).

و(الفقه السياسي) من حيث هو (فقه) راجع إلى معنى التشريع؛ وأما من حيث هو (سياسي) فراجع إلى أحكام نظام الحكم، وطرائق بنائه وإدارته. وهو بالضبط ما يعنونه اليوم بالقانون الدستوري والقانون الإداري. ذلك أن القانون الدستوري: (يشتمل على مجموع القواعد والمؤسسات القانونية، التي تحدد نظام الحكم في الدولة، كما يشتمل على القواعد الأساسية التي تبين طبيعة السلطات العامة، وتوزيع الاختصاصات فيما بينها)(15)، كما (يشمل القانون الإداري مجموع القواعد القانونية التي تنظم عمل السلطة الإدارية ونشاطها في أداء مهامها. كما تبين العلاقة بين الأفراد وحقوق هؤلاء تجاهها)(16).

وهذه هي الحلقة لمفقودة من نصوص التشريع الإسلامي: القرآن والسنة!

فلماذا؟

ذلك هو أصل الدعوى وأساس الإشكال، وقضية الدرس بهذا البحث!

وهو واحد من أهم قضايا الاختلاف الحاصل اليوم بين فصائل الحركة الإسلامية المعاصرة، تماما كما كان قديما بين فرقاء الفرق الإسلامية ومذاهب علم الكلام! فهل التاريخ يعيد نفسه فعلا؟

حتى إن مؤرخ المذاهب الكلامية الإمام الشهرستاني قال بنوع من المبالغة: (وأعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة، إذ ما سُل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سل على الإمامة في كل زمان!)(17) وعقد مؤرخ العلوم عبد الرحمن ابن خلدون فصلا في المسألة بعنوان: (الفصل السادس والعشرون في اختلاف الأمة في حكم هذا المنصب وشروطه)(18)، وقال الدكتور محمد مهدي شمس الدين، بلغة معاصرة: (ما اختلف المسلمون في شيء اختلافهم في نظام الحكم في الإسلام وفي طبيعة هذا النظام!)(19).

وما كانوا ليختلفوا هذا الاختلاف الشديد؛ لو كان هناك من النصوص التشريعية، القرآنية والحديثية، في المسألة السياسية والدستورية ما ـ لا أقول يرفع الخلاف بإطلاق؛ ولكن ـ يجمع المذاهب على أصول كلية، وأحكام رئيسية، كما هو الشأن في أغلب التشريع الإسلامي في العبادات والعادات. ولنحقق ذلك على مناطاته حتى تراه بحول الله!

أما القرآن فقد أجمع السابقون واللاحقون على خلوه من نصوص مخصوصة بالشأن السياسي، ما عدا آيتي الشورى: (وشاورهم في الأمر)(آل عمران:159). (وأمرهم شورى بينهم)(الشورى:35).

والآيتان مع ذلك ليستا (نصا) على الشورى بالمعنى السياسي إطلاقا! وعندما أقول: (نصا) فبالمعنى الأصولي العلمي للكلمة! أي: (العبارة الدالة على معنى واحد لا يحتمل التأويل). وإنما هي دالة عليه (إجمالا) و(إطلاقا)، وهو واحد من مقتضياتها ليس إلا. وفي أحسن الأحوال قد تكون دالة عليه (ظاهرا). فأما آية (آل عمران) فتلك إلى الدلالة (الظاهرة) أقرب؛ لأنها وردت في سياق الشأن العسكري واتخاذ قرار الحرب! وهذه قضية لها صلة بالتدبير السياسي فعلا، إلا أنه لا قرينة تصرفها عن إرادة غير المسألة السياسية بالشورى! ولذلك كانت ظاهرة في معناها هذا فقط، إذ يمكن أن تفيد الأمر بالشورى في كل شأن هام ولو لم يكن سياسيا؛ لأن (الأمر): هو الشأن الهام، والخطب العظيم.

بل إن من المفسرين من نحا بها منحا (التشاور الفقهي)؛ لتحصيل الاتفاق في الاجتهاد على الحكم الشرعي، بما يشبه (الإجماع).  ولقد نقل شيخ المفسرين أبو جعفر الطبري (ت:210) نحو ذلك عمن سبقه من أهل التفسير. قال ـ بعد أن ذكر المعنى الأول: وهو أن مشاورة النبيe لهم إنما هي لتأليف قلوبهم على الدين ليس إلا!: (وقال آخرون: إنما أمره الله بمشاورة أصحابه فيما أمره بمشاورتهم فيه، مع إغنائه بتقويته إياه، وتدبيره أسبابه عن آرائهم؛ ليتبعه المؤمنون من بعده، فيما حزبهم من أمر دينهم، ويستنوا بسنته في ذلك، ويحتذوا المثال الذي رأوه يفعله في حياته، من مشاورته في أموره ـ مع المنزلة التي هو بها من الله ـ أصحابه وأتباعه في الأمر، ينزل بهم من أمر دينهم ودنياهم، فيتشاوروا بينهم، ثم يصدروا عما اجتمع عليه ملؤهم؛ لأن المؤمنين إذا تشاوروا في أمور دينهم متبعين الحق في ذلك؛ لم يخلهم الله عز وجل من لطفه، وتوفيقه للصواب من الرأي والقول فيه. قالوا: وذلك نظير قوله عز وجل الذي مدح به أهل الإيمان: (وأمرهم شورى بينهم)(20).

وأما آية سورة الشورى المذكورة آنفا؛ فهي إلى الدلالة العامة أقرب، ولا يجوز قصر اللفظ العام على بعض أفراده ـ كما هو معلوم في الأصول ـ بغير مخصص معتبر. ولذلك فإن الآية ـ كما هي تسمية السورة بأكملها بـ(الشورى) ـ دالة على امتداح الشورى في كل أمر ذي بال. خاصة وأن الآية وردت في سياق دال بالأصالة على أوصاف التدين العام. وذلك قوله تعالى: (والذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون. والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون) الآيات. وقصرها على الدلالة السياسية (تحكم)! وإنما هذه واحدة من أفرادها، ليس إلا! ولذلك كان التشاور في الطلاق جزءا من مقاصدها بهذا الاعتبار. قال عز وجل: (فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما)(البقرة:231).

ولم يرد للشورى ومشتقاتها ـ بعد ذلك ـ ذكر في القرآن؛ عدا هذه المواطن الثلاثة! وهذه ـ بحد ذاتها ـ دلالة أخرى هامة. إذ كيف تكون الأحكام السياسية مقصودة للشارع بالأصالة، ولا يكون لها من التشريع القرآني سوى هاتين الإشارتين؟ هذا خلف! وهو في الآن نفسه مخالف لمنهج التشريع الإسلامي، وقواعده الكلية، كما بيناه في المبحث الأول من هذا الفصل.

كيف ينص القرآن على أصول الواجبات، من الصلوات والزكوات والصيام والحج، وينص على المحرمات من المطعومات والمشروبات، بل ينص على المندوبات، من الأذكار والعمرات والصدقات ونوافل الصلاة...إلخ. مما هو مقصود له أصالة أو تبعا، وينص على أحكام الإرث والأسرة مفصلة تفصيلا؛ ثم لا ينص بعد ذلك على أحكام السياسة؛ كيف يصح ذلك إلا أن تكون هذه الأحكام غير مقصودة له أصالة على الأقل؟ إن قول العكس يحتاج من قائله إلى نقض هذا الاستدلال! وبيان سر غياب النص التشريعي القرآني! وخلوه من أي حكم صريح في شأن اعتبره بعضهم (أصلا) من أصول الدين! وما كان لأصول الدين إلا أن تكون نصوصا قرآنية. فأصول العقيدة الإسلامية لا تؤخذ إلا بالتواتر، كما هو معلوم عند جمهور العلماء.

وأما السنة ـ وهي محل البيان والتفصيل ـ فلم تفصل من الأمر شيئا! بل إن أغلب ما ورد فيها من أحاديث عن الشأن السياسي؛ هو من (أحاديث الفتن). ومعنى (أحاديث الفتن) ـ باصطلاح المحدثين ـ الأخبار النبوية التي تحدث فيها الرسول صلى الله عليه عما سيقع بعده من حوادث إلى ما بين يدي الساعة. ومن ذلك أحوال الخلافة والملك.

ومشكلة الاستدلال بالسنة لدى بعض الإسلاميين اعتمادهم في كثير من الأحوال على الأحاديث الضعيفة والموضوعة، بل في بعض الأحيان على الخرافات! ونحن قد آلينا على أنفسنا ألا نورد في بحثنا هذا ـ وكل بحث كتبناه أو نكتبه ـ إلا ما صح سنده إن شاء الله.

ومعلوم أنما أحاديث الفتن في غالبها أخبار، لا إنشاءات. بالمعنى البلاغي. والأحكام الشرعية إنما تؤخذ من (الإنشاء) لا من (الخبر) بالمعنى المذكور. ولو ورد التشريع في صيغة الجملة الخبرية لكان بمعنى الإنشاء، كما هو في قوله تعالى: (كتب عليكم الصيام)(البقرة:183) أي بمعنى: صوموا!

ومن أشهر ما ورد في الشأن السياسي، من الحديث النبوي؛ قولهe: (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم يكون ملكا عاضا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكا جبريا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت)(21).

وهذا حديث مشهور، متداول لدى كثير من أبناء الحركات الإسلامية اليوم، يستدلون به على فساد الوضع السياسي المعاصر، و(يؤصلون) به للثورة ضده والزحف عليه! وهو حديث بالنسبة للنظر العلمي الأصولي لا يؤصل لشيء من ذلك! ـ ولا يلزم من هذا أننا ندافع عن هذا السلطان أو ذاك ـ وإنما القصد تمحيص الدليل والاستدلال؛ حتى إذا قامت الحجة والبرهان عندنا قامت بقوة، وألزمت نتيجتها حكما وإقناعا. وإنما الدلالة الأصولية لهذا الحديث ـ بكل مراتبها الممكنة ـ هي مجرد وصف خبري لما سيكون عليه الحال بعد النبيe، من أمر الخلافة والملك إلى ما شاء الله! فهو إذن من أحاديث الفتن. لا من نصوص التشريع. هذه واحدة.

والثانية: فإن الحديث في حاجة إلى الاجتهاد المتعلق بـ(تحقيق المناط) بتعبير الأصوليين، أي التنزيل على معين. إذ لا نص على أن هذا النظام أو ذاك هو من الخلافة، أو من الملك العاض، أو الملك الجبري، فالتعيين والتنزيل إذن محض اجتهاد! وليس من نص الحديث.

والثالثة: أن (الدلالة العبارية) تدل على أن كلا من الملك العاض والجبري داخل في مفهوم (الخلافة) لكن لا على منهاج النبوة. قال: (ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا عاضا... ثم تكون ملكا جبريا) فواضح جدا ـ لمن يعقل في قواعد العربية ـ أن الضمير المستتر في (تكون) يعود على لفظ (الخلافة). فالخلافة هي التي تكون تارة على منهاج النبوة، وتارة ملكا عاضا، وتارة جبريا. وبهذا المنطق أكد ابن تيمية رحمه الله: (أن شوب الخلافة بالملك جائز في شريعتنا، وأن ذلك لا ينافي العدالة، وإن كانت الخلافة المحضة أفضل)(22).

وقال تلميذه ابن القيم في شرح حديث سيأتي تفصيله، وطرفه هو: (لا يزال هذا الدين قائما حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة...)(متفق عليه) قال رحمه الله مستدلا على أن اسم (الخلافة) يشمل معنى (المُلك) ويتضمنه: (والدليل على أن النبيe إنما أوقع عليهم اسم الخلافة بمعنى الملك في غير خلافة النبوة قوله في الحديث الصحيح (...): (سيكون من بعدي خلفاء يعملون بما يقولون، ويفعلون ما يؤمرون، وسيكون من بعدهم خلفاء يعملون بما لا يقولون، ويفعلون ما لا يؤمرون. من أنكر برئ، ومن أمسك سلم، ولكن من رضي وتابع!)(23)

ولهذا التفسير ما يؤكده من النصوص الصحيحة، وستأتي بحول الله.

والرابعة: أن الخلافة ـ بناء على ما أصلت ـ (تجربة بشرية) غير معصومة. قد تسمو حتى تكون على منهاج النبوة، وقد تنحط حتى تكون ملكا عاضا أو جبريا، ولكنها (خلافة) في نهاية المطاف! وهذا قياسه الإنسان المسلم في إسلامه. قد يسمو حتى درجة الصديقين كأبي بكر، وقد ينحط حتى درجة الفجار كالحجاج بن يوسف الثقفي! ولكن لا يجوز تكفيره! وبين الدرجتين مراتب تختلف بين السمو والانحطاط، وصفة الإسلامية باقية لصاحبها على كل حال. هذا على عقيدة أهل السنة والجماعة، اللهم إلا إذا اعتبرنا عقيدة الخوارج في تكفير مرتكب الكبيرة؛ فهذا شأن آخر.

والخامسة: أن بعض نصوص أحاديث الفتن قد أتبع بملاحق إنشائية تأمر ـ رغم ذلك ـ بالسمع والطاعة لخلافة الملك العاض والجبري! ولم يرد ما يأمر بالعصيان إلا قليلا! وكان أولى بمن (يؤصل) بأحاديث الفتن للثورة والزحف أن يذكرها جميعا! ولو كان منصفا لرجع ـ في أضعف الأحوال ـ إلى القاعدة الأصولية: (ما احتمل واحتمل سقط به الاستدلال!).

ولسنا هنا بصدد تزيين واجهات هذا النظام أو ذاك! فمن يعرفنا يدرك أنا برآء من مثل هذا، والحمد لله. وإنما نزين واجهات البحث العلمي، إن شاء الله، غير المتأثر بعاطفة حزبية، أو (نجومية) إعلامية سياسية. فلنصغ إذن إلى الأدلة من كلا الطرفين! ولنحقق الأمر على كلا الاحتمالين! وإنما الترجيح ما رجع إلى أقوى الدلالتين، وأظهر الوجهين. ولا يمنعنك رأي اشتهر من مراجعة قول البشر! هذا هو العدل في العلم كما هو في القضاء.

ولسنا بعد ذلك ممن يقبل جور السلطان، ومفاسد الطغيان؛ فلا تعجلن علينا! فإنه لا علم مع العجلة.

قلت: فأكثر النصوص الحديثية في هذا السياق، تجرى على غير الهوى الثوري، أو الزحفي. ومنها قوله عليه السلام: (يكون عليكم أمراء من بعدي، يؤخرون الصلاة، فهي لكم، وهي عليهم، فصلوا معهم ما صلوا بكم القبلة)(24).

ومن أعجب ما ورد من الحديث الصحيح حديث حذيفة بن اليمان الطويل الذي طرفه: (كان الناس يسألون عن الخير وكنت أسأل عن الشر مخافة أن يلحقني) فتحدث رسول اللهe عن (فتنة عمياء صماء، عليها دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها.

قلت: يا رسول الله صفهم لنا! قال:

هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا

قلت: يا رسول الله فما تأمرني إن أدركني ذلك؟

قال: تلتزم جماعة المسلمين وإمامهم، تسمع وتطيع الأمير، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك، فاسمع وأطع!)(25).

ثم أيضا قولهe: (ألا إني أوشك أن أدعى فأجيب، فيليكم عمال من بعدي، يقولون ما يعلمون، ويعملون بما يعرفون، وطاعة أولئك طاعة. فتلبثون كذلك دهرا، ثم يليكم عمال من بعدهم، يقولون ما لا يعلمون، ويعملون ما لا يعرفون، فمن ناصحهم ووازرهم وشد على أعضادهم؛ فأولئك قد هلكوا وأهلكوا! خالطوهم بأجسادكم، وزايلوهم بأعمالكم، واشهدوا على المحسن بأنه محسن، وعلى المسيء بأنه مسيء!)(26). فقولهe: (فمن ناصحهم) لا يعني النصيحة الصالحة، وإنما المقصود: ناصحهم بمعنى دلهم على مسالك ما يشتهون من غواية. فهو المعنى السلبي للنصح. والدال على ذلك القرينة الظاهرة من قوله بعد: (فأولئك قد هلكوا وأهلكوا!) فهذا صارف للفظ الأول عن ظاهره. ثم إن كليات الإسلام في وجوب النصح للأئمة شاهدة على هذا التأويل الصحيح. وليس في هذا النص إلا ما يدل على وجوب المهادنة للسلطان الجائر! وأصرح منه قولهe: (إنه ستكون فرقة واختلاف فإذا كان كذلك فاكسر سيفك، واتخذ سيفا من خشب، واقعد في بيتك حتى تأتيك يد خاطئة، أو ميتة قاضية)(27).

ومن هنا كان الفقه الذي أجمع عليه فقهاء الأمصار ـ كما سنبينه في الفصل الثالث بحول الله ـ هو: عدم جواز الخروج على السلطان المسلم، مهما كان شأنه في الدين بين القوة واللين! ومهما كانت صيغة بيعته بين ولاية العهد، وشورى أهل الحل والعقد.

وسسب ذلك الفقه؛ إنما هو ما أجمعوا عليه من حرمة نزع اليد من الطاعة للأمراء، ولو كانوا ظلمة وفساقا! رعيا للمصلحة الراجحة المتمثلة في اجتماع كلمة المسلمين، من جهة؛ ولتأخر رتبة الأحكام السياسية في التشريع الإسلامي من جهة أخرى، وقيام الدين على ما سواها، كما بيناه قبل بأدلته. ولهم في ذلك أحادث صحيحة مليحة، تواتر معناها تواترا كليا! وإليك منها أمثلة، لن نسوقها إلا مما خرجه الشيخان: البخاري ومسلم، أو أحدهما!

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالe: (عليك السمعُ والطاعةُ في عسرك ويسرك، ومنشطك ومكرهك، وأَثَرَةٍ عليك!)(28). فمعنى (أثرة عليك): تفضيل السلطان غيرك عليك، من أهله وعشيرته، أو ممن يواليه! فهو يؤثرهم عليك رغم استحقاقك أنت ما لا يستحقون هم!

وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: (دعانا رسول اللهe، فبايعناه، فكان فيما أخذ علينا: أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا وأَثَرَةٍ علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله! ـ قال: إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان)(29).

وقالe: (إنها ستكون بعدي أَثَرَةٌ وأمور تنكرونها. قالوا يا رسول الله كيف تأمر من أدرك منا ذلك؟ قال: (تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم!)(30)

وعن حذيفة رضي الله عنه عن النبيe قال: (يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس). قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: (تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك، فاسمع وأطع!)(31).

قالe: (من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات؛ مات ميتة جاهلية. ومن قاتل تحت راية عُمِّيةٍ يغضب لعصبة، أو يدعو إلى عصبة، أو ينصر عصبة؛ فقُتِل فقتلة جاهلية! ومن خرج على أمتي يضرب بَرَّها وفاجرَها، ولا يتحاشا من مؤمنها، ولا يفي لذي عهد عهده، فليس مني ولست منه!)(32)

وسأل سلمة بن يزيد الجعفي رسول اللهe، فقال:(يا نبي الله أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألونا حقهم، ويمنعونا حقنا فما تأمرنا؟ فأعرض عنه ثم سأله فأعرض عنه، ثم سأله في الثانية، أو في الثالثة، فجذبه الأشعث بن قيس، فقال رسول اللهe: (اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حُمِّلوا، وعليكم ما حملتم)(33).

وعن عوف بن مالك رضي الله عنه، عن رسول اللهe، قال: (خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، ويصلون عليكم وتصلون عليهم. وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم ـ قيل: يا رسول الله أفلا ننابذهم بالسيف؟ ـ فقال: لا! ما أقاموا فيكم الصلاة. وإذا رأيتم من ولاتكم شيئا تكرهونه، فاكرهوا عمله، ولا تنزعوا يدا من طاعة!)(34)

ثم إن خلاصة ما وصل إليه فقهاء الحديث وشراحه من المتأخرين، إنما كان زبدة ما أجمع عليه علماء الأمصار من المتقدمين. فهذا ابن حجر العسقلاني قد رأى ـ في الفتح ـ (وجوب طاعة الإمام الذي انعقدت له البيعة، والمنع من الخروج عليه، ولو جار في حكمه، وأنه لا ينخلع بالفسق)(35).

وقال النووي في شرح مسلم : (وهذه الأحاديث في الحث على السمع والطاعة، في جميع الأحوال؛ وسببها اجتماع كلمة المسلمين؛ فإن الخلاف سبب لفساد أحوالهم، في دينهم ودنياهم)(36).

ولي ههنا كلمة بعد سرد هذه الأحاديث الصحاح: وهي أنه كان على الذين يسوقون أحاديث الفتن، ويختارون منها ما يناسب مأربهم من الخروج على الحكام؛ أن يسوقوا هذه أيضا! ويقوموا ـ بعد عرض هذه على تلك ـ بما يقوم به الفقيه من الاجتهاد والترجيح؛ لنفهم كيف تم إبطال العمل بما صح من البخاري ومسلم! تما كما أبطلنا ما ساقه (فقهاء الخروج) من فهمهم لحديث: (الخلافة على منهاج النبوة).

ومثل هذه النصوص ـ نصوص السمع والطاعة ـ هي أغلب ما ورد في أحاديث الفتن السياسية، ولو استقيناها لخرجنا عن غرض هذا الكتاب.

نعم هناك نصوص أخرى قليلة، وصحيحة أيضا، تدل على نفي الطاعة عمن كانت هذه أوصافهم من الأمراء، مثل ما رواه ابن مسعود رضي الله عنه عن النبيe، قال: (سيلي أموركم بعدي رجال يطفئون السنة، ويعملون بالبدعة، ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها. فقلت: يا رسول الله، إن أدركتهم كيف أفعل؟ قال: تسألني يا ابن أم عبد كيف تفعل؟ لا طاعة لمن عصى الله!)(37). وأحيانا قد تجد بعض الأحاديث في مثل هذه الأمور تشير إلى جواز نوع من (الإرجاء السياسي) الذي يمارسه البعض، وهو: الاعتزال مطلقا! قالe: (سيكون أمراء تعرفون وتنكرون. فمن نابذهم نجا، ومن اعتزلهم سلم، ومن خالطهم هلك)(38).

ثم ما رأيك ـ بعد هذا كله ـ في حديث صحيح مليح، بل متفق عليه؛ ينقض ظواهر كل ما سبق ذكره من أحاديث! وعلى رأسها حديث (الخلافة على منهاج النبوة)! قال رسول اللهe: (لا يزال هذا الدين قائما حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة، كلهم تجتمع عليه الأمة، كلهم من قريش، ثم يكون الهرج!)(39). فالاثنا عشر خليفة هذه ـ إذا تتبعنا حرفية النص على المستوى التاريخي ـ كلهم ـ ما عدا الأربعة الأوائل ـ من خلفاء بني أمية وبعض بني العباس. وقد تحولت الخلافة حينئذ إلى (ملك)!

ولقد حاول أحدهم في مناقشة لي معه أن يذهب إلى أن (الاثني عشر خليفة) قد يتواردون من غير تتابع؛ حتى يُخْرِجَ خلفاءَ الأمويين والعباسيين من الإحصاء! قلت: كلا! هذا تأويل باطل! بل صيغة الخطاب اللغوي حيث تستعمل فيه عبارة: (لا يزال) تدل على الاستمرار والتتابع! ولا دلالة فيها على الانقطاع. وذلك كما في قوله تعالى: (وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ  إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ)(هود:118). وقوله سبحانه: (لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ)الآية (التوبة: 110). كلها تعابير دالة على الاستمرار.

ومع ذلك أقول: إن مثل هذه الأحاديث يصعب جدا من الناحية العلمية، والتاريخية؛ أن تنزل على مناطات بعينها، ووقائع بذاتها، ثم تفسر تفسيرا حرفيا! تماما كما صنعت الشيعة الاثنا عشرية بالحديث المذكور!

وليس معنى ذلك – مرة أخرى - أننا نؤصل ههنا لطاعة الطواغيت، ممن أعلن كفره صراحة، وعاث فسادا في البلاد والعباد! كلا ولا كرامة! وإنما القصد بيان حجم إشكال المسألة السياسية في الإسلام؛ عسى أن نفقه باب الخروج الدعوي من النفق، ونضع أيدينا على المفتاح الحقيقي لتجديد الدين في الأمة.

إن أحاديث الفتن ليست أبدا محل التشريع إنما محله معروف لدى علماء أصول الفقه. ألا وهو النصوص القرآنية الواضحة الصريحة، ونصوص السنة الآمرة الناهية! القولية والفعلية والتقريرية. أما أحاديث الفتن فلا علاقة لها بهذا كله إلا تبعا! وإنما هي كالحديث عن (أشراط الساعة وأماراتاها) فائدتها حفظ التدين الفردي من الفتن المتوقعة.

ولا يقر عاقل أن يسكت الشرع عن تشريع الأحكام السياسية لتستنبط بعسر شديد من أحاديث الفتن!

أين نصوص وجوب تنصيب الإمام أو الخليفة؟ أين نصوص شكل الشورى وقواعدها ونواقضها؟ أين نصوص تحريم الملك أو إيجابه؟ أين نصوص تقسيم السلط وتصريفها؟ أين نصوص مدة الترأس والاستخلاف بين العمر وبعض السنوات؟ أين نصوص الوزارات وحدود وظائفها؟ أين وأين وأين؟

وقد يقال: ـ على سبيل الاعتراض ـ إن إمامة النبيe في زمانه، هي نفسها تشريع سياسي. أليس هو المبلغ عن الله؟ والجواب: أن علماء التشريع الإسلامي منذ القديم فرقوا في تصرفات النبيe، بين التصرفات بالإمامة، والتصرفات بالرسالة، والتصرفات بالفتيا، والتصرفات بالقضاء. وأن (التصرفات بالإمامة) هي تصرفات مصلحية؛ لسياسة أناس في زمان معين ومكان معين، لا تلزم غيرهم؛ فلا علاقة لها بالتشريع. وإنما التشريع متعلق بتصرفاتهe بغير الإمامة. قال الإمام شهاب الدين القرافي (ت:684هـ)، في كتابه القيم (الإحكام في تمييز الفتاوى من الأحكام):

(وأما تصرفهe بالإمامة؛ فهو وصف زائد على النبوة، والرسالة، والفتيا، والقضاء؛ لأن الإمام: هو الذي فوضت إليه السياسة العامة في الخلائق، وضبط معاقد المصالح، ودرء المفاسد، وقمع الجناة، وقتل الطغاة، وتوطين العباد في البلاد، إلى غير ذلك مما هو من هذا الجنس.

وهذا ليس داخلا في مفهوم الفتيا، ولا الحكم، ولا الرسالة، ولا النبوة؛ لتحقق الفتيا بمجرد الإخبار عن حكم الله تعالى بمقتضى الأدلة، وتحقق الحكم [يعني: القضائي] بالتصدي لفصل الخصومات دون السياسة العامة. لا سيما الحاكم [أي: القاضي] الذي لا قدرة له على التنفيذ، كالحاكم الضعيف القدرة على الملوك الجبابرة، بل ينشئ في نفسه الإلزام على ذلك الملك العظيم، ولا يخطر له السعي في تنفيذه، لتعذر ذلك عليه.

بل الحاكم من حيث هو حاكم: ليس له إلا الإنشاء. وأما قوة التنفيذ فأمر زائد على كونه حاكما. فقد يفوض إليه التنفيذ، وقد لا يندرج في ولايته. فصارت السلطنة العامة التي هي حقيقة الإمامة مباينة للحكم من حيث هو حكم.

أما إمام لم تفوض إليه السياسة العامة فغير معقول، إلا على سبيل إطلاق الإمامة عليه مجازا. والكلام إنما هو في الحقائق.)(40)

ومن هنا يتبين لك أن أحكام القانون الدستوري غائبة من النصوص القرآنية والحديثية، إلا قليلا! ومن زعم غير ذلك فلياتنا بسلطان مبين!

حتى إن العلماء لما أرادوا الاستدلال على وجوب تنصيب الإمام ـ وهو أعلى حكم تشريعي في القانون الدستوري ـ لم يجدوا ولا نصا واحدا يمكن أن يعتمد (نصا) باصطلاحهم! فاعتمدوا دليل الإجماع! قال الإمام الماوردي: (وعقدها لمن يقوم بها في الأمة واجب بالإجماع)(41)، وقال الإمام الجويني بعد ذلك مفصلا، ومبينا: (والقواطع ثلاثة: نص في كتاب الله تعالى لا يتطرق إليه التأويل، وخبر متواتر عن الرسول (صلى الله عليم وسلم) لا يعارض إمكان الزلل روايته ونقله، ولا تقابل الاحتمالات متنه وأصله، وإجماع منعقد.

(...) ولا مطمع في وجدان نص من كتاب الله تعالى في تفاصيل الإمامة! والخبر المتواتر [يعني من السنة] معوز أيضا! فآل مآل الطلب في تصحيح المذهب إلى الإجماع!)(42) وقوله: (في تصحيح المذهب) يعني في (الإمامة).

ولا يكاد يخلو كتاب من كتب السياسية الشرعية من قياس ضعيف، يستعملونه للدلالة على وجوب تنصيب الإمام وهو البناء على علة الاجتماع في حديث السفر، حيث يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم)(43).

إن فراغ النص الشرعي من هذا الحكم بالذات هو ما يسميه الأصوليون بـ(المسكوت عنه). والمسكوت عنه مصطلح دال على أن (السكوت) هنا مقصود شرعا لحكم تشريعي. فعدم التشريع في هذا السياق تشريع! وذلك كما يلي:

ـ أولا: لابد من التقرير ابتداء أن أقوى أدلة وجوب تنصيب الخليفة أو الإمام هو الإجماع! بغض النظر عن اختلافهم في تعيين هذا أو ذاك، فالعبرة في الإجماع هنا: التواطؤ على وجوب التنصيب. والإجماع يفيد القطع كما هو معلوم في الأصول، وكما بين ذلك الجويني في كلامه المستدل به قبل.

ـ ثانيا: إن سكوت الشارع عن ذلك (نصا) إنما هو تشريع ـ كما أسلفنا ـ يستفاد منه حكمان شرعيان: أحدهما إحالة هذا الأمر كله على الاجتهاد، نظرا لارتباطه بالعادات والاجتماع البشري العمراني أساسا. ولذلك كان موكولا إلى المسلمين أن يطوروا نظام الحكم على حسب متطلبات الزمان وأهله! ويكيفوه حسب مقتضيات العصر. على أساس (كلي) واحد: هو حفظ مقاصد الشريعة الضرورية والحاجية والتحسينية. وذلك أساس الخلافة الإسلامية في أعلى مستوياتها. وتتفاوت مراتبها في (الإسلامية) على حسب درجة الخدمة أو عدمها. والثاني: قاعدة أصولية جليلة القدر ـ سبق إيرادها ـ نص عليها أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله، وهي قوله: (ما كان شاهد الطبع خادما له ومعينا على مقتضاه بحيث يكون الطبع الإنساني باعثا على مقتضى الطلب (...) فقد يكتفي الشارع في طلبه بمقتضى الجبلة الطبيعية، والعادات الجارية؛ فلا يتأكد الطلب تأكد غيره (...) ألا ترى أنه لم يوضع في هذه الأشياء على المخالفة حدود معلومة؟)(44). وطلب الرياسة أمر مجبول عليه الإنسان بدليل الاستقراء التاريخي والمشاهدة. ومن هنا أحيل تنصيب الخليفة على الاجتهاد.

ـ ثالثا: في أن من أهم معاني (السكوت الشرعي) عن الأمر: عدم اعتباره من الأصول الدينية العقدية، ولا التعبدية. وهذا معتقد جمهور أهل السنة والجماعة وغيرهم من الفرق. وإنما شذ عن هذا الشيعة وحدهم! يقول الشيخ مهدي شمس الدين: (فأهل السنة والخوارج والمرجئة والجمهور الأعظم من المعتزلة والزيدية من الشيعة اعتبروا الإمامة فرعا من فروع الدين)(45)، ونقل بعد ذلك كلاما لأحد أئمتهم جاء فيه: (نعتقد أن الإمامة أصل من أصول الدين، لا يتم الإيمان إلا بالاعتقاد بها)(!)(46) قلت: وهذا غلو في الدين، وشذوذ عن مقتضيات النصوص والإجماع! فلو صح لكفر كل مسلمي العالم عدا هذه الفرقة من الشيعة! ولذلك فقد اشتد إمام الحرمين الجويني في الرد على الشيعة بعبارات قاسية لن نوردها. وإنما نورد قوله الحكم في المسألة وهو المولع بالقطعيات في أصول الفقه وأصول الدين: قال رحمه الله: (وليست الإمامة من قواعد العقائد!)(47)

إن (سكوت الشرع) عن الأمر يفيد أحد أمرين: إما تركه على مقتضى الإباحة، والبراءة الأصلية. وإما إحالته على الاجتهاد الشرعي. وهذا منه؛ لأنه ثبت بالإجماع، وبميل الطبع الاجتماعي؛ أن الشأن السياسي لا يمكن أن يغيب عن المجتمع البشري المنظم. وهو ضرورة من ضرورات الاجتماع البشري والعمراني، على حد تعبير ابن خلدون.

ثم إنه لا يسمى السكوت الشرعي (سكوتا) إلا بشروط علمية. أهمها: وجود (المقتضي للكلام). وهذا معلوم في (أصول الفقه). والمقصود (بالمقتضي): وجود الدواعي للتشريع نصا، ثم لا ينص عليه! والدواعي في مسألتنا أكثر من أن تحصى، فقد جاء الإسلام بين دولتين عظيمتين: الامبراطورية الفارسية والامبراطورية البيزنطية. ونشأت الحضارة العربية على أنقاض ممالك اليمن، بل لقد هاجر النبيe إلى المدينة وقبيلتا الأوس والخزرج على وشك تنصيب (عبد الله بن أبي) ملكا عليهم! وأمر قبل ذلك بالهجرة إلى الحبشة وهي دولة ملكية. وقالe  في الحديث الصحيح: (إن بالحبشة ملكا لا يظلم عنده أحد!)(48). ثم إنه بمجرد وفاة النبيe؛ حدث ما حدث بين الصحابة من الخلاف، في المسألة السياسية، في سقيفة بني ساعدة! فكل هذا ونحوه قاطع في وجود المقتضي للتشريع النصي الصريح، ولكن مع ذلك لا نص يمكن القطع بدلالته على ما نحن فيه، ولو كان لارتفع الخلاف منذ اللحظة الأولى عند نزول أول نازلة من هذا القبيل على المسلمين. بل قد استشرى الخلاف حتى صار إلى ما عرف في التاريخ بالفتن السياسية!

فهل كان الشارع غفلا عن هذه المسألة؟ طبعا كلا! فهذا وحي من الله ذي الجلال والكمال على نبي معصوم! ودواعي ذلك كانت حاضرة في العالم آنئذ بقوة إلا أن الشارع (سكت) عن المسألة! والسكوت بهذا الاعتبار تشريع: مفاده أن قصد الشارع ألا يكون فيها تشريع منصوص. وأن تحال على الاجتهاد البشري المحض. ولذلك لا تكون بالنسبة لجوهر الدين من حيث هو (دين) إلا وسيلة، لا ركنا ولا غاية. ووجوبها إنما هو من الوجوب الوسلي. أي كما يقول العلماء في قاعدتهم: من باب (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب).

ـ رابعا: وعليه؛ فإن العبادات المحضة هي أصول الإسلام وأركانه الإيمانية والعملية، مما نُص عليه في الكتاب والسنة. كما في حديث جبريل المشهور الذي رواه عمر بن الخطاب. وهو أصل جامع من أصول الإسلام بل فيه كل ما هو مسمى (دين) في الإسلام، إلا الشأن السياسي! وما فيه من كليات الإسلام، والإيمان، والإحسان، وما تعلق بها؛ هي معان متواترة في الدين مقطوع بصحتها! فقد تواطأت النصوص القرآنية والأخبار النبوية، على أنها أصول الدين الكلية، اعتقادا وعملا؛ ولذلك كان هذا الحديث ـ كما قلت ـ جامعا لكل الدين! ونصه هو:

عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (بينما نحن جلوس عند رسول اللهe ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبيe، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال يا محمد أخبرني عن الإسلام!

فقال رسول اللهe: (الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا) قال: صدقت. فعجبنا له يسأله ويصدقه، قال: فأخبرني عن الإيمان!

قال: (أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره). قال صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان!

قال: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) قال: فأخبرني عن الساعة!

قال: (ما المسؤول عنها بأعلم من السائل)، قال: فأخبرني عن أماراتها!

قال:(أن تلد الأمةُ ربتها وأن ترى الحفاة العراة، العالة، رعاء الشاء، يتطاولون في البنيان!) ثم انطلق فلبثت مليا. ثم قال: (يا عمر أتدري من السائل؟) قلت: الله ورسوله أعلم. قال: (فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)(49).

فالعبارة الأخيرة دالة بعمومها على أن ما ذكر في الحديث؛ هو كل الدين! لدلالة النكرة المضافة إلى الضمير (دينكم) على الاستغراق والشمول. والمتأمل في نص الحديث يجد أن مآل الدين فيه إنما هو العمل، وأن أهم الأعمال فيه إنما هي (الصلاة) كما سيأتي بعد، مفصلا بأدلته في الفصل الرابع، إن شاء الله(50).

ومن هنا كانت إمامة الصلاة عند الله أرفع من الملك في خصوصه! ولذلك قال عبد الرحمن بن خلدون في سياق عرض (خطط) الخلافة بمقدمته، أي وظائفها ومهامها المندرجة تحتها: (فأما إمامة الصلاة فهي أرفع هذه الخطط كلها، وأرفع من الملك بخصوصه المندرج معها تحت الخلافة. ولقد يشهد لذلك استدلال الصحابة في شأن أبي بكر رضي الله عنه باستخلافه في الصلاة على استخلافه في السياسة، في قولهم: ارتضاه رسول اللهe لديننا أفلا نرضاه لدنيانا؟ فلولا أن الصلاة أرفع من السياسة لما صح القياس!)(51) ونقل هذا عنه ـ بصورة حرفية ـ سيد صديق حسن خان القنوجي المتوفى سنة: (1307هـ) في كتابه (إكليل الكرامة في بيان مقاصد الإمامة)(52).

ولذلك كانت الصلاة هي صمام الأمان، وميزان التدين في الإسلام. والنصوص في هذا متواترة المعنى. ولم يثبت شيء من ذلك للسياسة ووظائفها، بهذا العموم، وبهذه القوة! قال عليه الصلاة والسلام: (أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة! فإن صلحت صلح له سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله!)(53)، فكأنه عليه الصلاة والسلام اختزل الدين كله في الصلاة! حتى إنه كان من آخر وصاياهe: (الصلاةَ وما ملكت أيمانكم! الصلاةَ وما ملكت أيمانكم!)(54). ولم يوص بشيء من أمور السياسة إلا السمع والطاعة كما رأيت قبل! وكتب عمر بن الخطاب إلى عماله يقول: (إن أهم أمركم عندي الصلاة! من حفظها أو حافظ عليها؛ حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع!)(55). فهؤلاء عمال الأقاليم، وهياكل الدولة، كانت الصلاة أهم (أمرهم)!

وأما أحاديث البيعة من مثل قولهe: (من خلع يدا من طاعة، لقي الله يوم القيامة لا حجة له! ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية!)(56) فهذه (بيعة الإسلام)، لا بيعة السلطان! وذلك قول الله عز وجل: (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله. يد الله فوق أيديهم. فمن نكث فإنما ينكث على نفسه. ومن أوفى بما عاهد الله عليه فسنوتيه أجرا عظيما)(سورة الفتح:10)

وأغلب أهل الحديث ترجموا لذلك في مصنفاتهم بلفظ: (باب بيعة الإسلام)، وقد ذكر البخاري في ترجمة (شعيث بن عاصم بن حصين بن مشمت) (أن أباه حصينا حدثه أنه وفد إلى النبيe، وبايعه بيعة الإسلام)(57). وقد ورد المصطلح المذكور في سنن البيهقي ومعجم الطبراني، وقال النسائي في سننه: (باب البيعة على الإسلام)(58).

وأما بخصوص قوله تعالى: (إن الذين يبايعونك... الآية) فقد ذكرها البخاري في صحيحه تتمة لترجمة (باب من نكث بيعة) وأخرج في ذلك حديث جابر رضي الله عنه قال: (جاء أعرابي إلى النبيe فقال: بايعني على الإسلام! فبايعه على الإسلام، ثم جاء الغد محموما، فقال: أقلني! فأبى، فلما ولى قال: المدينة كالكير تنفي خبثها، وتنصع طيبها)(59) وإنما كانوا يبايعون على الصلاة والصيام وعدم الشرك وترك الزنى، وأشياء كثيرة من أصول الشريعة وفروعها. كما كانت (بيعة النساء) قريبا من ذلك، فقد ترجم البخاري في صحيحه: (باب بيعة النساء) وقال مسلم: (باب كيفية بيعة النساء) وأخرج كلاهما في ذلك عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كانت المؤمنات إذا هاجرن إلى رسول الله يمتحن بقول الله عز وجل: (يا أيها النبيء إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على ألا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين) الآية... [حتى قالت:] وكان رسول اللهe إذا أقررن بذلك من قولهن؛ قال لهن: انطلقن فقد بايعتكن!)(60). ذلك ما كان يسمى في عهد الصحابة والتابعين: بـ(بيعة النساء) في خصوص النساء، و(بيعة الإسلام) في عموم الرجال والنساء. وقد تواتر عن النبيe أن (الإسلام) هو: شهادة ألا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا.

وهذه الأمور التي هي (أركان الإسلام) ليست مرتبطة بإقامة الخليفة ولا حتى إنشاء الدولة؛ ارتباط السبب بمسببه والعلة بمعلولها. ولذلك ربط الجويني رحمه الله حكم وجوب تنصيب الخليفة (بالإمكان). قال: (فنصب الإمام عند الإمكان واجب)(61).

هذا هو الإسلام المتواتر عن الرسول وصحابته الكرام. وذلك أساس بيعة الطاعة الدينية لله ولرسوله عليه الصلاة والسلام.

نعم؛ لا خلاف في أن قيام الدولة الإسلامية مطلب شرعي ضروري؛ لتحقيق مناطات الأحكام الشرعية المتعلقة بالمؤسسات كالقضاء، والجهاد، والحسبة، وحماية التدين العام في المجتمع، ولا خلاف في أن الذي يقول بفصل الدين عن الدولة جاهل بالدين، وجاهل بالدولة معا!

فأما جهله بالدين؛ فلأنه قد علم من الدين بالضرورة، أن أحكامه العامة؛ لا تقوم ـ على المستوى الاجتماعي ـ إلا بالدولة، كالتشريع الجنائي، والقضائي، والاجتماعي، والاقتصادي، والعسكري، وسائر أشكال المعاملات المالية. وأما جهله بالدولة؛ فلأنه علم ضرورة أيضا؛ أنه لا دولة قامت في الواقع إلا وهي مستندة إلى خلفية إيديولوجية معينة، تقوم مقام الدين! فالاشتراكية، والعلمانية، والليبيرالية... إلخ. كل ذلك عندما تلتزمه الدولة، كقيم عليا تحافظ عليها، وتقدسها؛ يكون بمعنى الدين بالنسبة إليها؛ فلا دولة إذن إلا ولها دين. بل إن المسوغ الأول لقيام الدولة إنما هو ما تتضمنه من مذهبية تصورية للعقد الاجتماعي. وبمجرد أن يعلن في الدستور أن دين (الدولة) الإسلام؛ فقد التزمت هذه المؤسسة - شكليا - بكل ما يقتضيه هذا الدين. فإما أن ترجع إذن إلى ما دبجته في دستورها؛ فتكون دولة إسلامية بالفعل، كما هي بالقوة. وإما أن ترجع إلى غيره؛ فتكون بذلك مناقضة لنفسها!

ومن هنا كان من يقول بالفصل بينهما جاهلا بهما معا!

إلا أن ذلك لا ينبغي أن يقودنا إلى الغلو ـ في رد الفعل ـ لنجعل الدولة هي كل الدين! والسياسة هي غاية رب العالمين من إرسال المرسلين! وإنما الحق أن الدولة (آلة) من آلات الدين، إن لم يكن بها دعوةً كان بغيرها؛ حتى إذا استوى هو في الناس إسلاما وإيمانا؛ كانت هي به، وجاءت على شرطه. أي جاءت نتيجة طبيعية تلقاء قيامه.

وإنما الدين قضية وجودية كبرى، تتعلق بكينونة الإنسان في الوجود، ومذهبية شاملة في الخلق والمنشأ، والمحيا والممات، ثم المآل والمصير. ومن هنا كان من الخطأ في المنهج الإسلامي الدعوي أن تختزل الدعوة الإسلامية - كل الدعوة الإسلامية - في (برنامج سياسي)!

أصول الفقه السياسي ضابط لتصريف الفقه الدعوي:

إلا أنه لابد – بعد هذا وذاك- من تحقيق أمر هام في الشأن الدعوي وعلاقته بالسياسي، وهو: أن تمام العمل الدعوي ونجاحه رهين بضبط ما يمكن تسميته بـ(أصول الفقه السياسي)، ومتوقف على حسن توظيف كلياته وقواعده، في تنزيل أحكام الدعوة الإسلامية المعاصرة، في النفس وفي المجتمع. سواء كان ذلك على المستوى المحلي، أو الإقليمي، أو الدولي.

وصحيح أنك لا تجد هذا المعنى مدونا - بهذا اللفظ: (أصول الفقه السياسي) - في كتب التراث؛ ولكن كتب (علم أصول الفقه) عموما كفيلة بمدك بمادة هذه الصناعة في كلياتها، من مثل قواعد تحقيق المناط، وقواعد اعتبار المآلات، والضوابط المنهجية للفتوى؛ مما يضبط تغير المكان والزمان والإنسان. ثم ما تجب مراعاته من ذلك في ترتيب الخطوات والمراحل الدعوية؛ وما لا تجب مراعاته. ولأبي إسحاق الشاطبي كلمة رفيعة جدا في مثل هذا  السياق. يقول رحمه الله: (قد فرض العلماء مسائل، مما لا يجوز الفتيا بها، وإن كانت صحيحة في نظر الفقه! (...) وضابطه أنك تعرض مسألتك على الشريعة، فإن صحت في ميزانها؛ فانظر في مآلها بالنسبة إلى حال الزمان وأهله! فإن لم يؤد ذكرها إلى مفسدة؛ فاعرضها في ذهنك على العقول، فإن قبلتها فلك أن تتكلم فيها، إما على العموم إن كانت مما تقبلها العقول على العموم، وإما على الخصوص إن كانت غير لائقة بالعموم. وإن لم يكن لمسألتك هذا المساغ؛ فالسكوت عنها هو الجاري على وفق المصلحة الشرعية والعقلية!)(62)

ومن ههنا فنحن نفرق بين (البرنامج السياسي) و(أصول الفقه السياسي). فالأول فقه جزئي تطبيقي، والثاني كليات وقواعد. بمعنى أن (البرنامج السياسي) ما هو إلا عنصر جزئي من عناصر (أصول الفقه السياسي)، كنسبة فقه المواريث مثلا إلى مجموع الفقه، بل إلى كلي أصوله. ولذلك رأينا أن (البرنامج السياسي) – بما هو علم جزئي- ليس هو المفتاح الأساس لبعثة التجديد الإسلامي. وهو ما اصطلح عليه اليوم بـ(المشاركة السياسية) في المجال الحزبي؛ سواء كانت (مساندة) أو (معارضة). بل هو أمر مقصود بالتبع، وليس بالأصالة في تجديد العمران الديني للمجتمع.

         أما الثاني - أعني فقه الكليات السياسية، أو أصول الفقه السياسي - فهو منهج معرفة سنن التحولات، وسنن التوقعات والمآلات، فيما يتعلق بتدبير شؤون المجتمعات، على المستوى المحلي والإقليمي والعالمي. وبهذا كان مصدرا من مصادر فقه الدعوة الإسلامية. ومن ظن أن العالم الإسلامي قطعة معزولة، أو بالأحرى يمكن عزلها عن السياسة الدولية؛ فهو ما يزال يعيش خارج التاريخ!

ـــــــ

هوامش المبحث الثاني من الفصل الثاني:

(1) عنوان كتاب الماوردي: (الأحكام السلطانية والولايات الدينية) مطبوع متداول. ن. مثلا: طبعة دار الكتاب العربي بيروت. ط. الثانية: 1415/1994.

(2) عنوان كتاب ابن تيمية: (السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية) وهو أيضا مطبوع متداول. ن. مثلا: طبعة  دار الآفاق الجديدة. المغرب. ط. الثانية: 1411هـ/1991م.

(3) عنوان كتاب ابن القيم: (الطرق الحكمية في السياسة الشرعية) وهو مطبوع متداول .ن. مثلا: طبعة دار إحياء العلم. بيروت.

(4) السياسة الشرعية لخلاف:17.

(5) السياسة الشرعية للقرضاوي:15

(6) غياث الأمم:15

(7) علم السياسة لمارسيل بريلو:12سلسلة: (زدني علما).

(8) علم السياسة للدكتور حسن صعب:21

(9) نفسه:58.

(10) الأحكام السلطانية: 29

(11) مدخل لدراسة القانون د.خالد عبد الله عيد: 59 ـ 70.

(12) ن. فهارس بداية المجتهد لابن رشد مثلا.

(13) السياسة الشرعية للقرضاوي:20.

(14) السياسة الشرعية للقرضاوي:19.

(15) مدخل لدراسة القانون:61.

(16) نفسه: مدخل لدراسة القانون:62.

(17) الملل والنحل:1/22. أما قوله في النص: (في كل زمان!) بهذا الإطلاق؛ فهذه منه مبالغة تعقبها شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية رحمه الله في كتابه "منهاج السنة النبوية" حيث قال: (وأما قوله: "الخلاف الرابع في الإمامة:  وأعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة؛ إذ ما سل   سيف   في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سل على الإمامة في كل زمان؛ فالجواب: أن هذا من أعظم الغلط! فإنه - ولله الحمد - لم يسل سيف على خلافة أبي بكر ولا عمر ولا عثمان، ولا كان بين المسلمين في زمنهم نزاع في الإمامة، فضلا عن السيف، ولا كان بينهم سيف مسلول على شيء من الدين) منهاج السنة النبوية لابن تيمية: 6/324. لكن قطعا كان النزاع حول الإمامة دمويا مع الأسف في أزمنة تالية.

(18) المقدمة:191.

(19) نظام الحكم:7.

(20) جامع البيان للطبري: م3/ج4/152ـ153.

(21) رواه أحمد، والبزار، والطبراني في الأوسط. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة رقم:5.

(22) مجموع الفتاوى: 35/26.

(23) حاشية ابن القيم على سنن أبي داود:11/244. والحديث رواه ابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة مرفوعا: 15/41، والهيثمي في موارد الظمآن:1/374، وروى مسلم نحوه عن أم سلمة مرفوعا.

(24) رواه أبو داود عن قبيصة بن وقاص. وصححه الألباني في (ص.ج.ص) رقم:8148.

(25) من حديث طويل جمعه الألباني بزيادات للبخاري ومسلم وأبي عوانة وغيرهم، كلها صحيحة. السلسلة الصحيحة:2739.

(26) رواه الطبراني في الأوسط، والبيهقي في الزهد الكبير. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة:457.

(27) رواه أحمد والترمذي. وحسنه الألباني في: (ص.ج.ص):2392.

(28) رواه مسلم .

(29) متفق عليه.

(30) متفق عليه.

(31) رواه مسلم.

(32) متفق عليه.

(33) رواه مسلم.

(34) رواه مسلم.

(35) فتح الباري13/71ـ72.

(36) شرح النووي:12/465ـ466.

(37) رواه أحمد وابن ماجه والبيهقي والطبراني في الكبير. قال الألباني: وإسناده جيد على شرط مسلم. السلسلة الصحيحة:2/138.

(38) رواه ابن أبي شيبة والطبراني عن ابن عباس. كما رواه مسلم عن أم سلمة.

(39) متفق عليه.

(40) الإحكام في تمييز الفتاوي من الأحكام:105.

(41) الأحكام السلطانية: 29.

(42) غياث الأمم: 34. وهذا ما ذهب إليه قبله الإمام الشافعي في الرسالة:419ـ420.

(43) رواه أبو داود وأبو عوانة في صحيحه، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة:1322.

(44) الموافقات:3/130ـ132.

(45) نظام الحكم: 100.

(46) نظام الحكم: 101.

(47) غياث الأمم: 34.

(48) سنن البيهقي: 9/9، والسيرة النبوية لابن هشام:2/164، وتاريخ الطبري: 1/557، وسير أعلام النبلاء: 1/208، وذكره ابن حجر في فتح الباري على سبيل الجزم به مرفوعا إلى النبيe: 7/188.

(49) رواه مسلم.

(50) ن. شرح الحديث مفصلا أيضا في كتابنا: الفجور السياسي:23.

(51) مقدمة ابن خلدون: 219.

(52) إكليل الكرامة: 38.

(53) رواه الطبراني في الأوسط، والضياء عن أنس وصححه الألباني (ص.ج.ص):2573. وقد أخرج نحوه بوجه صحيح أيضا كل من أحمد وأبي داود والنسائي والحاكم عن أبي هريرة مرفوعا، كما أخرجه عن تميم الداري كل من أحمد وأبي داود وابن ماجه والحاكم، وأخرج نحوه عن ابن مسعود أيضا الإمام النسائي. وكل ذلك مرفوعا إلى النبيe بوجه صحيح. (ص.ج.ص) أرقام: 2571، و2572، و2573، و2574.

(54) أخرجه عن أنس كل من أحمد والنسائي وابن ماجه وابن حبان. وأخرجه عن أم سلمة كل من أحمد وابن ماجه، كما أخرجه الطبراني عن ابن عمر. وصححه الألباني في (ص.ج.ص):3873.

(55) رواه مالك في الموطأ بسند صحيح، كما رواه البيهقي:1/445، وعبد الرزاق في مصنفه:1/536، والطحاوي في شرح معاني الآثار:1/193.

(56) رواه مسلم.

(57) تاريخ البخاري: 4/271)

(58) سنن النسائي:8/108.

(59) رواه البخاري.

(60) متفق عليه واللفظ لمسلم.

(61) غياث الأمم:15.

(62) الموافقات: 4/190-191.

ـــــــ نهاية الفصل الثاني.

الفصل الثالث: الاجتهاد السياسي الإسلامي والنفسية الصدامية لدى الحركة الإسلامية المعاصرة:

المبحث الأول: في الاجتهاد السياسي الإسلامي:

1ـ في الفقه السياسي الإسلامي القديم:

لم يتفق الفقهاء المسلمون على شيء في المسألة السياسية، عدا حكم (وجوب) تنصيب الخليفة، الثابت عندهم بالإجماع كما رأيت. واختلفوا فيما دون ذلك اختلافا شديدا! لما للموضوع من طبيعة اجتهادية، لا نص فيها من ناحية؛ ولما للمسألة (السياسية) من حساسية عصبية من ناحية أخرى.

كيف تتم بيعة الإمام؟ ـ بعد إجماعهم على حكم الوجوب ـ هل يكفي الواحد والثلاثة أم لابد من إجماع؟

ثم كيف يتم التعيين والاختيار؟ بالشورى أم بالعهد؟

والشورى هل هي شورى الأمة بأكملها؛ أم شورى أهل الحل والعقد فقط؟

ثم الشورى بعد ذلك ـ سواء بهذا الشكل أو ذاك ـ هل يكفي فيها التغليب (غلبة الأصوات)؛ أم لابد من إجماع فيها أيضا؟

وإذا تعين السلطان وتمت له البيعة؛ هل يكون حكمه فرديا أم لابد من شورى حكومية وشعبية؟

وإذا كانت هناك شورى من هذا النوع؛ أتكون ملزمة أم معلمة؟

والعهد هل يكون ملزما للناس أم أنه متوقف على رضاهم؟ يعني هل العهد (صوت) من الأصوات ورأي من الآراء تجوز مخالفته ونقضه؛ أم أنه قرار لا يناقش، وأمر مطاع لا رجعة فيه؟

ثم ما أشكال التنزيل السياسي المناسبة لهذا الزمان وأهله؟ أو بعبارة القدماء: ما صور (تحقيق المناط) للشأن السياسي عامة، ومسألة الشورى منه خاصة؟ ...إلخ.إلخ.

أسئلة كثيرة في المسألة السياسية لا تكاد تنتهي!

معلوم قطعا أن الفقهاء ـ قدماءهم ومحدثيهم ـ إنما أجابوا عن بعضها بالاجتهاد المحض! إذ ما عدا الأمر القرآني بالشورى ـ وقد رأيت ما فيه من مقال ـ ثم إجماع الصحابة على تنصيب الإمام؛ لا تجد شيئا من النصوص والإجماعات تعول عليه في المسألة السياسية! فإنما هو الرأي والرأي الآخر، كما يعبرون اليوم!

ومحاكمة الناس إلى رأي معين (تحكم)! وقد علمت أن (الاجتهاد لا ينقض باجتهاد)(1) كما تقرر في الأصول؛ لظنية الأمرين كليهما.

ولبيان الطبيعة الاجتهادية الموغلة في (الاستدلال بالرأي) بقواعد المصالح المرسلة، والاستحسان ـ بمفهومه المالكي خاصة ـ والعرف؛ فإننا نورد أبرز القضايا السياسية التي هي مدار الفكر السياسي لدى الفقهاء قديما وحديثا، مبينين ـ بحول الله ـ علل الاختلاف بين الفقهاء؛ حتى ترى بعينك أن الأمر السياسي في الإسلام لا يخرج عن نطاق الفكر الاجتهادي المحض، وأنه أبعد ما يكون عن موارد النصوص: ظواهرها وقواطعها. وذلك عبر المسائل التالية:

ـ أولا: فقد اختلفوا في أصل مسلك بيعة الخليفة أو السلطان: فذهب قوم إلى أنه بالنص! وهم الشيعة في شأن علي بن أبي طالب، وبعض أهل السنة في شأن أبي بكر الصديق! وذهب قوم إلى أنه بالشورى بين أهل الحل والعقد، وذهب آخرون إلى أنه بعهد الإمام على سبيل الوصية والتعيين!

وسبب الخلاف بينهم هو في الحقيقة راجع إلى انعدام النص الشرعي، كحكم مرجوع إليه على كل حال! وما أدق قراءة الأستاذ عبد الوهاب خلاف رحمه الله لهذا الإشكال التاريخي؛ إذ بين أن الأمر إنما هو اجتهاد في اجتهاد! قال رحمه الله: (اجتهد أبو بكر فاستخلف على المسلمين عمر. واجتهد عمر ولم يستخلف واحدا، وترك الأمر شورى بين ستة. فاجتهاد أحدهما غير اجتهاد صاحبه. واجتهادهما معا غير ما فعل الرسولe؛ لأنه لم يستخلف واحدا كما فعل أبو بكر، ولم يترك الشورى لستة كما فعل عمر. وما رمي واحد منهما بأنه خالف شرع الله؛ لأنه توخى المصلحة، واجتهد ما استطاع)(2)

ولنعد إلى التاريخ! فاعتمادا على هذا الواقع التاريخي سطر القدماء مسالك التولية ـ حسب الخلاف ـ في ثلاث طرق: العهد والشورى والنص.

فأما جمهور أهل السنة فقد جعلوها في مسلكين اثنين: العهد وشورى أهل الحل والعقد. قال الماوردي(ت:450هـ): (والإمامة تنعقد من وجهين: أحدهما باختيار أهل العقد والحل. والثاني: بعهد الإمام من قبل)(3).

وأما مسألة النص؛ فإن إمام الحرمين الجويني الإمام السني الشافعي(ت:476هـ)، قد رد على الشيعة ردا عنيفا في شأن مسألة الوصية بالنص الشرعي على علي بن أبي طالب. بل أنكر مسألة (النص) مطلقا لا لصالح الشيعة ولا لصالح السنة؛ مستعملا كافة الأدلة الشرعية والحجاج العقلي. قال رحمه الله: (كيف اختصصتم وأنتم الأذلون الأقلون بهذا الخبر دون مخالفيكم؟ وكيف انحصر هذا النبأ فيكم مع استواء الكافة في بذل كنه المجهود في الطلب والتشمير؟ (...) ولو ساغ اختصاص قيام أقوام بدرك خبر شائع مستفيض ذائع؛ لجاز أن يختص بالعلم بأن في الأقاليم بلدة تسمى: (بغداد) طوائفُ مخصوصون مع تماثل الكافة في البحث عن المسالك والأقاليم والممالك!

وبم تنكرون على من يزعم أنه عليه السلام نص على أبي بكر نصا منتشرا في الأقطار، مطبقا للخطط والديار؟ ولسنا نذكر ذلك للاختيار والإيثار، ولكن المذاهب الفاسدة والمطالب الحائدة إذا تعارضت تناقضت وترافضت! وبقي الحق المبين، والمنهج المتين أبلج لائحا لأهل الاسترشاد، وطاحت مسالك العناد)(4)

ورغم ذلك لم يمنعه إنكار مسلك النص من النبيe؛ أن يقول قاطعا بشرعية العهد! ما دام ذلك قد حصل الإجماع عليه من لدن الصحابة في شأن عهد أبي بكر إلى عمر رضي الله عنهما. قال: (وأصل تولية العهد ثابت قطعا مستند إلى إجماع حملة الشريعة. فإن أبا بكر خليفة رسول اللهe، لما عهد إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما وولاه الإمامة بعده؛ لم يُبْدِ أحد من صحب رسول اللهe نكيرا. ثم اعتقد كافة علماء الدين تولية العهد مسلكا في إثبات الإمامة في حق المعهود إليه المولى!)(5).

ويثور الخلاف عند القول بشورى أهل الحل والعقد: متى تصبح البيعة شرعية؟ هل ببيعة الواحد والاثنين؟ أم لابد من إجماعهم وإجماع غيرهم؟ أم تكفي غلبة المبايعين عددا؟

ويجيب الجويني مرة أخرى مبينا ـ أولا ـ أن: (الإجماع ليس شرطا في عقد الإمامة بالإجماع!)(6). بمعنى أن الأمة أجمعت على أن البيعة تتم للإمام من غير اشتراط للإجماع عليه؛ وذلك لاستحالته في هذا الأمر خاصة! بل قد اختلفوا من جواز بيعة الواحد إلى الاثنين فالأربعة فالأربعين(7). ثم قال: (فالوجه عندي في ذلك أن يعتبر في البيعة حصول مبلغ من الأتباع والأنصار والأشياع، تحصل بهم شوكة ظاهرة، ومنعة قاهرة، بحيث لو فرض ثوران خلاف لما غلب على الظن أن يصطلم أتباع الإمام! فإذا تأكدت البيعة وتأطدت بالشوكة والعَدد والعُدد (...) فإذ ذاك تثبت الإمامة)(8). وهذا هو منطق (الأغلبية) بالمعنى (الديموقراطي) الحديث تقريبا.

وهكذا صار الفقه السياسي الإسلامي يقوم على تأصيل الأحكام بناء على عمومات الكتاب والسنة، ومجملاتهما، وبناء على النوازل السياسية التي كان للخلفاء الراشدين فيها اجتهاد. حتى إن ولاية العهد تطورت من إطلاقها الذي تركها عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى ولاية (أسرية) مع بني أمية فبني العباس! ولم يثر ضد ذلك أحد من العلماء، ولا أثر عن أحد من أئمة المذاهب إنكاره! بل كان هناك شبه (إجماع سكوتي) ـ على حد تعبير الأصوليين ـ على جواز ذلك، بل كان تصريح وتبشير بفقه جديد، بدأ يظهر في الأمة؛ مراعاة (لما جرت عليه العادة). والعادة محكمة، كما تقول القاعدة. فصار هذا الفقه السياسي الجديد يترجم له بتراجم منها: قولهم بـقاعدة: (جواز إمامة المفضول مع وجود الفاضل)، التي قال بها جمهور علماء السنة وطائفة الزيدية من الشيعة(9).

واشتهر ذلك من مذهب من لا يتهم بممالاة ولا مداهنة لسلطان، من علماء استفاض ورعهم، واشتهرت عدالتهم وإمامتهم في الدين، كالحسن البصري وربيعة الرأي والإمام الزهري، ثم فقهاء الأمصار الكبار كأبي حنيفة النعمان ومالك بن أنس والشافعي وأحمد بن حنبل، والليث بن سعد، والأوزاعي. كلهم عاشوا مع ملوك عصورهم من بني أمية وبني العباس، ناصحين ومؤازرين، ولم يؤثر عن أحد منهم قول يفيد إبطال العهد الأسري، أو الإفتاء بجواز الخروج عن طاعتهم ونقض بيعتهم. وما خاطب أحد منهم سلطان زمانه إلا بلقب (أمير المؤمنين)!

وإنما كان ذلك منهم اجتهادا ومراعاة لفقه الأولويات من جلب المصالح ودرء الفتن!

بل صار الفقه إلى أن (الملك) جزء من معنى (الخلافة) وإن لم يجمع كل خصائصها، كما هو الحال في (الخلافة الراشدة) التي هي مثال الخلافة الإسلامية، ولو صلح أمر الملك العهدي لصار كذلك. أي لارتقى إلى درجة الخلافة الراشدة. وإلا كان (خليفة) وكفى! ومن هنا إجماعهم على (إمامة) عمر بن عبد العزيز (الملك الأموي)، وإلحاقهم إياه بالخلفاء الراشدين في المفهوم!

ولقد وجدنا نصا عزيزا تشد إليه الرحال، للإمام أبي الحسن محمد بن يوسف العامري المتوفى سنة:(381هـ) قال فيه: (فمن الواجب أن نعلم يقينا أن صناعة الملك والسياسة؛ مهما استعملت استعمالا حسنا؛ فإن المعتنق لها والمستقل بأعبائها؛ يصير لا محالة مجتلبا لشرف الإمامة، ويصير خليفة الله ـ تعالى جده ـ في استصلاح الخليقة. ومهما استعملت استعمالا رديئا فإن صاحبها والمفتخر بحيازتها، يبتلى من الضرورة بصفة المتغلبين، ويعد بقاؤه فضيحة لزمانه!)(10).

وفرق القاضي أبو بكر بن العربي المعافري(ت:543هـ)، في كتاب العواصم، بنوع من الاجتهاد الحذر؛ تفريقا لطيفا بين الخلافة والملك، من غير ذم لأحدهما. قال في سياق خلافة معاوية رضي الله عنه، منتقدا من ذم الملك لذاته وصنيع معاوية فيه: (ويحتمل أن تكون مراتبُ في الولاية: خلافة، ثم ملك، فتكون ولاية الخلافة للأربعة، وتكون ولاية الملك لابتداء معاوية. وقد قال الله في داود ـ وهو خير من كلّ معاوية ـ (وآتاه الله الملك والحكمة)(البقرة:251) فجعل النبوة ملكا، فلا تلتفتوا إلى أحاديث ضعف سندها ومتنها!)(11)

ولذلك قال الإمام القرافي، فقيه المالكية في عصره (ت:684هـ)؛ متحدثا عن (ولاية العهد): (ويعقدها الإمام لمن يريد، فيكون إماما للمسلمين بعده، كما فعل الصديق رضي الله عنه مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه)(12).

ومن هنا قال ابن تيمية كما ذكرنا قبل ـ وهو العالم (الثائر) بلغة اليوم، الذي قضى سجينا ـ مقررا: (أن شوب الخلافة بالملك جائز في شريعتنا، وأن ذلك لا ينافي العدالة، وإن كانت الخلافة المحضة أفضل)(13).

وهذا الفقه هو الذي أرخ له العلامة ابن خلدون بقوله: (لما تبين أن حقيقة الخلافة نيابة عن صاحب االشرع في حفظ الدين وسياسة الدنيا (...) فقد صار الملك يندرج تحت الخلافة إذا كان إسلاميا، ويكون من توابعها)(14). وقوله أيضا: (واعلم أن الشرع لم يذم الملك لذاته، ولا حظر القيام به، وإنما ذم المفاسد الناشئة عنه، من القهر والظلم والتمتع باللذات!)(15).

وما أحسب أن هذا الفقه كان ينشأ في الأمة، ويحصل عليه شبه هذا الإجماع؛ لو أن النصوص كانت واضحة أو ظاهرة في منعه. بل هي قد تفيده وتقتضيه! كما بينا قبل في أحاديث الخلافة والملك!

ونؤكد من جديد أننا لسنا هنا لإضفاء الشرعية الدينية على وضع سياسي معين، فنحن في غنى عن ذلك والحمد لله. وإنما نحن نختبر الفقه السياسي الإسلامي بين النصية والاجتهاد؛ حتى نتبين مدى (علمية) من علق التدين وصلاحه بموقف معين في المسألة السياسية! كأنها أولى الأوليات ورأس الجهاديات!

ومن هنا صار فقه الأحكام السلطانية أكثر (عرفية)، كلما تقدم الزمان بالتجربة السياسية للمسلمين. ففي كتاب الإمام القرافي(ت:684 هـ) المسمى: (الإحكام في تمييز االفتاوى من الأحكام) نجد نموذجا لتصور اجتهادي فقهي، لنظام الحكم وهيكلته، العامة مستفادة من التجربة التاريخية، أكثر مما هي مستفادة من النصوص الشرعية. إلا أن الإمام القرافي ـ وهو الأصولي الفقيه ـ يقدم لنا ذلك في كتاب جامع بين الفقه والأصول؛ مما يعني أن المسألة السياسية في الإسلام قد وكلت فعلا إلى الاجتهاد المحض. قال رحمه الله:

(الولاية لها طرفان وواسطة: فأعلاها الخلافة التي هي الإمامة الكبرى، وأدناها التحكيم الذي يكون من جهة المتنازعين، وبين هذين الطرفين وسائط كثيرة. فأسرد من ذلك خمس عشرة رتبة)(16).

ثم ذكر: الرتبة الأولى في الإمامة الكبرى. والثانية: (الوزارة للإمامة. قال ابن بشير من أصحابنا: يجوز التفويض في جميع الأمور للوزير، ويختص الإمام عنه بثلاثة أحكام:

1ـ لا يعقد ولاية العهد، ويعقدها الإمام لمن يريد، فيكون إماما للمسلمين بعده، كما فعل الصديق رضي الله عنه مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

2ـ ولا يستعفي من الولاية، وللإمام الاستعفاء من الإمامة.

3ـ ولا يعزل من قلده الإمام. ويسمى هذا الوزير وزير تفويض.

ثم الوزراء أقسام ثلاثة. أعلاها: وزير التفويض، ويليه: وزير التنفيذ، وأدناها وزير الاستشارة.)(17) فهذه التي يسميها (أحكاما) كقوله في النص السابق: (ويختص الإمام عنه بثلاثة أحكام) والتعبير بالجواز وعدمه...إلخ من أشكال الصياغة الفقهية للقضايا، قد يوهم أنما هو يستنبط من النصوص الشرعية، وإنما هو في الواقع يستنبط بمنهج (الاستصلاح) القائم على اعتبار المصالح الواقعية في ضوء مقاصد الشريعة العامة ليس إلا! فهذه أحكام مصدرها الغالب إنما هو (العرف السياسي) إن صح التعبير!

ويوغل التفكير الاجتهادي عنده في العرفية؛ عند ذكر الرتبة الثالثة وما بعدها. وخلاصة ذلك فيما يلي: فأما الثالثة فهي ولاية الإمارة على البلاد وبعض الأقاليم. والرابعة: وزير الأمير المولى على القطر. والخامسة: الإمارة الخاصة على تدبير الجيوش. السادسة: ولاية القضاء. السابعة: ولاية المظالم. الثامنة: نواب القضاة. التاسعة: ولاية الحسبة. العاشرة: الولايات الجزئية، المستفادة من القضاة وغيرهم، كمن تولى العقود والفسوخ في الأنكحة فقط. الحادية عشرة: الولاية المستفادة من آحاد الناس، وهي التحكيم. الثانية عشرة: ولاية جباة الصدقة يعني الزكاة. الثالثة عشرة: ولاية الخَرْص، أي حرز مقادير الثمار. الرابعة عشرة: ولاية التنفيذ، كصرف النفقات إلى مستحقيها. الخامسة عشرة: ولاية التقويم والترجمان والكاتب ونحو ذلك(18).

فإن ما ذكره القرافي ههنا في كتابه هذا، إنما هو (استصلاح) لواقعه السياسي، أو بعبارة اليوم: (أسلمة) له!

ولو تقدمنا في التاريخ الإسلامي قليلا، فيما بعد عصر القرافي(ق:7هـ) إلى القرن الثامن الهجري، الذي عاش فيه الإمام تاج الدين عبد الوهاب بن السبكي(771هـ)، مؤلف كتاب (معيد النعم ومبيد النقم)؛ لكان الشأن السياسي معه أكثر عرفية، إلى درجة أن يصبح مصطدما في بعض الأحيان مع بعض الأحكام الشرعية! ومعلوم أن العرف محكم ما لم يصادم نصا شرعيا. ولذلك حمل كتاب (معيد النعم) كثيرا من النقد لدولة (المماليك) أكثر مما حمل من التأصيل. إلا أن مرجعه في كل هذا وذاك؛ إنما هو المبادئ المصلحية العامة.

وفي هذه المرحلة انتشر استعمال المصطلح السياسي الفارسي لا العربي؛ مما يدل على (الاقتراض) الفكري الذي آل إليه الشأن السياسي في الإسلام. ونكرر القول: لو كان ثمة تشريع نصي في هذا المجال مهما قل؛ لما لجأ الفقهاء والسلاطين إلى هذا الاقتراض المصطلحي! ولكنّ للتشريع الإسلامي قصدا آخر في هذا المجال خاصة: هو ما فصلنا قبل من تبعية المسألة السياسية وعدم أصالتها الدينية، بالنسبة إلى أصول الإسلام العقدية والتعبدية.

فالإمام ابن السبكي رحمه الله ـ رغم المنهج النقدي الذي اعتمده في كتابه ـ لا يفرق في كلامه عن (الإمامة) بين الخليفة والملك. فهما عنده واحد، كما هو الشأن عند سابقيه. إذ اندمجت الخلافة في الملك. كما كان واقع (الخلفاء) بدءا ببني أمية فبني العباس، كما بيناه، بلا نكير أحد من علماء الإسلام المعتبرين! وإنما خصوا (الرشد) بالخلفاء الأربعة الأوائل، وقد يضاف إليهم عمر بن عبد العزيز الأموي. وقد بينا أن (الرشد) عندهم إنما هو (مثال) الخلافة. وأن التجارب التاريخية الأخرى صورها نازلة عنها. لا أحد يماري في هذا، ولكن لا أحد كان يماري أيضا في أنهم (خلفاء) إلا الشيعة ـ من غير الزيدية ـ وتلك قصة أخرى. ليس هذا مجال تفصيلها.

قال ابن السبكي: (السلطان أعني الإمام الأعظم، وقد أكثر الفقهاء في باب الإمامة، وقد أفرد كثيرون منهم الأحكام السلطانية بالتأليف. ونحن ننبه على مهمات أهملها الملوك، أو قصروا فيها. فمن وظائف السلطان تجنيد الجنود، وإقامة فرض الجهاد لإعلاء كلمة الله، فإن الله تعالى لم يوله على المسلمين؛ ليكون رئيسا آكلا شاربا مستريحا. بل لينصر الدين ويعلي الكلمة!)(19)

ثم هو بعد ذلك مباشرة يسرد وظائف السلطة وهياكل الدولة ـ بمنهج نقدي إصلاحي ـ بما يدل قطعا على قبوله بالأشكال الواقعة والنظم القائمة منها لكن بشرط إقامة العدل ليس إلا. ومعنى هذا عندي أنه لا اعتراض عنده كفقيه على صور توزيع السلطة ونظام الحكم؛ إلا أن يتنزل كل ذلك على مواقع العدل، والإنصاف للرعية. بينما كل ما ذكره ـ أو أغلبه على الأقل ـ من أشكال حكومية، ومظاهر (سلطانية)؛ منقول عن أمم (دار الحرب)، ومقترض من الحضارات الأخرى!

فبعد حديثه عن نواب السلطان؛ تحدث عن آداب (الدوادار). وهذه مركبة من كلمة عربية: (دواة) وأخرى فارسية:(دار) وهو المحافظ أو الممسك بشيء ما، المعتني به، ومعنى هذا المركب: الناطق الرسمي عن السلطان، الذي يبلغ عنه كافة المناشير، ويرفع إليه كافة العرائض! قال ابن السبكي: (فمن حقه الاستئذان على ذي الحاجة وإنهاء ظلامته، وألا يتركه على الأبواب، لا يجد ملجأ إلى الدخول على الملك)(20).

وهكذا سار الأمر عند ابن السبكي في كتابه المذكور، في استصلاح الوظائف السلطانية، والمهمات الحكومية، من مثل: (الخازندار) وهو فارسي، معناه: متولي الخزينة المالية. و(المهمندار) وهو كذلك فارسي، معناه: المتولي بشأن سفراء الملوك الآخرين عند السلطان. و(الطبردار) ومعناه: حامل السلاح بين يدي الملك لحمايته. وهو في كل ذلك يتحدث عن آداب هذا وذاك وماله وما عليه. دون أن ينقد أصل الوظيفة أو يعترض على المهمة؛ حتى إنه ذكر أسوء وظائف السلطانية في زمانه، وهو (البشمقدار) فقال رحمه الله منتقدا ومؤصلا، لا ناقضا: (وهو من أقبح البدع؛ لأنه موضوع لحمل نعل الأمير! وذلك من الرعونة والحمق. ومن آدابه ألا يضع النعل على البساط، وغيره مما يطؤه الناس، بأرجلهم حفاة، وربما لاقاه وجه مصل، وربما كانت نجاسة في النعل. وبتقدير ألا يكون شيء من ذلك؛ فلا يخفى ما في وضعه على هذا الوجه من الكبر، والخيلاء. فإذا كان لابد من بشمقدار، فلا أقل من أن يضع نعل الأمير موضع نعال الخلق!)(21).

وهكذا نخلص إلى أن فقه السياسة الشرعية ـ من حيث هو فقه الأحكام الدستورية والإدارية في الدولة ـ كان في أغلبه مستسقى من التجربة التاريخية للخلافة الإسلامية. والدارس له لا يكاد يتمحض له من الأحكام السياسية، الراجعة فيه إلى إشكال شرعي ديني؛ غير حكم منصب الخليفة! لا ما دون ذلك من مقتضيات الإمامة والخلافة وسائر هياكل الدولة، وقنوات تصريف السياسة العامة للدولة؛ لأن كل ذلك ـ كما ذكرنا ـ من (المسكوت عنه شرعا)، المحال على الاجتهاد الفقهي؛ لما ذكرناه من أسباب.

وبعد، فهل يجعل مثل هذا محل نزاع، تزهق في سبيله الأرواح؟ وتقطع دونه الأعناق؟ لا أحسب أن أحدا يجعله كذلك إلا جاهل بطبيعة الدين، أو متعصب لاجتهاد سياسي خاص! ولا حق له عندئذ أن يتكلم باسم الدين الكلي، وإنما حقه أن يتكلم باسم (رأي). والرأي ـ كل الرأي ـ قابل للخطأ والصواب.

2 ـ في الفقه السياسي الإسلامي المعاصر:

واليوم، يواجه الفكر الإسلامي المعاصر نموذج الدولة الحديثة، بكل تعقيداتها السياسية والدستورية والإدارية والاقتصادية، وارتباطاتها الخارجية المعقدة! وما كان أدق تعبير الأستاذ منير شفيق إذ جعل عنوان كتابه: (الإسلام ومواجهة الدولة الحديثة!)(22) ذلك أن المفكر الإسلامي اليوم يبحث في التراث فلا يجد ـ على مستوى النصوص ـ إلا عمومات (الشورى) القابلة لأي فهم، ولأي تنزيل! ولا يجد على مستوى الفقه السياسي إلا مثل ما بيناه من (أحكام سلطانية) مرتبطة بالتاريخ الذي كان!

فكان أن تفرق الإسلاميون في ذلك أحزابا ومذاهب، كما تفرق الذين من قبلهم. فمن كافر بالديموقراطية كنظام للحكم، ناسب لها إلى (الطاغوتية)، و(الجاهلية)؛ فلا يقابلها إلا بالرفض والإنكار، غاية ووسيلة! إلى مؤمن بها إيمانه بالشورى القرآنية، إذ هما عنده اسمان لمسمى واحد! ثم إلى مؤمن بها كأداة ـ فقط ـ من أدوات الشورى، لا ككل الشورى! فإلى مستعمل لها على أنها من إكراهات الواقع، ومخلفات الجاهلية، التي يجب تجاوزها، ولكن بعد العبور عليها! فالسياسة حرب، و(الحرب خدعة)!

فأين الفقه من كل ذلك؟

كانت البدايات الأولى لنهضة الفكر الإسلامي المعاصر، قائمة ـ في الغالب ـ على رفض كل ما هو غربي من النظم، والفلسفات، والرؤى، سواء في المجال السياسي، أو التشريعي، أو الاقتصادي، أو الاجتماعي. وكان الدخول إلى البرلمان، والعمل النقابي، أو المشاركة السياسية في إطار هذا الحزب أو ذاك؛ يثير جدلا (فقهيا) في الأوساط الإسلامية. ولم يكن الإشكال الشرعي وحده هو العامل الأساس في إثارة هذه القضايا؛ بقدر ما كانت (نفسية) الرفض المتأثرة بالسلوك الديني إزاء الأوضاع القائمة، وهيمنة الظلم الإداري الرسمي بشتى أصنافه السياسية والاجتماعية؛ هي المشكلة لتلك النفسيات الرافضة.

ولقد كان المفكر الإسلامي الكبير الأستاذ أبو الأعلى المودودي رحمه الله؛ من أوائل الإسلاميين المجددين، الذين صاغوا نظرية متكاملة في الرفض الإسلامي. فقد بنى مشروعه الفكري على مفهوم (الجاهلية) بدلالته الجديدة عنده، المتفلتة من الحصر التاريخي، والممتدة في المظاهر الاجتماعية العامة، الممكن توفرها في أي مكان وأي زمان. ومن هنا فقد كان فكره السياسي مؤطرا بهذه الرؤية؛ إذ أنتج مصطلح (الحاكمية) كعلة للقياس، لتصنيف النظم في المجال السياسي والتشريعي.

ومرة أخرى ظهر الاحتجاج بآيات (الحكم) ـ لكن في سياق حضاري جديد ـ لبناء تصور مذهبي في الحياة السياسية. وذلك من مثل قوله تعالى: (إن الحكم إلا لله)(يوسف:40). وقوله عز وجل في آيات المائدة الثلاث:

ـ (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) (المائدة:44)

ـ (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون) (المائدة:45)

ــ (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون) المائدة:47.

قال المودودي معلقا: (فهذه الآيات تصرح بأن الحاكمية لله وحده وبيده التشريع وليس لأحد ـ وإن كان نبيا ـ أن يأمر وينهى؛ من غير أن يكون له سلطان من الله)(23).

ثم قال مستنتجا: (ليس لفرد أو أسرة أو طبقة أو حزب أو لسائر القاطنين في الدولة نصيب من الحاكمية. فإن الحاكم الحقيقي هو الله، والسلطة الحقيقية مختصة بذاته تعالى وحده (...) إن الدولة الإسلامية (...) ليست ديموقراطية (Democracy) فإن الديموقراطية عبارة عن منهاج للحكم تكون السلطة فيه للشعب جميعا، فلا تغير فيه القوانين، ولا تبدل إلا برأي الجمهور، ولا تسن إلا حسب ما توحي إليهم عقولهم (...) فلا يصح إطلاق كلمة الديموقراطية على نظام الدولة الإسلامية. بل أصدق منها تعبيرا كلمة الحكومة الإلهية أو الثيوقراطية: (Theo-cracy) ولكن الثيوقراطية الأروبية تختلف عنها الحكومة الإلهية (الثيوقراطية الإسلامية) اختلافا كليا! (...) ولئن سمحتم لي بابتداع مصطلح جديد لآثرت كلمة: "الثيوقراطية الديموقراطية" أو "الحكومة الإلهية الديموقراطية" لهذا الطراز من نظام الحكم؛ لأنه قد دخل فيها للمسلمين حاكمية شعبية مقيدة)(24).

وقد تابعه الأستاذ الشهيد سيد قطب رحمه الله في هذا التصور، بناء، وتركيبا، واصطلاحا، واستنتاجا. ولم يكد يختلف عنه إلا في الصياغة الأدبية، والتنزيل السياسي الإقليمي. قال رحمه الله في سياق إدانته للنظم السياسية والاجتماعية الغربية: (إن العالم يعيش اليوم كله في (جاهلية) من ناحية الأصل الذي تنبثق منه مقومات الحياة وأنظمتها (...) هذه الجاهلية تقوم على أساس الاعتداء على سلطان الله في الأرض، وعلى أخص خصائص الألوهية، وهي الحاكمية. إنها تسند الحاكمية إلى البشر؛ فتجعل بعضهم لبعض أربابا)(25). (وبهذا التعريف الموضوعي تدخل في إطار (المجتمع الجاهلي) جميع المجتمعات القائمة اليوم في الأرض فعلا!)(26).

ثم يهاجم الغرب الذي (لم يعد لديه ما يقنع ضميره باستحقاقه للوجود؛ بعدما انتهت "الديمقراطية" فيه إلى ما يشبه الإفلاس!)(27)

بل إن العالم الإسلامي نفسه يدخل في مفهوم (الجاهلية) من حيث إنه اعتمد نظما اجتماعية مستوردة تلتقي جميعها رغم اختلافها في كونها تحتكم إلى غير الله. قال رحمه الله: (يدخل في إطار المجتمع الجاهلي تلك المجتمعات التي تزعم لنفسها أنها "مسلمة"! (...) فهي ـ وإن لم تعتقد بألوهية أحد إلا الله ـ تعطي أخص خصائص الألوهية لغير الله، فتدين بحاكمية غير الله)(28)

و(جاهلية) المجتمع عنده، مفهوم ينطبق على الحكام والمحكومين معا! كما قرره بوضوح، مستشهدا بقول الله عز وجل: (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به [إلى قوله:] فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما)(النساء:60ـ65) وإنما استدل رحمه الله بذلك على (جاهلية) الشعوب الإسلامية؛ من حيث إنها تتحاكم إلى غير شرع الله، في نظم حياتها، القائمة في إطار الدولة، والنظام السياسي الحاكم(29).

وكان أن صار لهذين المفكرين الإسلاميين الكبيرين مدرسة في الفكر الإسلامي الحديث، ترفض (الديمقراطية) شكلا ومضمونا، من حيث إنها قائمة على معنى تشريعي يتناقض مع مفهوم (الحاكمية) كما فهماها.

وظاهر أن مفهوم (الحاكمية) عند الأستاذين: أبي الأعلى المودودي وسيد قطب، قد جمع بين ما هو تشريعي قضائي؛ وما هو سياسي سلطوي في مفهوم (التوحيد)؛ وصار الموضوع عندئذ قضية من قضايا أصول الدين، لا من فروعه! والحقيقة أن الجمع بين السياسي والتشريعي في القول (بأصولية) المفهوم عقديا؛ هو الذي أدى إلى نوع من الإشكال والاضطراب في الفهم والممارسة الدعوية المبنية على هذا التفسير. إلى درجة القول (بجاهلية) المجتمعات الإسلامية الحاضرة! كما رأينا مع الأستاذ الشهيد سيد قطب رحمه الله.

ذلك أنه وهو يحكم على المجتمع يستحضر بالدرجة الأولى (النظام) السياسي الحاكم. قال رحمه الله: (وهذه المجتمعات بعضها يعلن صراحة (علمانيته) وعدم علاقته بالدين أصلا، وبعضها يعلن أنه (يحترم الدين) ولكنه يخرج الدين من نظامه الاجتماعي أصلا، ويقول: إنه ينكر (الغيبية) (...) وبعضها يجعل الحاكمية الفعلية لغير الله، ويشرع ما يشاء ثم يقول لما يشرعه من عند نفسه: هذه شريعة الله! (...) وإذا تعين هذا، فإن موقف الإسلام من هذه المجتمعات الجاهلية كلها يتحدد في عبارة واحدة: إنه يرفض الاعتراف بإسلامية هذه المجتمعات كلها وشرعيتها في اعتباره!)(30). وهو رحمه الله ـ كما سبق بيانه ـ يدخل في مفهومه (للمجتمع) عموم الناس! ويجمع الكل ـ النظام السياسي والشعب ـ تحت حكم (الجاهلية)!

ولقد حاول الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله أن يرفع هذا الإشكال بنوع من التوفيق بين ما قاله هذان العالمان وبين ما جاء في الفكر الأصولي الفقهي القديم، من مباحث حول (الحكم الشرعي) وما يتعلق فيه بـ(الحاكم)، وإجماعهم على أن الحاكم هو الله عز وجل. ثم انتقد من ظن أن المودودي وسيد قطب هما أول من ابتدع ذلك.(31)

قلت: بل بين المفهومين بون شاسع! أعني بين مباحث (الحاكم) كما جاء في مصنفات علم أصول الفقه، ومفهوم (الحاكمية) كما عرضها المودودي وسيد قطب. ذلك أن الإشكال في دلالة اللفظ على سبيل الاشتراك على معنيين اثنين! الأول: الحاكم بمعنى الشارع. وهذا هو الذي بحثه الأصوليون قديما. و(الحاكم) بمعنى رئيس الدولة، أو الخليفة أو الإمام. وهذا مبحث سياسي، لا علاقة له بأصول الفقه!

والقرضاوي نفسه واقع في هذا الإشكال إذ جمع بين الأمرين دون تبين! قال حفظه الله: (الإمامة، أو الحكم بما أنزل الله، هو من الفروع، ولكن اعتقاد وجوبه ولزومه والإيمان بالاحتكام إلى ما أنزل الله في كتابه، ومتابعة رسوله؛ هو من الأصول يقينا، ومن صميم الإيمان)(32).

ثم قال مستنتجا: (الحاكمية الإلهية جزء من عقيدة التوحيد الإسلامي)(33).

كيف يكون الأمر الواحد من الفروع ومن الأصول في الوقت نفسه؟ هذا خلف!

إن المشكل بدأ من قوله حفظه الله: (الإمامة، أو الحكم بما أنزل الله...إلخ.) فأي علاقة بين (الإمامة) و(الحكم بما أنزل الله)؟ إلا أن تكون الأولى وسيلة للثانية! بينما تعبير القرضاوي ظاهر في المرادفة بينهما. وهذا هو عين الإشكال! ذلك أن التفصيل فيه حل المشكل: وهو أن الإمامة التي هي رياسة الدولة فرع من الفروع، بإجماع كل المذاهب الفقهية والكلامية، عدا الشيعة، كما بيناه قبل. بينما لا يشك عاقل في أن الحكم بما أنزل الله، هو من صميم أصول الدين فعلا! والجمع بينهما يؤدي حتما إلى الخلط بين الفروع والأصول، وإلى القول (بجاهلية) العالم الإسلامي المعاصر! بينما المسلمون مسلمون. هذا هو المذهب الحق ما داموا يشهدون (أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله). إلا أنهم محكومون ـ كرها ـ بسلطة لا تتخذ الإسلام منهاجا تشريعيا للدولة. وكيف يجوز أن نسحب (مذهب الدولة) على المواطنين؟ بل كيف يجوز أن نسحبه حتى على كثير من العاملين في الدولة والمنخرطين في وظائفها السياسية والإدارية؟ والمسألة اعتقادية بحتة! و(إنما الأعمال بالنيات)!

والحق أن من لم يحكم بما أنزل الله لا يكفر إلا على فرض أنه يفعل ذلك إنكارا للدين أصلا! فإن فعل ذلك؛ تهاونا، أو خوفا من جهة أخرى أقوى منه؛ فهذا أقصى ما يقال فيه: إنه عاص، لا كافر! وإنما الكافر: المنكِر. فمن أنكر حق الله في التشريع، أو رفض التحاكم إلى شريعته باعتبار أنها غير صالحة لذلك؛ فإنما هذا فعلا يكون متمردا على الله! كما تمرد عليه من قبل إبليس اللعين! وبذلك يكون منكرا لخاصية من خصائص الربوبية. وهو الكفر عينه.

وما عدا هذا وما في معناه، فإنه يصعب إطلاق الكفر على من لم يطبق الشريعة حاكما كان أو محكوما. فقد يتجاوز عنه إذا كان مكرها على ما هو فيه. ولقد قبل الله عز وجل إسلام (النجاشي) وهو على رأس دولة الحبشة النصرانية ملكا! ولما توفي؛ صلى عليه رسول اللهe صلاة الغائب! فقال للصحابة الكرام: (إن أخاكم النجاشي قد مات؛ فقوموا فصلوا عليه!)(34) فلا يكون إذن القول بجاهلية من كان في مثل وضعه، سواء كان حاكما أو محكوما أو موظفا في دوائر الدولة العليا؛ إلا غلوا في الدين؛ سببه عدم التفريق بين ما هو من الأصول وما هو من الفروع. وربما أيضا عدم التحري من تسرب رد الفعل النفسي إزاء الظلم السياسي والاجتماعي الغالب على وضع العالم الإسلامي.

وإن القرآن الكريم قد استعمل مادة (حكم) بعدة معان: منها التشريع، والقضاء، والحكمة، والقدر الإلهي. لكن كلا في سياقه الخاص ولم يخلط بينها. ففي معنى التشريع والقضاء قال عز وجل: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما)(النساء:65)، وقال سبحانه: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)(المائدة:44). ونحو هذا كثير، وهو الأغلب على استعمال هذا اللفظ في القرآن الكريم. ولا خلاف في أن هذا راجع إلى أصول الدين فعلا.

بينما قد يرد الحكم بمعنى (الحكمة) لا التشريع أو القضاء. وهذا إنما هو من الفروع. قال عز وجل في حق يوسف: (ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين)(يوسف:22). ونحوه قوله تعالى: (ما كان لبشر أن يأتيه الله الكتاب والحكم والنبوءة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله)...الآية. (آل عمران:79). والمفسرون على أن الحكم في الآيتين هو بمعنى (الحكمة). قال أبو جعفر الطبري: ("والحُكْمَ" يعني: ويعلمه فصل الحكمة)(35).

ولا دلالة في القرآن (للحكم) على المعنى السياسي، أي (السلطة). وما أحسب إلا أنه حادث. قال الدكتور حسن مصعب: (وكلمة "الحكم": تعني عندئذ في كل جماعة من الجماعات: السلطة المنظمة، ومؤسسة القيادة والإكراه)(36).

والقارئ لنصوص المودودي وسيد رحمهما الله، وكذا ما ذكرناه عن القرضاوي من مرادفة بين (الإمامة) و(الحكم بما أنزل الله)؛ يدرك أنهم جميعا لا يفرقون بين المفهومين في استعمال كلمة (حكم) أو (حاكمية). وذلك هو مبدأ الإشكال.

وما أدق تعليق الدكتور محمد عمارة على ذلك إذ قال: إنهم قد (اشتقوا "حاكمية" الله سبحانه وتعالى من مصطلح (الحكم)؛ ظانين أن القرآن، ومن ثم الفكر السياسي الإسلامي، يستخدمان مصطلح (الحكم)؛ للدلالة على النظام السياسي والسلطة السياسية العليا في المجتمع؛ على حين أن أغلب الاستخدامات القرآنية لهذا المصطلح واردة بمعنى (القضاء) والفصل في المنازعات، وبمعنى الحكمة أي الفقه والعلم والنظر العقلي. ولا علاقة لها بالخلافة أو الإمامة، أو ما نسميه نظام الحكم في أدبنا السياسي الحديث)(37).

قلت: هو كما قال، فإنما استقرت دلالة (الحكم) في تاريخ التشريع الإسلامي على معنى (القضاء). فتلك نتيجة استقرائية؛ لمن تتبع نصوص الشريعة وفقهها، كتابا وسنة واجتهادا. وبذلك الفهم استعمل في الفقه الإسلامي بمختلف مذاهبه إلى حدود العصر الحديث؛ مما يدل على أن الدلالة السياسية للمصطلح دخيلة وليست بأصيلة، وأنها إنما تسربت إلى الفكر الإسلامي المعاصر كما تسربت كثير من المفاهيم؛ بفعل الاحتكاك الحضاري مع ثقافة المستعمِر. لكن مكمن الخطر هو فيما حدث من إسقاط للمفهوم الدخيل على اللفظ في سياقه الشرعي؛ فأدى إلى ما أدى إليه من مواقف وأحكام(38).

ولقد غالى قوم آخرون في إنكار (الحاكمية) الإلهية، حتى بالمعنى التشريعي! ـ مستغلين غلو بعض الإسلاميين ـ فأنكروا بذلك حقا عظيما من حقوق الرب عز وجل، وخاصية كبرى من خصائص الربوبية فعلا!

وإنما يقول بذلك أحد شخصين: إما جاهل بالدين وباللغة العربية! وإما متحامل على الإسلام، رافض له عقيدة وشريعة! لأن من أنكر حق الله التشريعي فقد أنكر الشريعة وخاصية الحاكمية في الربوبية، وهي كلية من كليات العقيدة وأصول الدين.

ومن أغرب ما قرأت في ذلك ما كتبه (رئيس محكمة أمن الدولة) المصري، محمد سعيد العشماوي، في كتابه (الإسلام السياسي). وهذا العنوان وحده دال على التحامل! والكتاب بالمناسبة مليء بالسّباب والشتائم لمذاهب الفقهاء والمفكرين الإسلاميين! خال من التحقيق والتوثيق! وإنما هو مجموعة من (التذوقات) و(الانطباعات) تزعم لنفسها العلمية والنقدية!

قال: (إن الحكم لله بالقوة والمشيئة والقضاء، والحكم للناس في الحقيقة والواقع والإرادة)(39). أي أن الحكم المسند إلى الله إنما هو بالمعنى القدري الكوني، من باب (القضاء والقدر)، لا بمعنى التشريع الحقيقي! وكيف يفسر العشماوي هذه الترسانة التشريعية التي تملأ القرآن والسنة، في المجالات الجنائية والاقتصادية والاجتماعية والأسرية؟

والجواب: كان أن لجأ إلى التحريف الصارخ! زاعما أنه إنما يمارس (التأويل)! وهاك الدليل! فقد أورد قول الله عز وجل، مما يستشهد به الدارسون على (الحاكمية التشريعية) : (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما)النساء:65. وقوله سبحانه: (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله) النساء: 105.

فقال العشماوي معلقا: (وهذا الاستشهاد خطأ وخطر! فضلا عن أنه يكشف عن طوية القادة، وطبيعة عقليتهم ونفسيتهم. فهاتان الآيتان من الآيات التي تخاطب النبيe وحده وتختص به دون غيره)(كذ!)(40)

ويضيف: (فحكومة النبيe ـ إن صح تجاوزا أن تسمى حكومة؛ لأنها بالتعبير القرآني: (إمارة) حكومة من نوع خاص جدا (...) لا توجد إلا حيثما يوجد نبي، ولا نبي بعد محمدe)(41).

فأولا: لا وجود لعبارة: (إمارة) في القرآن إطلاقا! وخطؤه في مثل هذه ـ إن لم يكن كذبا متعمدا ـ هو من الغرائب!

ثانيا: إنه بقوله هذا يخالف إجماع الأمة، من الصحابة أجمعين، والتابعين، وتابعي التابعين، حتى فقهاء الأمصار من شتى المذاهب، على اختلافها!

ثالثا: قوله هذا قاض بأن (الحكومة) التي أنشأها الخلفاء الراشدون ومن بعدهم؛ ضلال في ضلال!

رابعا: زعمه هذا بأن هاتين الآيتين خاصتان بالنبيe، باعتبار أن الخطاب موجه إليه وحده من حيث إنه مبني على ضمير المخاطب المفرد؛ مخالف للقاعدة الأصولية المجمع عليها: (ما خوطب به النبيe كان خطابا لأمته إلا ما خصه الدليل) والعشماوي زعم خصوص هاتين الآيتين بالنبيe. فإن كان هذا خصوصا فأين الدليل؟

خامسا: إذا كان يظن بزعمه أن هاتين الآيتين خاصتان بالنبيe؛ فكيف يقول فيما ورد فيه ضمير الجمع الدال صراحة على الخطاب الجماعي، وهو أكثر ما في القرآن من هذا المجال؟ حتى كان استقراؤه مفيدا للقطع واليقين! وكلية من كليات الدين! وإليك بعض نماذجه:

ـ (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون) آل عمران: 23.

ـ (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) المائدة:44

ـ (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون) المائدة:45

ـ (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون) المائدة:47

ـ (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به. ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا) النساء:59.

ـ (أفحكمَ الجاهلية يبغون؟ ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون؟) المائدة:52 . ونحو ذلك كثير...!

لماذا لم يرجع العشماوي ـ ولا مرة واحدة ـ إلى مناهج الاستنباط الفقهي، وقواعد الاستدلال الأصولي، وإلى ضوابط التفسير بالمأثور، أو بالرأي ما شاء! لماذا؟ لأنها ـ ببساطة ـ جميعها ضده! ولقد صرح بذلك تصريحا! قال تحت عنوان:

(التطرف والفقهاء) ما نصه:

(ومن أجل ما سلف بيانه وغيره فإن تيار التطرف يبدو متوافقا مع منطق الفقهاء مسايرا منهجهم. فلا يجوز معارضته بهذا النهج)(كذا!)(42)

إذن؛ فماذا بعد الحق إلا الضلال؟

وإنما الحق وَسَطٌ بين طرفين: الأول تجهيل من لم يحكم بما أنزل الله وتكفيره بإطلاق، والثاني: إنكار الحكم بما أنزل الله بإطلاق!

بينما كان ـ قبل هؤلاء جميعا ـ علماء أزهريون يميلون إلى (دستورية) الدولة الإسلامية بالمعنى الديموقراطي للكلمة. قال عبد الوهاب خلاف رحمه الله ـ وهو الأصولي الفقيه ـ : (والناظر في آيات الكتاب الكريم، وصحاح السنة يتبين أن الحكومة الإسلامية دستورية، وأن الأمر فيها ليس خاصا بفرد، وإنما هو للأمة ممثلة في أولي الحل والعقد؛ لأن الله سبحانه جعل أمر المسلمين شورى بينهم (...) وكذلك تضافرت الأدلة على أن الرياسة العليا في الحكومة الإسلامية ليست حقا لقريش، ولا لغير قريش)(43).

وسار على هذا الرأي بصورة أكثر وضوحا أغلب مفكري (الجيل الثاني) للحركة الإسلامية ـ إن صح التعبير ـ من أمثال الدكتور حسن الترابي، والأستاذ راشد الغنوشي، والدكتور أحمد الريسوني وغيرهم. فتكونت من كل هؤلاء وأمثالهم مدرسة أخرى في الفكر الإسلامي المعاصر تتبنى الديمقراطية كمرادف للشورى، أو كآلية من آلياتها التقنية. فمارست نوعا من النقد للمدرسة السابقة.

ولعل التجربة السياسية المحلية التي خاضها هؤلاء، وكذا التطورات السياسية الدولية؛ كان لها أكبر الأثر في هذا التحول الذي حصل في منهج التفكير الإسلامي لدى الجيل الثاني، الذي دخل السياسة تجربة حية، وعرك آلامها وآمالها، على عكس الجيل الأول الذي بقي في حدود (النظر)، باعتبار أن مرحلته كانت مرحلة إعداد وتنظير.

ولقد تفرغ الدكتور حسن الترابي ـ وهو الإسلامي الحقوقي، الخبير في القانون الدستوري، صاحب التجربة السودانية المشهورة ـ للتأصيل لمفهوم (الديمقراطية) باعتبارها عين الشورى الإسلامية، بل لقد ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك؛ إلى محاولة إثبات أن الديمقراطية إنما هي امتداد للشورى، هذه التي تطورت في شكل الديمقراطية بفعل الاحتكاك الحضاري، بين العالم الإسلامي والغرب (التلميذ) للتجربة الإسلامية في القرون الوسطى!

قال: (كان كل الذي عرفه التاريخ الأول من الديموقراطية المباشرة ممارسات سياسية لم يستوعبها تنظير دستوري إلا في نهاية القرون الوسطى! حيث اكتشف الفكر الأروبي قاعدة دستورية يعبر بها عن أساس نظري للديموقراطية. وأحسب أنهم إنما تلقوا تلك النظرية التأصيلية للديموقراطية بأثر الاتصال بالفقه الإسلامي السياسي. وكان ذلك الفقه قد عرف جوهر الديموقراطية، أو حكم الشعب (...) فكان الإجماع عند المسلمين هو أصل السلطة الأرضية)(44).

ومن هنا جزم الدكتور الترابي بأن (المعاني التي تقتضيها الشورى وتؤسس عليها الديموقراطية معاني منبثة في الدين كله. وقد حاولنا أن نناسب بين الديموقراطية والشورى لئلا يكون في اختلاف اللغة ما يوهم باختلاف المعنى!)(45)

وعلى نهجه سار (تلميذه) ـ ولو نظريا ـ الأستاذ راشد الغنوشي صاحب التجربة الإسلامية التونسية. قال في حواره المشهور مع قصي صالح الدرويش، مجيبا عن سؤال محرج للغاية، ونصه كما يلي: (بعض الذين يحاربون الديمقراطية باسم الإسلام، يعتبرون أن الديموقراطية مناقضة للإسلام)، فقال بكل وضوح: (أخشى أن لا يكون هؤلاء على فهم دقيق لا للديموقراطية ولا للإسلام! أو لأحدهما فقط. هم يختزلون ويبسطون القضايا المعقدة (...) فماذا في قيم الإسلام ـ إذا فقهت ـ ما يتناقض مع الديموقراطية إذا أحسن فهمها؟ وهي لا تعدو كونها جهازا للتعبير عن إرادة الشعب في شكل قرار (...) إنها جهاز يعطينا أدوات لتحقيق التداول على السلطة دون إراقة للدماء، ويكون جهازا لسن السياسات العامة، ولتوزيع السلطة على نحو يجنبها الاحتكار والانفراد، ويتيح المعارضة السلمية لها)(46).

ويقول أحد أبرز الزعماء المنظرين للتجربة الإيرانية، الممارسين لها على أعلى مستوى! الرئيس الإيراني (الإصلاحي)، الدكتور محمد خاتمي: (لقد اقتنعنا بالديموقراطية كإنتاج بشري، ومن الطبيعي أن يكون كل أمر بشري هدفا للنقد)(47).

وأما المفكر المغربي الأستاذ المجاهد عبد السلام ياسين حفظه الله، فقد اضطرب في شأن الديمقراطية خلال كتابه (الشورى والديمقراطية)؛ ربما بسبب (غربية) المصطلح، وغرابته عن التعبير القرآني، وما لذلك من دلالات ـ على الأقل ـ على المستوى النفسي، كما تشير بعض عباراته الآتية. ونظرا للأسلوب العاطفي الجارف، الذي دبج به كتابه المذكور - كعادته في أغلب كتاباته - فإنه يصعب على الباحث أن يجد لدى الأستاذ حكما قاطعا واضحا ودقيقا؛ في المسألة إلا بعد ثلاثمائة وتسع صفحات، من كتاب مجموع صفحاته: ثلاثمائة واثنتان وسبعون صفحة!(48)

قال: (مطلوب الشورى ـ صريح الشورى ـ ينهض من عمق إيمان المؤمنين وإسلام المسلمين، بذرة شجرة طيبة، أصلها ثابت وفرعها في السماء. ثمارها بركة على الأمة، لما اكتنفها في نباتها وبسوقها وإزهارها وإثمارها سياقُ: (وأمرهم شورى بينهم).

تسمي نظام حكمك ما شئت، وتخرج عن سياق القرآن والسنة، وتستنبت نظاما (ديمقراطيا) تتناغم بأحلامه النخبة الحاكمة نفاقا، والنخبة المثقفة ملاقا وإملاقا، فإذا بالنبتة وَهْمُ شجرة، وإذا بالثمرة نواة تضرِّس، وإذا بالليث الديمقراطي هرا مقلم الأظفار، أليفا يتحكك ويشخر في حجم الحاكم)(49) فهذا كلام أقرب إلى الشعر منه إلى النثر؛ بله الأسلوب العلمي الهادئ. ما نستطيعه إزاءه إنما هو منهج التحليل الأدبي المدرسي؛ لنقول: إن الفكرة العامة  للنص؛ أن المؤلف يرفض الديموقراطية كأسلوب للحكم السياسي.

لكنك لا تلبث إلا قليلا حتى تقرأ كلامه الذي لا يعدو أن يكون (رفعا للحرج) - بتعبير الفقهاء – عن الديموقراطية. قال: (لا بأس من المسلم الغيور أن يبحث عن نهج إسلامي للديمقراطية. ولا بأس أن يظن مسلم ـ وهو يبحث عن حقيقة محجوزة ـ أن الديمقراطية هي الشورى حقا(!) لا مشاحة في الألفاظ كما يقول فقهاؤنا. لا مشاحة في الألفاظ لو لم يتعلق الأمر بالوضوح والتوضيح(!))(50). هكذا لا تستطيع أن تثبت هل هو يقبل الديمقراطية أم أنه يرفضها!

ولعل المشكلة في تصور فضيلة الأستاذ عبد السلام ياسين راجعة إلى أنه يرفض (النظام السياسي) برمته؛ دكتاتوريا كان أم ديمقراطيا! لأن القضية ذات الأولوية الأولى عنده، هي ـ بالدرجة الأولى ـ السعي لإقامة (الخلافة الإسلامية). فإذن؛ مهما يحاول النظام أن (يتدمقرط)؛ فسيبقى في جميع الأحوال بعيدا عن مفهوم (الخلافة الراشدة) التي هي (على منهاج النبوة) كما تصورها الأستاذ. والتي هي الشكل الوحيد للحكم السياسي الذي يعترف (بإسلاميته) كما سترى. إذ كل تجارب الخلافة ما بعد العهد الراشدي، لا علاقة لها عنده حتى بمجرد لفظ (الخلافة). وإنما كان تسميتها كذلك – عنده - مجرد (كذب)!

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: (أريد أن أحدثكم إن شاء الله في رسالتي هاته عن أفق عملنا الموفق بفضل الله ومنته، واضعا المنهاج النبوي في مكان الضوء الكاشف لما نتطلع إليه من مستقبل الخلافة على منهاج النبوة)(51). ويقول أيضا في سياق التخطيط لإقامة هذه الخلافة: (فما هي الصيغة أو الصيغ التي ينبغي لجند الله أن يتبنوها للتقدم بحركتهم؟ ما هو الخط السياسي، أو المسالك السياسية، التي من شأنها أن تتقدم بنا إلى أن نصل إلى الحكم، وإلى أن نبني الخلافة على منهاج النبوة؟)(52)

إن المشروع (الياسيني) منبن على تصور مضاد لما أصلناه من (فروعية) المسألة السياسية في الإسلام والإصلاح الديني. لذلك فهو يعلن بصراحة أن مشروعه يضع (الوصول إلى الحكم) غاية إصلاحية، كما رأيت، لأنه السبيل الأساس عنده لإقامة الخلافة الإسلامية على منهاج النبوة. ومعتمد الأستاذ في كل ذلك حديث النبيe في الخلافة، الذي بينا قبل بما فيه الكفاية ـ في المبحث الثاني من الفصل الثاني ـ أنما هو واحد من أحاديث الفتن، التي لا علاقة لها بالتشريع، والذي لا دلالة له على مراد الأستاذ من التأصيل (لقومته)، ولا لتحقيق مناطها! والحديث هو قولهe: (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا عاضا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكا جبريا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت)(53)

قال الأستاذ معلقا بعد إيراد هذا الحديث: إنه (الحديث الذي اتخذناه محورا لتفكيرنا ومرشدا لخطواتنا)(54).

والإشكال، كل الإشكال ههنا: هو أن الأستاذ – حفظه الله - جعل هذا الحديث محور تفكيره، وأساس مشروعه الإصلاحي! مع أنا بينا ـ قبل، بما يقطع الشك ـ أن المسألة السياسية برمتها ليست أصلا في الدين، ولا محورا من كلياته! فكيف يجعل ما هو (فرع) (أصلا) للتفكير ومحورا للإصلاح؟ هذا قلب لميزان الأولويات في الإسلام!

ومما يوضح أكثر أن الأستاذ يؤصل لمشروعه بما لا يصح؛ أنه حاول الاستدلال على مصطلح (قومة) ـ وإنما هو مصطلح من نتاج التاريخ السياسي، لا النص الشرعي ـ بآية من القرآن لا تدل على مراده، لا بالدلالة العبارية الأصلية ولا التبعية، ولا بالدلالة الإشارية، ولا الإيمائية، ولا الاقتضائية، ولا بالمفهوم الموافق ولا المخالف، ولا بأي طريق من الطرق الاستقرائية التي أصلها علماء أصول الفقه في مسالك استنباط الأحكام الشرعية. وذلك قوله: (أستعمل كلمة (قومة) بدل (ثورة) تأصيلا للنهضة واليقظة والتعبئة والإعداد والزحف. على مثال قوله تعالى: (وإنه لما قام عبد الله يدعوه) الجن:(19). فتكون قومتنا على منهاج النبوة)(55) كذا!

فأي علاقة بين هذا وذاك؟

(إنه لما "قام" عبد الله يدعوه): أتعني (ثار)؟ لقد عُلِم لدى المفسرين، ولدى من عنده أدنى علم بفقه اللغة العربية؛ أن (قام) هذه إنما هي (العزمة) الدعوية، و(العزم) على الخير بإطلاق، وأنها من قبيل قوله تعالى عن أصحاب الكهف: (وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا)(الكهف:14)، وقوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ)(سبأ:46) وقوله سبحانه: (وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا)(النساء:127). فأين المفهوم السياسي الذي أراده الأستاذ هنا؟ إنما هذا يدل على أن محاولة البحث في القرآن عما يخدم المشروع السياسي ـ بهذه الصورة ـ إنما هو بحث عن سراب!

ولقد حاول فضيلته الشيء نفسه في الحديث النبوي مرة أخرى؛ فأورد نصا لا علاقة له بمراده، حيث جاء لفظ (الحكم) بدلالته (القضائية) كما بيناها قبل؛ ففهم من ذلك الحكم بدلالته السياسية المحدثة. والعرب لم تعرف ذلك في لغتها قط، كما لم يعرفه التشريع الإسلامي في اصطلاحه! والحديث هو قول رسول اللهe:  (لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، كلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها. وأولهن نقضا الحكم، وآخرهن الصلاة)(56). ثم قال الأستاذ معلقا بعد إيراده الحديث: (لنزداد يقينا بأن الحكم قد فسد في عهد مبكر جدا)(57)؛ ظنا منه أن (الحكم) هنا هو رئاسة الدولة. وهو ليس كذلك، بل هو القضاء! والدليل استقراء المصطلح في الكتاب والسنة.

ثم بنى على ذلك كله تصورا كبيرا، ونظريات تاريخية وإصلاحية، حكم بها على تاريخ الإسلام كله، ورهن الإصلاح والتجديد الديني الشامل بإصلاح (الحكم)! طبعا كما فهمه بناء على ما ذكر. قال: (ماذا كان أثر نقض الحكم على سائر عرى الإسلام؛ حتى تتالى التفتت في عقلنا وأخلاقنا ومروءتنا وآدميتنا، من جراء إصابة المقتل من ديننا؟ هذا إن شاء الله (...) أوان إعادة العرى إلى شدها؛ بإعادة الحكم إلى نصابه الشرعي(!))(58)

بل لقد تعدى ذلك كله - بجرأته المعهودة ؛ وبناء على فساد (الحكم) كما فهمه دائما! - إلى محاولة (إصلاح) ما لا تخصص له فيه من العلوم الشرعية، وإنما هي معلومات استقاها من خلال قراءات عابرة أو كما سماها (نظرات في الفقه والتاريخ)! قال في سياق غياب الحكم العادل والشورى: (كيف الطلب لكل ذلك؟ من يطلب؟ وممن يطلب ومع من يطلب؟ وضد من يطلب؟ أسئلة ما طرحها، وأنى له، من يردد عبارات الأجداد الداعية إلى حفظ المقاصد الخمس الضرورية: حفظ الدين، حفظ النفس، حفظ العقل، حفظ النسل، حفظ المال. يردد ويفرع بعناد وتبلد، وكأن الدين حاكم سلطانه في بلاد المسلمين، و(العادات) مستقرة حيث تركها الأولون آمنة من عاديات الزمن، (والمعاملات) منتظمة على ما قرروه. تحفظ على ماذا إذن يا فقيه وتحافظ؟)(59)

ولقد علم أهل العلم بأصول الفقه ومقاصد الشريعة، أن مفهوم (الحفظ) الذي ذكره الأصوليون ليس بهذا المعنى الغربي الوافد، الذي فهمه الأستاذ عبد السلام ياسين؛ إسقاطا على موافقات الشاطبي(ت: 790هـ)، والذي له مدلول سياسي محض، والذي هو راجع إلى توصيف (إيديولوجي)، وتقسيم (طبقي) (مانوي) يقسم المجتمع إلى (محافظين) و(ثوريين). وإنما (الحفظ) في التراث الفقهي والأصولي هو بدلالة أخرى تماما! إنها الدلالة القرآنية، ذات العمق الغيبي التعبدي، والواردة في قول الله تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)(الحجر:9). فكان بذلك (الحفظ) لمقاصد الشريعة؛ دالا على (الإيجاد) بمعنى التشريع والتجديد؛ كما هو دال على (الصون). يقول أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله: (تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق. وهذه المقاصد لا تعدو ثلاثة أقسام: أحدها أن تكون ضرورية، والثاني أن تكون حاجية، والثالث أن تكون تحسينية (...) والحفظ لها يكون  بأمرين: أحدهما ما يقيم أركانها ويثبت قواعدها، وذلك عبارة عن مراعتها من جانب الوجود. والثاني ما يدرأ عنها الاختلال الواقع أو المتوقع فيها، وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب العدم)(60). فقوله: (مراعاتها من جانب الوجود): هو بمعنى إنشاء الوسائل التي من شأنها أن توجدها، كإنزال الكتاب، وبعث الرسول، والدعوة إلى الإسلام، والجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتشريع لكل ما يضمن إقامة تلك المصالح. فالنص واضح فيما ذهبنا إليه من معنى (الحفظ)؛ فدخل في ذلك ما أراده الأستاذ ياسين من معنى (الطلب)، وزيادة!

ويؤسفنا أن نخالف فضيلة الأستاذ عبد السلام ياسين – ومخالفة مثله ثقيلة علينا – في دلالة مصطلح (الحكم) كما جاء في النصوص الشرعية، وما تفرع عنه من مفاهيم في التراث الإسلامي؛ لنقول: إن بناء النظريات ذات الأبراج والأهرام؛ على الأسس المفهومية الباطلة لن يكون إلا باطلا!

تلك جولة سريعة في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر؛ تبينا منها مدى (الاجتهادية) الغالبة عليه، الراجعة إلى استصلاح العرف والقوانين الدستورية، بل (الأرأيتية) الاحتمالية التي تبدو عليه في تعامله مع المسألة السياسية عامة. والمسألة الديمقراطية خاصة.

هكذا إذن؛ تبدو المسألة السياسية في الفكر الإسلامي المعاصر: من النقيض إلى النقيض تماما!

ونعود إلى ما بدأنا به؛ فنقول: لم يكن ذلك ليكون؛ لولا أن الشارع أراد أن يجعل (الشأن السياسي) في الدين من التبعيات التشريعية لا الأصليات، فتركه لمحض الاجتهاد. ومن هنا كان أولى بالصواب ما خلص إليه الدكتور فتحي الدريني في بحثه عن (خصائص التشريع الإسلامي في السياسة والحكم)؛ إذ قال: (لم يعين التشريع السياسي الإسلامي نظاما محددا للشورى السياسية في انتخاب رئيس الدولة. وما رسمه فقهاء السياسة المسلمون من أشكال لها، وطرائق لتنفيذها إنما كان بمحض الاجتهاد بالرأي!)(61)

وإلى مثله ذهب الدكتور خاتمي، في قوله: (وفيما يتعلق بمسألة الدولة؛ فإن الدين قد حدد الطوابط الأساسية والإطار العام، وأما الحكومة فأمر مرجعه إلى الناس.)(62)

وهذا ما عرضناه مشاهدا بأدلته بهذا البحث.

وبعد، فهل هذا موضوع يستحق أن ينقسم عليه الناس في الدين، شيعا وأحزابا؛ معتقدين أنهم يتدينون به لله؟

ولعل الله عز وجل؛ إنما جعل الشأن السياسي من التبعيات؛ لعلمه سبحانه بأنه مجال الانقسام؛ فوجه التدين إلى مجالات أخرى بالأصالة، مجالات غير قابلة للانقسام بطبيعتها، ابتداء بتوحيد الوجهة لله في شهادة أن (لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله) فإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا. ذلك مجال التدين الأصيل الذي لم يختلف عليه المسلمون في التاريخ كله، إلا اختلافا مشروعا في جزئيات الفقه لا يضر بالدين وأهله، وإلا فإن ذلك هو محط الإجماع بالإجماع، والمعلوم من الدين بالضرورة. تلك هي (أركان الإسلام)، وأصول العبادات التي شرعت؛ ليكون التدين مبنيا عليها، وترك الشارع السياسة؛ لتكون من باب الوسليات الخادمة للدين، لا ركنا من أركان الدين!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش المبحث الأول من الفصل الثالث:

(1) شرح القواعد الفقهية: 155.

(2) السياسية الشرعية لخلاف:11.

(3) الأحكام السلطانية:33.

(4) غياث الأمم:20.

(5) غياث الأمم: 64ـ65.

(6) غياث الأمم:37

(7) غياث الأمم: 37

(8) غياث الأمم: 39.

(9) غياث الأمم: 77.

(10) الإعلام بمناقب الإسلام:155.

(11) العواصم من القواصم:207ـ210

(12) الإحكام في تمييز الفتاوي عن الأحكام: 163.

(13) مجموع الفتاوى: 35/26.

(14) المقدمة:218ـ219.

(15) المقدمة:192.

وتلك نتيجة استقرائية لنصوص الشرع من جهة؛ ولأقوال الفقهاء، والتجربة السياسية الإسلامية في التاريخ من جهة أخرى. ولذلك فقد قال الأستاذ الباحث حسن بوكبير في رسالته: (تطور الدولة الإسلامية فكرة وبنية من الهجرة إلى منتصف خلافة عثمان)، بعد استقراء لعدد كبير من النصوص والأقوال. قال: (وخلاصة القول: فالملك كالخلافة لا يدلان على الصلاح ولا على الفساد. واختيار مصطلح الخلافة بدل الملك للدلالة على رئاسة الدولة الإسلامية اختيار موفق مبني على مقاصد بينة الصلاح، ولكن ذلك لا يعني أبدا أن مصطلح الملك يقابله ويضاده) تطور الدولة الإسلامية:1/60.

(16) الإحكام:163.

(17) الإحكام:163ـ164.

(18) الإحكام: 163 إلى 176.

(19) معيد النعم ومبيد النقم: 16ـ17.

(20) معيد النعم:25.

(21) معيد النعم: 36.

(22) (الإسلام ومواجهة الدولة الحديثة) للأستاذ منير شفيق. نشر (الناشر للطباعة والنشر) ودار البراق للنشر بتونس. ط. الثالثة: 1412هـ/1992م.

(23) نظرية الإسلام وهديه في السياسة والقانون والدستور:31ـ32

(24) نفسه:33ـ35.

(25) معالم في الطريق:8.

(26) معالم في الطريق: 89.

(27) معالم في الطريق:3.

(28) معالم في الطريق:91.

(29) معالم في الطريق: 92.

(30) معالم في الطريق: 92ـ93.

(31) السياسة الشرعية للقرضاوي:18.

(32)  السياسة الشرعية:16ـ17.

(33) السياسة الشرعية للقرضاوي: 18.

(34) رواه مسلم.

(35) جامع البيان:م3/ج3/324.

(36) علم السياسة للدكتور حسن صعب:21.

(37) الدولة الإسلامية لمحمد عمارة:35.

(38) وذلك أيضا ما قرره الأستاذ الباحث حسن بوكبير في بحثه (تطور الدولة الإسلامية) بعد دراسة مستفيضة للنصوص؛ منبها إلى خطورة ما قد ينجم عن ذلك من تصورات وممارسات. قال: (يكون كل من أبي الأعلى المودودي وسيد قطب ومن حذا حذوهما؛ قد حملا مصطلح الحكم في القرآن معنى غير مقصود من الشارع؛ إذ أنهما أصلا لنظريتهما (الحاكمية لله) بالآيات التي شددت على وجوب الحكم بما أنزل الله والتي جعلت الحكم لله وحده. وانبنى على هذه النظرية صرح كبير من الأحكام عن المجتمع والدولة، وربطا كل هذا بالاعتقاد والتوحيد!) تطور الدولة الإسلامية فكرة وبنية من الهجرة إلى منتصف خلافة عثمان:1/62.

(39) الإسلام السياسي: 33.

 (40) الإسلام السياسي:46.

(41) السابق:6.

(42) السابق:53.

(43) السياسة الشرعية لخلاف:28.

(44) الشورى والديموقراطية للترابي: 6.

(45) السابق:22.

(46) راشد الغنوشي: (حوارات قصي صالح الدرويش): 70ـ71.

(47) الدين والدولة للدكتور خاتمي:53.

(48) ن. كتاب الشورى والديمقراطية لعبد السلام ياسين، في طبعة (مطبوعات الأفق بالدار البيضاء). الطبعة الأولى:1996.

(49) الشورى والديمقراطية:6ـ7.

(50) نفسه: 309.

(51) نظرات في الفقه والتاريخ:3.

(52) المنهاج النبوي:411.

(53) رواه أحمد والبزار والطبراني في الأوسط وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة رقم:5.

(54) نظرات في الفقه والتاريخ:3.

(55) نظرات في الفقه والتاريخ:10.

(56) رواه أحمد وابن حبان في صحيحه، والحاكم وصححه. كما صححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: (رقم:571)

(57) نظرات في الفقه والتاريخ:30.

(58) نظرات في الفقه والتاريخ:46.

(59) نظرات في الفقه والتاريخ:76.

(60) الموافقات:2/8. ثم ن. ذلك مدروسا في بحثنا: (مصطلحات أصولية في كتاب الموافقات للشاطبي): مادة (قصد).

(61) خصائص التشريع الإسلامي في السياسة والحكم:427.

(62) الدين والدولة للدكتور خاتمي:50.

ـــــــــــــــــــ

المبحث الثاني: في الحركة الإسلامية المعاصرة ونفسية الصدام السياسي:

عندما يصبح (الموقف السياسي) ـ وإنما هو اجتهاد محض كما قررناه ـ هو المقياس الذي عليه يصنف مستوى التدين، لدى هذه الحركة الإسلامية أو تلك؛ يكون ذلك دالا بالقطع على (الانحراف) عن المعنى الإسلامي للدين والتدين!

تلك كانت نتيجة البحث في الفصول السابقة.

وإذن؛ نتساءل: إذا كان الدين ـ من حيث هو نصوص وتشريع ـ لا يعير للعمل السياسي في إطار التعبد ـ وإنما الدين تعبد ـ إلا هامشا تبعيا غير أصيل؛ فكيف (تسيس) العمل الإسلامي المعاصر في كثير من صوره؛ حتى كانت له ردود أفعال ذات طابع عنيف، على شاكلة (العنف الثوري) الوارد في الأدبيات الماركسية؟

إن تساؤلنا هذا ليس بمعنى استشكال كون العمل الإسلامي قد انخرط في العمل السياسي، وصار له وجود على الساحة الانتخابية، أو ـ في بعض الأحيان ـ حتى على المستوى الإداري للدولة، في هذا البلد أو ذاك. وإنما استشكالنا مبني على كونه يعتمد العمل السياسي هدفا وغاية. حتى صار رهانه ـ كل رهانه ـ على (الحل السياسي)! ثم يكون بعد ذلك مستعدا للانخراط في العنف الثوري سياسيا أولا، ثم فعليا فيما بعد؛ لأن الفكر الثوري هو الذي يصنع (نفسية) العمل الثوري، والقابيلة لرد الفعل العنيف بصورة أو بأخرى. كلما توفرت الظروف العامة لرد فعل ما!

إن عملا إسلاميا كهذا معناه أن (تسيسه) قد مسه في جوهره، واصطبغت حقيقته الوجودية به، على حساب المعاني الدينية التعبدية. حتى صار مقياس التدين عنده مبنيا على مدى ما يضمره الفرد من مواقف سياسية ضد هذا النظام، أو ضد تلك الحكومة، أو ربما ضد المجتمع بأكمله! فيفقد بذلك توازنه على ما قررناه في الفصول السابقة من هذا البحث.

ويتم اختزال التدين ـ كل التدين ـ في المقولة النقدية التي قعدناها في كتاب لنا من قبل. وهي كما يلي: (الموقف السياسي يقود إلى الصلاة! والصلاة تقود إلى الموقف السياسي! وأعني بهذه المقولة النقدية: أن الدعوة إلى التدين ـ بهذا المنطق ـ دعوة قائمة عمليا على التعبئة لموقف سياسي معين! كما أن ذلك الموقف السياسي ـ من جهة ثانية ـ يصوغ التدين في صورة معينة! كل ذلك في نهاية المطاف يقدم الصورة الاجتماعية للتدين على أنه (حركة احتجاجية) أكثر مما هو (حركة تعبدية)، بالمعنى الحقيقي للكلمة!)(1)

كما أن ذلك يطبع الوجدان النفسي للمنخرطين في إطاره، والمتعاطفين معه؛ بنوع من القتامة القابلة للاشتعال؛ حتى ليتوهم الفرد أن الدين إنما هو هذا: الاحتجاج بشتى الأشكال، وما سواه فإنما هو لعب ولهو!

هذا هو جوهر الإشكال!

إذن يمكن الآن ـ قبل الدخول في التحليل والاستدلال ـ صياغة الدعوى: وهي أن الصدام السياسي الذي يطبع عمل بعض الحركات الإسلامية إن هو إلا (نفسية) معينة، تكونت في ظروف ما. ولذلك عبرنا عن هذا المبحث بما قرأت: (الحركة الإسلامية المعاصرة ونفسية الصدام السياسي).

إن هذه الظاهرة هي المسماة في التعبير القرآني والحديثي بـ(الغلو) أو (الغلو في الدين). قال عز وجل: (يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق)(النساء:170) وقال سبحانه: (قل يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم غير الحق)(المائدة:79). وما فتئ النبيe يحذر أمته من (الغلو)، من مثل قوله عليه السلام: (إياكم والغلو في الدين! فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين!)(2).

و(الغلو) يعني: المبالغة في تضخيم بعض الجوانب في الدين على حساب أخرى؛ تصورا، أو ممارسة، أو هما معا! من مثل قلب ما هو مندوب إلى ما هو واجب! أو ما هو مكروه إلى ما هو حرام! أو ما هو وسيلة إلى ما هو غاية! كل ذلك ونحوه يعبر عنه إسلاميا بالغلو في الدين. أو بلغة اليوم: (التطرف)!

لكننا نحن سنستعمل هنا؛ لدراسة هذه الظاهرة؛ العبارة الإسلامية؛ لإسلاميتها من جهة، ولدقتها، وبراءتها من جهة أخرى!

ذلك أن مصطلح (التطرف) هذا التعبير السياسي المعاصر، استعمل أولا لنقد ظاهرة (العنف)، والنزوع الاستئصالي، بشتى أنواعه الفكرية، والنفسية، والاجتماعية، والسياسية، والعرقية، لدى الدول، والطوائف، والأفراد، وكذا الحركات ذات الطابع الاجتماعي العام.

لكن استعماله (السياسي) اليوم، صار دالا فقط على إدانة الحركات الإسلامية دون سواها، ودون تمييز بين هذا التوجه أو ذاك، ولا بين هذا التصور أو ذاك؛ حتى صار الأمر: كأن هذه العبارة ـ في الحقيقة ـ إنما المقصود بها كل سلوك (ديني)! بالمعنى الإسلامي للكلمة، أو بعبارة أخرى: الإسلام نفسه! وإذن نحن أمام مصطلح (إيديولوجي)، لا أمام مصطلح علمي محايد!

إذن؛ فلندعه جانبا.

إن (الغلو) كظاهرة دينية؛ له أسباب، وخصوصيات، ومكونات متداخلة ومعقدة جدا! وإنه لمن التبسيط و(التسطيح)، والكسل الفكري؛ أن تفسر تفسيرات اقتصادية، أو (ديموغرافية)، أو سياسية محضة. كما أنه من التبسيط، والتسطيح؛ أن يتم الخلط بينه وبين (حركة التدين) الدعوية العامة في المجتمع. كما أنه من الخطأ أيضا الفصل بينهما على سبيل القطيعة (الابستمولوجية) التامة!

فلا هذه إذن ولا تلك! وهذا هو وجه الصعوبة!

قبل الدخول في الأسباب، والعلل الوجودية للغو؛ لابد من تقرير حقيقة هامة، قلما انتبه إليها أحد! ربما بسبب النزعة الاتهامية التي تعمي كثيرا من الدراسات في هذا المجال. ذلك أن (الغلو في الدين) يرجع في (قابليته الوجودية) للطبيعة الوجدانية للدين أولا. ولو لم يكن الأمر كذلك لما حذر القرآن والسنة من (الغلو في الدين). وهذه الحقيقة أحسب أنها هي المعطى الأول، الذي تتوالد فيه سائر (النفسيات) الغالية في الدين. وذلك هو ما يمكن تسميته ب:

ـ الطبيعة الوجدانية للتدين:

ذلك أن التدين في حقيقته الجوهرية تجربة وجدانية. وهو ممارسة على خط رفيع فاصل بين الحقيقة والخيال، أو بين العلم والأسطورة! فالمنطلق الأول للدين، والأساس العمودي الذي عليه يقوم، إنما هو مفهوم (الغيب). فأركان الإيمان الستة، التي هي مقومات العقيدة الإسلامية؛ كلها إيمان بالغيب، بدءا بالإيمان بالله فملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره حلوه ومره. كل ذلك غيب. فأما الرسل والكتب؛ فحقيقة الإيمان بهما راجعة إلى الإيمان بظاهرة (الوحي)، وهي غيب مطلق! وأما باقي الأركان فهي أوغل في الغيبية.

ومن هنا كان التدين ـ من حيث هو (إيمان) ـ يسهل ـ عند فقدان المنهج ـ أن ينجر من (الغيب) إلى (الخرافة)! ومن (الحقيقة) إلى (الأسطورة)! باعتبار أن الفاصل بين الأمرين ـ من حيث الشكل والظاهر ـ إنما هو الثبوت بالنقل. أما العقل فلا دخل له في الغيب، إلا من باب الإقرار بالعجز عن الإدراك!

هذا، وإن كان الغيب غيبا، والخرافة خرافة، من حيث الجوهر والواقع لكلا الأمرين. فتلك عقيدة منقولة بالتواتر، أصولها وفروعها، انطلاقا من الإيمان بالله ذاتا وصفات؛ إلى الإيمان بالبعث والحساب والجنة والنار. عقيدة غيبية  نؤمن بها نحن المسلمين، بأنها كذلك هي في علم الله. نؤمن بها كما وردت. قال عز وجل: (الم. ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب)الآيات(البقرة:1ـ2)

فالمسألة إذن (إيمان).

والإيمان إقرار وتجربة. فأما الإقرار فهو التصور الذهني الراجع إلى الاعتراف العقلي بحقائق الدين العقدية. وأما التجربة فهو الممارسة اليومية للدين على المستوى النفسي. وهو الذي ورد في الأحاديث والآثار أنه يبلى ويتجدد ويزيد وينقص؛ لأنه مرتبط بالشعور والوجدان. وهو مجال (التزكية) الدينية بالمعنى القرآني التربوي: (ونفس وما سواها فألهما فجورها وتقواها. قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها)(الشمس:7ـ10).

بل إن قول: (لا إله إلا الله) كما فصلناه في كتابنا (جمالية الدين) إنما مرجعه إلى معنى قلبي وجداني. ذلك أن شهادة أن ((لا إله إلا الله) ـ إذ يقولها العبد مستشعرا دلالتها اللطيفة ـ كلمة (قلبية) مدارها على وصف حال، والاعتراف بذوق صفات الكمال والجلال! إنها تعبير عن الخضوع الوجداني التام لله. نعم قلت: (الوجداني)؛ لأنها ـ ببساطة ـ كذلك وردت في سياقها القرآني الأصيل.

ولو تأملت هذه العبارة في اللغة، لوجدتها تقوم على لفظين أساسين، هما مدار الإسلام كله: (الله) و(الإله).

فأما (الله) فهو لفظ الجلال، الاسم العلم على الذات الإلهية. الاسم الجامع لكل الأسماء الحسنى والصفات الإلهية العلى. ولفظ (الله) فرد في اللغة، فلا يجمع ولا يتعدد.

وأما (الإله) فهو لفظ وصف، يدل على معنى شعوري قلبي؛ ولذلك فهو يتعدد، إذ يجمع على (آلهة). وأما باقي العبارات في (لا إله إلا الله) فهي (لا) النافية، و(إلا) الحاصرة. تقومان بدور البناء والتركيب اللغوي؛ للنفي والإثبات، الذي يربط نوع العلاقة في قلب المؤمن بين الصفة: (إله) والاسم: (الله). وحقيقة تلك العلاقة هي ما يهمنا في هذا البحث. إنها علاقة الامتلاء الوجداني، الذي يفيض به قلب العبد المعبر بها حقا وصدقا!

ذلك أن كلمة (إله) في أصل الاستعمال اللغوي كلمة قلبية، وجدانية، كما ذكرنا. أعني أنها لفظ من الألفاظ الدالة على أحوال القلب، كالحب، والبغض، والفرح، والحزن، والأسى، والشوق، والرغبة، والرهبة... إلخ. أصلها قول العرب: (ألِهَ الفصيلُ يَأْلَه أَلَهاً) إذا ناح شوقا إلى أمه. والفصيل: ابن الناقة إذا فطم، وفصل عن الرضاع. يحبس في الخيمة وتترك أمه في المرعى، حتى إذا طال به الحال ذكر أمه؛ وأخذه الشوق والحنين إليها ـ وهو حديث عهد بالرضاع ـ فناح، وأرغى رغاء أشبه ما يكون بالبكاء! فيقولون: أله الفصيل! فأمهه إذن ههنا هي (إلهه)، ومنه قول الشاعر:

** ألِهْتُ إليها والركائب وُقّفٌ **

جاء في اللسان: (اسم (الله) لا يجوز فيه (الإله) ولا يكون إلا محذوف الهمزة. تفرد سبحانه بهذا الاسم، لا يشركه فيه غيره. فإذا قيل: (الإله)؛ انطلق على الله سبحانه وعلى ما يعبد من الأصنام. وإذا قلت: (الله)؛ لم ينطلق إلا عليه سبحانه وتعالى (...) وألِهَ يأْلَه ألها: إذا تحير. وأصله ولِه يَوْلَه ولها. وقد أَلِهْتُ على فلان اشتد جزعي عليه! مثل وَلِهْتُ.))(3). إذ (الإله) في هذا السياق اللغوي هو: ما يملأ القلب، ويأخذ بمجامع الوجدان؛ إلى درجة الانقياد له والخضوع! قال عز وجل: (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه)(الجاثية:22).

والراجح فعلا أن (أله) هو من (وله)؛ لأن مدار كلا المادتين على معاني القلب؛ فأبدلت من الواو همزة. قال الراغب الأصفهاني: (ألَه فلانٌ يأله: عَبَد (...) وقيل: أصله وِلاه فأبدل من الواو همزة، وتسميته بذلك؛ لكون كل مخلوق والها نحوه، إما بالتسخير فقط كالجمادات والحيوانات، وإما بالتسخير والإرادة كبعض الناس. ومن هذا الوجه قال بعض الحكماء: الله محبوب الأشياء كلها)(4). و(الوله): هو الجنون الحاصل بسبب الحب الشديد، أو الحزن الشديد. يقال: امرأة ولوه: إذا أحبت حتى جنت، أو إذا ثكلت؛ فحزنت حتى جنت! قال ابن منظور: (الوله: الحزن. وقيل هو ذهاب العقل والتحير من شدة الوجد، أو الحزن، أو الخوف. والوله: ذهاب العقل لفقدان الحبيب (...)  [و] ناقة مِيلاه: هي التي فقدت ولدها فهي تَلِهُ إليه. يقال: وَلَهَتْ إليه تَلِهُ أي تحن إليه (...) وناقة والِهٌ: إذا اشتد وجدها على ولدها.)(5).

وهكذا فأنت ترى أن مدار المادتين: (أله) و(وله) هو على معان قلبية، ترجع في مجملها إلى التعلق الوجداني والامتلاء بالحب. فيكون قول المؤمن: (لا إله إلا الله) تعبيرا عما يجده في قلبه من تعلق بربه تعالى. أي: لا محبوب إلا الله، ولا مرهوب إلا الله، ولا يملأ عليه عمارة قلبه وجدا إلا الله. إنه أشبه ما يكون بذلك الفصيل الصغير، الذي ناح شوقا إلى أمه، إذ أحس بألم الفراق، ووحشة البعد! إن المسلم إذ (يشهد) ألا إله إلا الله، يقر شاهدا على قلبه أنه لا يتعلق إلا بالله رغبة ورهبة وشوقا ومحبة. وتلك لعمري (شهادة) عظيمة وخطيرة! لأنها إقرار واعتراف بشعور، لا يدري أحد مصداق ما فيه من الصدق إلا الله، ثم الشاهد نفسه! ومعاني القلب لا تحد بعبارات، ولا تحصرها إشارات. ومن هنا كانت شهادة (ألا إله إلا الله) من اللطافة بمكان، بحيث لا تدرك على تمام حقيقتها إلا ذوقا!)(6) ولو تتبعت الممارسة الدينية في سائر تفاصيل الإسلام؛ لوجدتها جميعها، وبدون استثناء ـ بما فيها القتال في سبيل الله ـ عملا (وجدانيا)! وقد فصلنا هذا في الكتاب المذكور تفصيلا، لا يبقى معه مجال للشك في الطبيعة الوجدانية للتدين، فراجعه هناك إن شئت.

وهذا أمر ضروري للدين وللحياة! فلولا العامل الوجداني في الدين لما استجاب أحد للقتال في سبيل الله، ولما غامر أحد بالدفاع عن وطنه وعرضه! قال عز وجل: (ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين)(البقرة:249). تماما كما أن مقدارا معينا من (الجبن) ضروري للإنسان كي يعيش؛ وإلا مد يده لأي ثعبان سام؛ فلدغه فمات! فالدين يعتمد (قدرا) معينا من التوجيه العاطفي الوجداني للمتدينين؛ قصد الانخراط بصورة إيجابية في العمل الديني.

هذا معطى أساس لفهم (النفسية الغالية في الدين). وبإغفاله يتم إغفال المجهر الحقيقي، الذي به يتم النظر السليم إلى الظاهرة الدينية عموما، وظاهرة الغلو بصفة خاصة!

ذلك أن إطلاق العنان للتجربة الوجدانية؛ قد يؤدي إلى تجاوز النصوص، التي هي حدود الله، لضبط فيض الوجدان الديني. وإذن يكون الانجراف والانحراف! وإنما مظاهر (الغلو) التي عرفها التصوف في تاريخ الإسلام من حيث هو تجربة وجدانية بالدرجة الأولى؛ راجعة إلى ما قررناه من هذا المعنى. وبوادر ذلك كانت بادية منذ عهد الصحابة رضوان الله عليهم. ثم استفحلت بعد بأشكال شتى! ففي الحديث الصحيح الذي رواه أنس رضي الله عنه قال: (جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى يسألون عن عبادة النبيe، فلما أخبروا كأنهم تقالوها، وقالوا: أين نحن من النبيe؛ وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدا، وقال الآخر: وأنا أصوم الدهر أبدا ولا أفطر، وقال الآخر: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا. فجاء رسول اللهe إليهم فقال: (أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني!))(7) ومثل هذا المعنى في السنة كثير.

إذن هذا المعطى أصل مشترك، بين سائر أشكال التدين بإطلاق. من حيث قابلية النفس الإنسانية للنزوع العاطفي إلى (الغلو)؛ استمدادا للزيادة في الإيمان.

من هنا إذن يجب أن ننطلق في دراسة ظاهرة (الغلو في الدين).

فإذا كان (الإيمان) من حيث هو أرضية وجدانية، قابلة لظهور الغلو بمجالها؛ فإن ذلك لا يحصل ـ في العادة الغالبة ـ بصورة تلقائية أو عشوائية غير مفسرة؛ إلا بوجود أسباب مفجرة لهذا النزوع. ذلك أن الدين ـ من حيث هو أحكام شرعية ـ محمي كما بينا بنصوص قطعية الدلالة والثبوت في منع الغلو والتحذير منه.

لكن الأسباب والعلل الضاغطة، قد تولد ظواهر غير مرغوبة لهذا التصور أو ذاك. ولا ظاهرة اجتماعية أو إنسانية إلا ومن ورائها أسباب. (سنة الله في الذين خلوا من قبل. ولن تجد لسنة الله تبديلا)(الأحزاب:62).

ونحن إذ نحاول أن نستعرض (علل) الغلو في الدين، لدى بعض الإسلاميين اليوم، فإنما نقوم برصد تطورات الواقع الذي كان له أثر نفسي على (الوجدان الإيماني) الحساس! إن إثارة العاطفة الوجدانية، والشعور الإيماني، أمر يؤدي إلى اشتعالهما والتهابهما! وإذ ذاك فلا ضمانة ألا يشتط التدين في متاهات الغلو؛ استجابة للفاعل المؤثر من هذه العلة أو تلك.

لكن لابد قبل البدء من تقرير أمر هام. وهو أننا هنا لا نؤرخ لأسباب ظهور الحركة الإسلامية من حيث هي حركة دعوية. فهذا موضوع آخر تماما، وأشمل بكثير مما نحن فيه. وإن كان له صلة به من وجه. لكننا قد نقرر بعض تلك الأسباب التاريخية؛ لكونها تطورت بصورة ما، إلى أن صارت علة من علل (الغلو في الدين). فالموضوع إذن متشابك جدا ومعقد جدا، لكننا كلما وقفنا على أمر مشترك الدلالة نبهنا عليه؛ حتى لا يتم الخلط بين الدعوة الإسلامية المعاصرة، باعتبارها مظهرا سليما من مظاهر التدين؛ وبين ظاهرة الغلو المرضية.

نورد إذن أهم علل الغلو الديني في العصر الحديث؛ بناء على ما استقرأناه عبر ملاحظاتنا الشخصية، من خلال تجربتنا المتواضعة في صفوف الحركة الإسلامية، لأكثر من عشرين سنة. وأنا أعترف أنها مدة قليلة جدا بالنسبة لدارس في هذا الموضوع. ولكننا ندرس الموضوع من خلال مصادر أخرى، (وثائقية)، للحركة الإسلامية، ومن خلال احتكاكنا بتجارب مختلفة، لهذه الحركة أو تلك، داخل المغرب وخارجه، وقراءاتنا لما وصل أيدينا من مذكرات الدعاة الإسلاميين في العالم العربي والإسلامي. ثم من خلال ما نقلناه (سماعا صحيحا)، من شهادات الرواد المؤسسين للدعوة الإسلامية، بهذا المكان أو ذاك. نذكره حين نذكره بسنده في محله إن شاء الله.

قلت: أحسب أن (أهم) علل الغلو الديني ـ ولا نقطع بعدم وجود غيرها ـ في العصر الحديث هي كما يلي:

1ـ نفسية رد الفعل على تأسيس الدولة العبرية بفلسطين، ثم الهزائم العسكرية للدول العربية في مواجهتها. وكان أبرزها أثرا هزيمة 1967م، ثم إحراق المسجد الأقصى سنة:1969م. ولعل هذا الأثر كان عاما في العالم الإسلامي لما للقدس من قداسة في الإسلام. حتى إن المغاربة ـ وهم أبعد المواقع جغرافيا عما يسمى بدول المواجهة ـ قد ارتجوا لحدث الإحراق ارتجاجا! وقد (حدثنا) أستاذنا الدكتور الشاهد البوشيخي حفظه الله، أنه قد شاع بين المغاربة حينها أن الناس لن يتمكنوا من الحج بعدها! ظنا منهم أن المد الاستعماري الصهيوني سيقطع طريق الحج بالاحتلال. فكان لذلك أثر في نشأة الجمعيات الحركية الإسلامية بالمغرب، وإذكاء حماس ما قد نشأ منها في تلك المرحلة.

إلا أن الغلو لم يكن لينشأ بين الناس بعد؛ لولا تقاعس الأنظمة العربية الحاكمة آنئذ عن إعلان الجهاد. بل قد شاعت خيانة بعض الحكام، ومنعهم للمتطوعين من الشعب أن يقاتلوا الاستعمار الصهيوني. بل تعدى الأمر إلى الإتيان بهم من جبهات القتال، والإلقاء بهم في السجون! شاع هذا الأمر أيضا وكان له أثر سلبي على القريب والبعيد. وبدأ يهيء الأنفس لرد فعل ما.

2 ـ الظلم السياسي الدموي، الذي مارسته الأنظمة الحاكمة المستبدة، على الدعاة. أي (عنف الدولة) أو (إرهاب الدولة) في معالجة قضية الحركات الإسلامية، ببعض البلاد العربية. بدءا باغتيال الإمام الشهيد حسن البنا، وإعدام الأستاذ الشهيد عبد القادر عودة، صاحب كتاب التشريع الجنائي في الإسلام، ورفاقه المجاهدين. ثم إعدام الأستاذ المفسر الشهيد سيد قطب، رحمهم الله أجمعين.

ورغم أن كل ذلك كان بمصر؛ فإنه لا يعني أن لا علاقة له بسائر البلاد العربية والإسلامية. فمن الخطأ الشنيع فصل علاقة التأثير والتأثر بين البلدان العربية والإسلامية عموما، كلما تعلق الأمر بالشأن الديني! فالذين يعتقدون أن (إسلام المغرب) لا علاقة له (بإسلام أفغانستان) مثلا هم واهمون! ولنا في ذلك أدلة واقعية وتجارب مشاهدة!

فقد حدثنا أستاذنا الفقيه المالكي، عالم القرويين الكبير، الأستاذ الحاج عبد الكريم الدوادي رحمه الله أنه كان من الذين وقعوا على العريضة التي رفعت إلى الرئيس جمال عبد الناصر؛ لإلغاء الحكم بالإعدام في حق الأستاذ سيد قطب رحمه الله. وكان الزعيم المغربي الأستاذ علال الفاسي رحمه الله من وراء جمع التوقيعات على العريضة. ولما كان قدر الله أسبق بالشهادة ارتج الناس بالمغرب! ولقد حدثنا أستاذنا الدكتور الشاهد البوشيخي حفظه الله أن ذلك كان له أثر كبير إلى جانب إحراق المسجد الأقصى في إلهاب الحماس للعمل الإسلامي بالمغرب عموما! فكيف إذن تريد أن يكون عمل إسلامي كان فيه نوع من رد الفعل عن حادث (إعدام)؟!

ولقد سمعت الأستاذ عبد الفتاح مورو ـ الرجل الثاني (سابقا) في حركة النهضة التونسية ـ يتحدث عن أسباب نشأة الحركة الإسلامية في تونس. فقال مما قال: (أصابتنا قطرة من قطرات دماء سيد قطب رحمه الله!)(8) وكذلك عبر الأستاذ عبد رب الرسول سياف القائد الأسبق للجهاد الأفغاني بنفس المعنى!(9)

إضافة إلى ذلك فقد أدى إعدام سيد قطب إلى نشر سائر مؤلفاته في كل مكان بالعالم! عربية ومترجمة، بدءا باللغات الأروبية الكبيرة الإنجليزية والفرنسية... إلى اللغات الشرقية من تركية وغيرها؛ حتى لغة (الملايو) بأندنوسيا وماليزيا! ولقد أدى ذلك إلى قراءات خاطئة لهذه المؤلفات. ففضلا عن كونها لا تخلو من نفسية (الاعتقال التعسفي الظالم) كما بيناه قبل، فإن نصوصا عدة مما كتبه رحمه الله قد فهمت على غير مراده! منها مثلا مفهوم (العزلة الشعورية) التي تحدث عنها في فصل (جيل قرآني فريد)، من كتابه (معالم في الطريق) الذي كان ـ في مرحلة من المراحل ـ دستور العمل الإسلامي في أغلب دول العالم! فكان أن تطور المفهوم المذكور إلى القول بـ(التكفير والهجرة)!

ومن الأمثلة الغريبة على ترابط الشأن الإسلامي، أن أحداث سوريا سنة 1982م مما كان من صراع النظام السوري مع تنظيم الإخوان المسلمين، بشقيه: التنظيم الدولي والطلائع؛ كان له رجع في صفوف الطلبة الإسلاميين بالمغرب، وهم وقتئذ قلائل (مرحلة العمل السري). بل لقد (بلغني) ـ على حد تعبير الإمام مالك رحمه الله ـ أن من القيادات من كان يفكر في إشعال الثورة بالمغرب!

3 ـ ظلم النظام العالمي (الأمريكي) للشعوب الإسلامية: خاصة بعد أحداث نيويورك الشهيرة: (11شتنبر2002م)، حيث دشنت أمريكا مرحلة جديدة من حربها للعالم الإسلامي، فانتقلت من أسلوب المناولة والوكالة، إلى أسلوب المباشرة والغزو، والمبادرات العشوائية. واستضعاف الأنظمة العربية ذاتها إلى جانب شعوبها؛ فتولت بنفسها وظيفة التدمير للبلاد والعباد، في أكثر من قطر إسلامي. وليس خافيا أن الظلم يولد رد الفعل الشديد ولو على مدى بعيد! وما أحسب أن (أدولف هتلر) وفكره (النازي) إلا وليد الاستضعاف والتقسيم الذي مورس على ألمانيا من قبل!

وإن التذبيح الذي يمارسه العالم الغربي الأروبي والأمريكي/الصهيوني على المسلمين في العالم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، كما في فلسطين، وأفغانستان، والعراق، والسودان، وليبيا، والصومال، والبوسنة والهرسك، وألبانيا، والشيشان...إلخ؛ كانت له ـ وستكون له ـ عواقبه الكبيرة المؤثرة في مسار التاريخ البشري. رغم الملابسات السياسية المختلفة بين هذا البلد أو ذاك. فشأن العراق مثلا هو غير شأن البوسنة. ولكن الناس لا يعرفون إلا شيئا واحدا: هو أن الغرب ـ (أمريكا وأروبا واليهود) ـ يقتّل المسلمين! ويقصف كل من لم يرضخ لنزواته الاستعمارية، وتطرفه العقدي! ورغم أن للمسلمين الحق في الدفاع عن أنفسهم، أو الاحتفاظ بحق الرد في الوقت المناسب؛ إلا أن ذلك ـ داخليا ـ من أكبر المغذيات للاتجاهات الغالية أيضا، في التعامل مع القضايا المحلية، وعملية الإصلاح الاجتماعي، في البلدان الإسلامية والعربية.

4 ـ رد الفعل المنافس للمد الماركسي:

كان انطلاق الماركسية في العالم الإسلامي؛ انطلاقا (أيديولوجيا) متحمسا محموما. لم يكن يراعي لا حرمات، ولا مقدسات، ولا حتى أولويات! على رأي الدكتور حسن حنفي(10). وإني أذكر جيدا وأنا في مرحلة الطفولة، كيف أن أحد المعلمين من أهل قريتنا بالجنوب؛ جاء يبشر بأن الله ـ سبحانه وتعالى ـ غير موجود!.. هكذا بلا مقدمات ولا ممهدات! ثم على ذلك يبني نظرية الثورة و(ديكتاتورية البروليتاريا)!

ولقد وصلت شخصيا إلى مرحلة الطلب بالجامعة المغربية سنة: 1981م، وهي في أوج إلحاديتها! والإسلاميون حينئذ قلة قليلة جدا يخافون أن يتخطفهم الناس! كان التحدي الماركسي مستفزا وصارخا! فكثير من الطلبة (الرفاق) يجهرون بالإفطار عمدا نهار رمضان! على مرأى جميع الطلبة بالأحياء الجامعية! وكذلك كان حال بعض الأساتذة الجامعيين مع الأسف!

لم يكن حينها أحد يجرؤ على النطق بـ(بسم الله الرحمن الرحيم) بأي مرفق من مرافق الحرم الجامعي! وعندما غامر مجموعة من الطلبة الإسلاميين، في أواخر السبعينات من القرن العشرين الميلادي ـ وهم ساعتها في مرحلة العمل السري ـ بإعلان الأذان بالحرم الجامعي بمدينة فاس المغربية؛ صارت قنينات الخمر وأعقاب السجائر تتساقط على المؤذن، من الطوابق العليا للحي الجامعي!

كان ذلك إيذانا للعد العكسي لحركة الماركسية بالمجتمع المغربي! وبداية للمد الإسلامي! ومن هنا لم تستطع البداية الإسلامية أن تتخلص من نفسية رد الفعل ضد الماركسية الملحدة الثائرة!

وكان لذلك عليها أثر نفسي هو:

النفسية الثورية التكفيرية ضد الأنظمة. وذلك أن الاحتكاك الذي حصل بين الثوريين الماركسيين والثوريين الإسلاميين أدى إلى نوع من الرغبة في (التجاوز) للماركسية، في سبقها إلى ما كان يبدو ساعتها (إيجابية ثورية) وهو رفض الأنظمة الملكية الحاكمة. فكان القول بالتكفير لكل الأنظمة والحكم عليها بـ(الردة)؛ تحقيقا لنوع من السبق، للفكر الثوري الماركسي، الذي لا يملك أن يكفر، ولا أن يجد مرتدا! بل صارت الماركسية مساوية للأنظمة الحاكمة في (جاهليتها)!

ولقد كان القطاع الطلابي بالجامعة ميدانا واضحا للتنافس (الإيديولوجي) السافر، فخطباء الإسلاميين من الطلبة خاصة، لا يستطيعون أن ينكروا أن الرغبة النفسية في تحدي (الرفض) اليساري، كانت تصنع جزءا من فلسفة الرفض الإسلامي! وعليه؛ فقد تعمق استمرار التقسيم (المانوي) للناس بين (رافض) للنظام، و(عميل) للنظام! تقسيم كان إلى تقليد النزعة اليسارية أقرب منه إلى موقف إسلامي مدروس!

5 ـ التأثر بالفكر الشيعي (الثورة الإيرانية أولا، وحزب الله اللبناني فيما بعد): فقد كان للثورة الإيرانية (1979م) أثر كبير على الحركات الإسلامية في العالم! إذ أسقطت نظاما من أعتى الأنظمة في المنطقة المحمية أمريكيا! وقدمت للعالم نموذجا جديدا من (التدين) على مستوى الدولة، ولغة أخرى في مجال السياسة. فإذا بأصحاب العمائم الذين كانوا إلى الأمس القريب يعتقد أنهم جملة من الدراويش؛ يديرون جزءا من السياسة العالمية بدهاء فائق!

وإذا بالاهتمام العالمي والأمريكي خاصة يتحول إلى دراسة هذا النموذج: إسلام الحركات الإسلامية عامة، والإسلام الشيعي خاصة! فكان أن توالد في هذه المرحلة عدد من المصطلحات السياسية والإيديولوجية؛ لوصف (الدعوة الإسلامية)؛ فكانت: (الأصولية)، وكان (الإسلام السياسي)، و(التطرف)، و(الظلامية)!...إلخ. مما يرجع حينا ـ لدى بعض الدارسين ـ إلى إشكال علمي اصطلاحي، ولدى آخرين إلى رغبة أيديولوجية سافرة في إدانة الإسلام، ليس إلا!

لكن التحدي الإيراني للسياسة الأمريكية من جهة، وظهور حزب الله فيما بعد على الساحة اللبنانية من جهة ثانية، كأداة فاعلة بقوة في الشأن السياسي بالمنطقة العربية؛ وما سببه من قلق فعلي للدولة العبرية؛ كل ذلك كان في صالح فلسفة الرفض الإسلامي. رغم تعدد الاتجاهات واختلاف مواقعها. بل أعلم أن بعض المفكرين (اليساريين) ونشطاء بعض الأحزاب الماركسية اللينينية؛ قد تحولوا إلى الاتجاه الإسلامي؛ بسبب التأثر النفسي بالثورة الإيرانية، ومعارك حزب الله!

إلا أنه من المعلوم أن القاسم المشترك بين الرفض الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني ـ ثم الرفض النظامي السوري فيما بعد ـ هو أنهم جميعا شيعة! وكان لهذا أثر بارز على الفكر السياسي لبعض الحركات الإسلامية من غير الشيعة. فعلى مستوى الأفراد نشطت حركة التشيع خاصة بالمغرب العربي.

فقد كتب أحد الإسلاميين التونسيين كتابه ذا العنوان المثير: (ثم اهتديت!)(11) أي بعدما تشيع؛ للدلالة ـ بمفهوم المخالفة ـ على أنه كان من قبل ـ وهو المسلم السني المالكي ـ (ضالا)!... ثم (اهتدى)! وتشيع عدد من الشباب الذين التحقوا بإيران من هذا البلد العربي أو ذاك، بل صار التشيع نوعا من (الموضة السياسية) التي يثبت بها الإنسان لنفسه وللآخرين نوعا من الوجود، الذي حرم منه سياسيا أو اجتماعيا، أو هما معا؛ حتى إنه يمكنك القول: إن المتشيعين الشباب ينطلقون من (الكوجيطو الديكارتي): (أنا شيعي إذن أنا موجود!). والحجة النفسية دائما هي التحدي الإيراني للهيمنة الأمريكية، والمقاومة اللبنانية المتمثلة في حزب الله الشيعي للدولة العبرية، وبالمقابل: التخاذل (السني ـ زعموا ـ) المتمثل في الدول العربية عامة!

وبالمغرب كان الأستاذ عبد السلام ياسين لا يخفي إعجابه البالغ بالثورة الإيرانية الشيعية، بل تبنيه لمنهجها العام ومضمونها الفكري إلى درجة التقليد كما سترى. فيقول بصراحة: (نرى أن مستقبل الإسلام رهين باستيعابنا لدرس إيران)(12).

ومن هنا تعاطفه الكبير مع البكاء الحزين للشيعة الروافض عبر التاريخ، ونقمته الظاهرة على بني أمية الذين كانوا أول من حاد عن مفهوم (الخلافة على منهاج النبوة)، الذي يشكل العمود الأساس للرؤية السياسية لدى الأستاذ ياسين. ومن هنا أيضا إدانته الواضحة للفكر السياسي السني عبر التاريخ! قال متسائلا تساؤل إنكار: (كيف انحدرت من أجيال أهل السنة تقاليد الرضوخ للحاكم أيا كان؟ منذ الانكسار التاريخي، وكيف انحدرت في أجيال الشيعة تقاليد رفض الرضوخ للحاكم؟ (...) من المسلمين من يرفض، بعينين مغمضتين عن التاريخ وحقائقه وعن الوحي وتعاليمه معا؛ أن يكون قد حدث انكسار، أو أن يكون الحكم قد فسد. والسنة خضعوا والشيعة ثاروا!)(13) كذا!.

ومثل ذلك قوله أيضا: يجب (فهم كيف نشأت الصراعات المذهبية بين طوائف الشيعة والرافضين للحكم القائم؛ وبين أهل السنة والجماعة الملتفين حوله(!) لماذا التف هؤلاء، ولماذا رفض أولئك؟)(14).

إدانة صريحة واضحة لأهل السنة والجماعة على الإجمال فيما ذهبوا إليه من حكم شرعي، كان أقرب إلى الإجماع منه إلى رأي مذهبي مجرد، سماه الأستاذ ياسين - مع الأسف - (التفافا حول الحاكم) و(خضوعا)!

ثم يبين بصراحة سرا من أسرار نجاح الثورة الشيعية بإيران فيقول: (ثم إن توفيق الله لإخوتنا الشيعة أن ربطوا غضب الشعب بمثال حي هو مثال الإمام الحسين عليه السلام الذي غضب على حكم يزيد الفاسد، وعرفوا كيف يعرضون قضية الإسلام الآن على شاشة الحساسية الشيعية لمأساة كربلاء)(15).

فكان إذن أن تأثر الأستاذ (برمزية) الحسين الثورية، باعتبارها نموذجا (للقومة) المنشودة، تماما على غرار الفكر الشيعي الرافضي، متمثلا في النموذج الإيراني كما رأيت، والنص منه واضح في هذا. قال: (والقومة النموذجية قومة الإمام الحسين رضي الله عنه)(16).

ومثل مرة (للقومة) ضد الخلافة الإسلامية؛ خلافة ما بعد الخلافة الراشدة؛ فقال: (مثل قومة الحسين بن علي رضي الله عنهما الدموية)(17)، على اعتبار أن تسميتها (بالخلافة)، إنما فعله ـ على حد تعبيره ـ ((المؤرخون) الرسميون (...) فانطلت الكذبة على الأجيال(!))(18). هكذا حكم ـ بكل سهولة ـ على تاريخ، هو أوغل في الغموض، ولم يزل محط حرج وخلاف بين العلماء عبر الأجيال. ولكن الانبهار بالثورة الإيرانية قاده إلى تبني الرواية الشيعية وحدها فقط!

فكان لذلك كله أثر بالغ في تلميع صورة النموذج الإيراني الشيعي، وتسفيه الفكر السياسي السني كما رأيت. ولطول ما فصل وكرر من تعاطف مع (المأساة) الشيعية؛ لم يُجْدِ أن حاول ـ بعد ـ إخراج بعض فقهاء الأمصار، بالزعم أن لهم (ميلا ومساندة) للقائمين من آل البيت، موظفا ما تعرض له بعض هؤلاء الأئمة من الابتلاء؛ لأسباب يرى أنما هي لكونهم اعتبروا بيعة العباسيين غير شرعية! وإنما قال ما قال بعد عرض لائحة للثائرين من آل البيت صدر بها كلامه فقال: (واجه الإمام الحسين رضي الله عنه وقاتل، واجه زيد بن علي وقاتل، واجه محمد النفس الزكية، وإدريس أخوه وإبراهيم ويحيى من بعده وقاتلوا. كان هؤلاء جميعا من آل البيت، وكان لأئمة المسلمين أبي حنيفة ومالك والشافعي رضي الله عنهم ميل، بل مساندة فعلية لهؤلاء القائمين (...) عذب ابن هبيرة الإمام أبا حنيفة لما رفض أن يتقلد القضاء لأبي جعفر المنصور العباسي؛ لأنه يرى في بيعته شيئا، كان يراها غير شرعية. وعذب والي المدينة مالكا لما أفتى مالك الناس بأن طلاق المكره لا يجوز، وكان المنصور يكره الناس على البيعة، ويحلفهم بطلاق أزواجهم إن هم لم يفوا بالبيعة. وما ذلك إلا لأن مالكا رحمه الله كان يرى أن تلك البيعة فاسدة)(19).

وعلى فرض صحة ما ذهب إليه الأستاذ عبد السلام ياسين من تفسير (سياسي/شيعي) لما وقع للإمامين أبي حنيفة ومالك من ابتلاء، فإنه يفيد أن الأصل هو المذهب الشيعي، وإنما هؤلاء الأئمة (مساندون) ليس إلا! مع أن العلم يحتم إثبات (ميلهم) المزعوم للشيعة الروافض بالدليل التاريخي الثابت! فمن أين لنا أن مالكا رحمه الله (كان يرى أن تلك البيعة فاسدة)؟ هذا تأويل بغر دليل. وإنما حد ما يفيده النص إبطال طلاق المكره، وتعليل ذلك بموقف سياسي معين يحتاج إلى برهان. خاصة وأنه يتعلق بالحكم على نية المفتي، والنية غيب، لا تعلم إلا بتعبير صريح من صاحبها!

ثم إن استقراء النصوص الشرعية، والفكر السياسي السني ـ كما رأينا في الفصول السابقة ـ وكذا الوقائع التاريخية؛ كل ذلك يثبت أن الموقف الذي اتخذه علماء السنة من السلطة الأموية والعباسية حتى العثمانية كان (فقها) - بالمعنى الدقيق للكلمة - ولم يكن خضوعا ولا خنوعا!

ومن هنا كان فكر الأستاذ ياسين الثوري تقليدا ظاهرا ـ بشكل إرادي أو لاإرادي ـ لنموذج الثورة الإيرانية، حتى في بعض تفاصيلها! قال: (هذا الإمام الخميني قاد عميلة التنفيذ في إبانها، فكانت قوة جند الله قد استكملت الإعداد، وكان لها من الحجم والتغلغل في الشعب ما ضمن لها، بعد توفيق الله، النصر)(20). ومن هنا أيضا قرر (أن مستقبل الإسلام رهين باستيعابنا لدرس إيران!)(21) كذا!

إن تأثير النموذج الإيراني في المشروع الياسيني كان حاضرا حتى في أدق تفاصيله! من ذلك مثلا الاستشراف التصوري ـ على طريقة (الأرأيتية) الفقهية! ـ لمستقبل الأحزاب السياسية، في (مغرب ما بعد القومة)! إن (السيناريو) الذي رسمه هو بالضبط المآل الذي آل إليه الحزب الشيوعي الإيراني بعد الثورة الخمينية! حيث تمت محاكمة زعيم الحزب، واعترف بكل ما نسب إليه من تهم، وصرح في التلفزيون الإيراني بأنه يستحق أقسى العقوبات! وهكذا كان يحاكم نفسه بنفسه؛ على الأقل كما عرضت ذلك وسائل الإعلام الإيرانية! لقد كانت الصورة حديثة العهد في ذهني في الأيام الأولى من الثورة الخمينية عندما نشر بعد ذلك الأستاذ عبد السلام ياسين ـ بمجلة (الجماعة) التي كان يصدرها في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات ـ تصوره لمستقبل الأحزاب السياسية بالمغرب بعد (القومة)؛ مقلدا بصورة حرفية (سيناريو) حل الحزب الشيوعي بإيران!

قال متسائلا ومجيبا في الآن نفسه: (ما مصير الأحزاب المتعددة بعد القومة؟ أنسمح لكل ناعق أن يستمر في نعيقه؟ أم نُصْمِتُ الغربان؟

(...) إننا إن أوقفنا بعد القومة كل الأحزاب من غيرنا لا نربي بذلك الشعب، بل نعطي للخصوم فرصة ذهبية ليمكروا في الخفاء، ويترقبوا وقتا يبرزون فيه معارضة من تحت.

الوسيلة لإطفاء الفتيل، وسحب المبادرة منهم: هي أن نفسح المجال لكل مخالف، ونسمح له أن يقترح اقتراحاته حتى يفتضح. وأظن أن ماضي الأحزاب في بلادنا وحده كاف ليفضحها، ويعيبها في عين الشعب عيبا لا تلافي له، يوم يكتشف تحت مجهر القومة خستها وجرائمها. نترك كل زاعم يفضح نفسه بنفسه.)(22)

إن الثورة الإيرانية قد صارت نموذجا جذابا، لكل إسلامي يمتلك نفسية صدامية. حتى إن المضمون العقدي لتلك الثورة ـ رغم ما فيه من انحراف خطير، ومناقضة للفكر العقدي السني ـ قد صار أقرب إلى وجدان بعض الشباب الإسلامي في المغرب السني! الذي بدأ فعلا يدخل ـ ولو جزئيا ـ مرحلة الإقبال على التشيع كعقيدة! وهو الذي كان مرفوضا من لدن أهل السنة والجماعة بالمغرب، على امتداد قرون التاريخ الإسلامي، رغم محاولاته التاريخية الفاشلة!

ولقد أسهم انتشار مثل هذا التفكير (المنمذِج) للثورة الإيرانية؛ في إشاعة التعاطف مع الفكر الشيعي حتى على المستوى العقدي كما رأيت، والانتقاص من شأن معاوية رضي الله عنه؛ ثم أهل السنة والجماعة بعد، بل وصل إلى حد التشكيك في صحيح الإمام البخاري - على عادتهم - والطعن في روايات أبي هريرة وجل الصحابة رضي الله عنهم، بل القول بردة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما! إلى غير ذلك من السفه المراهق الذي عرف في تاريخ الروافض! وذلك كله أذكى نار البغض للأنظمة الملكية ـ من حيث هي ملكية ـ بناء على رؤية سياسية، غذاها الحماس للثورة الإيرانية، وما لاقته من نجاح في إسقاط نظام الشاه، وكذا الحماس لحزب الله اللبناني، وما كان له من أثر في إرباك قواعد اليهود بالجنوب اللبناني. وتلك قصة أخرى ليس هذا مجال تفصيلها.

6 ـ التأثر بالجهاد الأفغاني: رغم أن الجهاد الأفغاني ـ في مرحلته الأولى ضد الروس ـ قد آل إلى ما آل إليه من فشل في إقامة الدولة الإسلامية بأفغانستان؛ لأسباب داخلية وخارجية، ليس هنا مجال تفصيلها؛ فإن الفكر الإسلامي الدعوي قد تأثر عالميا بهذا النموذج. وذلك ببروز الاتجاه الإسلامي المنادي بالحل العسكري في إصلاح البلاد والعباد! ونشطت تنظيمات الجهاد في عدد من الدول العربية والإسلامية، ومعلوم أن ذلك قد صحبه في بعض الأحيان تفكير (غال) خطير! إذ لابد ـ من أجل إقناع النفس بتقتيل المسلمين من الشعب والدولة ـ من أحكام (شرعية) وفتاوى (فقهية)؛ لتغطية هذه التصرفات والاقتناع بها نفسيا. فكان إذن أن تطور (الغلو) إلى تكفير كل من رضي بالخنوع تحت ظل الدولة (الجاهلية)، ولم (يهاجر)! ولقد أدى هذا الفكر إلى اغتيال دعاة إسلاميين في بعض البلدان العربية بأيدي (المجاهدين)؛ لأنهم أفتوا بحرمة قتل الناس، أو امتنعوا من (الهجرة)! ويسهل حينئذ تطبيق (الحكم الشرعي) عليهم ـ كما فهموه ـ من قوله تعالى: (والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا) الأنفال:72، ثم قوله سبحانه: (فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا)النساء:89. بل لقد سمعت ممن أثق به أن شيئا مما حدث في بعض الدول العربية من قتل للأطفال؛ كان بموجب الآية الكريمة التي استدل بها الخوارج من قبل: (إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا)! نوح:29.

نعم، لقد أسهم الجهاد الأفغاني فعلا في صناعة نفسية إيجابية لدى كثير من الناس؛ لكنها ـ مع الأسف ـ صرفت في بعض الأحيان في غير الاتجاه الصحيح، وأدت أحيانا أخرى إل غلو شديد، في الفكر والممارسة!

7 ـ تدهور الوضعية الاجتماعية:

مما يكاد يجمع عليه الدارسون أن الوضعية الاجتماعية للإنسان تسهم في صناعة فكره ومواقفه السياسية. وهذا حق لا مراء فيه. لكن البعض قد يغالي هو أيضا؛ فيجعل ذلك هو العامل الوحيد، أو ـ في أحسن الأحوال ـ العامل الرئيس؛ في صناعة التوجه السياسي أو الثقافي للإنسان. وهذا غلو أيضا كما قلت، خاصة إذا صيغ بنوع من التعميم غير المتحري، والمتحفظ! إلا أن ظاهرة (الغلو) تنشط غالبا ـ وأقول غالبا ـ في الأوساط الاجتماعية الفقيرة جدا، المهمشة اقتصاديا وسياسيا. ولذلك تجد فيها التيارات الغالية نوعا من الترويح النفسي، كتعبير لاشعوري عن الاعتزاز بإعلان الانتماء لحركة رافضة! ثم الانخراط في استعراض العضلات، كنوع من العلاج النفسي اللاشعوري للإحساس بالإحباط والظلم الاجتماعي والسياسي.

ومن هنا غالبا ما يميل التيار (الغالي) إلى تنظيم المظاهرات، أو المشاركة فيها؛ لاستعراض العضلات، وإظهار القوة في المسيرات، والمخيمات العددية الضخمة، وإطلاق التصريحات النارية! ذات الصبغة (الإعلانية) لا (الإعلامية)! والدخول في منافسات مع الحركات الأخرى من خلال المزايدة في المسألة السياسية، والرغبة في التفرد بالمبادرات الرافضة! وتجاوز المستوى النقدي (العادي)، الذي تمارسه الحركات الإسلامية التي تحمل رؤية إصلاحية هادئة.

كل ذلك سعيا إلى اكتساب نوع من البريق الاجتماعي، الذي يغري عادة الفئات الاجتماعية الفقيرة؛ فتتحول النظرية الإسلامية ـ بغير قصد ـ إلى (نظرية ثورية) تسعى إلى تحقيق العدل الاجتماعي في قضية توزيع الثورة ليس إلا. فيزداد الإغراء العددي والالتفاف الشعبي حول المخلِّص الاجتماعي للبلاد والعباد. ويتضاعف الغلو حينئذ ليمارس نوعا من النرجسية والذاتية في تمجيد الذات التنظيمية. واعتبار الرأي الاجتهادي الخاص؛ هو الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

8 ـ الجهل بالإسلام، وغياب التوجيه الفقهي للحركات الإسلامية:

إن الخطأ التاريخي الذي مارسه بعض العلماء ـ بإيعاز في كثير من الأحيان من الأنظمة الحاكمة ـ الخطأ المتمثل في الانخراط في محاربة شباب الصحوة الإسلامية؛ قد أدى إلى قطيعة بين الصحوة الإسلامية التجديدية الإحيائية؛ وعلماء الأمة! مما نتج عنه بناء علاقة الشك والارتياب وفقدان الثقة بين الطرفين. لكن الخاسر في النهاية كان هو مصلحة البلاد ومشروع الإصلاح الإسلامي! إذ تفرغ الشباب للدعوة الإسلامية بلا زاد علمي ولا توجيه فقهي! ولم يعيروا في كثير من الأحيان الاهتمام إلى فتوى هذا الفقيه أو ذاك، باعتبار أنما هو عالم من (علماء السلطان)!

وكان التجرؤ من الشباب المتحمس، على توظيف النصوص الشرعية، دون فقهها، ولا معرفة مناهج تنزيلها، على هذه النازلة أو تلك، وأنى لهم ذلك وهو مما تفنى دونه الأعمار؟ ويزحف دونه وهن المشيب على نضارة الشباب! وكان استصدار فتاوى ما أنزل الله بها من سلطان! وظفت لتكفير هذا الحاكم أو ذاك. ولقد كان ـ فعلا ـ غياب العلماء عن القافلة الدعوية زيادة في وتيرة الغلو فيها.

ــــــــــــــــــــــــــ

هوامش المبحث الثاني من الفصل الثالث:

(1) الفجور السياسي والحركة الإسلامية بالمغرب للمؤلف:69.

(2) رواه أحمد، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم، وصححه الألباني في (ص.ج.ص) رقم:2680)، والسلسلة الصحيحة، رقم:(1283).

(3) لسان العرب: مادة (أله).

(4) المفردات في غريب القرآن: مادة (أله).

(5) لسان العرب: مادة (وله).

(6) جمالية الدين. الفصل الأول في جمالية التوحيد.

(7) رواه البخاري.

(8) من محاضرة له مسجلة بشريط فيديو.

(9) من حوار له قديم بمجلة المجتمع الكويتية.

(10) كان يقول في دروسه التي ألقاها علينا بكلية الآداب بفاس في بداية الثمانينات: (إن الماركسية تقوم بدور جيل لم يأت بعد! وذلك سبب فشلها). فتأمل!

(11) كتاب (ثم اهتديت) واحد من كتب المدعو التجاني التونسي، وقد رد عليه الأستاذ خالد العسقلاني بكتاب واف شاف، عنونه بما يليق بصاحبه حقا، إذ سماه: (بل ضللت!) نشر دار الأمل للنشر والتوزيع بالقاهرة: 1420/1999.

(12) المنهاج النبوي:418.

(13) نظرات في الفقه والتاريخ:28ـ29.

(14) نظرات في الفقه والتاريخ:27.

(15) المنهاج النبوي:419.

(16) المنهاج النبوي:446.

(17) نظرات في الفقه والتاريخ:7.

(18) نظرات في الفقه والتاريخ:7.

(19) نظرات في الفقه والتاريخ:23.

(20) المنهاج النبوي:418.

(21) المنهاج النبوي:418.

(22) المنهاج النبوي:413/414.

ـــــــ نهاية الفصل الثالث.

الفصل الرابع: نحو بيان قرآني للدعوة الإسلامية: لماذا؟ وكيف؟

تمهيد:

جاء وصف (البيان الدعوي) هنا (بالقرآني) على سبيل النسبة إلى القرآن؛ اعتمادا على مبدأ أساس، مفاده أن الإسلام كله ـ من حيث هو دين ودعوة ـ إنما مرجعه إلى أنه (رسالة) الله رب العالمين إلى الناس أجمعين. وأن هذه الرسالة لها متن: هو القرآن العظيم، كلام الله رب العالمين. الذي أنزله على رسوله الكريم محمد بن عبد الله ليبلغه إلى العالمين. فالدعوة المحمدية إذن كانت قائمة على تبليغ القرآن. فجاءت السنة بيانا لذلك المتن؛ قولا وعملا. ذلك أن الرسولe (كان خلقه: القرآن)(رواه مسلم). فالدعوة إذن هي تعريف بالمضامين الكبرى لتلك الرسالة: القرآن العظيم، وتجديد القراءة لها تدبرا وتفكرا، وإيمانا وعملا.

ومن هنا فإنه لصياغة بيان قرآني للدعوة الإسلامية؛ لابد من محاولة رصد أمرين، الأول: الطبيعة القرآنية للدعوة الإسلامية من جهة، وهو ما سيأتي مفصلا بأدلته بحول الله. والثاني: الحاجات الدعوية للبلاد والعباد من جهة ثانية، في إطار تجدد الزمان والمكان.

ذلك أن الملاحظ المتتبع لنشاط الحركة الإسلامية يلحظ أنها قد فترت فتورا على المستوى الدعوي العام. لقد استهلكتها أنشطتها الداخلية، ووظائفها الإدارية الذاتية، الراجعة إلى مشاكل التسيير لدوائر الحركة، وكذا اهتماماتها السياسية، سواء بالانخراط المشارك، أو بالانخراط الرافض! فكل موقف في السياسة يجر إلى مهمات، وتبعات، وانشغالات جدلية وإعلامية لا تنتهي!

ومن هنا قلنا عند حديثنا عن الحركة الإسلامية بالمغرب: (إن مشكلة الحركة الإسلامية بالمغرب هي كونها قد استدرجت فعلا لتلعب خارج حلبة الصراع! وهي تعتقد أنها في صلب الحلبة تعارك وتبارز! إن الاختيار بين المواجهة السياسية والتصعيد الرافض من جهة؛ وبين المشاركة السياسية النقدية من جهة أخرى؛ ليس هو الكفيل بوضع الحركة الإسلامية على سكة الطريق!(...) فإذن؛ بؤرة الصراع هي (تدين المجتمع)، بما لكلمة (مجتمع) من معنى شمولي، بشريا ومؤسسيا.)(1)

إن المجتمع الإسلامي اليوم مهدد في عقيدته، لا من حيث هي مبادئ وتصورات؛ ولكن من حيث هي سلوك اجتماعي، يحفظ هويته من الضياع..! إن (الإيمان) الذي تحتاجه الأمة اليوم ليس إيمان (الاعتقاد المجرد). فهذا لا خوف عليه ولا ضرر؛ لأن زمن الإلحاد ـ كظاهرة سياسية وثقافية ـ قد ولى. ولكن الإيمان الذي هي في أمس الحاجة إليه؛ إنما هو إيمان الشعور بـ(الإسلامية)، أي الوعي بخصوصية (الهوية) الدينية السلوكية للمجتمع المسلم، على المستوى الفردي والمؤسسي. إننا في حاجة جديدة إلى إعادة وضع السؤال، الذي وضعه الأستاذ فتحي يكن، عنوانا لكتابه المشهور في الأدبيات الدعوية: (ماذا يعني انتمائي للإسلام؟)

إن (ماذا يعني انتمائي للإسلام؟) يجب أن يطرح اليوم بمفهوم أوسع، ومضمون أعمق. يقوم أساسا على بعث شعور ديني شامل؛ وإحساس بالرغبة الاجتماعية التلقائية في التدين، من غير تقييد بالضرورة بإطار تنظيمي ضيق!

إن (العولمة) الشاملة لن تواجهها تنظيمات محدودة في المجتمع كما وكيفا! وإن كانت تقوم بدور قيادي توجيهي على الإجمال. وإنما يمكن لها أن تواجهها فعلا إن أدركت طبيعة المعركة وموقعها هي منها بالضبط. وذلك بأن (تتخندق) مع التدين من حيث هو تدين، وتحارب من خلال الشعب لا من خلال ذاتها، كما تفعل بعض التنظيمات ذات النزعة الاستعراضية! إن دخول المعركة بشكل تنظيمي انفرادي لاشعبي؛ يعني فرض العزلة الذاتية على التنظيم، اجتماعيا ومؤسسيا! فتخسر (الدعوة الإسلامية) بذلك المعركة!

خطأ كبير قاتل؛ أن تعرض الحركة الإسلامية (التدين) للناس على أنه (جماعة كذا أو كذا)! إن ذلك يعني شيئا واحدا: هو أن المنخرطين والمتعاطفين إنما ينخرطون ويتعاطفون؛ لخدمة (قضية الحركة) من حيث هي اجتهاد معين، أكثر من كونهم ينخرطون لخدمة (قضية الإسلام) و(الهوية الدينية) للمجتمع! وذلك انحراف آخر عن المعركة الحقيقية، وشرود خارج حلبة الصراع (العولمي) الجديد!

إني أحسب أن كثيرا من التنظيمات الإسلامية الحديثة تضرب في التيه!

إننا باختصار في حاجة إلى (بعثة إسلامية جديدة)!

(بعثة)!.. هكذا! بما لهذا المصطلح من إيحاءات قرآنية وسنية! مما يستفاد من قول الله عز وجل: (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين)(الجمعة:2) وقوله سبحانه: (فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ)الآية (الإسراء:5)، وكذا قول النبيe: (إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها!)(2)

إن مفهوم (البعث) ـ إلى جانب دلالته على الإرسال ـ دال على (إحياء) الموات. ومن هنا ارتبطت الدلالة البعثية؛ بالإحيائية في القرآن الكريم والسنة النبوية.

وعليه؛ فإنه يمكن تحديد الملامح العامة للمشروع الدعوي الإسلامي ـ من حيث هو (بعث) أو (إحياء) ـ في العناصر التالية:

المبحث الأول: تجديد البعثة والمضمون (الوجودي) للدين:

إن (تجديد) الدين، الذي تحدث عنه النبيe؛ إنما هو راجع إلى تجديد الوجدان الديني لدى المسلمين، أكثر مما هو راجع إلى تجديد قضاياه، وإن كان شيء من ذلك قد يكون مقصودا بالتبع. ولكن المعنى الأصيل قائم أساسا؛ على معنى (البعثة) للأمة! (إن الله تعالى (يبعث) لهذه (الأمة) (...) من (يجدد) لها (دينها)!) إن ما وضعناه بين قوسين من المصطلحات الرئيسية في هذا الحديث؛ يتضمن مفاهيم أساسية في فهم العمل الديني، من حيث هو (دعوة). يدعو الدعاة بموجبها إلى تجديد إيماني شامل، من خلال (الانتصاب) للإمامة الدعوية، على حد تعبير الإمام أبي إسحاق الشاطبي. كما في قوله رحمه الله: (واجب على العالم المجتهد الانتصاب، والفتوى على الإطلاق)(3). وقوله عن سلوك الصحابة في تتبع سنة الرسولe: (وكانوا يبحثون عن أفعاله، كما كانوا يبحثون عن أقواله. وهذا من أشد المواضع على العالم المنتصب!)(4).

إن (البعثة) الدينية تضطلع بوظيفتين كبيرتين: وظيفة مفهومية، وأخرى وجدانية. فالأولى هي: عملية تجديد الوعي بالمفاهيم الدينية على مستوى الفهم. والثانية هي: عملية تجديد الإحساس بها على مستوى الوجدان، أو القلب؛ مما يرسخ الشعور بالانتماء للإسلام حقا؛ وبذلك يكون مشروع التجديد أكثر قابلية للتوغل في البنية الاجتماعية للمجتمع. وهذا في حد ذاته أكبر الحصون في بناء الذات من جديد، وحفظها من ريح (العولمة)، بل تمكينها من المشاركة العالمية المتميزة، موجِّهة ومنتجة، لا مستهلكة فحسب!

إن محمدا بن عبد الله عندما دعا ـ أول ما دعا ـ إلى الله علنا؛ خطب في الناس بأنه نذير لهم بين يدي عذاب شديد! رغبة في إحداث هزة وجدانية، فيما يتعلق بضرورة التفكير الجدي في المصير الوجودي للإنسان!

ذلك أن النبيe إنما كان يدعو الناس إلى معنى غيبي: هو النظر إلى (اليوم الآخر). فكان لذلك بشيرا ونذيرا. هذه هي حقيقة الدعوة الإسلامية، قبل أن تكون مشروعا سياسيا، أو (حلا) اقتصاديا، أو رؤية اجتماعية...إلخ. ونحن لا ننفي أن يكون لها بكل ذلك شأن. ولكن يجب أن نفهم أن الكلمات الأولى للإسلام ـ قرآنا وسنة ـ إنما كانت أمرا بالنذارة!

فمن حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: (لما نزلت (وأنذر عشيرتك الأقربين) خرج رسول اللهe حتى صعد الصفا، فهتف: يا صباحا! فقالوا: من هذا؟ فاجتمعوا إليه، فقال: (أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلا تخرج من سفح هذا الجبل أكنتم مصدقي؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبا. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد! قال أبو لهب: تبا لك. ما جمعتنا إلا لهذا؟ ثم قام فنزلت: "تبت يدا أبي لهب وتب")(5).

فالإسلام دين (وجودي) بالدرجة الأولى. أي من حيث هو متعلق بتفسير موقع الإنسان من الوجود، ودوره فيه، ثم مآله الذي هو آئل إليه. إنه جاء أصالة؛ ليقدم أجوبة عما يسمى بالأسئلة الخالدة: من أين؟ وإلى أين؟ وكيف؟ ولماذا؟ أسئلة كلها تضرب في عمق (الغيب)!

ولذلك كان (الإيمان بالغيب) أول صفات المتقين! قال عز وجل: (ألم. ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين، الذين يومنون بالغيب، ويقيمون الصلاة، ومما رزقناهم ينفقون. والذين يومنون بما أنزل إليك. وما أنزل من قبلك. وبالآخرة هم يوقنون. أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون)(البقرة:1ـ4). تلك آيات بينات، تدل على أن التقوى إنما هي التفاعل الوجداني (بالغيب) أصوله وفروعه؛ إيمانا يفيض عملا تعبديا؛ يصل العبد بالله!

إن (الوجودية) الدينية في الإسلام، قائمة على قضية (الخلق)، التي بمقتضاها خوطب الإنسان خطاب تكليف. ومن هنا كان يجب أن تنطلق الدعوة الإسلامية، كما انطلقت ـ أول ما انطلقت ـ مع محمد بن عبد اللهe.

وهذه مقدمة لابد من إثباتها أولا؛ للبناء عليها. وبيان ذلك كما يلي:

إن قضية الإنسان في هذا الوجود: هي أنه لم يكن ثم  كان!

كيف إذن؛ ولماذا؟ تلك هي القضية!

القضية التي أرقت الإنسان منذ كان! ولم تزل إشكالا غامضا، من غوامض الإشكالات، لدى سائر اتجاهات الفكر الفلسفي، في القديم والحديث، سواء منها المؤمنة والجاحدة.

إن الإنسان، عندما يشعر أنه مخلوق لخالق؛ يجد رغبة ملحة في البحث عن هذا الخالق؛ ليعرف مصدر وجوده. فالوجود الإنساني: هو النعمة الأولى المهداة للإنسان. فكم يشعر إذن بالفزع إذ يتخيل أنه كان يمكن ألا يكون!  تماما كما أمكن أن يكون قد كان!

ومن هنا تعظم حاجة المخلوق إلى الخالق: واهب الخلق والحياة؛ رغبة من الإنسان الفاني في استمرار الخلق والحياة. إن أول كلمة يفرض منطق الأشياء أن يتفوه بها المخلوق، بمجرد شعوره بالحياة: هي حمدا وشكرا لواهب الحياة! ولم تكن فاتحة القرآن ـ كتاب رب العالمين إلى الناس أجمعين ـ إلا ابتداء بـ(الحمد لله رب العالمين)! يقرؤها المسلم في صلاته كل يوم سبع عشرة مرة على الأقل!

ولم تكن ـ قبل ذلك ـ أول كلمة نطق بها آدم عليه السلام إلا (حمدا لله).

وإنه فعلا لمن عجيب أمر الله الكوني سبحانه، أن تكون أول كلمة نطق بها آدم عليه السلام بعد نفخ الروح فيه: هي (الحمد لله رب العالمين)! فقد حدث رسول اللهe أصحابه يوما، قال: (لما نفخ الله في آدم الروح فبلغ الروح رأسه عطس، فقال: "الحمد لله رب العالمين" فقال له تبارك وتعالى: "يرحمك الله")(6).

إن قضية (الخلق) هي الأساس الذي خاطب به رب العالمين الإنسان؛ ليطلب منه أداء حق الخالقية عليه! فهو الذي كان بعد أن لم يكن! فإذن يجب أن يؤدي حق الكينونة!

والقرآن الكريم إنما جاء لأمرين:

ـ الأول تفسير معضلة الوجود، وموقع الإنسان منها.

ـ والثاني: بيان الوظيفة المنوطة بالإنسان من حيث أذن له أن يكون عنصرا من عناصر هذا الوجود! ومن هنا قلنا إن الإسلام دين وجودي! فأي بشر على وجه الأرض ليس في حاجة إلى تفسير معضلة الوجود؟ وأي بشر على وجه الأرض في غنى عن معرفة دوره كإنسان فيه؟ إلا أن يكون كالأنعام أو أضل سبيلا!

وإن هذا الأمر ليشكل أعظم (كلية استقرائية قطعية) من كليات أصول الدين! فهي أساس (توحيد الربوبية)، الذي عليه انبنى (توحيد الألوهية)، كما هو معروف عند علماء العقيدة. إذ ما كان الرب (ربا) إلا من حيث كونه (خالقا)؛ ومن ثم استحق سبحانه أن يكون (إلها) يعبد من دون العالمين.

وتلك هي خلاصة الدين، كل الدين.

ولقد بلغ عدد المواطن في القرآن الكريم، التي ورد بها مشتق من مشتقات مادة (خلق) التي بمعنى (الخلق)، ثلاثة وخمسين ومائتي موطن! (253). هذا عدا الألفاظ ـ من غير المشتق ـ الدالة على المفهوم. فهذه إن شئت فقل: هي القرآن كله!

وليس بعيدا عن هذا حكمة الخالق العظيم؛ في أن تكون الصفة الأولى، التي ذكرت للرب، في أول ما نزل من القرآن؛ هي: أنه (الذي خلق)، هكذا على العموم؛ لاستغراق كل الخلق! ثم بعد ذلك: (خلق الإنسان) على الخصوص! وذلك قوله تعالى: (اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الانسان من علق)(العلق:1ـ2).

من هنا إذن قلنا: إن الخطاب القرآني بالتكليف إنما كان مبنيا على هذا الأساس: أداء حق الخالقية! فقد بنى سبحانه قصة الخلق الإنساني على قصة الخلق الكوني؛ فكان ذلك أساس التكليف والاستخلاف في الأرض! ثم رتب سبحانه قصة الدين كله على قصة الخلق الإنساني! وقد فصل الله عز وجل ذلك في مواطن عديدة، وسور عديدة من القرآن الكريم، على رأسها سورة البقرة:

فتدبر قوله عز وجل: (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم؛ لعلكم تتقون، الذي جعل لكم الارض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم؛ فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون. وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فاتوا بسورة من مثله، وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين. فإن لم تفعلوا ـ ولن تفعلوا ـ فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة! أعدت للكافرين. وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الانهار. كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا؛ قالوا هذا الذي رزقنا من قبل. وأتوا به متشابها. ولهم فيها أزواج مطهرة. وهم فيها خالدون.)(البقرة:20ـ24)

إلى قوله تعالى: (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم؟ ثم يميتكم، ثم يحييكم، ثم إليه ترجعون. هو الذي خلق لكم ما في الارض جميعا، ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم. وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الارض خليفة؛ قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟ قال إنيَ أعلم ما لا تعلمون)(البقرة:28ـ29).

فهذه الآيات الكريمات لخصن قصة الخلق، والتكليف الرباني للإنسان ابتداء، من حيث هو مخلوق سخرت له المخلوقات جميعا لخدمته؛ عسى أن يتفرغ هو للخلافة التعبدية. فجاءه الأمر بالعبادة التي هي حق الله عليه، من حيث إنه تعالى خلقه وخَلَق له! أي خلقه بذاته ونفسه، وخلق له ما يخدمه من الكائنات. وهيأ له أسباب العلم ليكون إمام المخلوقات ـ إن صلح واستقام على الطاعة ــ في طريق السير إلى الله الواحد الأحد سبحانه وتعالى.

وهكذا يرتبط في القرآن ـ بصفة مطردة ـ الأمر الرباني بالعبادة؛ بالتذكير بصفة الله الراجعة إلى اسمه تعالى: (الخالق)، إذ تلك نعمته الأولى على عبده: (الذي خلقكم) كما قرأت في سورة البقرة، وكما هو أيضا في غيرها. قال سبحانه: (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء)(النساء:1).

ومثله قوله تعالى: (وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون)(الذاريات:56). وهذه آية مفيدة للحصر. أي أن الغاية الكلية من خلق الخليقة إنما هو العبادة، وهو مفيد أن ذلك إنما هو بمقتضى نعمة (خلقها)!

ومثله قوله سبحانه: (تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير. الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور. الذي خلق سبع سماوات طباقا. ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت. فارجع البصر هل ترى من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير)(الملك:1ـ4).

فخلق الإنسان: نعمة وجودية كبرى، يبوء بها الإنسان لرب الإنسان! أي: بموجبها وجب أن يخضع الإنسان لخالق الإنسان، خضوع العبد لسيده! ومن هنا كان ذلك التفصيل العلمي الدقيق، في القرآن، لمراحل خلق الإنسان وأطواره؛ بما يؤكد قصد الشارع الأصيل، في إبراز هذا الأمر (كوثيقة) تدين الإنسان كلما فكر في الإباق عن ربه الذي خلقه! وهو قوله سبحانه: (ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين. ثم جعلناه نطفة في قرار مكين. ثم خلقنا النطفة علقة. فخلقنا العلقة مضغة. فخلقنا المضغة عظاما. فكسونا العظام لحما. ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين)(المومنون:12ـ14).

ومن ثم أيضا يُذَكّر الرب الخالقُ الإنسانَ المخلوقَ بمرحلة (ما قبل عمره)! وهي مرحلة قلما يفكر فيها ابن آدم! فإنما يفكر ـ عادة ـ في ماضيه، وحاضره، ومستقبله. ولا يفكر في مرحلة (ما قبل الماضي؟) من وجوده هو بالذات! ولكن الله ينبهه بإشارة عظيمة إلى ذلك؛ فيقول سبحانه في آية تقشعر الجلود من تدبرها: (هل أتى على الانسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا؟ إنا خلقنا الانسان من نطفة أمشاج؛ نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا. إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا!)(الإنسان:1ـ3).

أما عندما يهتدي العبد إلى ربه؛ فيكون عالم الخلق هو المسلك التفكري، الذي يسلكه إلى ربه، ويعبده به؛ تسبيحا وتنزيها. قال عز وجل: (إن في خلق السماوات والارض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم، ويتفكرون في خلق السماوات والارض: ربنا ما خلقت هذا باطلا، سبحانك؛ فقنا عذاب النار)(آل عمران:190ـ191).

وقوله سبحانه: (قل سيروا في الارض فانظروا كيف بدأ الخلق!)(العنكبوت:19).

وأما عندما يكفر العبد بربه الخالق، ويشرد في العصيان بعيدا عن باب خدمته وعبادته؛ فإنما يكون قد أنكر جميل النعمة الأولى: الخلق؛ ولذلك وجدنا القرآن لا يفتأ يذكر بها في هذا السياق خاصة! وهو منطوق قول الله تعالى: (قتل الانسان ما أكفره! من أي شيء خلقه؟ من نطفة خلقه فقدره، ثم السبيل يسره، ثم أماته فأقبره، ثم إذا شاء أنشره)(عبس:17ـ22).

وقوله سبحانه: (ويقول الانسان: أإذا ما مت لسوف أخرج حيا؟ أو لا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا؟)(مريم:26).

وقوله سبحانه: (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا؛ وأنكم إلينا لا ترجعون؟)(المؤمنون:116).

وقوله سبحانه: (أو لم ير الانسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين! وضرب لنا مثلا ـ ونسي خلقه ـ قال من يحيي العظام وهي رميم؟ قل: يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم! الذي جعل لكم من الشجر الاخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون. أَوَ ليس الذي خلق السماوات والارض بقادر على أن يخلق مثلهم؟ بلى وهو الخلاق العليم. إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له: كن؛ فيكون! فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون)(يس:76ـ82).

ومن هنا إذن كان (توحيد الخالقية) أعظم أصول توحيد الربوبية كما ذكرنا. وقد تواترت آيات القرآن الكريم في ذلك تواترا لفظيا ومعنويا؛ حتى كان بذلك جوهر توحيد الربوبية ـ كل توحيد الربوبية ـ إنما هو توحيد الخالقية!

لقد كان القرآن حاسما صارما في الحكم بتفرد الواحد الأحد (بالخلق)، كصناعة وجودية! فقال تعالى على سبيل التحدي: (هذا خلق الله. فأروني ماذا خلق الذين من دونه! بل الظالمون في ضلال مبين)(لقمان:10). وقال في هذا النوع من التوحيد خاصة: (ما اتخذ الله من ولد. وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق، ولعلا بعضهم على بعض! سبحان الله عما يصفون)(المؤمنون:92).

ولذلك أيضا لم يجز أن يتسمى أحد من خلقه (خالقا)، ولا أن يوصف به. مع أنه جاز أن يوصف العبد ببعض أسمائه الحسنى، على سبيل التنكير؛ فقال ـ مثلا ـ في وصف رسوله محمدe: (بالمومنين رؤوف رحيم)(التوبة:129). وأما (خالق) ـ منكرة ومعرفة ـ فلا! فإنما هي لله وحده من دون العالمين! ولذا كان قوله سبحانه: (ألا له الخلق والأمر! تبارك الله رب العالمين)(الأعراف:53). له وحده دون سواه. قال عز من قائل: (هو الله الخالق البارئ المصور له الاسماء الحسنى)(الحشر:24).

وتضافر معنى تفرد الخالق بصفة (الخلق) في القرآن؛ بما يقطع بحرمة وصف أحد من خلقه بها. فمن ذلك قوله سبحانه: (أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم؟ قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار)(الرعد:18).

وقوله سبحانه: (أفمن يخلق كمن لا يخلق؟ أفلا تذَّكّرون؟)(النحل:17).

وقوله سبحانه: (يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له! إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له! وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه. ضعف الطالب والمطلوب. ما قدروا الله حق قدره. إن الله لقوي عزيز)(الحج:71ـ72).

وقوله سبحانه: (قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده؟ قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده فأنى توفكون؟)(يونس:34).

هذا عن (الخلق) من حيث هو (مصطلح) قرآني.

وأما (المفهوم) فيكاد ـ كما قلنا ـ يكون هو القرآن كله! فكل معاني الربوبية، والملك، والإنعام، والابتلاء، والإنشاء، والإعادة، والمصير...إلخ. كل ذلك وما في معناه إنما هو من مفهوم الخلق! فهو لذلك من أعظم الكليات القرآنية، وأوسعها!

وأما السنة ـ وهي موطن البيان والتفصيل ـ فقد كان النبيe يفصل ما أجمله القرآن من أمر الخلق. وقد زخرت كتب السنن بذلك؛ حتى إن الإمام البخاري رحمه الله ترجم في صحيحه لكتاب سماه: (كتاب بدء الخلق) جعل فيه سبعة عشر بابا، لكل باب أحاديثه! ولنقتطف منها حديثا واحدا جامعا مانعا في ذلك. وهو ما رواه البخاري بسنده عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (قام فينا النبيe مقاما فأخبرنا عن بدء الخلق؛ حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم. حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه)(4/543)

وإن دل هذا على شيء؛ فإنما يدل على احتفاء الدين بقضية الخلق، كأساس لحق الله السابق على خلقه، من حيث خلَقَهم. وهنا يكمن سر (وجودية) هذا الدين. وإن إحياء هذا المعنى في النفوس لهو أساس معنى تجديد الدين. الذي يقتضي أول ما يقتضي تجديد العهد الإلهي، في الوعي والوجدان الإنسانيين، وإحيائه في النفس والمجتمع.

إن ثمة (سرا) مهما جدا من أسرار التعبد. وسريته ليست في حقيقته العلمية أو المفهومية. بل هو بهذا الاعتبار أمر واضح جدا في القرآن والسنة، وما ينبغي أن يكون في هذا الدين من حيث هو تكاليف لعامة الناس (أسرار) تعبدية! وإنما (السرية) المقصودة هنا هي على المستوى النفسي خاصة. وهذا هو الذي قد يغفل عنه كثير من الناس! وبيان ذلك: أن من أهم أسباب الإقبال على الدين، أو الإدبار عنه ـ إن لم يكن أهمها على الإطلاق ـ (الإحساس بالربوبية). وأقول (الإحساس) بمعنى (الوجدان)، وليس (العلم) بها فقط! فالعلم هو الشرط الأول. لكنه يجب أن يتبع بالإحساس. من مثل (وجدان حلاوة الإيمان) المتحدث عنه في الحديث النبوي الشريف، كما في قولهe: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه؛ كما يكره أن يلقى في النار)(متفق عليه). فالحلاوة أمر ذوقي شعوري، لا علمي. فكم من مدرك ذهني غير مدرك بالوجدان. وهنا تكمن المشكلة!

إن (الإحساس بالربوبية)  على المستوى النفسي سر من أسرار التعبد، من حيث هو إقبال وإدبار، أو شرة وفترة، أو قبض وبسط. وضعف هذا الشعور في النفس والمجتمع مؤد بالضرورة إلى ضعف التدين ثم الانقطاع عنه.

والمقصود (بالإحساس بالربوبية): استشعار توحيد الربوبية كما فصله علماء التوحيد. بيد أن لنا ههنا نكتة إيمانية، أو لطيفة دعوية: هي (سر) المسألة. وبيانها كما يلي:

إذا كان العلماء قد شرحوا توحيد الربوبية: بأنه الإقرار بتفرد الخالق سبحانه وتعالى في ملكه للعالمين، وإسناد كل شيء له (خالق كل شيء؛ فاعبدوه!)(الأنعام:102) ومن هنا سيادته على خلقه أجمعين، أمرا وتقديرا، وخلقا، وتدبيرا. قلت: فإن اعتقاد ذلك يجب أن يتبع باستحضار دائم على مستوى الوجدان، حيث ينمو في النفس الشعور بالعبودية لله الواحد القهار؛ الذي هو مقتضى المخلوقية وزكاتها، كما أنه مقتضى الخالقية وحقها! ومن هنا كان الأمر الوارد في القرآن للناس بالعبادة قائما على هذا الأساس. أي حق الرب الذي قد خلق؛ على كل ما ـ ومن ـ خلق. وهذا ما فصلوه في معنى: (توحيد الألوهية). فتعظيم الربوبية مؤد ـ بإذن الله ـ إلى تعظيم الألوهية؛ ولذلك قال تعالى كما ذكرنا: (خالق كل شيء؛ فاعبدوه!). وذلك كمال الدين.

إن إحساس الناس اليوم بمخلوقيتهم ضعيف جدا! وهذا هو أساس الدعوة إلى الله، الله الخالق للإنسان وللعوالم أجمعين. ودعوة الناس إلى الله هي دعوة لهم ليعودوا إلى سرب العابدين. إنها العودة إلى نسق المدار، حيث تدور الأفلاك بأجرامها سيرا إلى الله الواحد الأحد. إن عناصر الوجود كلها ـ إلا من استثنى الله من العصاة ومردة الجن والإنس ـ تسير إلى ربها الخالق لها سير شوق وتوق إلى مصدر النور والحياة. فالدعوة: نداء للشاردين عن وجهة الكون الواحدة الموحدة: الله رب العالمين! إن الكافر أو الفاسق أو العاصي، أو كل من شذ عن فلك الحق؛ هو ـ بالضرورة ـ في خصام مع عناصر الكون جميعا! من حيث كونها كلها موحدة لسيرها بمداراتها وأفلاكها، وهو وحده شارد في فوضى الضلال، لا يفتأ يصطدم مداره المختل بمداراتها المنتظمة، المصطفة، في سعيها إلى الرب العظيم، الملك الحق، القدوس السلام؛ مصطفة في صفوف، تماما كصفوف الصلاة في المعنى التعبدي.

ومن هنا وجدنا القرآن لا يفتأ يذكر بهذه الحقيقة العظمى: الأخوة الكونية والتناسق في توحيد السير إلى الله بين مختلف عناصر الطبيعة والخلق. قال عز وجل: (ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض، والشمس، والقمر، والنجوم، والجبال، والشجر، والدواب، وكثير من الناس؟ وكثير حق عليه العذاب!)(الحج:18) فالقرآن الكريم يعرض الوجود كله عرضا متناسقا في سيره نحو خالقه. فكل الأرضين، وكل الأجرام، وكل الكواكب والنجوم، وكل السماوات، وكل المدارات، وكل ما هنا وهنالك، على امتداد هذا الملكوت؛ كل شيء.. كل شيء؛ دائر في فلك الله الواحد الأحد. وإنما يبقى جزء من هذا الإنسان، وقبيل الشيطان، هم الذين يمارسون شذوذا وشرودا؛ بتمزيق وحدة الوجهة نحو الخالق العظيم!

وفي مشهد متفرد من مشاهد الأخوة الكونية، المؤلفة بين عناصر شتى من هذا الوجود؛ نجد نوعا من هذا التناسق الكوني في مشهد عجيب لداود عليه السلام، إذ يسجد لربه في موكب متسق التغريد والتجويد! من الجبال والطيور كأنهم جميعا صف من صفوف الصلاة. قال تعالى: (وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير)(الأنبياء:79)، وقال سبحانه: (إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والاشراق والطير محشورة كل له أواب)(سورة: ص:17ـ 18) وقال عز وجل: (يا جبال أوبي معه والطير)(سبأ:10)، (وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم)(الإسراء: 44) و(كلٌّ قد علم صلاته وتسبيحه!)(النور:41).

فهذه المخلوقات الوجودية عَرَفَتْ بمخلوقيتها حق الخالقية؛ فسارت إلى الله خالقها طوعا، كما هي سائرة إليه قهرا. قال سبحانه: (أفغير دين الله تبغون؟ وله أسلم من السماوات والأرض طوعا وكرها، وإليه ترجعون)(آل عمران:82). وقال سبحانه: (ولله يسجد من في السماوات والارض طوعا وكرها، وظلالُهم بالغدو والآصال)(الرعد:16). وقال عز من قائل: (ثم استوى إلى السماء وهي دخان، فقال لها وللارض ايتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين)(فصلت:10).

إن حقيقة الربوبية وما تقتضيه من ألوهية هو المعنى الذي يجب على الداعي أن يقوم (بتحسيسه) للناس، (وتذويقهم) إياه؛ حتى يتحركوا في السير إلى الله طائعين، كما هم سائرون إليه تعالى (كارهين)، بمعنى مقهورين بقدر الله الكوني. وإنما يدخل الجنة من يدخلها ـ بإذن الله ـ جزاء على سيره الاختياري لا القهري أو الكرهي.

ومن هنا كانت دعوة الناس إلى الله (دعوة إلى الله). أي ـ كما بينا قبل ـ إلى حق الله عليهم من حيث خلقهم. فكان له بذلك عليهم حق العبودية. ثم كان عليهم بذلك تلبية نداء الفطرة الكامن في مواجيدهم الحائرة، أو الغافلة، أو الضالة. فمن وجد الله حقا؛ فقد وجد الهدى كله. (قل إن هدى الله هو الهدى)(البقرة:119). ولكن ذلك لن يتم إلا بشرط أساس: هو مضمون المبحث الثاني، الذي نصوغه كما يلي:

المبحث الثاني: الدعوة إلى الله؛ لا إلى الأحزاب والهيآت:

(التنظيم) – بمعناه الإداري - للعمل الدعوي وأصحابه؛ ضرورة من ضرورات كل عمل، يريد أن يشتغل في المجتمع. هذه حقيقة شرعية واجتماعية لا مراء فيها، وسنة من سنن الله في الكون وفي المجتمع. لكن من تلبيس إبليس على بعض الدعاة المنتمين إلى جماعات منظمة هو أنهم صاروا ـ من حيث يدرون أو لا يدرون ـ يدعون إلى الانخراط في عملهم التنظيمي على أنه دعوة إلى (الله)! مما أدى إلى انحصار العمل الإسلامي ـ من حيث أرادوا توسعته ـ في دائرة الذين لديهم استعداد تنظيمي من الناس، وقليل ما هم. هذا من ناحية؛ ومن ناحية أخرى؛ فإن ذلك قد دس في القلوب نوعا من (الوثنية الخفية)؛ فقد صار المنتمون ـ في اللاشعور التنظيمي ـ يقيمون نوعا من (قياس الشبه) بين جماعتهم وبين الإسلام! فصار الداخل إلى هذه الجماعة أو تلك كأنما قد دخل في الإسلام، ومن بقي خارجها فكأنما بقي خارج الإسلام! وكثير من الناس لا يصرحون بهذا المنطق، لكنهم يمارسونه عمليا؛ إذ صار (الولاء والبراء) مبنيا على مقياس الانتماء! مما يدل فعلا على أن (الجماعة التنظيمية) ـ من حيث هي إطار وشعار ـ قد احتلت مكان الإسلام من قلوبهم. وهذا انحراف عقدي خطير!

ثم إن الإسلام اليوم ـ كما هو قديما ـ ليس في حاجة إلى رص الناس كل الناس في تنظيم معين. وليس معنى هذا أني أقول ببدعية التنظيم أو تحريمه. كلا، فإنما هو من (الوسليات الدعوية) ليس إلا. ولا حجر في الوسائل المصلحية، ولا توقيف. وإنما المقصود أن الدعوة يجب أن تستقل عن التنظيم من حيث هي دعوة إلى الله أساسا. بمعنى أن التنظيم يجب أن يكون في خدمة الدعوة لا العكس، كما هو حاصل في كثير من الأحيان اليوم!

إن الدعوة إلى الله يجب أن تتم على أنها (دعوة إلى الله). بما للكلمة من جمالية، وتجرد. الدعوة إلى الله: دعوة إلى ربط القلوب به سبحانه وتعالى وحده دون سواه. دعوة إلى الاغتراف من منابع الإيمان الصافية، دون شوب، أو لوث من هذا التنظيم أو ذاك!

ولو كان بعض نشطاء الحركات الإسلامية فعلا يعقلون؛ لأدركوا أن الوسط المتدين كلما ازداد اتساعا؛ ازدادت (الإسلامية) ـ التي هي غاية (الحركات الإسلامية) ـ في البلاد تمكنا واتساعا. إن (التدين العام) هو الفضاء الأوسع الذي يحتضن العمل الإسلامي بصورة تلقائية ويدعمه ويسنده، ويمده بأسباب القوة، في مواجهة المنكر. إنه هو (رأيه العام)! لكنه لن يطمع يوما ما أن يكون جزءا تنظيميا منه! فهذا خطأ شرعي، ومحال اجتماعي!

خطأ شرعي لأن الدعوة يجب أن تكون هي الغاية الكبرى من الوجود التنظيمي. فإذن يجب أن يدعو التنظيم إلى الله أصالة. فالله جلت عظمته هو غاية كل مخلوق اهتدى إليه تعالى في هذا العالم. وإنما نمو التنظيم يكون بغير حرص أصحابه عليه. إنه يحدث بصورة تلقائية، (بقدر الحاجة). والمشكلة اليوم في التنظيمات الدعوية، أن (الموارد البشرية) المنتمية إليها هي بحجم فائض عن الحاجة! لكنها لا تدعو إلى الله، إلا قليلا قليلا! إنها تمارس بانتمائها نوعا من الإقناع اللاشعوري بإفراغ الذمة من الواجب الديني! ـ زعموا ـ مما يشعرها بنوع من الاطمئنان الواهم على المصير الأخروي! فصار الانتماء التنظيمي، في كثير من الأحيان، أشبه ما يكون ـ على المستوى النفسي ـ بصكوك الغفران البابوية!

إن الدعوة إلى الله: دعوة إلى الله وكفى!

إن الله عز وجل يقول بصريح النص: (ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعملا صالحا وقال إنني من المسلمين)(فصلت:33). القضية إذن فيمن (دعا إلى الله)! وما أرفع هذا التعبير القرآني وأجمله! (دعا إلى الله) ألم يكن ممكنا أن يكون مثلا: (دعا إلى الإسلام) أو (دعا إلى هدى)؟ كما هو التعبير في بعض الأحاديث؟(7) ولكنه هنا: (دعا إلى الله) تصريحا بضرورة التجرد من كل الوسائط والأشياخ والأبدال، وسائر الألقاب والشعارات والأشكال!

الدعوة إلى الله: دعوة إلى ذاته سبحانه وتعالى. بلا وسيط. إذ الدعوة إلى ذات الله تعالى، دعوة إلى عبادته بالمعنى التوحيدي الوجداني الصافي. فلا ينبغي أن يحضر بعد الدلالة عليه وجود لأي شيء، سوى الله سبحانه وتعالى! ولو كان هذا الداعي هو محمد رسول اللهe. إن المسألة تَعَبُّدُ توحيدٍ خالص! لا تعليم وتفقيه في حاجة إلى معلم أو فقيه. وهذا واضح بنص القرآن. وذلك قوله سبحانه: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب. أجيب دعوة الداعي إذا دعان. فليستجيبوا لي وليومنوا بيَ لعلهم يرشدون)(البقرة:185)

إن هذه الآية الكريمة هي مفتاح المنهج القرآني في الدعوة إلى الله، (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب...) إن على الداعية أن يقود الناس إلى هذه الحقيقة العظيمة، ويتركهم بباب الله، فسيجدون الباب مفتوحا، والرب مرحبا! لأن (العبادة) من حيث هي خضوع قلبي قبل أن تكون أفعالا بدنية؛ إنما هي علاقة مباشرة بين العباد المخبتين، التائبين، العابدين، والرب الملك، العظيم، البَر، الرحيم. فما للتنظيمات والحركات وهذا الشأن الذي لم يكن حتى للأنبياء؟

ولقد التقط الأستاذ سيد قطب رحمه الله منها لطائف من رَوْح الله فقال: (إضافة العباد إليه، والرد المباشر عليهم منه.. لم يقل: (فقل لهم): إني قريب.. إنما تولى بذاته العلية الجواب على عباده بمجرد السؤال: قريب.. (...) إنها آية عجيبة.. آية تسكب في قلب المؤمن النداوة الحلوة، والود المؤنس، والرضى المطمئن، والثقة واليقين.. ويعيش منها المؤمن في جناب رضي، وقربى ندية، وملاذ أمين وقرار مكين.)(8)

وقد فصلنا هذا المعنى في كتابنا جمالية الدين: (ذلك أن  الطريقة الغالبة في السؤال والجواب في القرآن ـ كما قرره علماء القرآن ـ أن يجيب الله عز وجل على أسئلة الناس بقوله تعالى لنبيه محمدe: (قل)؛ إمعانا في ترسيخ نبوته، ورسالته إلى الناس، معلما ومربيا ورسولا! وتلك خلاصة (عقيدة الاتباع) في شهادة: (أن محمدا رسول الله)، وهو أغلب أسلوب القرآن في هذا الشأن. وذلك نحو قوله تعالى: (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج)(البقرة:189) وقوله عز وجل: (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه، قل قتال فيه كبير)(البقرة:215)  وقوله أيضا: (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس)(البقرة:217) وفي الآية نفسها قوله سبحانه: (ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو)، وكذا قوله تعالى: (ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير)(البقرة:218) ومثله: (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى)(البقرة:220) ثم قوله: (يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول)(الأنفال:1) وقوله: (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي)(الإسراء:85) وقوله: (يسألك الناس عن الساعة قل إنما علمها عند الله)(الأحزاب:63).. ونحو ذلك كثير جدا، فلا داعي للإطالة.

وإنما المهم عندنا هنا أن خلو هذه الآية (وإذا سألك عبادي عني..) من لفظ (قل) يدل على خصوص السؤال الآتي من (العباد)؛ ذلك أنهم هنا يسألون عن (معبودهم) لا عن كيف يعملون في أمور الدين! إذ أن قضايا العقيدة، والفقه، والأحكام شأن الرسول المعلم، الذي بعث ليعلم الناس كيف يعبدون الله. أما هؤلاء فإنهم الآن يسألون عن الله ذاته سبحانه، لا عن كيف يعبدونه! يسألون عن باب رضاه! إنه سؤال محبة وشوق ووجدان!)(9).

وهذا هو الدور الأول للدعاة اليوم! الدلالة على الله، لا على التنظيمات والجمعيات والرسوم والأشكال! فما كان لله دام واتصل وما كان لغير الله انقطع وانفصل. إن التنظيم أو الحزب ـ سمه ما شئت! تعددت الألقاب والدور واحد! ـ يمكنه أن يدعو إلى مشروعه الاجتهادي في السياسة، أو النقابة، أو الإدارة أو الاقتصاد... لكن الدعوة إلى التدين العام يجب أن تكون دعوة إلى الله وكفى! فالله قريب من كل من أحب السلوك إليه تعالى. لا حاجة له في لقب (جمعوي)، ولا صك غفراني! (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب. أجيب دعوة الداعي إذا دعان. فليستجيبوا لي وليومنوا بيَ لعلهم يرشدون).

فإنما دور الداعي هنا أن يدعو الناس إلى ربهم، فإذا استجابوا؛ فيكفي أن يقول لهم في هذا المجال خاصة: (حولها نُدَنْدِنُ!)(10) كما قال النبيe في حكمته البالغة!

إن الدعوة إلى الله هي دعوة إلى الإيمان بكل معانيه القرآنية. والإيمان إنما هو تعلق القلب بالله عز وجل بالغيب. وهذا مجال لا دخل للاجتهاد البشري فيه؛ فوجب أن ينقطع الدور الدعوي فيه عند حدود الاستجابة؛ ويشرع بعد ذلك في ما يخدم ذلك من التعليم والتكوين. أما وأن يكون واسطة بين العبد وربه؛ حتى يشعر العبد أن تعبده في إطار هذا التنظيم أفضل من تعبده في إطار ذاك؛ كما هو حاصل اليوم، مع الأسف؛ فذلك هو الانحراف عينه!

ولذلك قلنا وما زلنا نقول لإخواننا في الحركات الإسلامية: (إنه يجب تأميم الدعوة إلى الله)!

ولقد لخص العالم الرباني الإمام ابن القيم رحمه الله، معنى (الدعوة إلى الله) في نص نفيس تشد إليه الرحال. قال: (والرسل من أولهم إلى خاتمهم ـ صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ـ أرسلوا بالدعوة إلى الله، وبيان الطريق الموصل إليه، وبيان حال المدعوين بعد وصولهم إليه.

فهذه القواعد الثلاث، ضرورية في كل ملة، على لسان كل رسول. فعرّفوا الرب المدعو إليه بأسمائه وصفاته وأفعاله، تعريفا مفصلا؛ حتى كأن العباد يشاهدونه سبحانه. وينظرون إليه من فوق سماواته، على عرشه، يكلم ملائكته، ويدبر أمر مملكته، ويسمع أصوات خلقه، ويرى أفعالهم، وحركاتهم، ويشاهد بواطنهم، كما يشاهد ظواهرهم. يأمر وينهى، ويرضى ويغضب، ويحب ويسخط، ويضحك من قنوطهم، وقرب غِيَره، ويجيب دعوة مضطرهم، ويغيث ملهوفهم، ويعين محتاجهم، ويجير كسيرهم، ويغني فقيرهم، ويميت ويحيي، ويمنع ويعطي، يؤتي الحكمة من يشاء، مالك الملك، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير (...) فأزِمّة الأمور كلها بيده، ومدار تدبير الممالك كلها عليه. وهذا مقصود الدعوة، وزبدة الرسالة!

القاعدة الثانية: تعريفهم بالطريق الموصل إليه. وهو صراطه المستقيم، الذي نصبه لرسله وأتباعهم. وهو: امتثال أمره، واجتناب نهيه، والإيمان بوعده ووعيده.

القاعدة الثالثة: تعريف الحال بعد الوصول. وهو ما تضمنه اليوم الآخر من الجنة والنار. وما قبل ذلك من الحساب، والحوض، والميزان والصراط)(11).

وإنما هذه هي كليات الدين الكبرى. كما قررها القرآن الكريم، وفصلتها السنة النبوية. فلم يزد ابن القيم على أن لخص لنا ذلك في هذه الكلمات؛ تقريبا وتفسيرا.

وجامع ذلك قول الله سبحانه: (قل إن صلاتي ونسكي ومحيايْ ومماتيِ لله رب العالمين. لا شريك له. وبذلك أمرت. وأنا أول المسلمين)(الأنعام:165).

إن إسناد كل شيء إلى الله عز وجل: العبادة والحياة والموت، يعني إسناد كل الوجود البشري إليه تعالى. وفي ذلك يجد المؤمن راحة وأي راحة. إنها راحة النفس التواقة إلى معرفة (السر) الكوني الوجودي، الذي تعلم علم اليقين أنه عند الله وحده دون سواه. قال سبحانه: (قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والارض)(الفرقان:6). والإنسان المتفكر في الوجود يجد نفسه محاطا بعالم من الأسرار والغوامض. إلا أن أعقدها بالنسبة إليه وأشدها عليه: سر الموت والحياة! وذلك من حيث إنه يكره الفناء ويعشق البقاء. وإذ لا باقي إلا الله عز وجل، وإذ (كل من عليها فان)(الرحمن:24) بالقرآن والعيان؛ فإن الإنسان يشعر بحاجة شديدة إلى الله الباقي؛ ليتعلق بأسباب رحمته تعالى وبنور بقائه. ولذلك كان الإيمان قائما على إثبات التوحيد لله رب العالمين. من حيث كان هو مفتاح السر الكبير في طريق معرفة هذا الوجود، وكيفية إسناده لخالقه تعالى.

ولقد كان للأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي في هذا المقام كلمات مشرقة. نقتطف منها ما يلي: قال رحمه الله: إن (السرَّ العظيمَ: سرُّ التوحيد!)(12)؛ إذ (التوحيد هو أعظم حقيقة في عالم الوجود!)(13) ومن هنا كان (أساس الإسلام هو التوحيد الخالص)(14) فالتوحيد هو المسلك الأساس الذي يقود إلى الله، ويهب القلب طمأنينة السير بين مسالك الحياة والموت. إنه البلسم الرباني لداء الغفلة والحيرة والشعور المرضي بالعبثية. قال بديع الزمان: (التوحيد الحقيقي: وهو الإيمان بيقين أقرب ما يكون إلى الشهود، بوحدانيته سبحانه؛ (...) إيمانا يهب لصاحبه الاطمئنان الدائم، وسكينة القلب؛ لرؤيته آية قدرته، وختم ربوبيته، ونقش قلمه على كل شيء)(15).

ذلك أن (التوحيد الحقيقي: (...) هو أسمى من مجرد المعرفة التصورية بكثير. فالتوحيد الحقيقي: إنما هو حكم وتصديق، وإذعان وقبول، بحيث يمكن المرء من أن يهتدي إلى ربه من خلال كل شيء، ويمكنه من أن يرى في كل شيء السبيل  المنورة التي توصله إلى خالقه الكريم، فلا يمنعه شيء قط عن سكينة قلبه واطمئنانه، واستحضاره لمراقبة ربه!)(16).

من هنا كانت الدعوة إلى الله في جوهرها دعوة إلى التوحيد الحق، حيث لا وسائط تنظيمية ولا شعارية انتمائية، ولا أوثان، ولا أشياخ، ولا أوتاد، ولا أبدال، وإنما هنالك الله الواحد القهار! فالدعوة إليه تعالى: دعوة إلى توحيد الوجهة إليه، اعتقادا وعبادة؛ حتى تحصل الغاية من الخلق، التي هي جماع مقاصد الأنبياء والرسل، المحجة البيضاء التي لا يزيغ عنها إلا هالك: وصل الخلق بالخالق، وصل خضوع وإخبات مطلق، مما ذكرنا ـ قبل ـ من قوله تعالى: (قل إن صلاتي ونسكي ومحيايْ ومماتيِ لله رب العالمين. لا شريك له. وبذلك أمرت. وأنا أول المسلمين)(الأنعام:165).

قال سيد قطب رحمه الله في تفسيرها: (إنه التجرد الكامل لله، بكل خالجة في القلب، وبكل حركة في الحياة. بالصلاة وبالاعتكاف. وبالمحيا والممات. بالشعائر التعبدية، وبالحياة الواقعية، وبالممات وما وراءه. إنها تسبيحة (التوحيد) المطلق، والعبودية الكاملة، تجمع الصلاة والاعتكاف والمحيا والممات، وتلخصها لله وحده. لله (رب العالمين).. القوام المهيمن، المتصرف المربي، الموجه الحاكم للعالمين.. في (إسلام) كامل، لا يستبقي في النفس، ولا في الحياة بقية؛ لا يعبدها لله، ولا يحتجز دونه شيئا، في الضمير، ولا في الواقع.. (وبذلك أمرت).. فسمعت وأطعت: (وأنا أول المسلمين)(17).

فأي لوث (حركي انتمائي) يكدر صفو هذا الجمال؛ لا يكون ـ في أحسن أحواله ـ إلا شركا خفيا! ولا أقصد ـ مرة أخرى ـ أن العمل الدعوي التنظيمي بدعة من البدع، وإنما القصد أن الممارسة الدعوية الصادرة عنه؛ لا يجوز ـ بأي حال من الأحوال ـ أن تنبني على قصد التلبيس الانتمائي للأمة، في طريق التعبد الخالص، ودلالة الخلق على الخالق. فما أهلك التنظيمات الإسلامية ـ في كثير من الأحيان ـ إلا التنابز بالأسماء والألقاب، والانتصار للشعارات والأقطاب!

وإذن؛ ألم يان للحركات الإسلامية أن تنطلق في (دعوتها)؛ داعية إلى الله! ثم داعية إلى الله! ثم داعية إلى الله.. دعوة خالصة لله! فإنما قال الله عز من قائل: (ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعملا صالحا وقال إنني من المسلمين)(فصلت:33). هكذا: (وعمل صالحا وقال: إنني من المسلمين)؛ حتى لا يكون ممن يقول ولا يفعل. بل يجب أن يدعو إلى ما هو عليه من صفات، بها انتسب إلى مجتمع المسلمين! ولذلك قال: (وقال: إنني من المسلمين) على سبيل الاندماج في المجتمع بصلاحه الذي انتصب به داعيا إلى الله، لا أن يتميز (بخروجه) أو (تكفيره) أو (تجهيله)! بل يتميز بتواضعه ومشاركته للأمة في الحق، وإعانته لها على دفع الباطل.

ومن هنا يكون الداعية إلى الله، إنما يقود المجتمع من داخله، لا من خارجه! وما أحكمها كلمة ما فتئ الدكتور أحمد الريسوني(18) يجيب بها؛ متى سئل من لدن شباب الحركة الإسلامية: (ما الذي يميزنا؟). فيقول: (يميزنا عدم التميز).

المبحث الثالث: بعث الرسالة القرآنية:

ونجيب ـ ضمنه ـ عن سؤال ضروري: لماذا كان وصف البيان الدعوي بـ(القرآني)؟

ذلك أن تجديد الدين يعني (بعثة) جديدة. وإنما بعث محمدe بالقرآن الكريم. بشيرا ونذيرا للعالمين. فكان كتاب الله بين يديه هو (متن الرسالة) التي كلف بتبليغها إلى الناس. ومن هنا فإنما كان تعاملهe مع القرآن من حيث هو (رسالة) بالدرجة الأولى، يحمل الهداية إلى العالمين! وبذلك سمي محمدe: (رسولا)، على سبيل التكليف؛ فقال له الله عز وجل: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك! وإن لم تفعل فما بلغت رسالاته. والله يعصمك من الناس. إن الله لا يهدي القوم الكافرين)(المائدة:69). وقال سبحانه: (محمد رسول الله)الآية. (الحجرات:29). وقال عز وجل: (قل إني لن يجيرني من الله أحدٌ ولن أجد من دونه ملتحدا إلا بلاغا من الله ورسالاته)(الجن:22 ـ23).

هذا هو جوهر الوظيفة المحمدية. وهذه هي الطبيعة الأصيلة للقرآن الكريم: الرسالية!

ولابن القيم في ذلك كلام جيد جدا. قال رحمه الله: (فإن حقيقة الرسالة: تبليغ كلام المرسِل. فإذا لم يكن ثَمَّ كلام فماذا يبلغ الرسول؟ بل كيف يعقل كونه رسولا؟ ولهذا قال غير واحد من السلف: من أنكر أن يكون الله متكلما، أو يكون القرآن كلامه؛ فقد أنكر رسالة محمدe، بل ورسالة جميع الرسل، التي حقيقتها: تبليغ كلام الله تبارك وتعالى.)(19)

ومن هنا كانت حقيقة الدعوة الإسلامية: تبليغ القرآن للناس. فإن قيل: إن القرآن اليوم قد بلغ إلى العالم بأسره؛ فيلزم عن ذلك أن الدعوة قد استنفدت أغراضها! قلت: ليس التبليغ المقصود مجرد إيصال النص وحسب! ولكنه تبليغ مفاهيم الإيمان به إلى الناس. الإيمان من حيث هو إحساس ووجدان، وبقدر درجة الإيمان وفيض الوجدان يكون التبليغ. فالداعية إذن مبلغ متفاعل متأثر لا مردد للنص أو مستظهر له وكفى! كلا! إن الدعوة القرآنية: أن تنزل إلى الناس بمفاهيم القرآن في العقيدة والعبادة والسلوك، تبشر وتنذر به، تاليا له ومستشهدا به! فهو حجة الله على عباده. فحينئذ يكون القرآن متحركا من خلالك. فيراه الناس فيك ـ كما يسمعونه منك ـ سلوكا ومواقف! وتلك إذن (تلاوته حق تلاوته)، كما قال عز وجل: (الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يومنون به. ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون!)(البقرة:120). ولذلك فعندما سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق النبيe؛ قالت: (كان خلقه القرآن)(20).

الخُلُقُ الحي.. الذي يجد ما يجد من لذة القرآن، فيعب منه بلا انقطاع، ما يروي مواجيده، وينير بصيرته، ويعمر قبله؛ فإذا به لا ينطق إلا بهدي القرآن ولا يتحرك إلا بنوره. وإذ يعرضه على الناس كذلك؛ فإنه يكون وقعه كأنما يسمعونه لأول مرة! لأنهم يسمعونه ويرونه حركة تفيض بالحياة! تلك هي (البعثة) حقا في تجديد الدين، وإلا فالقرآن هو القرآن والإسلام هو الإسلام، ولكن القلوب هي التي كلت وعميت؛ لما طال عليها الأمد، وتفرقت بها الأهواء! قال عز وجل: (ألم يان للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله، وما نزل من الحق، ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل؛ فطال عليهم الأمد؛ فقست قلوبهم، وكثير منهم فاسقون!)(الحديد:15).

إن الناس في حاجة شديدة إلى القرآن الكريم. ينزل عليهم مرة أخرى من جديد! عبر (بعثة) تحيي فيهم كل موات! ينزل عليهم؛ عبر الدعاة إلى الله، الدعاة الربانيين، المتفاعلين به، المستمدين لنوره، والمتكلمين بمفاهيمه. يتنزل سورة سورة وآية آية؛ يتنزل على نوازلهم، وقضاياهم، وسائر شؤونهم النفسية والاجتماعية، يتحرك به الدعاة في كل مكان، على أنه: (رسالة الله) إليكم! أنتم أيها الناس! فردا فردا، وأسرة أسرة، ومؤسسة مؤسسة...إلخ! يجب أن يكون هو حديثهم الذي لا يسأمون منه، واشتغالهم الذي لا يفترون عنه. يجب أن يثيروا حركة واسعة للتنقيب فيه عن معادنه، والبحث عن درره وأسراره! لمعرفة مقاصد الرسالة فيم أرسلت؟ ولمه؟

إن أغلب المسلمين اليوم لا يعرفون القرآن! نعم ها هو ذا المصحف في كل مكان؛ ولكن قل من يعرف (القرآن)! ومن هنا وجب على الدعاة أن يقوموا بالتعريف به! فمن عرف القرآن عرف الله؛ ووصل إلى غاية (الرسالة)! ومعرفة الله هي القضية الوجودية الكبرى. وهي أساس مشكلة المسلمين اليوم! (أفلا يتدبرون القرآن؟ أم على قلوب أقفالها؟)(محمد:24). وقلب مقفل مغلق لن يرى من الآفاق شيئا! سيبقى في حدود (أشيائه)، تافه الشعور والإحساس حتى يموت، كما تموت البهائم! لا يدري من حقائق وجوده شيئا!

والقرآن هو (السر الأعظم) في هذا الدين. فيا حسرة على الناس! لو علموا: ما القرآن!.. (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله. وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون)(الحشر:21).

إن القرآن رسالة. والدعوة إلى الله إنما هي تبليغ هذه الرسالة. وإنما يتم (التبليغ) بإتمام الإيصال إلى المحل المرسل إليه. وإلا فلا تبليغ! وكل داعية خال من الحرارة الوجدانية تجاه القرآن هو آلة معطلة مقفلة غير صالحة للتبليغ!

ويتصور في (الرسالة) ـ أي رسالة ـ أربعة أركان: المرسِلُ، والرسول، والمرسل إليه، ومتن الرسالة. وإنما تتحدد قيمة الرسالة بتحديد قيمة (المرسل)؛ ولذلك فقد جرت العادة البشرية أن المرسل إليه ينظر في الرسالة ـ أول ما ينظر ـ إلى: (من أرسلها؟) أي إلى المرسل، من هو؟ إذ بمعرفة الجهة المرسلة تتحدد قيمة الرسالة المتوصل بها.

بهذا الاعتبار يجب أن يتلقى القرآن الكريم؛ وإذن يكون له في الأنفس شأن آخر!

إن محمدا بن عبد الله لم يكن يملك قبل (البعثة) شيئا؛ حتى قضى الله (بإحياء) الأرض بعد موتها؛ فأرسل إليه وهو بغار حراء بضواحي مكة أن:(إقرأ!) فقال سبحانه: (إقرأ باسم ربك الذي خلق)الآيات (العلق:1). ومنذ ذلك الحين ومحمد بن عبد الله يحمل (عزم) الرسالة ومهمة التبليغ الثقيلة: (إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا) (المزمل:4). فنزل إلى المجتمع البشري يبشر وينذر بالحقيقة القرآنية الكبرى! معتصما بتوجيهات الرحمن مما نزل عليه في بيان أصول دعوته، من قوله تعالى: (يا أيها المدثر! قم فأنذر! وربك فكبر! وثيابك فطهر! والرجز فاهجر! ولا تمنن تستكثر! ولربك فاصبر!) (المدثر:1ـ7).

ومن حينها وهو صلى الله عليه يعتمد القرآن أساسا: فهو متن الرسالة، وهو الحجة، وهو الدليل، وهو الصاحب، وهو الأنيس، وهو الدواء وهو الشفاء بإذن الله.

إن القرآن لابد أن ينزل من جديد إلى الناس في المجتمع، يطرق الأبواب والمؤسسات، ويدخل البيوت، مثل النور الذي يتدفق ـ عند الشروق ـ برفق إلى كل فج وواد. إن الدعوة يجب أن تحمل (كلمة الله) إلى الناس كما نزلت. بلا تبديل، ولا تغيير، ولا حذف، ولا إضافة. ثم يجب أن تكون الكلمة المعروضة على الناس؛ تدور حوله وترجع إليه. باعتباره أساس التدين، ومادة الإسلام الأولى في الربط بالله والهداية إليه. أليس هو متن الرسالة؟ إذن يجب أن يبلغ!

ومن هنا ما كان عليه الصلاة والسلام يدعو الناس إلا به وإليه! يعرضه على كل باد، ويقرؤه في كل ناد؛ حتى آمن به من آمن، وكفر به من كفر. وتبين الحق من الباطل. فما أسلم أغلب من أسلم من المسلمين حينها إلا بعد سماع القرآن. وهذه حقيقة كبرى تواترت روايتها بالمعنى تواترا استقرائيا، من حوادث شتى. فتأمل!

إن للقرآن تأثيرا خاصا. لو تنبه إليه الناس اليوم؛ لكفاهم مؤونة (البرمجة) الدعوية الثقيلة والبطيئة، ورتابة التخطيط التربوي العقيم! إن قصص إسلام الصحابة الأوائل لجديرة بالتأمل، والتدبر، سواء ممن أسلم على يدي الرسولe؛ أو من أسلم على يدي سفرائه.

وما زالت قصة إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه مثالا عجيبا لمحورية القرآن الدعوية. فقد روي عنه أنه قال: (خرجت أبغي رسول اللهe قبل أن أسلم، فوجدته قد سبقني إلى المسجد، فقمت خلفه، فاستفتح سورة الحاقة، فجعلت أعجب من تأليف القرآن، قال فقلت: هذا والله شاعر كما قالت قريش! قال: فقرأ: (إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون) قلت: كاهن. قال: (ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون تنزيل من رب العالمين) إلى آخر السورة. قال: فوقع الإسلام من قلبي كل موقع)(21).

وأضراب هذه الرواية كثير في قصص إسلام الصحابة، مما أورده ابن هشام في السيرة وغيره. فقد جاء في قصة إسلام أبي ذر الغفاري رضي الله عنه ـ في نص طويل ـ لما قدم مستخفيا على النبيe: أنه دخل عليه (فسمع قوله وأسلم مكانه!)(22)

ومهم جدا ـ في هذا السياق ـ أن نعرف أثر القرآن أيضا؛ فيمن لم يسلم من العرب الذين عرضه عليهم رسول اللهe، وأسمعهم إياه. فمن أشهر ما روي في ذلك مثلا: قصة مفاوضة قريش للنبي عليه السلام، عبر رسولها أبي الوليد عتبة بن ربيعة. إذ كلمه في أن يكف عن تسفيه أحلام الكفار. فقال له ما قال، ثم قال له رسول اللهe: (أفرغت؟ قال: نعم. قال: فقال رسول اللهe: (حم. تنزيل من الرحمن الرحيم) حتى بلغ (فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود))(23).

ومن أشهر الروايات في ذلك أيضا، وأطرفها؛ قصة الوليد بن المغيرة إذ عرض عليه النبيe القرآن. فتأثر به أثرا بالغا ولم يسلم! فعن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن الوليد بن المغيرة جاء رسول اللهe، فقرأ عليه القرآن، فكأنه رقد له، فبلغ ذلك أبا جهل فأتاه فقال: يا عم، إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا. فقال لمَ؟ قال: ليعطوكه، فإنك أتيت محمدا لتعرض ما قبله.

قال: قد علمت قريش أني من أكثرها مالا.

قال: فقل فيه قولا يبلغ قومك أنك منكر له!

قال: وماذا أقول؟ فوالله ما منكم رجل أعرف بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه، ولا بقصيده مني، ولا بأشعار الجن. والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا! والله إن لقوله الذي يقول لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، ومغدق أسفله، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه، وإنه ليحطم ما تحته!

قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه.

قال: قف عني حتى أفكر فيه، فلما فكر، قال: إن هذا إلا سحر يؤثر. يأثره عن غيره؛ فنزلت:(ذرني ومن خلقت وحيدا، وجعلت له مالا ممدودا، وبنين شهودا، ومهدت له تمهيدا))(24)

وكذلك كان سفراء النبيe في تبليغ الرسالة؛ اقتداء به عليه السلام يعرضون الإسلام من خلال القرآن كما كان شأن مصعب بن عمير وابن أم مكتوم، عندما هاجرا إلى المدينة، قبل رسول اللهe، يدعوان الناس إلى الإسلام بالقرآن مبلغين رسالات الله من خلال كلمات الله، فعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: (أول من قدم علينا من أصحاب النبيe مصعب بن عمير وابن أم مكتوم، فجعلا يقرئاننا القرآن!)(25)

ومما روي عن مصعب بن عمير إذ جاء به أسعد بن زرارة إلى حائط بني ظفر، فجعل يقرئ الناس القرآن، فقصده كل من أسيد بن حضير، وسعد بن معاذ، كل على حدة. وكلاهما سيد قومه. وكلاهما مشرك على دين قومه. وإنما كانا يريدان طرد الرجلين من الحائط، فكان كلاهما يقول لمصعب وأسعد بن زرارة: (ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا؟ اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة! فقال له مصعب: أوَ تجلس فتسمع، فإن رضيت أمرا قبلته؛ وإن كرهته كف عنك ما تكره. قال: أنصفت، ثم ركز حربته وجلس إليهما، فكلمه مصعب بالإسلام وقرأ عليه القرآن. فقالا فيما يذكر عنهما: والله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم، في إشراقه وتسهله. ثم قال: ما أحسن هذا الكلام وأجمله! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟)(26).

فهذه النصوص ـ ونحوها في كتب السير والمغازي كثير ـ كلها تثبت أمرا مشتركا واحدا: هو أن مدار الدعوة الإسلامية في زمانهe؛ كان هو القرآن الكريم. ذلك أنه هو متن الرسالة كما ذكرنا، وموضوع التبليغ من رب العالمين؛ إلى العالمين!

إن حديث الرسولe: (إن العلماء ورثة الأنبياء)(27) واضح في هذه المسألة. ذلك أن وظيفة الأنبياء هي تجديد الدين بالوحي، كما أن وظيفة العلماء هي تجديد الدين بالعلم، وإنما علم العلماء موروث عن الوحي؛ فالعلماء إذن امتداد للأنبياء بهذا المعنى.

والحركة التي لا تحتفل بالقرآن احتفالا، ولا تتداوله في خطابها ودعوتها، تداولَ تدبر وتفقه، ولا تجعله من أولى أولوياتها في خطاب الناس، ودعوتهم إلى الله؛ حركة بعيدة عن الصبغة القرآنية، والسنة النبوية في الدعوة إلى الله؛ وذلك واحد من الأسباب الرئيسة في انحصار خطابها في دائرة محدودة ومغلقة؛ لأن القرآن وحده هو الذي يفتح أبواب الأنفس والآفاق! وهو وحده الكفيل بربط القلوب بالله! قال رسول اللهe: (كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض!)(28) ألم يقل الله عز وجل: (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم)(الإسراء:9)؟ (التي هي أقوم) في الدعوة كما في الدين!

إن على الداعية أن يخرج إلى الناس حاملا كتاب الله، رسالة إليهم، يخاطبهم بها في كل شؤونهم؛ عسى أن يهدي الله به من يشاء. إنه لا شيء أقدر من القرآن على بناء الإنسان! عقيدة وعبادة وسلوكا اجتماعيا. والدعوة إنما مجالها النفس الإنسانية. والقرآن هو مفتاحها الأساس. فمن أخطأ القرآن فقد أخطأ المفتاح!

وإنما يؤخذ القرآن بمنهج القرآن، الذي تجمعه هذه الآية العظيمة: (وَلَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ)(آل عمران:79). ورحم الله الشيخ محمد الغزالي! فقد كانت له كلمات تشد إليها الرحال! قال في مثل ما نحن فيه من سياق: (القرآن هو القرآن. لكن - إلى الآن! - أين المتدبرون؟)(33). ولعمري تلك هي القضية!

إننا في حاجة شديدة إلى مدرسة قرآنية في فقه الدين وفقه الدعوة، تقوم على إعادة الاعتبار لكتاب الله بين المسلمين أولا، باعتباره أساس الخطاب الإلهي للإنسان! وباعتباره الوثيقة الأولى التي تتضمن هندسة العمران الإسلامي لبناء النفس والمجتمع.

ومعلوم أن كثيرا من الحركات الإسلامية اليوم قد صار خطابها يشدو خارج سرب القرآن! والخطير في الأمر؛ أنه قد يكون ذلك بسبب انشغالها عن كلام الله؛ بكلام أشياخها، وأقطابها. فبدل أن تدعو إلى ربها تدعو إلى ذاتها وأعتابها! وتلك إذن وثنية من الوثنيات الباطنة! كما قد يكون ذلك بسبب اعتقادها بضرورة (تجديد الخطاب)؛ فتجدد كل شيء حتى تجدد ثوابتها! وتلك علمانية من العلمانيات الخفية! وإذن؛ يضيع الخطاب القرآني بينهما!

ذلك هو القرآن.. ذلك هو الحياة! (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم! واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه! وأنه إليه تحشرون! واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة! واعلموا أن الله شديد العقاب!)(الأنفال:24ـ25).

المبحث الرابع: التجديد الديني ومراتب الأولويات الدعوية:

ننطلق في هذا المبحث من دعوَى، نحددها ابتداء، قبل الاستدلال عليها؛ وهي كما يلي:

العمل الإسلامي التجديدي: إنما هو عمل للدين قبل الدولة، وطلب للقرآن قبل السلطان.

وذلك أن الدين ـ كل الدين ـ (صلاة). أي أن الدين (كلية كبرى) والعنصر المفتاحي لها هو: الصلاة. ومن هنا كانت الصلاة ـ باعتبارها الرمز الأول للتعبد ـ هي مركز المشروع الدعوي الإسلامي. عنها يجب أن تتفرع سائر الأعمال والأقوال.

ونسلك في الاستدلال على ذلك مسلكين اثنين: أحدهما شرعي، والآخر اجتماعي. نعرضهما مندمجين. وتفصيل ذلك هو كالآتي:

وذلك أن العمل السياسي، والإصلاح الدستوري والقانوني ـ كما سبق بيانه ـ ليس أصلا من أصول العمل الدعوي، وإنما هو فرع من فروعه. وليس مقدمة من مقدماته وإنما هو نتيجة من نتائجه! ولا هو عمل مفتاحي في المشروع الإسلامي الشامل، وإنما هو وسيلة تبعية من وسائله. ومن هنا كانت (الدعوة إلى الله) هذا المفهوم الذي صار منتقصا ـ مع الأسف الشديد ـ لدى بعض الإسلاميين الذين اندست (العلمانية) في لاشعورهم؛ هو الجوهر الحقيقي لوظيفة العمل الإسلامي. وهو المفهوم الذي يجب أن يحكم كل اختيار، وكل مشاركة، في السياسة، أو النقابة، أو الثقافة، أو ما شئت بعد! وذلك قول الله عز وجل:  (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ. إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ) (الأنبياء:105ـ106).

فإذا صح ذلك في التصور والممارسة؛ فلا مانع بعده أن تشارك هذه الحركة أو تلك في العمل السياسي، ولكن دائما بصفتها دعوة، لا عملا سياسيا مجردا، كسائر السياسات العارية التي خربت البلاد والعباد! ومشاركتها قد لا تكون بالضرورة بنفسها ودعاتها. هذه حقيقة مهمة جدا، فمن أخطر أخطاء العمل الإسلامي المعاصر الوقوع في شَرَك تحزيب الإسلام! إن (المشاركة السياسية) مفهوم له صيغ متعددة لتحقيق مناطه في مجال التدافع السياسي، أصحها وأقربها إلى الحق ما ضمن المحافظة على الجوهر التعبدي للعمل السياسي، والعمق الدعوي لخطابه ومواقفه؛ هدفا ووسيلة، وضمن الاستيعاب الاجتماعي الكلي، الذي لا يلغي - بطبيعته الرسالية والتنظيمية - المنتمين إلى سائر الهيآت السياسية والاجتماعية. إن ذلك يتحدد حسب طبيعة المكان والزمان والإنسان، وحسب الظروف الدولية والمحلية. إن للحركات الإسلامية أن تمارس حقها في التعبير السياسي، وتدفع في اتجاه إقامة الدين على هذا المستوى بالشروط الدعوية التي قوامها قول الله تعالى: (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة. ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم. وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم)(فصلت:33ـ34).

إن الإسلام دين أولا، ودولة ثانيا! وإنما الدولة إطار لضمان شمولية التدين في المجتمع. ومن هنا وجب أن نضع في الاعتبار أن هياكل الدولة الحديثة، ومكوناتها على الإجمال، مقبولة إسلاميا، من حيث المبدأ، في كلياتها على العموم. وإنما هي في حاجة إلى (استصلاح)، بتعبير علماء أصول الفقه. كما أن القوانين الوضعية ـ رغم ما فيها من مناقضات للأحكام الشرعية ـ هي في مجملها قابلة (للاستصلاح) الشرعي. وذلك بتأصيل نصوصها تأصيلا؛ يربط مصدريتها التشريعية الأولى بالمجمع عليه ـ إسلاميا ـ من أصول المنهجية التشريعية: الكتاب والسنة، والإجماع، ثم الاجتهاد. وينفي عنها بعد ذلك المناقضات الصريحة للتشريع الإسلامي، القطعي الدلالة والثبوت.

وإنها والله غاية عالية، ولكنها لن تدرك حقيقة الإدراك؛ إلا بإيجاد شعب يقبل ذلك أولا! ومستعد لحمايته بدمه ورزقه! وإن شعبا لا يصبر على نقص في الأموال والأنفس والثمرات في سبيل دينه لهو شعب ما يزال في حاجة إلى تربية ودعوة! وما أوهم من يظن بأن هؤلاء الناس قد بلغوا ذلك فعلا! وهذه (النفسية الاستهلاكية) على الطريقة الغربية لا تزداد إلا شرها، وتحكما في الناس! بمن فيهم الإسلاميون أنفسهم في كثير من الأحيان، وفي أشد مواقعهم الغالية والمتشددة! إن الذي ما يزال غير قادر على الامتناع عن شرب (الكوكاكولا) ـ مثلا ـ والامتناع عن المنافسة في تجهيز الصالونات، واتخاذ المتكآت؛ لن يكون كلامه في الخلافة والاستخلاف إلا أضغاث أحلام، وأماني من الأوهام! إن الأمة اليوم ما تزال بعيدة عن إدراك سقف، لمّا تبن جدرانه وقوائمه بعد! ورحم الله ابن عطاء الله الاسكندري لِمَا نطق به من الحكمة، إذ قال: (ما ترك من الجهل شيئا من أراد أن يُحْدِث في الوقت؛ غير ما أظهره الله فيه!)(29) فتأمل!

واقرأ قول الله عز وجل ثم تدبر: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً)(لنساء:77).

إنها مراحل دعوية واضحة بينة، لمن له بصر بالسيرة، وخبرة بمنهج القرآن في عرض وقائعها، وصنع مدارجها. ويدور اليوم جدل بين الإسلاميين حول ما يسمى بـ(فقه المراحل)، أو (المرحلية) في المجال الدعوي؛ بين متبن لها على (ظاهرية) حرفية؛ ومنكر لها جملة وتفصيلا. وأحسب أن المشكل ليس ههنا، فالمرحلية حقيقة قطعية في تاريخ الدعوة الإسلامية النبوية، بل هي سنة من سنن الله في الخلق والتكوين، بدءا بخلق الأجرام الكبرى في الفضاءات؛ حتى خلق الإنسان وسائر دقائق المخلوقات. وإنما المشكل هو في فقه (تحقيق مناطاتها). فههنا زلت أقدام، وانزلقت أفهام! وإنما تؤخذ الأمور في فقه المراحل ـ كما تؤخذ في الفقه ـ بمقاصدها، وعللها. وإنما الانطلاق في كل ذلك من طبيعة النص الشرعي من جهة؛ ومن طبيعة الواقع والظرف العام من جهة أخرى، فيؤخذ من كل ذلك ما يناسب الشرع والناس، مما علته قائمة وحاجته واضحة. حيث إن من جزئيات أحكام المراحل ما ينبني على (علة متعدية)، ومنه ما ينبني على (علة قاصرة على الأصل) ـ بتعبير الأصوليين ـ لا تقبل قياسا ولا تعميما! ولذلك كان تعدية القول بالمرحلية إلى أحكام الشرع من الأصول القواطع؛ كتأجيل العمل بتحريم الخمر، من حيث إنه لم يحرم إلا في إطار الدولة الإسلامية بالمدينة المنورة؛ جهلا فظيعا بمعنى المرحلية وفقهها.

إن المرحلية ليست فقها لأحكام الشريعة، وإنما هي فقه لأحكام الدعوة. وبينهما فرق كبير. إنها منهج في الدعوة، وليست منهجا في الفتوى - بالمعنى الفقهي الاصطلاحي لكلمة (فتوى) - والخلط بينهما ضرب في التيه! فتأمل!

وهذه حقيقة كثيرا ما يغفل عنها المنظرون للدعوة والعمل الإسلاميين.

إن أكبر تحد تواجهه الأمة اليوم ـ وضمنها حركات الدعوة الإسلامية نفسها ـ على مستوى التدين الصرف؛ هو التحدي الأخلاقي! بالمعنى (الإسلامي) لكلمة (أخلاق)، كما سيأتي بيانه. أي من حيث هي انتماء حضاري. لا بالمعنى السلوكي العارض.

والدين كلية كبرى. لها أصول اعتقادية وأخرى عملية، وفروع شتى بين هذه وتلك، تمتد من الأفعال القلبية الوجدانية؛ إلى الأفعال العقلية الذهنية؛ إلى أعمال العبادات الفردية؛ إلى السلوك الاجتماعي في سائر مجالات الحياة، الاجتماعية، والاقتصادية، والحقوقية، والسياسية...إلخ. ويجمع ذلك كله ما يعرف لدى العلماء بـ(أمهات الفضائل وأمهات الرذائل)، أي كليات الخير والشر.

ولدي ههنا نص ثمين، يتضمن حكمة بالغة؛ لأحد المجددين المعاصرين، هو الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي رحمه الله، يقول: (إن نسبة الأخلاق والعبادة وأمور الآخرة والفضيلة في الشريعة هي تسع وتسعون بالمائة ، بينما نسبة السياسة لا تتجاوز الواحد بالمائة)(30) قلت: فإن لم تصدق؛ فبيننا وبينك الاستقراء.

والمؤسف جدا هو أن هذه الحقيقة تغيب عن كثير من الدعاة اليوم أفرادا وجماعات؛ غير آبهين بالخطر المحدق بهم وبمشروعهم، ألا وهو الحصار الأخلاقي الذي لا تفتأ المؤسسات الدولية والمحلية المعادية للمشروع الإسلامي تضربه على الشعوب الإسلامية في كل مكان. إننا لسنا من الذين يقومون بتجزيء الدين، ويجعلون منه ما لله لله، وما لقيصر لقيصر. وإنما الشأن في الإسلام أن الكل لله. هذا معلوم من الدين بالضرورة. بيد أن الأمر ـ فيما نذهب إليه ـ في هذا الطرح أن المستويات المذكورة ونحوها لا تستوي في سلم الأولويات من الناحية الدعوية خاصة. وبيان ذلك هو كما يلي:

إن الصحوة الإسلامية المباركة، الممتدة على عرض العالم الإسلامي اليوم، تواجه في كثير من البلدان من لدن خصوم الدين وأهله. وقد استقرينا بالمشاهدة والمتابعة، أن أخطر ما يؤثر سلبا في حركة التدين في المجتمعات؛ إنما هو الفساد الخلقي المسلط عليها من كل حدب وصوب. وأن الوسائل الدموية التي تنهكها في بعض الأحيان، أو بعض المواقع؛ لم تكن لتنهكها لولا هبوط مستوى التدين، والوعي به، لدى عموم الشرائح الاجتماعية المحيطة بها. ذلك أن الحركة الدعوية قد تخطئ سلم الأولويات فتهتم بالثقافي أو السياسي على حساب الأخلاقي، فتتقوقع داخل ذاتها وتحاصر نفسها بنفسها، بسبب أن الطبقة المثقفة أو المسيسة، هي عموما محدودة محصورة، بينما يمتد وحش الانحلال الخلقي والتفسخ الاجتماعي ينهش جسد المجتمع، ويضرب بنية التدين فيه؛ بصناعة رأي عام، ينفر من الخطاب الديني، ويميل إلى الانغماس في الشهوات، والملذات العفنة المخدرة!

إن المجتمع المتدين بطبعه، أو القابل للتدين، الذي لا يمنعه من ذلك إلا غبار الغفلة والنسيان، أو الكسل العام؛ هو مجتمع مناصر للمشروع الإسلامي الدعوي بالقوة، وإن لم يكن كذلك بالفعل! فلا يحتاج حينئذ إلا لخطاب دعوي منبري يستنهض العاطفة الدينية الكامنة فيه، ويمسح عنها غبار الغفلة. أما إذا تعرض مجتمع ما إلى وابل التضليل الخلقي والتفسيق الاجتماعي؛ حتى غرق في شهواته إلى الأذقان، وسكر بها حتى الثمالة؛ فإن الآذان حينئذ لن تكون مولية أي اهتمام للدين وأهله، ولا لما يحمله مشروع الإصلاح الدعوي من خير للناس في الدنيا والآخرة! وذلك بسبب (الران) الذي أصم البصيرة، وأعمى الإحساس الجماعي، فلا هو يرى أو يسمع إلا ما يدغدغ غرائزه الحيوانية ويشبع فجوره الكاسر! قال سبحانه: (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون)(المطففين:14).

وقد رأينا دعوات إسلامية خفتت في بعض البلدان العربية، إلى درجة الاندثار، ولم يكن السبب هو تسلط الحصار السياسي عليها، وإن كان حاصلا، وإنما كان السبب الحقيقي والعميق أن رصيدها على مستوى التدين الشعبي صفر مع الأسف! أعني أنه لو كانت هذه الدعوات ذات بعد اجتماعي شامل، يحمل خطابا تدينيا بسيطا لعموم الناس، لا خطابا سياسيا صرفا فحسب، أو خطابا أكاديميا ضيقا؛ لكان لها رصيد شعبي حقيقي، لن يسلمها أبدا لأي عدو مهما كانت الظروف، حتى وإن تم القضاء على شكلها التنظيمي الإداري، فإنه لن يتم القضاء على امتدادها الطبيعي في المجتمع، ألا وهو التدين وجذوره العميقة. ولن يستطيع أحد حصارها في الناس. وذلك هو رأسمال الدعوة الإسلامية في كل زمان ومكان، أعني استجابة الناس لرغبة التعبد لله الواحد القهار.

إن بعض العاملين للإسلام المخلصين لدعوته يغترون بالوجه السياسي المحارب للمشروع الإسلامي، فيجعلون ذلك أساس المعركة ورأس الأولويات الدعوية في أوطانهم، بينما غالبا ما يخفي ذلك الوجه خطة أخطر من ذلك وأدهى، هي تقويض صرح الشعور الديني، لدى مختلف الشرائح الشعبية في البلاد الإسلامية. وذلك بضرب البنية الخلقية التحتية، التي هي أساس قيام الأسرة المسلمة، حيث استمرار المحافظة على بيضة التدين في المجتمع وتلقينها للأجيال، من خلال الخطاب التربوي البسيط، الذي تمارسه الأمهات والآباء، فإذا انهدم ذلك وتخلت الأسرة المسلمة عن وظيفتها الدعوية التلقائية، ومارست نقيض ذلك، بإشاعة التحلل الخلقي، وتنشئة الجيل عليه؛ فإنه لن يكون مآله إلا احتقار السلوك الديني، والاستهانة بأي خطاب يحمل قيما ذات ظلال مؤمنة تائبة. ومن هنا يكون الحصار الحقيقي والخطير للمشروع الدعوي الإسلامي!

أما سائر أشكال الحصار السياسية والعسكرية وأضراب ذلك، مهما كانت  بشاعته، فقد أثبتت التجارب التاريخية أنه لا يؤثر في مسيرة الدعوة الإسلامية، إلا تأثيرا ظرفيا، قد لا يتعدى سنوات تحصيها اليد الواحدة، ثم تقوم الصحوة الإسلامية أصلب مراسا، وأشد عودا، وأشمل اكتساحا للبلاد والعباد. وإنما الضرب الحقيقي للمشروع الإسلامي هو الضرب البنيوي الخلقي، الذي ينتزع العاطفة الدينية الأصيلة، من الشعور الشعبي العام، بسبب الحرب الإعلامية المدمرة للأخلاق العامة، في الناس، وفي الأسرة بشكل خاص! مما يؤدي في نهاية المطاف إلى إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا! وتلك هي علامة الانهيار الشامل للمجتمع: (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا)(الإسراء:16)

ولقد علمت أن غاية الحدود والتعازير في الإسلام إنما هي منع الفاحشة أن تشيع في المجتمع، وتنتشر؛ حتى تصبح عرفا جاريا: (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون)(النور:19) وليس الهدف هو القضاء عليها بالتمام والكمال، لأن الطبيعة البشرية ناقصة أبدا، وحد الزنا كاف للدلالة على ما نقول، إذ لا يقام إلا بشهادة أربعة شهداء متطابقة أقوالهم في تحديد الزمان والمكان والحال! وهو في غاية التعذر، بل هو أقرب إلى المستحيل في بيئة يعم فيها الحياء والخلق العام. وإنما القصد إذن منع التعارف على المنكر والانبساط إليه!

ومن هنا نرى أن أولى الأولويات الدعوية للمشروع الإسلامي المعاصر إنما هي الدعوة الخلقية بالمعنى التعبدي الشامل لكلمة (أخلاق) انطلاقا من قول الرسول عليه الصلاة والسلام (إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق)(31) حتى إنهe أناط الأفضلية الإيمانية بها، قال عليه الصلاة والسلام: (أفضل المؤمنين أحسنهم خلقا)(32) وتفسير هذين الحديثين هو قول عائشة رضي الله عنها لما سئلت عن خلقهe فقالت: (كان خلقه القرآن)(33) وحينما تحيلنا عائشة رضي الله عنها على القرآن الكريم؛ فمعنى ذلك أنها تحيلنا على الدين كله! إلا أننا إذ ننظر إلى الدين بمعناه الشامل نجد أن له أركانا، وشروطا، وخصائص كلية وأخرى جزئية، كما أن له أصولا وفروعا.

أعني أنه يمكن تبين ما هو عَرَض وما هو جوهر من الدين. أي ما يمكن اعتباره أولوية دعوية؛ بالقبض عليه والتمسك به؛ يمكن أن نمسك بناصية الدين في السلوك العام، ونغرس جواهره في المجتمع حتى يمكن بذلك صناعة مجتمع متدين على الحقيقة لا يتأثر ـ ولا يمكن أن يتأثر ـ سلوكه الديني؛ بأي تهديد، أو ترغيب، أو حصار اقتصادي أو سياسي، يرمي إلى تحليله من جوهره الذي هو الدين!

ومعرفة الجواهر والأعراض في الشرع، لا تمكن إلا من خلال الرجوع إلى نصوص الشرع ذاته. إن الناظر في الإسلام من حيث هو (خلق) يجد أن كل المظاهر الأخلاقية الاعتقادية والعملية فيه، راجعة في التحقيق إلى أصل واحد هو (الصلاة)!

إن الصلاة هي العنصر المفتاحي الأساس للدين! فكليات الخير جميعها راجعة إلى معنى الصلاة، وكليات الشر جميعها تنتفي بالصلاة.

لكننا في حاجة ماسة إلى بيان: ما الصلاة؟

إن مفهوم (الصلاة) في الإسلام قد ضاعت دلالته ـ مع الأسف الشديد ـ في غمرة الانحراف التاريخي، الذي وقع للأمة. ومن هنا وجب البعث والتجديد.

إن الصلاة هي حركة المجتمع المسلم، كل حركته! لا يخرج عن معناها أي مجال من مجالاته: التجارية، والصناعية، والثقافية، والنقابية، والسياسية...إلخ. بيد أن منطلقها الأول: هو المسجد. فمن المسجد تشرق شمسها على كل مكان.

إن الصلاة تصنع الإنسان الفرد، وتصنع الإنسان المؤسسة. إنها تصنع المجتمع وتصنع الدولة؛ لكن لو تجرد لها دعاة مهرة، خبراء في الدين والدنيا!

فالصلاة في الإسلام هي جماع الدين والتدين؛ وسيلة وغاية. وهي الأساس الذي ينطلق منه المسلم في ترقية مستواه التعبدي وإحسانه، وهي باب الدعوة إلى الله وهي في نهاية المطاف جوهر الدين وشعاره، فهي إذن الشكل والمضمون، لأنها الجوهر الأساس الذي ترجع إليه سائر الأعراض!

وليس من قبيل الصدفة أن تكون النصوص القرآنية والحديثية داعية إلى الصلاة، على أنها القاعدة الأساس من عمارة الدين، والقلب النابض من جسده! من مثل قوله تعالى: (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور)(الحج:39) فكانت هي غاية التمكين في الأرض، وهي سبب الرضى الإلهي (وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا)(مريم:55)، كما كان تركها هو سبب الضياع والضلال: (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا)(مريم:59).

وهي لذلك كله فاصل ما بين المسلم وغير المسلم في الظاهر، كما في الحديث النبوي الشريف. قالe: (بين الرجل وبين الكفر ـ وفي رواية لمسلم "وبين الشرك والكفر" ـ ترك الصلاة)(34). وقد صح عنهe أيضا: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر!)(35) إلى غير ذلك من نصوص الشرع القرآنية والحديثية، التي يدل استقراؤها على كلية قطعية في الدين، مفادها أن الصلاة هي الدين، فمن لا صلاة له فإنه لا دين له! وهذا معلوم من الدين بالضرورة.

ومن هنا وجب على الدعاة إلى الله في المجتمعات الإسلامية المعاصرة ـ خاصة التي شردت كثيرا عن الهدي الرباني ـ أن تكون الصلاة هي المرجع الأول، والمعتمد الأساس، الذي يجاهدون تحت لوائه، ويتحركون باسمه؛ قصد إعادة المجتمع إلى أصله التعبدي، وطبيعته التدينية. فإذا تم لهم ذلك؛ كان ما سواه أسهل وأيسر، ولو كان ذلك السوى متعلقا بأعقد المشاريع السياسية، وأدق البرامج أوالمشكلات الاقتصادية، لأن القابلية للتدين حاصلة في المجتمع ابتداء؛ بسبب عمق الشعور الديني الذي تغرسه الصلاة في النفوس وقد صدق الله عز وجل إذ قال: (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون)(العنكبوت:45)

ذلك أن الصلاة من حيث هي فضاء كلي، وثقافة شاملة؛ تؤطر الإنسان المسلم على مدار اليوم والليلة، بطريقة لا ينافسها فيها أي إعلام مهما قوي واشتد، كما تؤطره على مستوى خطب الجمعة، ودروس الوعظ والإرشاد بالمساجد وغيرها؛ بما يضمن ـ ليس استمرار التدين فحسب؛ ولكن ـ رقيه أيضا وتطوره! وهذا كاف ـ وحده ـ للدلالة على أهمية الصلاة في المشروع الإصلاحي الديني، للذين يرومون تمتين بنية التدين في المجتمع حقا!

أعطني مجتمعا متدينا؛ أعطك دولة إسلامية! بالمعنى السياسي لكلمة (دولة).

وإنما الصلاة هي القيمة الكبرى التي منها يمكن تنفيذ المشروع الدعوي الإسلامي في المجتمع، سواء من حيث هو أفراد، أو من حيث هو بنيات وعلاقات! فأمهات الفضائل كلها، من كل أخلاق الخير، وأمهات الرذائل كلها، من كل أخلاق الشر؛ كل ذلك، الطريق الواضحة والمعبدة، التي يمكن من خلالها، التمكين لما ذكر في الوجدان الاجتماعي إنما هي الصلاة، أساس منهج التدين، وعمود المنهاج النبوي حقا في الإصلاح الاجتماعي، والتجديد الديني.

وهنا أسوق الحديث النبوي الجامع المانع الذي سيق أساسا لبيان منهج الدين والتدين، ألا وهو حديث جبريل المشهور.

فعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (بينما نحن جلوس عند رسول اللهe ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبيe ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال يا محمد! أخبرني عن الإسلام!

فقال رسول اللهe: (الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا) قال: صدقت. فعجبنا له يسأله ويصدقه!

قال: فأخبرني عن الإيمان! قال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره). قال صدقت.

قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك).

قال: فأخبرني عن الساعة، قال: (ما المسؤول عنها بأعلم من السائل)، قال: فأخبرني عن أماراتها، قال: (أن تلد الأمةُ ربتها وأن ترى الحفاة العراة، العالة، رعاء الشاء يتطاولون في البنيان).

ثم انطلق فلبثت مليا. ثم قال: (يا عمر أتدري من السائل؟) قلت: الله ورسوله أعلم. قال: (فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم))(36)

فالناظر في هذا الحديث العظيم يجد أنه يقوم على أساس فعلي واحد هو الصلاة! ألا ترى أن (الإسلام) كما هو في سياق الحديث المذكور قائم على الأركان الخمسة؟ وأن هذه الأركان الخمسة لا ظاهر فيها تمام الظهور إلا الصلاة، وذلك لشعاريتها الكبرى وعَلَمِيَّتِها القوية في الدين. ومعتمدنا في هذا التحليل هو أن الإسلام هنا ورد بمعنى الشعائر الظاهرة، والصور العملية في الدين، بدليل أن الإيمان كما هو في السياق ذاته إنما ينطبق على المعتقد، وهو أمر باطن لا يرى ولا ينكشف في المجتمع إلا من خلال الشعائر التعبدية، التي هي عين الإسلام بالمفهوم المذكور! فلا قيمة للإيمان إن لم يترجم إلى الواقع العملي في صورة الإسلام، كما أنه لا قيمة للإسلام إن لم يبن على أصل الإيمان، ولكن محاكمة إيمان الأفراد متعذر؛ لأنا أمرنا أن نحكم بالظاهر والله يتولى الباطن، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى إنما تكون محاكمة إيمان الإنسان تبعا لعمله وليس العكس. والعمل هنا هو الإسلام كما ترى، أعني الأركان العملية الخمسة!

أما الإحسان فإنه ليس شيئا خارجا عن مفهوم الإسلام والإيمان وإنما هو حقيقة الجمع بينهما على التمام والكمال، فكلما (حَسََّنَ) المرءُ إسلامَه وزينه بالإيمان كان أكثر قربا من الله حتى يكون في عبادته إياه كأنه يراه! وتزيين الإسلام بالإيمان هو تعميق الشعور أثناء القيام بالعبادات الخمس بالمعتقد الغيبي، الذي هو المرجعية الكلية في التصور الإسلامي للكون والإنسان والحياة والمصير. فالمصلي مثلا وهو يعب من معين الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر، هو المصلي حقيقة، وبقدر ما يكون امتلاء القلب بتلك المعاني بقدر ما تسمو العبادة إلى مقام الإحسان!

فآل أمر الإحسان والإيمان كليهما إلى الأساس الأول الذي هو الإسلام! أي العمل. وهذا هو النكتة في سؤاله عن الساعة! وهو أمر غير عملي؛ لأنه (ما المسؤول عنها بأعلم من السائل!) فكان النبيe يربي أصحابه على قاعدة قعدها العلماء بعد، من حيث الصيغة؛ بناء على هذا النص وأمثاله مفادها: أن (كل علم ليس تحته عمل فهو باطل) كما قرره شيخ المقاصد أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله(37).

ولأن الأمارات هي من العلامات المنشطة في السير فقد رخص في تعلمها ومعرفتها!

فنعود إذن إلى أساسنا الذي هو عصمتنا وهو الإسلام، أي العمل بالأركان الخمسة بالقصد الأول. وقد قلت: إن العمل بها قائم على ركنية الصلاة أساسا، وذلك للنصوص القرآنية والحديثية السالف ذكرها وأمثالها، وهي كثيرة جدا، ولكون الصلاة هي الشعار العملي الأعلى والأظهر، الممثل لشخصية الإسلام في النفس والمجتمع كما قررت، وهذا بيانه هو كما يلي:

ألا ترى أن الركن الأول الذي هو (شهادة أن لا إلا الله وأن محمدا رسول الله) يرجع في المآل إلى الأصل الاعتقادي؟ أي منطلق الانتماء إلى الإسلام ومفتاحه الكلي، وإنما هو إقرار قلبي قبل أن يكون لفظيا؟ وإن كان سيق هنا مساق (القول والإعلان)، ثم إن لفظيته ـ من الناحية العملية ـ ليست واجبة على التكرار، ومعلوم أن الداخل إلى الإسلام من الكفار والمشركين إنما يكفيه أن ينطق بها مرة واحدة فيكون بها مسلما أبدا حتى يقر بعكسها أو يأتي بما ينقضها من الأقوال والأفعال! فإن لم يصدر منه شيء من ذلك كان تكراره لها نافلة، ليس إلا.

أما إيتاء الزكاة فهو عبادة محدودة لا تجب إلا على الأغنياء وليست عامة في كل مكلف بالعين؛ لأنها متعلقة بالنصاب لا بذمة المكلف من حيث هو مكلف! ولهذا وجبت في مال الصبي والمجنون ـ إذا بلغ النصاب ـ وهما غير مكلفين. ثم هي فوق ذلك لا تجب إلا مرة في الحول! وليست عبادة يومية مستمرة، فظهورها قليل جدا، وشعاريتها الاجتماعية غير مستمرة، ولا يعني هذا التقليل من قيمتها ولا من أي ركن من أركان الإسلام، فمعلوم أن أبا بكر رضي الله عنه قاتل مانعيها! وإنما العبرة عندنا ههنا شيء آخر وهو بيان أولوية الصلاة عمليا من الناحية الدعوية أساسا.

أما فرض الصيام فهو ـ رغم عموم متعلقه التكليفي ـ شهر واحد في السنة، وأما الحج فهو أقلها جميعا؛ لأنه مرة في العمر وعلى المستطيع إليه سبيلا فقط!

فتبقى الصلاة إذن هي تلك العبادة الوحيدة، الدائمة، والمستمرة، والعامة، في كل مكلف بالعين، لا تسقط أبدا إلا على الفاقد عقله والحائض والنفساء فإذا زالت هذه الموانع تعلق الفرض بالذمة من جديد! وقد رخص الشارع في قصر الصلاة، والجمع بين الصلاتين في صور مختلفة ولأسباب مختلفة، ولم يرخص في إسقاطها أبدا إلا فيما سبق ذكره من موانع منضبطة بوقت معلوم وحال معلوم، ولو أن سجينا قيد من يديه ورجليه إلى سارية، أو كرسي، أو نحوهما، لما سقطت عنه، ما دام عقله حاضرا معه! وإنما له أن يصليها إيماء بالعين، أو إشارة بالرأس، أو كيفما استطاع حسب وضعه وأمنه. بل إن الشارع أوجبها على المقاتل وهو يقاتل تحت ظلال السيوف والحراب، أو قل تحت ضخ الرصاص والصواريخ! بل قد يعجز المرء عن الوضوء والتيمم كليهما فلا تسقط عنه رغم ذلك حسب ما ذهب إليه الجمهور(38) ما دام عقله حاضرا!

الصلاة هذه العبادة الكلية الشاملة في الدين هي أساس الدين!

وقد كتب العلماء القدماء منهم والمحدثون في قيمتها وأثرها في النفس والمجتمع بما لا يدع مجالا للشك في أنها أم العبادات، ورأس الكليات. وإن مجتمعا حسنت فيه الصلاة لهو مجتمع قد أسلم ناصيته لله رب العالمين، فلا خوف عليه بعد ذلك من ضلال المضلين، ولا استفزاز الشياطين. وكل محاولة للإفساد حينئذ؛ يمكن ردها ومحقها، بأقل نداء، أو أدنى خطاب، من رجل صالح مصلح، يبثه في الناس؛ منبها على خطورة هذا السلوك أو ذاك، أو داعيا إلى هذا الأمر، أو ذاك! لأن المجتمع الذي يحني جبهته خاشعا لله الواحد القهار؛ لا يمكن أن يصغي لغير أمره، ولا أن يقتدي بغير هديه سبحانه وتعالى.

وهنالك فقط يمكنك أيها الداعي إلى الخير يمكن لك أن تدعو إلى أي مشروع آخر، يرتقي بالمجتمع في مراتب التعبد والتدين، من أمور سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، مما هو معلوم أنه لا يكمل إسلام المجتمع ـ من حيث هو علاقات ومؤسسات، لا من حيث هو أفراد ـ إلا به. وليس معنى هذا عندي أن المشروع السياسي الإسلامي، أو الاقتصادي، أو نحوهما، يجب أن يتأخر العمل له كلا!

وإنما القصد أن ذلك كله لا يمكن أن يتم إلا على أرضية اجتماعية متدينة، فسواء تأخر هذا أو زامن العمل للتدين الاجتماعي وواكبه، فالمهم هو حصوله ابتداء، والبناء عليه في كل شيء. فلست هنا بصدد الدفاع عن برمجة تفصيلية لتجديد الدين في البلاد الإسلامية، وإنما أنا هنا بصدد الدفاع عن حقيقة واحدة هي: أن تدين المجتمع، هو البدء السليم لكل مشروع دعوي، وهو صمام الأمان الذي يحميه من الأخطار كلها. كما أن بحثي هذا إنما هو تحذير من تكرار التجربة الخاسرة التي تنطلق إلى تدين المؤسسات قبل العمل على تدين الأفراد. وإلى تدين السياسة بغض النظر عن تدين أهلها! وتدبر معي هذه الحقيقة العجيبة المبصرة فيما أوردناه قبل ـ ولا نمل أبدا من تكراره ـ من قول الله جل وعلا، الذي يعلم حقيقة دينه وكيف تقام قواعده. قال سبحانه: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ. إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ) (الأنبياء:105ـ106). هكذا يرتفع التقرير المؤكد بكل أدوات التوكيد في الآية: (إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ!) تلك حقيقة المنهج الإصلاحي في الإسلام يرفعها القرآن عاليا في السماء بيانا وإعلانا؛ (لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد)(ق:37) فاقرأها وأعدها وتدبر!

ولذلك كانت الصلاة أول عمل فرض في الإسلام ـ بعد الشهادتين ـ ولقد مضى على المسلمين بمكة زمن وهم لا يقومون بشيء من أعمال الدين غيرها. حتى إذا كانت للمسلمين بالمدينة المنورة دولة كان المسجد هو أول مؤسسة من مؤسساتها. وعليه انبنت إقامة سائر المؤسسات الأخرى. فتأمل!

ولدينا نص طريف يحكي مظاهر الإسلام الأولى، في مشهد مبكر جدا، من مشاهد المسلمين، وهم يومئذ نحو ثلاثة نفر! لا أقل ولا أكثر! فعن عفيف الكندي رضي الله عنه قال: (كنت امرءا تاجرا، فقدمت الحج، فأتيت العباس بن عبد المطلب؛ لأبتاع منه بعض التجارة، وكان امرءا تاجرا، فوالله إني لعنده بمنى إذ خرج رجل من خباء قريب منه، فنظر إلى الشمس، فلما رآها مالت، قام يصلي، ثم خرجت امرأة من ذلك الخباء الذي خرج ذلك الرجل منه، فقامت خلفه تصلي، ثم خرج غلام حين ناهز الحلم من ذلك الخباء، فقام معه يصلي.

قال: فقلت للعباس: يا عباس ما هذا؟ قال هذا محمد بن أخي عبد الله بن عبد المطلب. قال: قلت: من هذه المرأة؟ قال: هذه امرأته خديجة بنت خويلد. قال: فقلت: من هذا الفتى؟ قال: هذا علي بن أبي طالب ابن عمه.

قال: قلت: فما هذا الذي يصنع؟ قال: يصلي. وهو يزعم أنه نبي، ولم يتبعه على أمره إلا امرأته وابن عمه هذا الفتى. وهو يزعم أنه ستفتح عليه كنوز كسرى وقيصر.

قال: فكان عفيف ـ وهو ابن عم الأشعث بن قيس ـ يقول: ـ وأسلم بعد فحسن إسلامه ـ لو كان الله رزقني الإسلام يومئذ؛ فأكون ثانيا مع علي بن أبي طالب!)(39).

وذكر ابن هشام: (أن النبي وأصحابه كانوا إذا حضرت الصلاة ذهبوا في الشعاب فاستخفوا بصلاتهم عن قومهم.)(40)

ولقد بقيت الصلاة بعد ذلك هي الشعار العملي الأول للمسلمين حتى كان بناء الدولة الإسلامية بالمدينة المنورة ببناء المسجد النبوي.(41) الذي صار بعد ذلك منطلق جميع القرارات والحركات لبناء سائر مؤسسات الدولة، واستكمال هياكلها.

ومات النبي e وهو يوصي: (الصلاةَ وما ملكت أيمانكم! الصلاةَ وما ملكت أيمانكم!)(42) وبقيت كلمتهe الجامعة المانعة قاضية على ما سواها: (واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة)(43).

ومن أجمل الكلمات التي أرويها عن المفكر الفرنسي المسلم رجاء جارودي، في محاضرة له عن المدينة الإسلامية العتيقة، وجمالية هندستها، قال: (كل الدروب تؤدي إلى المسجد؛ وكل المساجد تؤدي إلى الصلاة)!

لقد كانت الصلاة إذن هي النواة العملية الأولى للدين كل الدين. وكان المسجد بفضاءاته العظيمة هو الإطار الشامل ـ على المستوى النفسي والحركي ـ لكل الفعل الإسلامي؛ دعوةً ودولة.

ولكن ذلك كله لا يتم إلا باكتساب وعي سياسي ناضج؛ لأنه قد عُلِم أن أحكام الشريعة ـ سواء منها الفردية أو الجماعية ـ لا تتحقق في الواقع إلا بفقه دقيق لما يسمى في علم أصول الفقه بعلم (تحقيق المناط)، أي معرفة طبيعة المحل الذي يجب أن يتنزل عليه الحكم الشرعي. ومن هنا كان تطبيق الأحكام الدعوية رهينا بمعرفة تحقيق مناطاتها أيضا. وإنما فقه تحقيق المناطات الدعوية ـ في الحقيقة ـ هو الوعي السياسي، أو الفقه السياسي، الكفيل بجعل الحركة الإسلامية على وعي دقيق وشامل بالزمان وأهله، إقليميا وعالميا، فتتخذ الخطوة المناسبة في الوقت المناسب وفي المحل المناسب. وإلا فهي معرضة لخبط العشواء في الليلة الظلماء. هذا أمر لا ينكره إلا من لم يحط بسنن الله الاجتماعية في السابقين واللاحقين.

وببيان هذا فإنه لا يلزم من إنكارنا لعدم مفتاحية العمل السياسي في المشروع الدعوي الإسلامي إهمال التفكير السياسي، أو العمل السياسي مطلقا. وإنما قصدنا أن نضعه حيث يستحق وظيفةً ورتبةً. والله الموفق للصواب.

فخلاصة البيان القرآني للدعوة الإسلامية أنه: عمل لتجديد الإيمان في النفس والمجتمع، عقيدة تقوم على التعرف على الله والتعريف به، ربا خالقا له الأسماء الحسنى. وله ـ بمقتضى ذلك ـ حق على عباده: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا. وأن عبادته تعالى حركة شاملة في النفس والمجتمع. الصلاة أبرز مظاهرها وسيلةً وغايةً. والقرآن هو جوهر الرسالة الربانية التي تضمنت كل ذلك؛ إذ بمقتضاه نشهد أن محمدا رسول الله. فكانت سنتهe مسلكا عمليا يهدي إلى الله، ومرجعا يرجع بالناس إلى القرآن: رسالة الله إلى العالمين. ذلك الحق إن شاء الله، (فماذا بعد الحق إلا الضلال)(يونس:32).

خاتمة:

وبعد، فقد تبين؛ انطلاقا من النصوص الشرعية، وقواعد الاستنباط من جهة؛ ومن التجارب الاجتماعية، ونتائجها الاستقرائية من جهة ثانية، ثم من الشهادات البشرية وخبراتها العملية من جهة ثالثة؛ أن مفتاح العمل الدعوي الإسلامي رهين ـ أولا وقبل أي شيء ـ بتحقيق (إسلاميته) في نفسه! أي أنه لابد من مراجعة (التصورات) و(المفاهيم)، و(المناهج) وسائر الوسائل، التي تتبناها هذه الجماعة أو تلك، أو يعرضها هذا المفكر أو ذاك؛ كمشروع لتجديد الدين، وإقامته في المجتمع. وذلك من خلال النظر في القضايا الأساسية الآتية:

ـ أولا: أن العمل السياسي ليس أصلا من أصول الدين ولا التدين، وليس هو ـ بناء على ذلك ـ أصلا من أصول الدعوة. وإنما هو وسيلة تابعة، وفرع خادم، وآلة استبصار مهمة، بل ضرورية؛ لتحقيق مناطات العمل الدعوي. ومن هنا فقد كان من أخطر أخطاء الحركات الإسلامية: الوقوع في شَرَك تحزيب الإسلام!

ـ ثانيا: أن الحركة الإسلامية، في كثير من أحوالها؛ تأثرت في فهمها للنصوص؛ (بإكراهات) الظروف التاريخية، والسياسية، والأيديولوجية السائدة في بيئتها وزمانها. ومن هنا حضور الجانب النفسي كرد فعل (لاإرادي) في معالجة المشروع الإسلامي الدعوي والتنظير له. ومن هنا نسبية كثير من الأدبيات الصادرة عنها في هذا الخصوص.

ـ ثالثا: أن الأزمة الحاصلة في المجتمعات الإسلامية رغم تعدد تجلياتها واختلاف مظاهرها، إنما هي أزمة (أمانة)! فجانب (القوة) ـ وإن كان النقص فيه فظيعا جدا ـ ليس هو أساس الأزمة اليوم، وإنما هو نتيجة لغياب الأمانة. فالأزمة اليوم في انعدام (الإرادة) للسعي فعلا إلى الأخذ بأسباب (القوة). وانعدام (الإرادة) إنما هو أزمة أمانة! ولقد ذكر الله تعالى في القرآن الكريم مفهوم (الاستخلاف) الإنساني في الأرض فسماه (أمانة)، وذلك قوله سبحانه: (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها، وأشفقن منها، وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا)(الأحزاب:72). وهو الذي كان بعد في قوله تعالى: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة)(البقرة:29).

فكانت (الأمانة) عنوان الاستخلاف في الأرض. وإنما القوة شقها الثاني الذي ينبني عليها. ولذلك تواتر عند علماء الأمة مفهوم (الضبط والعدالة)، باعتبارهما صفتين جوهريتين في كمال الشخصية المسلمة. فالضبط: مشير إلى القوة، والعدالة هي الأمانة. وهو مترجم عن القرآن في قوله تعالى: (إن خير من استأجرت القوي الأمين)(القصص:26) وقوله سبحانه: (قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم)(يوسف:55). والحفظ هنا بمعنى الأمانة.

والإشكال الخطير بالنسبة لنا ههنا أن الحركة الإسلامية لم تنجح نجاحا حقيقيا في تحقيق (الأمانة) في ذاتها، ولا في التبشير بها كقيمة دينية كبرى. وهذا من أشد أزماتها على المستوى العملي! ذلك أن مسألة الأمانة يفترض أنه الشيء الذي يمكن اعتباره (تخصص) الحركة الإسلامية!

ـ رابعا: أن منطلق الحل كامن في امتلاك الشجاعة والجرأة على قبول النقد الموضوعي، وممارسة مبدأ (المحاسبة) الإسلامي، أو بتعبير اليوم (النقد الذاتي)؛ لتحرير الفكر والوجدان الإسلاميين مما تبين ـ بعد البحث الهادئ المخلص ـ أنه مجرد (رد فعل نفسي) أو (غلو في الدين) لا أقل ولا أكثر، لا (يقينيات) ـ كما قد نعتقد ـ من أصول المشروع الإسلامي!

ـ خامسا: أن أصول تجديد الدين الذي هو غاية كل مشروع إسلامي من حيث هو مشروع (اجتماعي) ـ بالمعنى الشمولي للكلمة ـ قائمة أساسا على القضايا الثلاث المفصلة قبل:

أ ـ تحرير مفهوم (الدعوة إلى الله) مما شابه من دسائس شركية خفية، وإخلاص الوجهة فيه إلى الله. ومخاطبة الوجدان الوجودي لدى الإنسان بذلك. كما هو الشأن في الخطاب الدعوي القرآني.

ب ـ تجديد الوعي برسالية القرآن الكريم كخطاب إلهي لكل الناس بشكل فردي وجماعي.

ج ـ احترام مراتب الأولويات في المنهاج الدعوي كما هي مرتبة في التشريع الإسلامي، وذلك بطلب القرآن قبل السلطان. والعمل للدين قبل الدولة. وعدم الافتتان بالوسائل عن الغايات.

ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد!

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

وكتبه عبد ربه، راجي عفوه وغفرانه: فريد بن الحسن الأنصاري الخزرجي السجلماسي غفر الله له ولوالديه ولكافة المسلمين.

وكان الفراغ من تسويده بمكناسة الزيتون/المغرب. يوم الأربعاء 16جمادى الأولى: 1421هـالموافق ل16/08/2000م.

البيان الدعوي وظاهرة التضخم السياسي نصائح للإحزاب والجماعات الإسلامية


ــــــــ

هوامش الفصل الرابع:

(1) الفجور السياسي للمؤلف:67.

(2) رواه أبو داود والحاكم، والبيهقي. وصححه الألباني في (ص.ج.ص):1874، وفي السلسلة الصحيحة: رقم:599.

(3) الموافقات: 4/256

(4) الموافقات: 4/250.

(5) متفق عليه.

(6) أخرجه ابن حبان والحاكم. وصححه الألباني في سلسلته الصحيحة رقم: 2159.

(7) نحو قولهe: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص من أجورهم شيئا... الحديث) رواه مسلم.

(8) في ظلال القرآن: 1/173.

(9) جمالية الدين للمؤلف. المبحث الأول من الفصل الثالث: في جمالية (الانتساب) التعبدي.

(10) ذلك جواب النبيe، للرجل، الذي جاء يتصنت عليه ما يقول في سجوده من الدعاء؛ فلما لم يفلح في التقاط العبارات؛ لسريتها؛ حاول مع معاذ بن جبل فلم يفلح أيضا فطلب بيان ذلك من رسول اللهe قائلا: (أما وإني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ) فسأله النبي ما يقول هو في سجوده، فقال: أسأل الله الجنة وأستعيذ به من النار. فقال له رسول اللهe: (حولها نددن!) والقصة بكاملها رواها أبو داود وابن ماجه. والحديث صححه الألباني في (ص.ج.ص) رقم:3163.

(11) مدارج السالكين:3/348ـ349.

(12) كليات رسائل النور: المكتوبات: 2/482

(13) كليات رسائل النور: اللمعات: 3/553

(14) كليات رسائل النور: المكتوبات: 2/419.

(15) كليات رسائل النور: الكلمات: 1/326. ن. مثله أيضا في: اللمعات: 3/553 والشعاعات: 4/197.

(16) الشعاعات: 4/197

(17) في ظلال القرآن: 3/1240ـ1241.

(18) لا يلزم من استشهادنا بأقوال فضيلة الدكتور أحمد الريسوني أننا نبرئ (حركة التوحيد والإصلاح) مما انتقدناه على الحركة الإسلامية في خصوص هذا السياق.

(19) مدارج السالكين:1/70.

(20) رواه مسلم.

(21) رواه الطبراني في الأوسط. قال الشيخ إبراهيم العلي معلقا على هذه الرواية: (وأما الروايات الأخرى في إسلام عمر فلم أجد فيها رواية صحيحة غير مطعون فيها (...) وهذه الرواية التي ذكرت أقرب الروايات إلى الصحة، ومع ذلك فهي مرسلة. وإسنادها كل رجاله ثقات. وشريح بن عبيد الذي أرسل هذه القصة ثقة) صحيح السيرة النبوية:80.

(22) متفق عليه، واللفظ للبخاري.

(23) أخرجه أبو يعلى في مسنده، وابن هشام في السيرة، والبيهقي في الدلائل وأبو نعيم في دلائل النبوة، وابن أبي شيبة في المصنف، وعبد بن حميد، والحاكم في المستدرك وصححه، ووافقه الذهبي. وحسنه الأستاذ إبراهيم العلي في صحيح السيرة النبوية:64.

(24) من حديث أخرجه البخاري.

(25) رواه الحاكم في المستدرك. وقال: صحيح على شرط البخاري. ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. ن. ذلك مفصلا في (صحيح السيرة النبوية) لإبراهيم العلي:58.

(26) ن. القصة مفصلة في صحيح السيرة النبوية:106ـ107. أخرجه ابن إسحاق، والطبري، والطبراني، والبيهقي بطرق مختلفة. قال الأستاذ إبراهيم العلي: (فيكون الحديث بمجموع هذه الطرق حسنا) صحيح السيرة النبوية:107.

(27) جزء حديث رواه أحمد والأربعة وابن حبان بسند صحيح كما في صحيح الجامع الصغير.

(28) ينظر تخريجه في الصحيحة:2024

(29) شرح الحكم العطائية للشرنوبي:31.

(30) كليات رسائل النور: صيقل الإسلام: 446

(31) رواه ابن سعد والبخاري في الأدب المفرد، والحاكم والبيهقي في شعب الإيمان. وصححه الألباني في (ص.ج.ص) رقم: 2349

(32) رواه ابن ماجه والحاكم عن ابن عمر وصححه الألباني في (ص.ج.ص) رقم: 1128.

(33) رواه مسلم.

(34) رواه الجماعة إلا البخاري والنسائي.

(35) رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم عن بريدة وصححه الألباني في (ص.ج.ص:4143)

(36) رواه مسلم.

(37) تلك قاعدة مستخلصة من المقدمتين السابعة والثامنة من المقدمات العلمية الثلاث عشرة لكتاب الموافقات. وقد تردد هذا المعنى عند الشاطبي كثيرا. انظر الموافقات:1/60 إلى 77.

(38) نيل الأوطار: 1/337.

(39) رواه أحمد، والحاكم في المستدرك، وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي، وابن سعد في الطبقات، والنسائي في الخصائص. وذكره الحافظ في الإصابة، وعزاه للبغوي وأبي يعلى، ورواه الطبري في تاريخه، والبخاري في التاريخ الكبير، وابن عبد البر في الاستيعاب. وقال ابن عبد البر: حديث حسن جدا.(ن. ذلك مفصلا في كتاب "السيرة النبوية الصحيحة" للأستاذ إبراهيم العلي: 53).

(40) ابن هشام:1/247.

(41) صحيح السيرة:131ـ132.

(42) سبق تخريجه بالفصل الثاني.

(43) رواه أحمد، وابن حبان، والحاكم، والدارمي، والبيهقي، وابن ماجه، والبزار، والطبراني، وصححه ابن عبد البر في التمهيد14/121 والحافظ في الفتح: 4/108. والألباني في (ص.ج.ص: 952).

ــــــــــ نهاية الفصل الرابع والخاتمة. وانظر بعده الفهارس.

لائحة المصادر والمراجع

ـ القرآن الكريم

ـ الأحكام السلطانية والولايات الدينية لأبي الحسن علي بن محمد بن حبيب البصوري الماوردي (ت:450هـ) نشر دار الكتاب العربي بيروت. ط. الثانية: 1415/1994.

ـ الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام، وتصرفات القاضي والإمام. للإمام شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي(ت:684هـ). اعتنى به عبد الفتاح أبو غدة. نشر مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب سوريا. طبع دار البشائر الإسلامية. بيروت. ط. الثانية:1416/1995.

ـ أحكام القرآن لأبي بكر محمد بن عبد الله، المعروف بابن العربي المعافري(ت:543هـ) تحقيق محمد عبد القادر عطا. نشر دار الكتب العلمية. بيروت:1416هـ/1996م.

ـ الإسلام السياسي للمستشار محمد سعيد العشماوي، رئيس محكمة أمن الدولة بمصر. نشر (موفم) للنشر. ط.الثانية:1991. مطبعة النجاح الجديدة. الدار البيضاء.

ـ الإسلام السياسي صوت الجنوب. تأليف فرانسوا بوركا، ترجمة د. لورين زكري، مراجعة د. نصر حامد أبو زيد. نشر تانسيفت ودار العالم الثالث، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء: 1994

ـ الإسلام والغرب والعولمة. حسن أوريد. منشورات الزمن (سلسلة كتاب الجيب:6) ط. الأولى: سبتمبر:1999. مطبعة النجاح الجديدة: الدار البيضاء.

ـ الإسلام ومواجهة الدولة الحديثة للأستاذ منير شفيق. نشر (الناشر للطباعة والنشر) ودار البراق للنشر بتونس. ط. الثالثة: 1412هـ/1992م.

ـ أصول الشاشي لأبي علي أحمد بن محمد بن إسحاق الشاشي. نشر دار الكتاب العربي: 1402هـ.

ـ الأصولية في العالم العربي تأليف ريتشارد هرير دكمجيان، ترجمة وتعليق عبد الوارث سعيد. نشر دار الوفاء ـ المنصورة، مصر. ط. الثالثة: 1412هـ/1992م.

ـ الاعتصام لأبي إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي (790هـ). ضبطه وصححه الأستاذ أحمد عبد الشافي. دار الكتب العلمية بيروت. ط. الثانية: 1411هـ/1991م.

ـ إكليل الكرامة في بيان مقاصد الإمامة تأليف سيد صديق حسن خان القنوجي (ت:1307هـ) مطبوع سنة:1411هـ/1990م. بلا ذكر لمكان للطبع، ولا لأي جهة مسؤولة!

ـ الإنجاد في أبواب الجهاد لمحمد بن عيسى بن أصبغ الأزدي المعروف بابن المناصف(620هـ) (دراسة وتحقيق) رسالة مرقونة تقدم بها الدكتور قاسم عزيز الوزاني لنيل دكتوراه الدولة في الدراسات الإسلامية من كلية الآداب بمكناس/المغرب. تحت إشراف الدكتور عبد السلام الهراس. السنة الجامعية: 1417ـ1418هـ الموافق للسنة الميلادية: 1997ـ 1998.

ـ بداية المجتهد ونهاية المقتصد لأبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد الحفيد، اعتنى بتخريج أحاديثه طه عبد الرؤوف سعد، دار الجيل بيروت. ط. أولى: 1409هـ/1989م.

ـ التاريخ الكبير للإمام البخاري، نشر دار الكتب العلمية بيروت: 1407هـ/1986م.

ـ تخريج الفروع على الأصول للإمام شهاب الدين محمود بن أحمد الزنجاني (656هـ) تحقيق الدكتور محمد أديب صالح. مؤسسة الرسالة بيروت. ط. الخامسة: 1407هـ/1987م.

ـ تطور الدولة الإسلامية فكرة وبنية من الهجرة إلى منتصف خلافة عثمان. (رسالة جامعية مرقونة) قدمت لنيل دبلوم الدراسات العليا (ماجستير) في الدراسات الإسلامية من كلية الآداب بالرباط. (جامعة محمد الخامس). خلال السنة الجامعية: 1419ـ1420هـ/1998ـ1999م. أعدها الباحث حسن بوكبير. تحت إشراف الدكتور محمد الروكي.

ـ التوحيد والوساطة في التربية الدعوية. تأليف فريد الأنصاري. نشر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة قطر. ضمن سلسلة (كتاب الأمة) القطرية. العددان:47و48. الطبعة الأولى سنة: 1416هـ/1995م.

ـ جامع البيان عن تأويل آي القرآن للإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري. نشر دار الفكر، بيروت: 1408/1988.

ـ جمالية الدين، تأليف فريد الأنصاري (تحت الطبع).

ـ حاشية ابن القيم على سنن أبي داود، دار الكتب العلمية بيروت، ط. الثانية: 1415هـ.

ـ حوار الدين والدولة: سمير أمين وبرهان غليون. المركز الثقافي العربي الدار البيضاء/بيروت. ط. الأولى: 1996.

ـ خصائص التشريع الإسلامي في السياسة والحكم للدكتور فتحي الدريني. مؤسسة الرسالة. ط. الأولى: 1402هـ/1982م.

ـ الدولة الإسلامية بين العلمانية والسلطة الدينية للدكتور محمد عمارة. دار الشروق القاهرة. ط. الأولى:1409هـ/1988م.

ـ الدين والدولة للدكتور محمد خاتمي. نشر الدار العالمية للكتب والنشر. القاهرة. ط. الأولى:1998.

ـ راشد الغنوشي (حوارات قصي صالح الدرويش). منشورات الفرقان (سلسلة الحوار:10) الدار البيضاء. ط. الأولى بالبيضاء:1993. دار قرطبة: الدار البيضاء. المغرب.

ـ الرسالة للإمام محمد بن إدريس الشافعي. تحقيق الشيخ أحمد شاكر. دار الفكر بيروت.

ـ سلسة الأحاديث الصحيحة للعلامة محمد ناصر الدين الألباني. نشر مكتبة المعرف الرياض. ط. الأولى:1416/1996.

ـ السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية لتقي الدين أبي العباس أحمد بن تيمية. دار الآفاق الجديدة. المغرب. ط. الثانية: 1411هـ/1991م.

ـ السياسة الشرعية للأستاذ عبد الوهاب خلاف. نشر مؤسسة الرسالة بيروت. ط. الخامسة: 1413هـ/1993م.

ـ السياسة الشرعية في ضوء نصوص الشريعة ومقاصدها. العلامة الدكتور يوسف القرضاوي. نشر مكتبة وهبة بالقاهرة. مطبعة المدني بمصر. ط. الأولى: 1419هـ/1998م.

ـ شرح الحكم العطائية للشرنوبي.

ـ شرح القواعد الفقهية للشيخ أحمد الزرقا. ط. الثانية: 1409/1989. دار القلم دمشق.

ـ الشورى والديمقراطية للدكتور حسن الترابي. منشورات الفرقان (سلسلة الحوار:13) الدار البيضاء المغرب. ط.الأولى بالبيضاء:1993. دار قرطبة: الدار البيضاء. المغرب.

ـ الشورى والديمقراطية للأستاذ عبد السلام ياسين. نشر مطبوعات الأفق: الدار البيضاء. ط. الأولى:1996.

ـ (ص.ج.ص)= صحيح الجامع الصغير وزيادته. تأليف محمد ناصر الدين الألباني. نشر المكتب الإسلامي. بيروت/دمشق. ط. الثالثة: 1408هـ/1988م.

ـ الصحوة الإسلامية في ميزان العقل، تأليف د. فؤاد زكريا، نشر دار التنوير، بيروت. ط. الأولى: 1985م.

ـ صحيح البخاري. للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري. شرح وتحقيق الشيخ قاسم الشماعي الرفاعي. دار القلم بيروت. ط. الأولى: 1407هـ/1987م.

ـ صحيح الترغيب والترهيب للحافظ المنذري. تحقيق محمد ناصر الدين الألباني. نشر المكتب الإسلامي. بيروت. ط. الثانية: 1406هـ/1986م.

ـ صحيح السيرة النبوية للأستاذ الشيخ إبراهيم العلي. نشر دار النفائس للنشر والتوزيع، الأردن. الطبعة الثانية: 1416هـ/1996م.

ـ صحيح مسلم، للإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري. تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي. دار الحديث بالقاهرة. ط. الأولى: 1412هـ/1991م.

ـ الطرق الحكمية في السياسة الشرعية لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن قيم الجوزية (751هـ) دار إحياء العلم. بيروت.

ـ علم السياسة تأليف الدكتور حسن صعب. دار العلم للملايين بيروت. ط. الثامنة:1985.

ـ علم السياسة، تأليف مارسيل بريلو ترجمة محمد برجاوي. (سلسلة زدني علما) منشورات عويدات بيروت باريس. ط. الثالثة:1983.

ـ العنف والديمقراطية للأستاذ عبد الإله بلقزيز. منشورات الزمن (سلسلة كتاب الجيب:2) ط. الأولى: مايو:1999. مطبعة النجاح الجديدة: الدار البيضاء.

ـ العواصم من القواصم في تحقيق مواقف الصحابة بعد وفاة النبيe، للقاضي أبي بكر بن العربي المعافري (ت:543هـ) تحقيق وتعليق محب الدين الخطيب، نشر مكتبة أسامة بن زيد بيروت لبنان: 1399هـ/1979م.

ـ غياث الأمم في التياث الظلم (المعروف بالغياثي) لإمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني (ت:478هـ). دار الكتب العلمية بيروت. ط. الأولى:1417هـ/1997م.

ـ الفجور السياسي والحركة الإسلامية بالمغرب. دراسة في التدافع الاجتماعي. فريد الأنصاري. منشورات الفرقان الدار البيضاء. (سلسلة: اخترت لكم رقم:3) مطبعة النجاح الجديدة. ط. الأولى: 1421هـ/2000.

ـ الفصل في الملل والنحل لأبي الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني. مطبوع على هامش الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم الظاهري. ط. الثانية: أوفست دار المعرفة بيروت: 1395هـ/1975م.

ـ في ظلال القرآن للأستاذ سيد قطب رحمه الله. طبعة دار الشروق. بيروت. الطبعة العاشرة: 1401هـ/1981.

ـ قضية التكفير بين أهل السنة وفرق الضلال، في ضوء الكتاب والسنة. تأليف سعيد بن علي بن وهف القحطاني. ط. الثانية: ربيع الأول 1417هـ/1996م. مطبعة سفير بالرياض. المملكة العربية السعودية.

ـ كتاب الإعلام بمناقب الإسلام لأبي الحسن محمد بن يوسف العامري المتوفى:(381هـ) تحقيق ودراسة بقلم الدكتور أحمد عبد الحميد غراب. نشر دار الكاتب العربي للطباعة والنشر بالقاهرة: 1387هـ/1967م.

ـ كليات رسائل النور تأليف بديع الزمان سعيد النورسي ترجمة إحسان قاسم الصالحي، نشر دار ( سوزلر ) للنشر، فرع القاهرة ط 2 بمصر 1412 هـ/ الموافق 1992 م.

ولقد اعتمدنا فيها على ما يلي: (الشعاعات، والكلمات، واللمعات، والمكتوبات.)

ـ مجلة الأحكام العدلية. نشر كرخانه تجارت كتب. تحقيق نجيب هواويني.

ـ مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة. دار النفائس. بيروت. ط. السادسة: 1407هـ/1987م.

ـ مجموع فتاوى شيخ الإسلام الإمام تقي الدين بن تيمية. جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم وابنه محمد. مكتبة المعارف بالرباط، المغرب.

ـ مدارج السالكين بين إياك نعبد وإياك نستعين للإمام ابن القيم تحقيق محمد حامد الفقي. توزيع دار الرشاد الحديثة الدار البيضاء. المغرب.

ـ مدارسة حول العمل السياسي من منظور شرعي للدكتور صلاح الصاوي منشورات (رسائل الصحوة: رقم1) مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء. ط. الأولى: 1997م.

ـ المشاركة السياسية في فقه شيخ الإسلام ابن تيمية. إعداد وتقديم د. سعد الدين العثماني. منشورات الفرقان، سلسلة الحوار:29. الطبعة الأولى:1418/1999. مطبعة قرطبة الدار البيضاء.

ـ معالم في الطريق للأستاذ سيد قطب. طبع دار الشروق بيروت. ط. السادسة:1399هـ/1989م.

ـ معيد النعم ومبيد النقم، لتاج الدين عبد الوهاب السبكي (ت:771هـ) نشر دار الحداثة بيروت. ط. الأولى: 1983.

ـ مقدمة ابن خلدون لعبد الرحمن بن محمد بن خلدون. نشر دار القلم. بيروت. ط. الرابعة:1981م.

ـ المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا للأستاذ عبد السلام ياسين. نشر دار البشير للثقافة والعلوم الإسلامية. مصر. ط. الرابعة: 1415/1995.

ـ الموافقات للإمام أبي إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي(ت:790هـ) بشرح الشيخ عبد الله دراز. نشر دار المعرفة. بيروت. ط. الثانية: 1395/1975.

ـ  النزعات الأصولية والحداثة للدكتور محمد سبيلا (سلسلة المعرفة للجميع. رقم:13) منشورات رمسيس: فبراير/مارس:2000.

ـ نظام الحكم والإدارة في الإسلام للإمام آية الله محمد مهدي شمس الدين. نشر المؤسسة الدولية للدراسات والنشر. بيروت. ط. الرابعة: 1415هـ/1995م.

ـ نظرات في الفقه والتاريخ للأستاذ عبد السلام ياسين. نشر دار البشير للثقافة والعلوم الإسلامية. مصر. ط. الثانية: 1415.

ـ نظرية الإسلام وهديه في السياسة والقانون والدستور. لأبي الأعلى المودودي. ترجمة جليل حسن الإصلاحي. مؤسسة الرسالة بيروت: 1400هـ/1980.

ـ نقد الطالب لِزَغَلِ المناصب لشمس الدين محمد بن طولون الصالحي الدمشقي (ت:953هـ) حققه محمد أحمد دهمان، وخالد محمد دهمان. وراجعه نزار أباظة. طبع دار الفكر المعاصر بيروت. نشر مركز جمعة الماجد، دبي. الإمارات العربية المتحدة. ط. الأولى: 1412هـ/1992م.

ـــــ

فهرس المحتويات

مقدمة:

الفصل الأول: الحركة الإسلامية والبيان الدعوي:

المبحث الأول: ما الحركة الإسلامية؟

المبحث الثاني: في الطبيعة (الدعوية) للحركة الإسلامية:

الفصل الثاني: الأحكام السياسية في مراتب التشريع الإسلامي:

المبحث الأول: مراتب التشريع الإسلامي:

المبحث الثاني: المرتبة التشريعية للأحكام السياسية:

الفصل الثالث: الاجتهاد السياسي الإسلامي ونفسية الصدام لدى الحركة الإسلامية المعاصرة:

المبحث الأول: الاجتهاد السياسي الإسلامي:

1ـ في الفقه السياسي الإسلامي القديم:

2 ـ في الفقه السياسي الإسلامي المعاصر:

المبحث الثاني: الحركة الإسلامية المعاصرة ونفسية الصدام السياسي:

الفصل الرابع: نحو بيان (قرآني) للدعوة الإسلامية:(لماذا؟ وكيف؟):

المبحث الأول: بعث الرسالة القرآنية:

المبحث الثاني: الدعوة إلى الله؛ لا إلى التنظيم:

المبحث الثالث: التجديد الديني ومراتب الأولويات الدعوية:

خاتمة:

لائحة المصادر والمراجع

فهرس المحتويات

 نهاية الكتاب بحمد الله وتوفيقه.


Previous Post